الإمام الخوئي عبر مراحل عمره الشريف
السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي (قدس سره)

لم تتعرض المرجعية الدينية في تاريخها وحوزتها العلمية منذ تحولها من بغداد إلى النجف الأشرف عام 449 للهجرة (1057م)، على يد شيخ الطائفة الإمام الطوسي (قدس سره)، إلى ظرف قاهر مشابه، كالذي مرت به خلال مرجعية الإمام السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي، إذ تزامنت مرجعيته مع حكم جائر في العراق جعل من الشيعة والتشيع هدفا لطغيانه وإرهابه، خصوصا بعد الثورة الإسلامية في ايران، ألتي قلبت كثيرا من الموازين واعتبرها النظام البعثي في العراق خطرا مباشرا عليه، لذلك جعل من الشيعة والمدن الشيعية هدفا لهذا الطغيان، وفي تلك الظروف الصعبة الموجهة ضد الحوزة العلمية، كانت مهمة المرجع الأعلى الإمام الخوئي تكاد تنحصر في المحافظة على دور الحوزة واستقلالها، لمتابعة مهامها العلمية والفقهية، واستمرار الدور التاريخي لمدينة النجف الأشرف، ألتي تضم مرقد اميرالمؤمنين الإمام علي بن ابي طالب(ع)، في احتضان الحوزة الدينية ومعاهدها العلمية.

ولد الإمام الخوئي في ليلة النصف من شهر رجب سنة 1317هـ، الموافق 19/11/1899م، في مدينة خوي من اقليم آذربيجان، وقد التحق بوالده العلامة المغفور له آية الله السيد علي اكبر الموسوي الخوئي الذي كان قد هاجر قبله إلى النجف الأشرف، وحيث كانت المعاهد العلمية في النجف الأشرف هي الجامعة الدينية الكبرى ألتي تغذي العالم الإسلامي كله وترفده بالآلاف من رواد العلم والفضيلة على المذهب الإمامي، فقد انضم سماحته وهو ابن الثالثة عشر إلى تلك المعاهد، وبدأ بدراسة علوم العربية والمنطق والأصول والفقه والتفسير والحديث.

دراسة واساتذة الإمام الخوئي

و حين وصوله الى النجف الأشرف "الجامعة الدينية للشيعة الإمامية"، ابتدأ بقراءة العلوم الأدبية و المنطق، ثم الكتب الدراسية الأصولية، و الفقهية، لدى الكثير من أعلامها، ثم حضر الدروس العليا على كوكبة من أكابر العلماء، ومراجع الدين العظام في بحوث الخارج في سنة 1338 هـ، ومن أشهر أساتذته البارزين:

شيخ الشريعة الأصفهاني

آية الله الشيخ فتح الله، المعروف بشيخ الشريعة الأصفهاني

الولادة: 1266 هـ الوفاة: 1339 هـ
الشيخ ضياء الدين العراقي

آية الله الشيخ فتح الله، المعروف بشيخ الشريعة الأصفهاني

الولادة: 1266 هـ الوفاة: 1339 هـ
الشيخ محمد حسين النائيني

آية الله الشيخ فتح الله، المعروف بشيخ الشريعة الأصفهاني

الولادة: 1266 هـ الوفاة: 1339 هـ
الشيخ محمد حسين الغروي الأصفهاني

آية الله الشيخ فتح الله، المعروف بشيخ الشريعة الأصفهاني

الولادة: 1266 هـ الوفاة: 1339 هـ

كما حضر قدس سره، ولفترات محددة عند كل من: آية الله السيد حسين البادكوبه اي، 1293-1358هـ، في الحكمة والفلسفة وآية الله الشيخ محمد جواد البلاغي، 1282-1352هـ، في علم الكلام والتفسير وآية الله السيد ميرزا علي آقا القاضي، 1285-1366هـ، في الاخلاق والسير والسلوك والعرفان.

