تدرّج سماحة الإمام الخوئي (قدس سره) في نبوغه طالبًا للعلم، فأستاذًا، ثم مجتهدًا ومحققًا يفوق المجتهدين، فما إن التحق في عنفوان شبابه بدروس الخارج وتقرير بحوث أساتذته على زملائه، سرعان ما عقب شيوخه في أروقة العلم، بالتصدي لتدريس بحث الخارج، فانهالت عليه هجرة طالبي العلم من كل مكان، وقلدته المرجعية العليا جميع مسؤولياتها وشؤونها، حتى أصبح زعيمها دون منازع، ومرجعًا أعلى للمسلمين الشيعة، يقلده ملايين المؤمنين من أتباع مذهب الإمامية في مختلف بقاع العالم، وطُبعت رسائله العملية لبيان الأحكام الشرعية لمقلديه وبعدة لغات، وذلك بفضل نبوغه وتضلعه في مختلف العلوم الإسلامية، وبلوغه الغاية من التقوى، وألمعيته في إدارة الحوزات، واهتمامه البالغ برفع مستوى العلماء، علميًا ومعيشيًا، وفي رعايته للمسلمين عمومًا. فكان (قدس سره) منذ أيامه الأولى يعدّ بحق، زعيمها الواعد، حتى أصبح رمزًا بارزًا من رموز المرجعية الرشيدة، وعلمًا من أعلام الإسلام، يخفق على قمة الحوزات العلمية في كل مكان.
لم تتوقف قضية الخدمة والاهتمام بالشؤون الاجتماعية لديه عند حد دون حد، أو بلد دون بلد، بل كان للأمة بحق بمثابة الأب المشفق على أبنائه والمرجع الأعلى لهم، ومثلًا لقيادة أهل البيت (عليهم السلام)، الذين هم خلفاء الرسول (صلى الله عليه وآله)، الذي يصفه الله تعالى بقوله: «بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ»، وقد تجلت هذه المشاعر الأبوية بشكل عملي واضح في كل يوم من أيام حياته الشريفة، وخصوصًا في المحن والشدائد التي حفل بها تاريخ هذه الأمة المعاصر.
كان الإمام الراحل يحمل بين جنبيه قلبًا كبيرًا يتحرق ويتألم لمعاناة المسلمين، ولم يكتف بالتحرق الصادق، بل قام بكل ما كان بوسعه لمساعدتهم عمليًا، وتخفيف معاناتهم. وكان (رضوان الله تعالى عليه) يتابع بنفسه أخبار المسلمين ويصرف وقتًا غير قليل من وقته الثمين، لمتابعة أهم الأخبار التي تتعلق بالإسلام والمسلمين، وطالما كان يؤرق ويترك النوم جرّاء حادثة محزنة يُمنى بها المسلمون هنا أو هناك، ويمكن تناول خمسة محاور رئيسية لتوضيح اهتمام ورعاية الإمام الراحل بشؤون الأمة:
أنشأ الإمام الخوئي (قدس سره) سنة ١٩٧٣م مدرسة دينية هي مدرسة دار العلم للإمام الخوئي في الجهة الغربية من الصحن العلوي المطهر بمحلة العمارة في النجف الأشرف، وأقام فيها درسه المبارك سنين عديدة، حتى خرّبها النظام آنذاك سنة ١٩٩٠م تحت ذريعة التوسعة. ثم قرر إنشاء مدرسة بديلة، فاشترى في حياته ١٦ عقارًا بمساحة ٣٬٣٢٠ م² على بعد ٣٠ مترًا من المرقد العلوي المطهر، إلا أن النظام السابق، وبروحه العدائية الحاقدة، صادرها وجمّد كل شيء في محله. وبعد سقوط النظام البائد استُرجعت العقارات وبُني المشروع من مبنيين بـ١١ طابقًا ومساحة إجمالية ٣١٬٠٠٠ م²، وافتُتح المبنى الأول سنة ١٤٣٨هـ (٢٠١٧م).
لقد تجاوزت رعاية الإمام الراحل (رضوان الله تعالى عليه) للحوزات العلمية كل الحدود السابقة التي كانت مألوفة قبل مرجعيته العامة. فبعد أن كان الاهتمام منصبًّا على رعاية طلاب ومدرسي حوزة النجف الأشرف وقم المقدسة ومشهد المقدسة في خراسان، فقد توسع اهتمام الإمام السيد الخوئي (رضوان الله تعالى عليه) ليشمل الحوزات العلمية في كل المدن العراقية والإيرانية بتوسع أكثر، فشمل المدارس العلمية في باكستان والهند، ثم تايلند وبنغلاديش، ثم أفريقيا، ثم أوروبا وأمريكا.
