ــ[1]ــ

ــ[2]ــ

ــ[3]ــ

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّد وعترته الطيبين الطاهرين واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين . وبعد فقد لاحظت ما كتبه قرّة عيني الأعزّ العلاّمة السيّد علاء الدين آل بحر العلوم دام تأييده في هذه الكراريس تقريراً لأبحاثي الاُصولية فوجدتها وافية خالية من الايجاز المخل والاطناب المملّ فللّه تعالى درّه وعليه سبحانه أجره فأسأل الله تعالى أن يوفّقه لمراضيه ويجعل مستقبل أمره خيراً من ماضيه والسلام عليه ورحمة الله وبركاته .

        14 شهر ذى الحجّة الحرام                                                       أبو القاسم الموسوي الخوئي

        1380

ــ[4]ــ

ــ[5]ــ

المقدّمة

وله الحمد على ما أنعم وتفضّل ، والصلاة والسلام على نبيّه محمّد وعلى آله الطاهرين المعصومين .

حاولت ـ وأنا اُعدّ ملازم هذه البحوث ـ أن أضع بين يديها تمهيداً يؤرّخ لهذا العلم منذ بداية نشأته وتكوّنه ، ويتسلسل به عبر مراحله الزمنية ، ثمّ رأيت أنّ استيفاء البحث في هذا الموضوع أكثر من أن يتّسع له صدر هذه البحوث ، وربما احتاجت إلى كتاب كامل ، فرأيت أن أعدل عن هذه المحاولة إلى حديث عابر يمرّ بنا على هذه الأزمان مرّاً سريعاً يتناسب مع طبيعة التمهيد .

في بداية التشريع لم تكن الحاجة إلى هذا العلم ماسّة لتوضع له اُصوله وقواعده ، وبخاصة وأنّ الشريعة الإسلامية نزلت بلسان القوم ، ووفق مواضعاتهم الكلامية ، فكانوا يسمعون من النبي (صلّى الله عليه وآله) ما ينزل به الوحي ويدركون ظواهره بسهولة ويسر غالباً ، وربما استفسروه عمّا أشكل عليهم تفهّمه فأوضحه (صلّى الله عليه وآله) ببليغ من القول . ولمّا كان الكتاب العزيز متكفّلا للقواعد العامّة دون الدخول في تفصيلاتها ، احتاجوا إلى سنّة النبي (صلّى الله عليه وآله) قولا وفعلا وتقريراً ، ليأخذوا عنها تفصيل ما لم يفصّل في الكتاب ، أو تشريع ما لم يشرع فيه .

وبما أنّ هذه السنّة لم تدوّن لدى الصحابة على عهده (صلّى الله عليه وآله) من

ــ[6]ــ

جهة ، ولم يكمل بها التشريع من جهة اُخرى ، لأنّ كثيراً من الحوادث المستجدّة لم تكن على عهده (صلّى الله عليه وآله) احتاج أن يدّخر علمها عند أوصيائه (عليهم السلام) ليؤدّوها عنه في أوقاتها .

فالكتاب ـ إذن ـ والسنّة وأقوال أهل البيت هي المصادر التشريعية الاُولى وبما أنّ عهد الأئمّة (عليهم السلام) كان من العهود التي اختلطت فيها اللغات وتفاعلت  ، وتبدّل الكثير من مفاهيمها ، احتاجوا لحفظ الأحكام أن يضعوا القواعد في مباحث الألفاظ ، ليلجأ إليها الناس في التماس الأحكام الشرعية واستنباطها .

والظاهر أنّ الإمام الباقر (عليه السلام) هو أوّل من أملى على تلامذته قواعدها واُصولها ، ويأتي بعده الإمام الصادق (عليه السلام)(1) وفي مؤلّفات تلميذه هشام بن الحكم كتاب بهذا الاسم(2) وهو فيما نعلم أوّل من ألّف بهذا العلم ، وتلاه غير واحد من رواة الأئمّة (عليهم السلام) . بالإضافة إلى أنّ الاُصول الأربعمائة التي جمعها تلامذتهم حفلت بالكثير من قواعدها العامّة.