وله إجازة في الحديث يرويها عن شيخه النائيني عن طريق خاتمة المحدثين النوري، المذكور في آخر كتاب "مستدرك الوسائل" لكتب الإمامية، وأهمها الكافي، ومن لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والإستبصار، ووسائل الشيعة، وبحار الأنوار، والوافي، كما وله إجازة بالرواية عن طرق العامة، عن العلامة الشهير السيد عبدالحسين شرف الدين العاملي قدس سره، المتوفى سنة 1377هـ.

منهجه العلمي

فقد تميز قدس سره بمنهج علمي متميز وأسلوب خاص به في البحث والتدريس، ذلك أنه كان يطرح في أبحاثه الفقهية والأصولية العليا موضوعاً، ويجمع كل ما قيل من الأدلة حوله، ثم يناقشها دليلاً دليلاً، وما أن يوشك الطالب على الوصول إلى قناعة خاصة، حتى يعود الإمام فيقيم الأدلة القاطعة المتقابلة على قوة بعض من تلك الأدلة وقدرتها على الإستنباط، فيخرج بالنتيجة التي يرتضيها، وقد سلك معه الطالب مسالك بعيدة الغور في الإستدلال والبحث، كما هو شأنه في تأليفاته القيمة، بما يجد المطالع فيها من تسلسل للأفكار وبيان جميل مع الدقة في التحقيق والبحث، ولذا فقد عرف بعالم الأصول والمجدد.

تلامذة الإمام الخوئي

فقد تخرج من جوله طيلة فترة تدريسه أعدادا كبيرة من طلبة العلوم الدينية والأساتذة اللامعين، ينتمون إلى بلدان العالم المختلفة، فكان هناك طلاب من سوريا ولبنان والاحساء والقطيف والبحرين والكويت وإيران والباكستان والهند وأفغانستان ودول شرق اسيا وإفريقيا مضاف الى الطلبة العراقيين، ولم يكتف سماحة الإمام بالتعليم العلمي وثقافيا ورعايتهم روحيا، بل امتد ذلك ليشمل تصفية نفقاتهم المعيشية من الحقوق الشرعية ألتي كانت تصل اليه، وهكذا فقد أسس سماحته مدرسة فكرية خاصة به ذات معالم واضحة في علوم الفقه والتفسير والفلسفة والإسلامية والبلاغة وأصول الفقه والحديث.

لقد تتلمذ بين يدي سماحته آلاف من التلامذة وبينهم المئات من الأفاضل والعشرات من المجتهدين، من العلماء المنتشرين في المراكز والحوزات العلمية الدينية الشيعية في أنحاء العالم، والذين يعدون من أبرز المجتهدين من بعده، لا سيما وانهم كثر وفيهم من توفاه الله وفيهم من هو على قيد الحياة لذلك نضع كوكبة من أهم المجتهدين الذين تخرجوا على مدرسة الإمام الخوئي قدس سره الشريف:

لقد تتلمذ بين يدي سماحته عدد كبير من أفاضل العلماء المنتشرين في المراكز والحوزات العلمية الدينية الشيعية في أنحاء العالم، والذين يعدون من أبرز المجتهدين من بعده، ومنهم:

تأليفات الإمام الخوئي

ولا تقتصر أبحاثه وتحقيقاته على هذين الحقلين في الأصول والفقه، فهو الفارس المجلي في علم الرجال (أو الجرح والتعديل) وقد شيد صرحا علميا قويما لهذا العلم ومدخليته في استنباط المسائل الإسلامية، جمعها في كتابه الشهير "معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة"، كما بذل جهدا كبيرا في التفسير وعلوم القرآن وضعها في مقدمة تفسيره "البيان في تفسير القرآن"، وغيرها من الحقول العلمية.

