ــ[21]ــ

منه الحكم الشرعي ، وما يكون مرجعاً للفقيه في تعيين الوظيفة الفعلية، وقد مرّ بيان ذلك فيما تقدّم(1). نعم أصل حكم القاعدة الفقهية إنّما استفيد من المسائل الاُصولية كما هو الحال في جميع المسائل الفقهية . وبهذا البيان اتّضح الفرق بين المسائل الاُصولية والفقهية ، هذا .

وقد تصدّى المحقّق النائيني (قدّس سرّه)(2) لبيان الفارق بين علمي الاُصول والفقه ، وأفاد بأنّ علم الاُصول ما كانت نتيجته لا تقبل الإلقاء لعامّة المكلّفين ، فلا معنى لأن يكتب المجتهد في رسالته أنّ الأمر ظاهر في الوجوب ، أو أنّ خبر الواحد حجّة ، فإنّ العامي يعجز عن تطبيق هذه الكبرى على الصغرى لاستنتاج النتيجة بخلاف علم الفقه فإنّ نتيجته تقبل الإلقاء نحو المكلّفين ، وبامكانهم تطبيقها على مواردها ، فيقول المجتهد لهم : من شكّ في طهارة ثوبه ونجاسته فليبن على طهارته . وتطبيق هذا المعنى أمر سهل على المكلّف .

ولا يخفى أنّ ما ذكره (قدّس سرّه) لم يظهر لنا وجهه ، فإنّ ما أفاده وإن كان يتم غالباً ، إلاّ أنّ هناك بعض القواعد الفقهية لا يمكن إلقاؤها إلى العامي ، ولا يستطيع معرفتها فضلا عن تطبيقها ، وذلك كقاعدة ما لا يضمن ، أو التسامح في أدلّة السنن  ، أو قاعدة لا ضرر ولا حرج ، بداهة أنّ المكلّف العامي عاجز عن تطبيق هذه القواعد على مواردها ، فإنّ كثيراً من فروع العلم الإجمالي ـ التي ذكرها في العروة  ـ قد نشأ الاختلاف فيها من الاختلاف في تطبيق تلك القواعد على مواردها  . فإذا كان التطبيق ممّا يخفى أمره على الأعلام فما ظنّك بالعامي المحض ، أو من كان له حظّ من العلم . إذن فالصحيح ما قلناه كما تقدّم .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص9 وما بعدها .

(2) أجود التقريرات 4 : 9 .

ــ[22]ــ

موضوع العلم

البحث في موضوع العلم يقع في جهات ثلاث :

الاُولى : في الحاجة إلى تصوير الموضوع لكل علم .

الثانية : في بيان العوارض الذاتية والغريبة .

الثالثة : في المحمولات وهل أنّها يلزم أن تكون من العوارض الذاتية .

أمّا الجهة الاُولى : فقد ذهب البعض إلى أنّ كل علم لابدّ له من موضوع استناداً إلى برهان لزوم السنخية بين العلّة والمعلول ، الذي أسّسه الحكماء لإثبات الصادر الأول ، وقالوا : إنّ الواحد لا يصدر منه إلاّ الواحد ، كما أنّ الواحد لا يصدر إلاّ من الواحد ، ضرورة أنّه لابدّ من وجود سنخية ومناسبة بين العلّة والمعلول ، والواحد بما هو واحد لا يسانخ الاثنين بما هما اثنان .

وتقريب هذا المعنى فيما نحن فيه : هو أنّ الغرض في كل واحد من العلوم أمر واحد يترتّب على البحث عن عوارض موضوعات مسائله ، والموضوعات المتعدّدة المتباينة لا تؤثّر أثراً واحداً كما هو المفروض ، فاحتجنا إلى جامع يحوي تحته جميع موضوعات المسائل ، ليكون ذلك الجامع بنفسه مؤثّراً في تحصيل الغرض دون موضوعات المسائل ، وحينئذ يتمّ حديث صدور الواحد عن الواحد .