وحيث إنّ الرقعة الإسلامية بدأت تتسع ، وبدأ الناس يبعدون عن مصادر التشريع ، وربما عسر على الكثير منهم المثول بين يدي الإمام (عليه السلام) لاستفتائه فيما يجد من أحكام ، لبعدهم عنه ، أو لوقوف الظالمين من خصومهم دون بلوغهم إليه  ، فتح الأئمّة (عليهم السلام) لهم أبواب الاجتهاد ، فاحتاجوا إلى تأصيل اُصول يبلغ من بعضها إلى الحكم الواقعي ، ومن بعضها إلى الحكم الظاهري مع تعذّر البلوغ إليها ، كالاستصحاب والاحتياط ونظائرهما ممّا كانت مأثورة جميعاً عن أهل البيت (عليهم السلام) وأرشدوا إلى من يجيد تطبيقها من تلامذتهم في البلدان النائية أمثال

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام (للمرحوم الحجّة السيّد حسن الصدر) : 310 .

(2) رجال النجاشي : 433 / 1164 ، وابن النديم في فهرسته ص217 .

ــ[7]ــ

زرارة ، ومحمّد بن مسلم ، ويونس بن عبدالرحمن . ومن يستعرض الموسوعات في الفقه والحديث يجد أخبارها مفصّلة ، كما يجدها في مظانّها من كتب الاُصول .

ولكن الاُستاذ محمد أبو زهرة في محاضراته(1) أبى ـ تبعاً للسيوطي ـ إلاّ أن يكون الشافعي هو الواضع الأول لعلم الاُصول ، كما احتمل الاُستاذ الشهابي(2) أن يكون قاضي القضاة أو الشيباني هو الواضع له ، مع أنّ الاُستاذين يعلمان بسبق الأئمّة (عليهم السلام) لهم زمناً ، وسبق تلامذتهم أيضاً في تدوين هذه القواعد والاُصول في اُصولهم ، بل سبق أمثال هشام في التأليف فيها مستقلا مع أنّ هشاماً توفّي قبلهم(3).

واشتدّت الحاجة إلى علم الاُصول في عصور الغيبة بعد أن فُتح باب الاجتهاد على مصراعيه ، فبدأت المؤلّفات توضع في هذا العلم ، وبدأ العلم ينمو تدريجاً ويتّسع على يد أمثال السيد المرتضى ، والشيخ الطوسي ، ثمّ العلاّمة الحلّي وتلامذته ثمّ صاحب المعالم ، ثمّ الشيخ محمد تقي صاحب الحاشية على المعالم ، والشيخ محمد حسين صاحب كتاب الفصول ، والميرزا القمّي صاحب كتاب القوانين (رحمهم الله جميعاً) .

وقد أوشك أن يبلغ القمّة على يد اُستاذ الفنّ الشيخ مرتضى الأنصاري (رحمه الله) المتوفّى سنة 1281 ، وتولّى تلامذة الشيخ من بعده تطويره في حوزاتهم الدراسية وتوسعته وتعميقه ، كصاحب الكفاية والسيد الشيرازي (قدّس سرّهما) ثمّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في اُصول الفقه الجعفري : 5 .

(2) في مقدّمته على كتاب فوائد الاُصول للمرحوم الحجّة الكاظمي 1 : 7 .

(3) هشام بن الحكم توفّي سنة 179 ، وقاضي القضاة أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم توفّي سنة 182 ، والشيباني توفّي سنة 189 ، والشافعي توفّي سنة 204 .

ــ[8]ــ

اُستاذنا النائيني (قدّس سرّه) وما يزال يتطور على أيدي تلامذتهم من أعلام الاُمّة وقادتها في محاضراتهم العلمية القيّمة في حوزة النجف الأشرف وغيرها .