وكذلك من جانب الرعاية المالية حيث لم تشهد الحوزات العلمية ازدهارًا معاشيًا في عصورها المختلفة كما شهدت تحت رعاية الإمام الخوئي (رضوان الله تعالى عليه).
ومن جانب التوسع الكمي والكيفي اللذين شهدتهما الحوزات العلمية تحت توجيهاته ورعايته، فيكفي ذكر أنه أمر بإنشاء عشرات المدارس العلمية التي أصبحت مراكز للتعليم والتعلم في بلاد كثيرة، نذكر بعضًا منها في بلاد الهند وبنغلاديش، كمدرسة صاحب الزمان في كهلنا - بنغلاديش، ومدرسة أهل البيت في هوالي - البنغال الغربية، ومدرسة أمير المؤمنين التي تعد اليوم نموذجًا للحوزات العلمية في تلك البلاد، ومدرسة الإمام الباقر (عليه السلام) في بيواندي، ومدرسة الإمام المهدي في علي ئور، والمدرسة الإيمانية في نبراس والحوزة العلمية في حيدر آباد، بالإضافة إلى كثير من المدارس المنتشرة في أنحاء البلاد الهندية التي أُنشئت بأمره، أو التي تم إحياؤها بعد أن اضمحلت بسبب صروف الدهر.
ولن ينسى أربعون مليون مسلم شيعي في الهند أن الإمام الخوئي (رضوان الله تعالى عليه) كان محيي الحوزات العلمية والمراكز الدينية وباعث النهضة الإسلامية الجديدة في ربوع تلك البلاد الواسعة.
وأما في باكستان فقد تأسست العشرات من المدارس العلمية وازدهرت عشرات أخرى بسبب الاهتمام الكبير الذي أولاه هذا المرجع العظيم، وفي أفريقيا أُنشئت بأمره وتحت رعايته مدارس علمية في عدة بلدان، خرّجت المبلغين الكثر الذين يرشدون الناس إلى دين الحق. وفي بريطانيا أُنشئت مدرسة السيد الخوئي في لندن للدراسات الحوزوية، وفي أمريكا الشمالية أُنشئت المدرسة الدينية في مدينة مداينا وكذلك في لبنان وسوريا وتركيا، فإن رعاية سماحة الإمام الراحل عبر وكلائه قد أدت إلى تطور كبير في وضع طلبة العلوم الدينية في تلك البلاد، مضافًا لما قدمه من خدمات جليلة وما أضفى على الحوزات العلمية الرئيسية ومدارسها ومكتباتها ووضع طلابها وأساتذتها كحوزة النجف الأشرف وحوزة قم المقدسة وحوزة مشهد الرضوي، بتوابعها المختلفة المتعددة، التي تعتبر اليوم أساس وقوام الحوزات الدينية للطائفة، وباختصار يمكن القول بأن الإمام الخوئي (رضوان الله تعالى عليه) كان رائد النهضة العلمية الحديثة وراعيها في العالم الإسلامي الشيعي المعاصر من دون منازع.
لقد كان الإمام الراحل (رضوان الله تعالى عليه) ينتظر لسنوات طويلة أن تتوفر لديه الإمكانات اللازمة لإنشاء مشاريع كبيرة يستمر نفعها إلى الأجيال القادمة وتتسع دائرة الاستفادة منها إلى أبعد حد ممكن. كان ذلك إدراكًا منه بطبيعة ظروف هذا العصر، وضرورة إنشاء المشاريع التي ترفع شأن المؤمنين وتوفر لهم مصدرًا ومركزًا باقيًا من مراكز النفع العام، فتوجه (رضوان الله تعالى عليه) إلى إنشاء مدينة متكاملة لطلاب العلم ومدرسي الحوزة العلمية في قم المقدسة وهي اليوم مدينة شامخة باسم «مدينة العلم» وهي غنية عن التعريف لشهرتها وذيوع صيتها في أوساط أهل العلم.
كما أُنشئت بأمره (رضوان الله تعالى عليه) مدرسة دار العلم في مدينة مشهد المقدسة تعد أكبر مدرسة علمية حوزوية في العالم الشيعي أجمع، وهي عماد ومركز الحوزة في الوقت الحاضر، وفي لبنان كان مشروعه الكبير المعروف باسم «مبرة الإمام الخوئي» دارًا للأيتام، تضم اليوم أكثر من ألف ومائتي يتيم ويتيمة، يعيشون منعمين بوسائل الراحة والرعاية، وقد شهدت بعض المنظمات الدولية المتخصصة، لهذه المبرة، بأنها من أفضل دور رعاية الأيتام في منطقة الشرق الأوسط.