والجواب عن ذلك : أنّ قاعدة صدور الواحد عن الواحد وإن كانت مسلّمة بالإضافة إلى الفاعل بالاضطرار دون الفاعل بالاختيار ، إلاّ أنّ تطبيق القاعدة على ما نحن فيه مردود من وجوه ثلاثة :

الأوّل : أنّ الغرض الذي يقصدونه في المقام إن اُريد به الشخصي فلا ريب أنّه يترتّب على مجموع المسائل لا جميعها ، فنسبة كل مسألة إلى ما يترتّب عليه الغرض نسبة الجزء إلى الكل ، وبديهي أنّ المجموع إذا كان هو العلّة لم يلزم محذور صدور الواحد عن المتعدّد .

 

ــ[23]ــ

وإن اُريد به الغرض النوعي فلا ريب أنّ الغرض في كل مسألة يغاير الغرض في الاُخرى ، مثلا القدرة على استنباط الحكم على نحو الجزم والبت إنّما تترتّب على مباحث الاستلزامات العقلية دون مباحث الألفاظ والحجج والاُصول العملية ، كما أنّ القدرة على استنباط الحكم على نحو التعبّد به شرعاً إنّما تترتّب على خصوص مباحث الألفاظ والحجج دون غيرها ، فالغرضان متغايران .

وهكذا علم النحو ، فإنّ الغرض المترتّب على باب الفاعل غير الغرض الذي يترتّب على باب المفعول ، وغيره في باب الإضافة ، وإن كان يجمعها صون اللسان عن الخطأ في المقال .

وعليه فلا حاجة إلى جامع واحد يضمّ تحته موضوعات المسائل ، فإنّ الغرض ـ كما عرفت ـ متعدّد ، فلا يلزم صدور الواحد عن الكثير إذا لم نلتزم بالموضوع الجامع .

الثاني : أنّ الأغراض في العلوم لا تترتّب على نفس مسائلها لنحتاج إلى تصوير الجامع بين موضوعاتها ، إذ أنّ لازمه أن يكون العامي الجامع لبعض الكتب الاُصولية ـ مثلا ـ قادراً على الاستنباط ، لوجود نفس المسائل عنده خارجاً ، وهو باطل بالضرورة ، بل الأغراض تترتّب على العلم بثبوت محمولات تلك المسائل لموضوعاتها ، فلا حاجة إلى تصوير الجامع بين الموضوعات ، فإنّ المحصِّل للغرض إنّما هو العلم بالمسائل. نعم لابدّ من تصوير جامع بين العلوم ، وهذا أمر آخر .

ومع تسليم ترتّب الغرض على نفس المسائل ، فهو لا محالة يترتّب على النسب الخاصّة ، فلابدّ من تصوير الجامع بين هذه النسب ، ولا ضرورة إلى تصويره بين الموضوعات ، لأنّ المؤثّر في تحصيل الغرض ـ على الفرض ـ إنّما هو ثبوت المحمولات لموضوعاتها ، لا خصوص موضوعاتها .

الثالث : أنّ تصوير الجامع بين موضوعات المسائل غير ممكن دائماً ، وذلك

ــ[24]ــ

فإنّ محمولات علم الفقه اُمور اعتبارية ، كالوجوب والحرمة والطهارة والنجاسة وهذه تارةً تثبت للموضوعات التي هي من الأجسام الخارجية، مثل الماء طاهر والخمر نجس .

واُخرى تثبت للمواضيع التي هي من قبيل الأعراض الخارجية أو الاُمور الاعتبارية ، مثل شرب الخمر حرام ، والنكاح سنّة ، والصلاة واجبة ، والبيع حلال والهبة جائزة .

وثالثة تثبت المحمولات للاُمور العدمية ، كالتروك الواجبة في الحجّ ، وغيره .