وهذه بحوث أضعها اليوم بين يدي هواة علم الاُصول في دقائق مسائلها ليعرفوا مدى ما بلغه هذا العلم من أصالة وعمق في مدرسة النجف العلمية ، وعلى يد اُستاذها إمام الفن ومجدّده سماحة سيّدنا الأجل آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي (دام ظلّه العالي) وهي تقريرات دوّنتها ممّا اُفدته من محاضراته القيّمة ، التي كان وما يزال يلقيها على المئات من تلامذته في حوزته الكبرى في النجف الأشرف  ، وقد تفضّل سماحته مشكوراً فشملها بلطفه ، ولاحظ جميع فصولها وأقرّها  ، وتوّجها برأيه الكريم ، وهو منشور في صدر هذا الكتاب .

وبعد ، فإن وفّقت في تدوين هذه البحوث ، وعرضها بالشكل الذي يتناسب مع ما لها من قيمة علمية ، فهو غاية ما أرجوه ، وآمله من الله عزّوجلّ ، ومنه أستمدّ العون والصواب ، إنّه كريم مجيد .

                                          النجف الأشرف    

علاء الدين بحر العلوم

ــ[9]ــ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين ، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين .

لا يشكّ أحد في أنّ الشريعة الإسلامية المقدّسة قد اشتملت على أحكام إلزامية ، فوجب على المكلّف أن يقوم بامتثالها وأدائها ، وأنّ كثيراً من تلك التكاليف لم تكن ضرورية وبديهية ليكفي في الوقوف عليها مجرد الالتفات والنظر من دون احتياج إلى إقامة برهان ، بل هي نظرية محتاجة إلى اتّخاذ مباد يتوصّل بها إلى الحكم الشرعي ، ويقف المكلّف عليه ، والمبادي التي اشتملت على هذه الغاية هي علم الاُصول ، دون بقيّة العلوم ، وهذه المبادي على أقسام :

منها : ما يوصل المكلّف إلى الحكم الشرعي وصولا علمياً وجدانياً ، على نحو يكون المكلّف بواسطة تلك القواعد باتاً بالحكم ، وجازماً به . وهي مباحث الاستلزامات العقلية ، كمقدّمة الواجب ، وبحث الضدّ ، واجتماع الأمر والنهي ودلالة النهي على الفساد . فإنّ العقل إذا أدرك الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته وحكم بالتلازم بينهما وعدم الانفكاك ، نقطع بوجود أمر بالمقدّمة إذا تعلّق خطاب بذيها .

وكذا لو تمّت دلالة الأمر بالشيء على النهي عن الضدّ الخاص ، فإنّ العقل إذا أدرك الملازمة بين وجوب شيء وحرمة ضدّه فإنّنا ننتقل إلى حرمة الصلاة فيما إذا وجبت إزالة النجاسة عن المسجد .

وكذا إذا أدرك العقل استحالة الأمر والنهي فإنّنا نجزم حينئذ بعدم صحّة الصلاة في الدار المغصوبة . وكذلك إذا ثبتت الملازمة بين حرمة عبادة أو معاملة

ــ[10]ــ

وفسادها فإنّنا نجزم حينئذ بفساد العبادة أو المعاملة فيما إذا تعلّق النهي بها ، فهذا القسم من المبادي يبحث عنه في علم الاُصول ، وغايته الإيصال إلى الحكم الشرعي على نحو القطع .

ومنها : ما يوصل إلى الحكم الشرعي لا على نحو يوجب العلم الوجداني ، بل يوجب العلم التعبّدي به ، كمباحث الألفاظ والحجج ، وهي على نحوين : النحو الأول : ما يبحث عن الصغرى بعد الاعتراف بالكبرى . النحو الثاني : بالعكس ، ما يبحث فيه عن الكبرى بعد تسليم الصغرى .