ومضافًا لما ذكر في الهند، فقد تفضل (رضوان الله تعالى عليه) بالأمر بإنشاء مجمع الإمام الخوئي الثقافي قرب مدينة مومباي على مساحة من الأرض تقارب المليون قدم مربع، يعد أكبر مشروع إسلامي شيعي في العالم على الإطلاق، يشمل مدارس وثانويات وكليات أكاديمية، ومدارس حوزوية، ومعاهد مهنية، ومستشفى كبيرًا، ومسجدًا ضخمًا وتوابع كثيرة، تجعل من المشروع مدينة متكاملة.
وهذا المشروع الثقافي الخيري الإسلامي العملاق لوحده كاف لبيان عظمة الإمام الراحل وسعة أفقه وبعد نظره، وعلوّ همته. كما أمر (رضوان الله تعالى عليه) بإنشاء مشروع تعليمي ضخم آخر في مدينة إسلام آباد في باكستان.
كما أن مشروع المركز الإسلامي للإمام الراحل مشهور في نيويورك، ومعه مدرسة للأطفال التي أصبحت محط آمال المؤمنين هناك، لأنها السبيل الوحيد لإنقاذ أبنائهم من الضياع في ذلك المجتمع الملوث الفاسد، وهناك مشاريع كثيرة تفضل سماحته بدعمها ماديًا ومعنويًا منتشرة في أنحاء العالم كالمكتبات العامة والمشاريع المتعددة في العراق وباكستان والهند وتايلند وأفريقيا وغيرها من البلاد.
وينبغي أن نوضح هنا جانبًا هامًّا آخر من جوانب رعاية سماحته (رضوان الله تعالى عليه) للمشاريع النافعة، وذلك عن طريق إجازاته السخية للمؤمنين بدفع الحقوق الشرعية المتعلقة بذمتهم للمشاريع الخيرية العامة مباشرةً، ولا نبالغ إذا قلنا إن الألوف من المدارس والمساجد والحسينيات ودور الأيتام والمستشفيات والمستوصفات وغيرها من مشاريع الخير لم تكن تنجح وتتطور لولا إجازات سماحته ودعمه المادي والمعنوي لها، وهي منتشرة في أنحاء المعمورة، ويحتاج رصدها إلى كتاب ضخم.
كما أن رعايته (رضوان الله تعالى عليه) للأمة تجاوزت ذلك الحد وتعدته إلى تشجيعه للرجال المخلصين أن ينظموا صفوف الأمة وينظموا أعمالها ومشاريعها وخدماتها. فكان (رحمه الله تعالى) يشجع كثيرًا ويؤكد على «تنظيم الأمور» في الأعمال الدينية والخيرية والاجتماعية، ولقد لقيت منه الجمعيات الشيعية المعروفة والنشيطة في مختلف البلدان كل الدعم والإسناد والتأييد، بل أجاز بعضها باستلام الحقوق الشرعية وصرف جزء منها في المشاريع النافعة للأمة.
وكم هو ضروري لنا وللعاملين جميعًا الاستمرار على هدى مرجعنا الأعلى الراحل (رضوان الله تعالى عليه)، والسير قدمًا في تنظيم صفوف المسلمين وأتباع أهل البيت (عليهم السلام) وتنسيق جهودهم، ففي ذلك عزهم وفوزهم في الدنيا والآخرة.
كان الإمام الخوئي (رضوان الله تعالى عليه) سبّاقًا لإغاثة الملهوفين ونجدة المنكوبين في أية بقعة من بقاع الأرض يسكنها أتباع آل البيت ويتوطن فيها التشيع، وليس أدل على ذلك من موقفه الرائع لإغاثة المنكوبين في الزلزال الأخير الذي ضرب أجزاء من شمال إيران، حتى أسعفهم بمبلغ تجاوز المليون دولار أمريكي لإعادة الإعمار وبناء وتعمير المدارس والمنازل والمرافق العامة والقرى المتضررة، وكذلك مساعدته الفورية لمنكوبي الخسف الذي أصاب كركيل في كشمير قبل بضع سنوات، وكذلك مساعدته لضحايا الجفاف في الهند.