فكانت موضوعات المسائل مختلفة من حيث المقولة ، فمنها ما هو من مقولة الجوهر ، ومنها ما هو من الأعراض من مقولة الجدة ، ومن الوضع ، ومن الكيف ومن الموضوعات ما يكون من الاُمور العدمية . وقد حقّق في محلّه أنّه لا جامع بين الجواهر والأعراض ، فضلا عن أن يكون جامع بينها وبين الاُمور العدمية ، ومع هذا كيف يمكننا أن نتصوّر جامعاً يضمّ موضوعات المسائل .

فالذي تحصّل ممّا ذكرناه : عدم الحاجة إلى موضوع للعلم يجمع موضوعات مسائله .

وأمّا الجهة الثانية ـ وبها يعلم حال الثالثة ـ : فقد قسّم القوم العوارض إلى سبعة أقسام ، فإنّ العرض تارةً يعرض الشيء بلا واسطة أصلا ، وهو العارض أوّلا وبالذات ، واُخرى بواسطة شيء ، وهذه الواسطة إمّا داخلية وإمّا خارجية . والداخلية إمّا أعمّ كالجنس ، وإمّا أخصّ كالفصل ، والمقصود بذلك أنّه أخصّ بالإضافة إلى الجزء الآخر ، وإلاّ فهو مساو للذات . ثمّ إنّ الواسطة الخارجية أعمّ أو أخصّ أو مساوية أو مباينة ، فهذه سبعة أقسام .

وقد اتّفقوا على أنّ ما كان عروضه على الشيء بلا وساطة أو بوساطة أمر داخلي أخصّ ـ كالفصل ـ من العرض الذاتي ، كما أنّهم تسالموا على أنّ ما كان

ــ[25]ــ

عروضه بوساطة الأمر الخارجي ـ بأقسامه ـ من العرض الغريب . وقد اختلف في العوارض بوساطة أمر داخلي أعم من حيث إنّه ذاتي أم غريب .

ومن هنا استشكل القوم في كيفية الجمع والتوفيق بين تعريفهم للموضوع ـ  وهو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية ـ وتسالمهم بأنّ العارض بوساطة الخارج من الغريب ، حيث وجدوا محمولات المسائل في أغلب العلوم من هذا القبيل ، وهو العارض بوساطة الخارج الأخص .

مثلا محمولات مسائل علم الفقه الوجوب والحرمة وباقي الأحكام ، وهي تعرض على أفعال المكلّفين بوساطة الصلاة والصوم والزكاة وغيرها من الأفعال التي هي أخصّ من موضوع علم الفقه ، وهو فعل المكلّف .

وكذا علم النحو ، فإنّ محمولات مسائله الرفع والنصب وغيرهما ، وهما يعرضان على الكلمة بوساطة الفاعل والمفعول اللذين هما أخصّ من موضوع علم النحو ، وهو الكلمة والكلام ، وكلّ هذا من العارض بوساطة الخارج الأخص .

وقد يتّفق أنّ موضوع المسألة يكون أعم من موضوع العلم ، فيكون العارض حينئذ عارضاً على الشيء بواسطة هي أعمّ ، كما في علم الاُصول ، فإنّ موضوعه ـ  حسبما قيل ـ الأدلّة الأربعة ، مع أنّ البحث عن جواز اجتماع الأمر والنهي لا يختصّ بالخطاب الشرعي ، بل يشمل غيره حتّى لو كانا غير شرعيين . وكذا البحث عن ظهور الأمر في الوجوب . وهذا الإشكال جار منذ عهد قديم ، حتّى أنّ صدر المتألّهين قد تعرّض له في أسفاره وأجاب عنه بما يختص بالفلسفة(1).

وغير خفي أنّ أساس الإشكال المزبور أمران :

أحدهما : الالتزام بأنّ البحث في العلوم لابدّ وأن يكون عن الأعراض

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأسفار الأربعة 1 : 33 .

ــ[26]ــ

الذاتية لموضوع العلم .

وثانيهما : الالتزام بأنّ العارض على الشيء بوساطة الخارج الأخص أو الداخل الأعم من الأعراض الغريبة .