أمّا النحو الأول : فهو مباحث الألفاظ ، حيث يبحث فيها عن ظهور الأمر في الوجوب ، أو ظهور النهي في الحرمة ، وغير ذلك ، فإنّ الكبرى مسلّمة ، وهي أنّ كل ظاهر حجّة ، لأنّ السيرة العقلائية قد جرت على الأخذ بظهور الكلام وما ينسبق إلى الذهن عند التوجّه إليه ، والشارع المقدّس لم يتّخذ طريقاً خاصاً في مقام تفهيم معاني كلماته التي كان في صدد إبدائها للمكلّفين غير الطريقة التي جرى عليها العقلاء من الأخذ بالظهور ، ولأجل هذه الجهة لم يناقش أحد في أصل حجّية الظهور  ، وإنّما هي من القواعد المسلّمة التي لا تقبل التردّد والتشكيك . فالنزاع في مباحث الألفاظ يقع عن تشخيص الصغرى للكبرى المسلّمة ، ويقع البحث عنه في جهتين :

الجهة الاُولى : في دلالة نفس اللفظ من دون ضميمة شيء له ، كالبحث عن ظهور الأمر في الوجوب ، وظهور النهي في الحرمة ، ودلالة القضية الشرطية على الانتفاء عند الانتفاء ، وظهور الكلام في الإطلاق إن تمّت مقدّمات الحكمة .

الجهة الثانية : في دلالة اللفظ بعد انضمام شيء آخر إليه ، كظهور العام في الباقي بعد التخصيص بدليل منفصل ، فإنّ البحث عن تشخيص ظهوره لا من جهة نفس

ــ[11]ــ

اللفظ وحده ، بل من أجل إحالته(1) بعد الانضمام .

وأمّا النحو الثاني ـ الذي يبحث فيه عن الكبرى ـ : فهو كمباحث حجّية خبر الواحد والشهرة وظواهر الكتاب ، فالبحث في جميعها يقع عن ثبوت الحجّية ويلتحق بهذا النحو بحث الظنّ الانسدادي على الكشف ، حيث يتنازع في أنّ مقدّمات الانسداد إذا تمّت فهل يدرك العقل أنّ الشارع جعل الظن حجّة في حقّ كل من انسدّ عليه الطريق . فالبحث في الحقيقة كبروي قد وقع عن حجّية الظنّ تعبّداً .

وكذا يلحق بهذا النحو بحث التعادل والترجيح ، فإنّ البحث فيه عن أيّ الخبرين إذا تعارضا يكون حجّة . فهذا القسم من المبادي بكلا نحويه يوصل إلى حكم شرعي تعبّدي .

ومنها : ما لا يكون موصلا إلى حكم شرعي واقعي مقطوع به جزماً ولا تعبّداً ، وإنّما يوصل إلى وظيفة شرعية قد جعلت للمكلّف في مرحلة الشكّ ، وهي الاُصول العملية من البراءة الشرعية والاشتغال الشرعي والاستصحاب ، فإنّ جميعها يوصل المكلّف إلى وظيفة شرعية مقرّرة في ظرف وجود الشكّ والجهل بالواقع .

ومنها : ما يوصل إلى وظيفة مقرّرة من جانب العقل بعد تعذّر المراحل المتقدّمة ، وتسمّى بالاُصول العقلية ، كالبراءة والتخيير والاشتغال . فالالتجاء إلى هذه الاُصول العقلية يكون بعد فقد الدليل الموصل إلى الحكم الوجداني والتعبّدي وإلى الوظيفة الشرعية . ويلحق بهذا القسم بحث الظنّ الانسدادي على الحكومة فإنّه بحث عمّا يعيّنه العقل من الوظيفة الفعلية لامتثال الأحكام المعلومة بالإجمال بعد عدم التمكّن من الامتثال القطعي أو عدم وجوبه .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ] هكذا في الأصل ، ويحتمل أن تقرأ : « دلالته » أو « حالته » [ .

ــ[12]ــ

فالذي تحصّل من هذا : أنّ مسائل علم الاُصول تارةً توصل إلى الحكم الشرعي الواقعي بنحو يقطع المكلّف ويعلم به علماً وجدانياً ، كمباحث الملازمات العقلية .