كان حريصًا على متابعة الأزمات والمحن التي يتعرض لها المؤمنون والمسلمون في أنحاء الأرض ويسعى بكل جهده لمساعدتهم، ففي أيام الحرب العراقية الإيرانية قدم (رضوان الله تعالى عليه) لمنكوبي ومشردي الحرب كل أنواع الرعاية والمساعدات الممكنة. وكان في الوقت نفسه طودًا شامخًا أمام الظالم الطاغية الذي حاول بكل وسائل الضغط والإيذاء أن ينتزع منه ولو كلمة واحدة لصالح نظامه الجائر فلم يفلح، وانتصر الصبر الحسني والجهاد الراسخ للإمام الراحل (رضوان الله تعالى عليه) على ظلم الطاغية ودهائه، خصوصًا أن المعونات والخدمات كانت متواصلة في المدن على طرفي النزاع، تقدم المساعدات وتقدم الخدمات للمتضررين المقهورين في إيران والعراق طوال ثماني سنوات من الحرب وبعدها.
وكان موقفه (رضوان الله تعالى عليه) من محنة المسلمين في أفغانستان واضحًا جليًّا، فقد قدم كل أنواع الدعم، حتى إنه أجاز المؤمنين بدفع الحقوق الشرعية لتمويل عمليات الجهاد ضد الغزاة السوفيت، وكان (رضوان الله تعالى عليه) يرسل مبالغ كبيرة مباشرةً لدعم جهاد المؤمنين الأفغان ضد الكفار.
وفي لبنان وفلسطين كان الإمام (رضوان الله تعالى عليه) يشجب باستمرار أعمال أعداء الإسلام، ويستنهض المسلمين لجمع صفوفهم في مواجهة عدوهم، وكان إضافةً إلى ذلك يرعى فقراء لبنان بتوزيع المواد الغذائية عليهم، ويدعم الوجود الإسلامي لهم بكل الوسائل الممكنة.
وفي أثناء غزو الكويت من قبل النظام الجائر في العراق عام ١٩٩٠م، كان للإمام الراحل (رضوان الله تعالى عليه) أروع المواقف في احتضان أبناء الكويت المشردين والمنكوبين، فقد أمر وكلاءه في كافة البلاد التي تواجدوا فيها، لاحتضان أبناء الكويت المشردين من بلادهم، وبدفع مبالغ كافية لرعاية شؤونهم وعوائلهم، إلى أن انجلت الأزمة، وأصدر فتواه الشهيرة إبان الغزو الغاشم، بحرمة الاستفادة أو البيع والشراء من مسروقات الكويت، وهو يرزح في العراق تحت سلطة النظام الجائر الذي لا يرحم.
وكذلك موقفه الخيّر في مساعدة المظلومين من المهربين العراقيين قبل الانتفاضة الأخيرة وبعدها في الخارج، ورعاية أهليهم في الداخل، وغير ذلك من المواقف التي تثبت أنه كان (رضوان الله تعالى عليه) كهفًا يلوذ به اللائذون ويلجأ إليه المؤمنون.
أمر سماحة الإمام الراحل (رضوان الله تعالى عليه) بتأسيس مؤسسة خيرية عالمية مسجلة رسميًا، تجاوبًا مع إحساسه بضرورة إرساء قواعد مؤسسات قوية قادرة على تقديم خدمات مستمرة للمؤمنين، فلقد كانت المرجعيات الدينية تبني بنيانها وترعاه، حتى إذا توفي المرجع توقف النمو وتراجع تدريجيًا، بينما تقوم مؤسسة الإمام الخوئي الخيرية بوضعها الشرعي والقانوني اليوم برعاية المشاريع الكبرى التي أسسها سماحة الإمام (رضوان الله تعالى عليه)، وهي مؤهلة للاستمرار لوقت طويل جدًّا إن شاء الله تعالى في خدمة المسلمين.
إن تأسيس هذه المؤسسة بادرة مباركة ترسي مشاريع الطائفة على أسس قوية وتكفل لها الاستمرار والتطور، وهي إنجاز رائع وخطوة شجاعة قام بها المرجع الأعلى الذي ترك لهذه الأمة تراثًا ضخمًا من العلم والعلماء، والمساجد والمدارس، والمشاريع النافعة... وفوق كل ذلك المبادئ العظيمة التي عاش من أجلها وكرّس كل حياته الشريفة لها... ألا وهي إعلاء كلمة الله تعالى ورفع راية محمد وآل محمد (صلوات الله تعالى عليهم)، وخدمة المؤمنين.