ويمكننا منع كلا الأمرين على سبيل منع الخلو ، وذلك بأن يقال : إنّ كل مسألة إن ترتّب عليها الغرض الداعي إلى تدوين العلم فهي من مسائله ، سواء كان محمول هذه المسألة من العوارض الذاتية لموضوع العلم أم لم يكن ، مثلا كل مسألة ترتّب على نتيجتها تعيين الوظيفة الفعلية في مرحلة العمل فهي مسألة اُصولية ، وإن كان محمول تلك المسألة من العوارض الغريبة لموضوع العلم ، وبالعكس لو فقدت المسألة ترتّب الغرض المذكور على نتيجتها كانت خارجة عن المسائل الاُصولية وإن كان محمول المسألة من العوارض الذاتية ، فإنّ الاختصاص في البحث عن الذاتي فقط لم ينصّ عليه دليل بالخصوص .

ولو سلّمنا لزوم أن يكون البحث عن العرض الذاتي ، لأمكن دعوى أنّ العارض بواسطة الخارج الأخص أو الداخل الأعم من العوارض الذاتية، إذن يرتفع الإشكال من دون حاجة إلى التكلّف في جوابه .

ثمّ إنّ المراد بالعارض هنا كل أمر لاحق للموضوع ، سواء كان من الاُمور الاعتبارية الجعلية كما في الأحكام الشرعية ، أم كان من الاُمور الواقعية من الجواهر والأعراض أو غيرها ، كالوجود والوجوب والاستحالة والإمكان . فالمراد بالعارض هنا ما يقابل الذاتي في باب الكلّيات ، وإن كان من الذاتي في باب البرهان  . نعم لا يبحثون في العلوم عن ذاتيات الموضوع ومقوّماته.

وكيف كان ، فما جاء به المحقّق النائيني (قدّس سرّه)(1) وأتعب نفسه في دفع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أجود التقريرات 1 : 8 .

ــ[27]ــ

الإشكال بالأخذ بالحيثيات ، وأنّها حيثيات تقييدية ، لا حاجة له، بل الجواب ما ذكرناه .

تمايز العلوم

اختلف القوم في المائز بين العلوم هل أنّه بالموضوع ، أو بالمحمول ، أو بالغرض كما ذهب إليه صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1).

والظاهر أنّ مركز النفي والإثبات ليس أمراً واحداً ليقع الخلاف فيه ، فتارةً يراد من تمايز العلوم مرحلة الإثبات لمن يجهلها ، واُخرى يراد منه التمايز في مرحلة الثبوت وفي مقام التدوين .

أمّا المقام الأول : فحقيقته أنّ كل شخص إذا كان جاهلا بحقيقة علم من العلوم وأراد معرفته والإحاطة به ـ ولو بصورة إجمالية ـ فللعالم بذلك العلم أن يميّزه له عن غيره بما شاء من التمييز بالموضوع أو المحمول أو الغرض على سبيل الإجمال أو التفصيل ، فله أن يقول مثلا : غاية علم النحو حفظ اللسان عن الخطأ في المقال ، أو أنّ موضوعه الكلمة والكلام ، أو أنّ محموله الإعراب والبناء .

ولعلّ الوجه في من خصّ المائز بالموضوعات هو أسبقية الموضوع على غيره بحسب الرتبة ، فإنّ المحمول تابع له ، والغرض يترتّب على ثبوته للموضوع .

وأمّا المقام الثاني : فلأنّ كل مؤلّف لعلم ـ بعد اختياره جملة من المسائل المتشتّتة ، وتدوينها في كتابه مقتصراً عليها ـ يختلف تمييزه باختلاف الدواعي .

فتارةً يكون هناك غرض خارجي يترتّب على العلم والمعرفة بتلك المسائل  ، كما في أغلب العلوم ، فلابدّ من البحث عن كل مسألة اشتملت على ذلك

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كفاية الاُصول : 8 .

ــ[28]ــ

الغرض ، كما لابدّ في هذا الفرض من التمييز بالغرض . وليس للمدوّن أن يميّزها بالموضوعات ، إذ لا عبرة في الفرض بوحدة الموضوع وتعدّده . على أنّه يقتضي جعل كل باب بل كل مسألة علماً على حدة ، كما ذكره صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1).