تقريرات دروس الإمام الخوئي

وقد ترك آية الله العظمى الإمام الخوئي (قدس سره) أبحاثاً قيمة كثيرة في حقلي الفقه والأصول، وهي الدروس ألتي كان يلقيها سماحته خلال مدة تزيد على نصف قرن على عدد كبير من أفاضل العلماء وأساتذة الحوزة العلمية الدينية في النجف الأشرف، من المجتهدين ذوي الاختصاص في الدراسات الدينية العليا المعروفة بـ "البحث الخارج" (فقد ابتدأ رضوان الله تعالى عليه، بتدريس بحث الخارج سنة 1352 إلى 1410 هـ، من دون انقطاع) وقد قررت ودوّنت نظرياته الجديدة، وآرائه العلمية القيمة تلك في تقريرات كثير من السادة والمشايخ العلماء من تلامذته الأفاضل، والتي تعتبر اليوم من أمهات المصادر الفقهية والأصولية الحديثة للباحثين والعلماء، مما لا يستغني منها الأساتذة والطلاب معاً، وعليها يدور رحى البحوث والدروس في هذين الحقلين في جميع الحوزات الدينية المعروفة.

ومن تلك البحوث ألتي عرضت على سماحته وأجاز طبعها هي:

  • 1- التنقيح في شرح العروة الوثقى: تقرير آية الله الشهيد الشيخ ميرزا علي الغروي رحمه الله في مجلد واحد يبحث عن الإجتهاد والتقليد وتسع مجلدات في الطهارة.
  • 2- تحرير العروة الوثقى: تقرير الشيخ قربانعلي الكابلي (قدس سره)، جزء واحد (فقه).
  • 3- دروس في فقه الشيعة: تقرير السيد محمد مهدي الخلخالي، أربعة أجزاء(فقه).
  • 4- محاضرات في أصول الفقه: تقرير آية الله الشيخ محمد اسحاق الفياض حفظه الله، بحث في أربع مجلدات مباحث أصول الفقه.
  • 5- مصباح الفقاهة في المعاملات: تقرير الميرزا محمد علي التوحيدي التبريزي، سبعة أجزاء (فقه).
  • 6- المستند في شرح العروة الوثقى: تقرير آية الله الشهيد الشيخ مرتضى البروجردي، في عدة مجلدات تشمل الصلاة والصوم والحج والزكاة.
  • 7- مباني تكملة المنهاج: تقرير وبحث في كتاب القضاء والشهادات والحدود والقصاص والديات.
  • 8- دراسات في الأصول العملية: تقرير السيد علي الشاهرودي، جزء واحد (أصول).
  • 9- فقه العترة في زكاة الفطرة: تقرير الشهيد السيد محمد رضا الخلخالي (فقه).
  • 10- الرأي السديد في الاجتهاد والتقليد: تقرير الشيخ غلام رضا عرفانيان (أصول).

ما قيل في حق الإمام الخوئي

ملامح العظمة في شخصية الامام الخوئي (قده)

السيد منير الخباز

الحديث عن سيدنا وأستاذنا وأستاذ أساتذتنا الامام الخوئي (قده) حديث ممتع وحديث صعب للغاية فهو حديث ممتع لأنه حديث عن الفضيلة والفكر والعطاء وهذه مجموعة من الكمالات تعشقها النفس وتلتذ بذكرها وهو صعب لأن القلم الصغير لا يحيط بواقع العظمة ولا يصل لكنهها ولكن هدفا ساميا دعاني لكتابة هذه الأوراق وهو تسجيل الحقائق والاستفادة من سير العظماء ووفاء لبعض حقوق هذه المرجعية العملاقة التي أغدقت الأمة الإسلامية بعطائها...