واُخرى توصل إلى حكم تعبّدي من قبل الشارع المقدّس ، وهو على نحوين  : منه ما يبحث فيه عن الصغرى مع تسليم الكبرى كمباحث الألفاظ ، ومنه ما يبحث فيه عن الكبرى فقط كبحث الحجج ، ويلحق بالأخير بحث الظنّ الانسدادي على الكشف وبحث التعادل والترجيح.

وثالثة توصل إلى وظيفة شرعية كالاُصول العملية الشرعية .

ورابعة توصل إلى وظيفة عقلية مقرّرة في مرحلة الشكّ ، ويلحق بهذا الأخير بحث الظنّ الانسدادي على الحكومة .

فكل قاعدة من قواعد علم الاُصول لابدّ من أن تندرج تحت إحدى هذه الأقسام ، وإلاّ فهي خارجة عن علم الاُصول .

وربما يورد على التقسيم المذكور بخروج بعض القواعد عنه مع الاعتراف بأنّها من مسائل علم الاُصول :

منها : بحث اجتماع الأمر والنهي ، فإنّه لو بني على عدم جواز الاجتماع نظراً إلى ما يدركه العقل من استحالة اجتماع إرادتين فعليتين متناقضتين في شيء واحد لما أوصلنا إلى حرمة الصلاة في الدار المغصوبة مثلا إلاّ بملاحظة أمرين خارجيين  :

أحدهما : أنّ الغالب من أحد الخطابين على الآخر هو خطاب الغصب ، ولابدّ من تحقيقه من الخارج ، وقد يكون الغالب خطاب الصلاة فتصحّ الصلاة هناك .

وثانيهما  : أنّ النهي عن العبادة يدلّ على فسادها . فلم تكن القاعدة وحدها موصلة إلى حكم واقعي قطعي ، بل تحتاج إلى قاعدة اُخرى نستطيع بسببهما مجموعاً الوصول إلى الحكم القطعي ، فلا تكون هي وحدها من مسائل الاُصول .

ــ[13]ــ

والجواب عنه : أنّنا لا نشترط في المسألة الاُصولية ترتّب الأثر على كلا طرفي المسألة من الثبوت والعدم ، بل يكفي في صدق المسألة الاُصولية على قاعدة ترتّب الأثر على أحد الطرفين دون الآخر ، والأثر هنا مرتّب على القول بالجواز ، حيث إنّ العقل إذا أدرك عدم الاستحالة في اجتماع الخطابين الفعليين ، ولم يجد ثمّة منافاة في فعلية كل منهما ، فاللازم فعلية خطاب الصلاة وصحّتها إذا وقعت في الدار المغصوبة لإمكان التقرّب بها في ذلك المكان ، وهذا المقدار كاف في اندراج المسألة في فنّ الاُصول بلا حاجة إلى ترتّب الأثر على التقديرين .

وهذا هو الحال في مباحث الألفاظ وغيرها من المسائل الاُصولية ، فإنّ الأثر لا يترتّب على كل من تقديري ظهور الأمر مثلا في الوجوب وعدمه ، وإنّما يترتّب على القول بالظهور . وكذا الكلام في حجّية خبر الواحد وبقية مباحث الحجّية .

ومنها : مبحث الضدّ ، فإنّ دلالة الأمر بالشيء على النهي عن الضدّ الخاص لو تمّت فلا يثبت بها إلاّ أنّ ضدّ الواجب الفعلي محرّم ، وهو حكم كبروي مستنبط من دليله ينطبق على موارده الخاصّة كقاعدة ما لا يضمن ، وليس من قبيل ما يستنبط منه الحكم ، ولا ريب أنّ ضابط المسألة الاُصولية المعنى الثاني دون الأول . مضافاً إلى أنّ صيرورة الصلاة مثلا محرّمة لا تقتضي عدم صحّتها ما لم ينضم إلى ذلك قاعدة اُخرى ، وهي أنّ النهي عن العبادة يقتضي الفساد ، وعليه فليست القاعدة وحدها موصلة إلى الحكم الشرعي القطعي .