واُخرى يكون الداعي إلى التدوين نفس العلم والمعرفة للشيء ، دون أن يكون هناك غرض خارجي يدعوه إلى تدوين المسائل . وهذا على نحوين : فتارةً يكون هناك موضوع ، ويودّ البحث عن أحواله وشؤونه ، كما في علم الطب الباحث عن طوارئ بدن الإنسان ، فلابدّ من التمييز بالموضوع . واُخرى يكون هناك محمول  ، ويودّ الباحث معرفة ما يعرض عليه ذلك المحمول ، كالحركة والسكون فلابدّ من التمييز بالمحمول فقط .

فمن هنا ظهر أنّه لا وجه لما أطلقه القوم من التمييز ، بل قد عرفت أنّ الدواعي تختلف ، وباختلافها يختلف ما به التمييز .

موضوع علم الاُصول

المعروف بينهم أنّ موضوع علم الاُصول الأدلّة الأربعة : الكتاب ، السنّة الإجماع ، العقل .

وفيه : أنّه إن اُريد بها أنّها بوصف دليليتها موضوع لعلم الاُصول ، بمعنى أنّ البحث يقع عمّا يعرض الدليل بعد ثبوت دليليته ، فلازمه خروج أكثر مسائل الاُصول عدا مباحث الألفاظ ، لأنّ ما عداها من مباحث الحجج يقع البحث عنها من حيث أصل الحجّية والدليلية ، فيقال : خبر الواحد حجّة أم لا ، والإجماع المنقول

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كفاية الاُصول : 8 .

ــ[29]ــ

حجّة أم لا . ولا إشكال أنّ البحث عن ثبوت الحجّية ليس بحثاً عن عوارض الدليل  ، وإنّما هو بحث عن دليلية الخبر أو الإجماع .

نعم البحث في مباحث الألفاظ بحث عن العوارض ، حيث يبحث فيها ـ  مثلا  ـ عن أنّ الأمر الوارد في الكتاب أو السنّة ظاهر في الوجوب ، وهذا بحث عن العوارض . إلاّ أنّ الالتزام باختصاص المسائل الاُصولية بمباحث الألفاظ يستدعي خروج الكثير من المسائل والالتزام بأنّ ذكرها للاستطراد ، وهذا واضح الفساد .

وإن أرادوا بها أنّ ذوات الأدلّة الأربعة موضوع العلم ، فالبحث عن أصل الدليلية وإن كان بحثاً عن العوارض ، إلاّ أنّ تخصيص الموضوع بالأدلّة الأربعة يستدعي خروج غير واحد من المسائل عن علم الاُصول ، لأنّ البحث فيها ليس بحثاً عن عوارض الأدلّة الأربعة .

ولهذا التزم الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) بارجاع البحث عن خبر الواحد إلى البحث عن ثبوت السنّة به ، ومعنى ذلك : أنّ السنّة التي هي عبارة عن قول المعصوم (عليه السلام) أو فعله أو تقريره ، كما أنّها تثبت بالخبر المتواتر وبالقرينة القطعية هل تثبت بخبر الواحد . وهذا بحث عن عوارض السنّة .

ولا يخفى أنّه غير مفيد ، أولا : أنّ غاية ما جاء به كان تصحيحاً للبحث عن خبر الواحد والتعادل والترجيح ، وأمّا مثل الشهرة الفتوائية والاستصحاب ونحوهما فالتوجيه المذكور لا يشملهما ، لعدم كشفهما عن السنّة ، وإنّما يكشفان عن ثبوت نفس الحكم الشرعي . فالبحث عنهما لا يعود إلى السنّة .

وثانياً : أنّه لو اختص التوجيه بخبر الواحد والتعادل والترجيح ، فمع ذلك لا يتم أيضاً ، لأنّه إن اُريد بالثبوت الثبوت الحقيقي الخارجي ، فالبحث عن ثبوت

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فرائد الاُصول 1 : 108 .