بحث الخارج في الأصول - ٦٧٦

بحث الخارج في الأصول - ٢٣٥

بحث الخارج في الأصول - ٢٩٥

بحث الخارج في الأصول - ٦٤٠

بحث الخارج في الأصول - ٣٩٨

بحث الخارج في الأصول - ٦٧

خدمات الإجتماعية للإمام الخوئي

لم تتوقف قضية الخدمة والإهتمام بالشؤون الاجتماعية لديه عند حد دون حد، أو بلد دون بلد بل كان للامة بحق بمثابة الاب المشفق على ابنائه والمرجع الاعلى لهم، ومثلا لقيادة أهل البيت عليهم السلام، الذين هم خلفاء الرسول صلى الله عليه وآله، الذي يصفه الله تعالى بقوله (بالمؤمنين رؤوف رحيم)، وقد تجلت هذه المشاعر الابوية بشكل عملي واضح في كل يوم من ايام حياته الشريفة، وخصوصا في المحن والشدائد ألتي حفل بها تاريخ هذه الامة المعاصر.

كان الإمام الراحل يحمل بين جنبيه قلبا كبيرا يتحرق ويتألم لمعاناة المسلمين، ولم يكتف بالتحرق الصادق بل قام بكل ما كان بوسعه لمساعدتهم عمليا، وتخفيف معاناتهم، وكان رضوان الله تعالى عليه يتابع بنفسه اخبار المسلمين ويصرف وقتا غير قليل من وقته الثمين، لمتابعة أهم الأخبار ألتي تتعلق بالإسلام والمسلمين، وطالما كان يؤرق ويترك النوم جرّاء حادثة محزنة يمنى بها المسلمون هنا أو هناك ويمكن تناول خمسة محاور رئيسية لتوضيح إهتمام ورعاية الإمام الراحل بشؤون الامة:

اسرة الإمام الخوئي

إنا لله وإنا إليه راجعون

حين ارادت السلطة العراقية انحياز المرجعية إلى جانبها في مواقفها اللاإنسانية واللاإسلامية، وخصوصا في حروبها الظالمة مع الجيران، وطالبت السلطات الإمام بإصدار فتوى ضد الجمهورية الإيرانية، وعندما رفض ذلك رضوان الله تعالى عليه، كشرت السلطات العراقية أنيابها، وكانت أول بادرة اجرامية منها هي الاعتداء على منزل نجله الأكبر المغفور له السيد جمال الدين في محاولة لقتله عام 1979م، كما قامت السلطات باعتقال مجموعات كبيرة من رجال الدين وتلامذة الإمام في الحوزة العلمية واعدمت الكثيرين منهم، وفي مقدمتهم تلميذ الإمام وابنه البار الشهيد السيد محمد باقر الصدر، وفي عام 1980م قامت السلطات بتفجير سيارة الإمام الخاصة وهو في طريقه إلى جامع الخضراء لأداء صلاة الظهر، وقد نجا من تلك الحادثة بأعجوبة بالغة كذلك تم اعدام الشهيد آية الله السيد محمد تقي الجلالي معاون الإمام الخاص في عام 1982م، وفي عام 1985م اغتيل صهر الإمام سماحة الشهيد آية الله السيد نصر الله المستنبط، بواسطة زرقه بإبرة سامة، كما اعتقل نجل الإمام الشهيد السيد ابراهيم الخوئي، وصهر الإمام الشهيد السيد محمود الميلاني، وأكثر من مائة من افراد اسرته ومعاونيه من العلماء.

توفي آيت الله العظمى الإمام السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي قدس سره في 8 صفر 1413 الموافق 8 آب 1992، ومنعت السلطات الحاكمة في العراق أن يُقام له تشييع عام، وقد صلى على جثمانه الطاهر آيت الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني حفظه الله ودفن في مقبرته الخاصة في جامع الخضراء في النجف الأشرف.

في رثاء

الإمام الخوئي

غاب بدرنا الموسوي

يستفيدون من هداه وينفي * عوزهم في الحياة حين عصيُّ

لذوي العائلات إلا بفضل * من إله الفئات حيٌّ غنيُّ

منه نرجو روى الرخاء وسلوى * أرّخن (غابَ بدرُنا الموسويُّ)

التاريخ = 1003 + 257 + 153 = 1413هـ
آية الله السيد علي البهشتي