والجواب عنه : أنّ البحث في هذه المسألة لا يقع عن حرمة ما يضادّ الواجب الفعلي من الأفعال كي يرد عليه ما ذكر ، وإنّما يقع البحث فيها عن الملازمة العقلية بين وجوب الشيء وحرمة ضدّه ، فالمبحوث عنه أمر واقعي يترتّب على إحرازه الجزم بالحكم الشرعي .

وأمّا ما ذكر من أنّ الحكم بفساد العبادة إذا كانت مضادّة للواجب الفعلي لا

ــ[14]ــ

يترتّب على القول بدلالة الأمر بالشيء على النهي عن ضدّ ذلك الشيء إلاّ بضميمة القول بدلالة النهي على الفساد ، فالجواب عنه قد ظهر ممّا سبق ، إذ لا يعتبر في المسألة الاُصولية ترتّب الأثر على التقديرين ، بل يكفي ترتّبه على طرف واحد
والأثر هنا مترتّب على تقدير العدم ، أي عدم الدلالة والاقتضاء للنهي ، فإذا فرضنا أنّ ضدّ الواجب لا يكون محرّماً انتج هذا أنّ العبادة المضادّة للواجب الفعلي يمكن أن يتقرّب العبد بها ، فتقع صحيحة في ذلك الحال ، وهو كاف في صيرورتها مسألة اُصولية .

ومنها : مسألة مقدّمة الواجب ، وذلك من جهة أنّ المستنتج منها هو وجوب المقدّمة ، وهذا حكم كبروي ينطبق على مصاديقه نظير قاعدة ما لا يضمن ، وقد عرفت أنّ المسألة الاُصولية ما وقعت نتيجتها في طريق الاستنباط ، فهي خارجة عن المسائل الاُصولية .

والجواب عنه : أنّ البحث في هذه المسألة ليس بحثاً عن ثبوت الوجوب للمقدّمة ، بل هو بحث عن إدراك العقل للملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته ، ويترتّب على ذلك الجزم بوجوب المقدّمة شرعاً حينما علمنا بوجوب ما يتوقّف وجوده عليها خارجاً ، إلاّ أنّا سنذكر في مسألة مقدّمة الواجب أنّ البحث في هذه المسألة لا أثر له أصلا(1)، وليس من شأن الفقيه البحث عن الوجوب الغيري لعدم حاجته في ذلك ، بل إنّما حاجته في الوجوبات النفسية التي يستحقّ تاركها العقاب وفاعلها الثواب ، وأمّا ما ذكر من الأثر للقول بوجوب المقدّمة كلّه مندفع وسوف يأتي الكلام عليه إن شاء الله .

ومنها : مباحث الاُصول العملية ، فقد يقال : إنّ نتائج هذه المباحث من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ] لكنّه ذكر هناك أنّ للنزاع ثمرة فراجع ص414 و415 [ .

ــ[15]ــ

الأحكام المستنبطة ، وليست ممّا يستنبط منه الحكم الشرعي ، فإنّ معنى البراءة الشرعية أنّ كل حكم يشك فيه فهو مرفوع شرعاً ، وهو حكم كلّي ينطبق على موارده ، وليس ممّا يستنبط منه الحكم . وكذلك الحال في سائر الاُصول العملية . فهذه المباحث خارجة عن المسائل الاُصولية .

والجواب عنه : أنّ الاُصول العملية وإن كانت من هذه الناحية كالقواعد الفقهية ، ولكنّها تفترق عن تلك القواعد من جهة انتهاء المجتهد إليها في مقام العمل لأنّ فيها جهة تأمين عن الواقع ، ولأنّها في طول الحكم الواقعي، وبديهي أنّ كل ما كان كذلك وكان محصّلا للوظيفة الفعلية في مقام العمل كان من المسائل الاُصولية وهذا بخلاف القواعد الفقهية ، فإنّها ليست كذلك .