ــ[30]ــ

السنّة بالخبر ـ الذي مرجعه إلى البحث عن تأثير الخبر في وجود السنّة ـ باطل جزماً ، فإنّ المؤثّر في وجود السنّة نفس المبادئ والمقدّمات التي حصلت حينها ، أمّا نقل زرارة ـ مثلا ـ لمقالة الإمام (عليه السلام) فهو حكاية عن السنّة ، ومن المعلوم تقدّم المحكي على الحاكي رتبة ، واستحالة أن يكون المحكي معلولا للحكاية أو الحاكي .

وإن اُريد به الثبوت الحقيقي الذهني فالبحث عنه يرجع إلى البحث عن حصول العلم الوجداني بثبوت السنّة من الخبر على نحو لا يحصل التشكيك فيه . وهذا باطل أيضاً ، لأنّ المراد من الخبر الذي يبحث عن حجّيته هو القابل للصدق والكذب ، أمّا الموجب للقطع بالثبوت فليس بمبحوث عنه .

وإن اُريد به الثبوت التعبّدي ، بمعنى أنّ الشارع المقدّس هل جعل خبر الواحد حجّة كاشفة عن ثبوت السنّة ، فهو صحيح وبحث عن العوارض . إلاّ أنّه بحث عن عوارض الخبر لا السنّة ، لأنّ معنى جعل الحجّية لذلك الخبر أنّ الشارع أعطاه صفة الطريقية ، وتمّم جهة كشفه الناقص عن الواقع ، وهذا من عوارض الكاشف لا المنكشف ، فما تكلّفه الشيخ (قدّس سرّه) غير سديد .

والظاهر أنّ علم الاُصول ليس له موضوع أصلا ، بل هو عبارة عن جملة مسائل وقواعد متشتّتة ، جمعها اشتراكها في الدخل في الغرض الذي لأجله دوّن ذلك العلم . وهذه القواعد ـ على اختلاف ما يحصل منها من حيث القطع بالحكم الواقعي ، أو التعبّد به ، أو الوظيفة الشرعية عند الشك في الحكم ، أو الوظيفة العقلية التي يرجع إليها أخيراً ـ كلّها تحصّل غرضاً واحداً ، وهو تحصيل الوظيفة الفعلية في مقام العمل ، وهذا المقدار يكفي في معرفة علم الاُصول .

وإن أبيت عن ذلك ، والتزمت بوجود الموضوع في جميع العلوم ، فنقول : موضوع علم الاُصول عبارة عن جامع انتزاعي من موضوعات مسائل الاُصول

ــ[31]ــ

 على اختلافها ، التي غايتها تحصيل الحجّة الفعلية في مقام العمل .

الوضع

والبحث عنه يقع في جهات أربع :

الاُولى : دلالة الألفاظ على معانيها ، وهل هي ذاتية أو جعلية .

الثانية : تعيين الواضع ، وهل هو الله سبحانه وتعالى أو البشر .

الثالثة : حقيقة الوضع .

الرابعة : تقسيم الوضع .

أمّا الجهة الاُولى : فقد يدّعى أنّ دلالة الألفاظ على المعاني ليست بجعلية بل هي ذاتية على نحو كان مجرّد إطلاق اللفظ بطبعه يستدعي الانتقال إلى المعنى لوجود العلقة الذاتية بينهما .

ولا يخفى ما فيه ، فإنّهم إن أرادوا بذلك أنّ العلقة القائمة بين طبيعي اللفظ والمعنى علّة تامّة في الانتقال لدى الجميع ، فلازمه أن يعرف كل شخص جميع لغات العالم من دون حاجة إلى تحمّل مشقّة التعلّم ، فالعربي يلزمه أن يعرف اللغة الفارسية وغيرها ، والفارسي عليه أن يعرف اللغة العربية وغيرها ، باعتبار أنّ الدلالة علّة تامّة للانتقال . وهذا بالوجدان باطل ، لأنّا نجد أهل لسان واحد لا يحيطون بخصوصيات لسانهم ، فضلا عن الإحاطة بجميع اللغات .

وإن أرادوا بذلك أنّ طبع اللفظ فيه اقتضاء وقابلية للانتقال ، ولذا يختار الواضع لفظاً مخصوصاً ويضعه لمعنى مخصوص ، فالمناسبة الموجودة بين اللفظ والمعنى نظير الملازمات العقلية التي هي من الاُمور الواقعية ، وإن لم تكن من الموجودات الخارجية .

ففيه : أنّه إن اُريد أنّ هذه المناسبة ثابتة في الواقع ـ وإن لم يلتفت إليها الواضع

ــ[32]ــ

عند الجعل ـ فهو أمر ممكن . ومن الأمثال المعروفة أنّ الأسماء تنزل من السماء . لكنّه لا دليل عليه .

وإن اُريد من هذه المناسبة أنّ الواضع يلتفت إليها حين الوضع ، فينبعث بسببها إلى اختيار لفظ مخصوص ، فهو باطل جزماً ، لأنّ الواضع عند الوضع لا يلتفت دائماً إلى وجود مناسبة ذاتية بين اللفظ والمعنى لتكون تلك المناسبة قد دعته لاختيار لفظ مخصوص من بين سائر الألفاظ ، كما نشاهد ذلك في الأعلام الشخصية وأسماء الأجناس . وقد يخترع الواضع لفظاً مخصوصاً فيضعه للمعنى ، في الوقت الذي ليس لذلك اللفظ سابقة في عالم الألفاظ ، فيكون كالمرتجل من هذه الجهة . هذا وربما يتحقّق الوضع من الصبيان أحياناً . وبديهي أنّهم لا يلتفتون إلى وجود مناسبة بين الأمرين ـ لو كانت هناك مناسبة ـ لينبعثوا بسببها إلى الاختيار .

وربما يقال بأنّه لولا المناسبة الذاتية بين اللفظ والمعنى للزم الترجيح بلا مرجّح ، وهو باطل .

والجواب عنه أوّلا : أنّ المحال هو الترجّح بلا مرجّح ، كالمعلول بلا علّة والفعل بلا فاعل ، وأمّا الترجيح بلا مرجّح فليس بمحال .

بيان ذلك : أنّ الترجيح أمر اختياري ، يمكن أن يرجّح الشخص أحد الفعلين على الآخر وإن لم تكن فيه مزية تستوجب التقديم ، وسببه أنّه لمّا كانت ضرورته تدعوه إلى إيجاد أحد الفعلين ، وكان كل منهما وافياً في القيام بالغرض ، فلا ريب أنّ تلك الضرورة هي التي تدعوه لأن يختار أحدهما ويترك الآخر ، وإن لم تكن مزية وخصوصية في الفرد الذي اختاره .

مثلا لو فرضنا أنّ هناك أواني متعدّدة من الماء ، وكان كل إناء مساوياً للآخر في جميع الخصوصيات المحتملة من البرودة والكمية وما شاكلهما ، ومن الاتّفاق أنّ الإنسان اضطرّ إلى شرب الماء ليرفع عطشه ، بحيث كان كل إناء وافياً في القيام

ــ[33]ــ

بالغرض ، فهل تراه يمتنع عن الشرب ويعرّض نفسه للخطر مدّعياً أنّ إقدامه على واحد من الأواني مستلزم للترجيح بلا مرجّح ، أو تراه يقدم على شرب ما في الإناء بعد أن كان مضطرّاً إلى فعل الجامع ، وهو شرب مطلق الماء الذي يتأتّى حصوله بكل واحد من الإناءات . وضروري أنّ العقل لا يرى قبحاً في ترجيح أحد الأمرين بعد اضطراره إلى الجامع .

وما نحن فيه كذلك ، فإنّ الواضع حيث احتاج إلى وضع طبيعي اللفظ لطبيعي المعنى لغرض التفاهم ، وكان كل لفظ قابلا للجعل ومحصّلا للغرض ، فاختياره خصوص لفظ لا يستلزم ا