فاتّضح من جميع ما تقدّم : أنّ كل قاعدة رجعت إلى قسم من الأقسام الأربعة كانت من المسائل الاُصولية ، وإلاّ فهي خارجة عنه .

غاية علم الاُصول

إنّ فائدة علم الاُصول هي تحصيل الوظيفة الفعلية للمكلّف في مرحلة العمل فإنّ كل فرد من أفراد البشر بعد أن علم إجمالا بوجود أحكام إلزامية كان عليه القيام بأدائها ، رسماً للعبودية وحرصاً على تحصيل المنفعة ودفع المفسدة، فلابدّ له من سلوك طريق يؤمّنه من العقوبة ويضمن له تفريغ ذمّته من مسؤولية التكليف ولا ينهض بهذه المهمّة إلاّ القواعد المدرجة في علم الاُصول ، المحصّلة للوظيفة الفعلية التي يجب العمل على مقتضاها ، أعمّ من كونها توجب القطع الوجداني أو التعبّدي بالحكم الشرعي ، أو لما قرّره الشارع في مرحلة الشك ، أو العقل في مرحلته الأخيرة  . فالفائدة هي تحصيل الوظيفة الفعلية للمكلّف في مرحلة العمل .

ــ[16]ــ

تعريف علم الاُصول

بعد أن عرفت أنّ الغاية من الاُصول تحصيل الوظيفة الفعلية للمكلّف ، فجدير بأن يكون تعريف علم الاُصول عبارة عن العلم بالقواعد لتحصيل العلم بالوظيفة الفعلية في مرحلة العمل ، فإنّك عرفت أنّ جميع القواعد توصل المكلّف إلى وظيفة فعلية في مقام الأداء .

فلا وجه لما عرّفه البعض بأنّه عبارة عن العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي ، إذ لو اُريد من الاستنباط في التعريف المذكور المعنى الأعم الذي ذكرناه من تحصيل الوظيفة الفعلية فلا بأس به .

وإن اُريد منه خصوص الاستنباط الحقيقي والوصول إلى الحكم الشرعي فهو تخصيص بلا مخصّص ، إذ يلزمه خروج الاُصول العملية حتّى الشرعية منها عن علم الاُصول ، من جهة أنّها غير قابلة للاستنباط ، بل هي أحكام منطبقة على مواردها غاية الأمر ينتهي المجتهد إليها إذا تعذّر عليه الدليل الاجتهادي . مع أنّ هذه القواعد تشترك مع بقية القواعد الاُخر في تحصيل الغرض ، وهو إحراز الوظيفة الفعلية وبتطبيق العمل عليها يحصل الأمن من العقاب .

إذن فالتعريف الصحيح ـ هو ما ذكرناه ـ أنّه عبارة عن العلم بالقواعد المحصّلة للعلم بالوظيفة الفعلية في مقام العمل .

الفرق بين الاُصول وبقية العلوم

والمقصود من بقية العلوم ما كان له الدخل في استنباط الحكم الشرعي كاللغة والنحو والصرف والرجال وغير ذلك، دون ما هو أجنبي عنه ، ضرورة أنّه مع الجهل باللغة لا يمكن استفادة الحكم من مثل قوله (عليه السلام) : إذا بلغ الماء قدر

ــ[17]ــ

كرّ لا ينجّسه شيء(1).

والفارق بين القواعد الاُصولية وغيرها هو أنّ القواعد الاُصولية ما كانت صالحة وحدها ولو في مورد واحد لأن تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي ، من دون توقّف على مسألة اُخرى من مسائل علم الاُصول نفسه أو مسائل سائر العلوم  ، وذلك كما لو بنينا على ظهور الأمر في الوجوب ، فإنّ هذا كاف في استنباط الحكم منه بلا ضميمة شيء آخر له ، وذلك فيما إذا كان السند قطعياً كالخبر المتواتر أو المحفوف بالقرينة .