|
|
|
المزبورة(1). ولا إشكال في هذه الأخبار من ناحية السند ، لاستفاضتها وصحّة بعضها .
حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب
وينبغي التكلّم في مدلول هذه الجملة الشريفة ، ومقداره سعة وضيقاً ، تمهيداً
لما يأتي من المباحث ، ويتم ذلك ضمن جهات :
ما هو المراد من الموصول ؟
الجهة الأُولى : أنّ من الواضح أنّه ليس المراد بكلمة (ما) الموصولة شخص من يحرم بالنسب ، ليكون المعنى : أنّ كلّ شخص يحرم من النسب فهو بعينه يحرم من الرضاع ، لأنّ نفس المحرّم بالنسب لا معنى لكونه محرّماً من جهة الرضاع .
وأمّا إرادة النوع منها ـ بأن تكون كناية عن العناوين التي هي مورد الحكم بالحرمة في باب النكاح ، كالأُمومة والبنوّة والأُخوّة ، ليكون المعنى : أنّ كلّ عنوان محرّم من جهة النسب يحرم نظيره من جهة الرضاع ـ فيبعدها أنّها خلاف الظاهر ، إذ الظاهر أنّ المحرّم بالرضاع هو نفس المحرّم بالنسب ، لا نظيره . مضافاً إلى استلزامها استعمال لفظ (ما) في من يعقل .
والذي يقوى في النظر أن تكون (ما) كناية عن الفعل ، فيكون المعنى : أنّ الفعل الذي يحرم من جهة النسب يحرم من جهة الرضاع أيضاً ، فنكاح الأُمّ النسبيّة محرّم من جهة النسب ، فكذا نكاح الأُمّ الرضاعيّة محرّم من جهة الرضاع .
وعليه فالجملة الشريفة بمقتضى إطلاق الموصول فيها باطلاق صلته تعمّ كل حكم
تحريمي مترتّب على النسب ، ولا يختصّ بباب النكاح ، مثلا : يحرم تملّك الأُمّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 20 : 371
/ أبواب ما يحرم بالرضاع .
والأب النسبيين ، فكذا الأُمّ والأب الرضاعيين بمقتضى إطلاق الجملة الشريفة .
والذي يعضد ذلك ما رواه في الكافي عن عبدالله بن سنان في الصحيح ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « سئل وأنا حاضر عن امرأة أرضعت غلاماً مملوكاً لها من لبنها حتّى فطمته ، هل لها أن تبيعه ؟ فقال : لا ، هو ابنها من الرضاعة ، حرم عليها بيعه وأكل ثمنه ، ثمّ قال : أليس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»(1).
فاستدلّ الإمام (عليه السلام) على عدم جواز بيع الابن الرضاعي وتنزيله منزلة الابن النسبي في ذلك بالجملة المباركة ، بتقريب : أنّ تملّك الابن من النسب حرام فهو حرام من الرضاع .
ويدلّ على ذلك أيضاً ما رواه الشيخ بسند معتبر عن أبي بصير وأبي العبّاس وعبيد ، كلّهم جميعاً عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث قال: «ولا يملك أُمّه من الرضاعة ، ولا أُخته ولا عمّته ولا خالته ، إذا ملكن عتقن . وقال : ما يحرم من النسب فإنّه يحرم من الرضاع»(2).
والحاصل : أنّ مقتضى إطلاق الجملة الشريفة(3) والخبرين المتقدّمين تنزيل الرضاع
منزلة النسب في كل حكم تحريمي مترتّب على النسب، من غير اختصاص
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 20 : 405 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب17 ح1 ،
الكافي 5 : 446 / 16 [لا
يخفى أنّ السند في الكافي هكذا : عن ابن سنان ، عن رجل ، عن أبي عبدالله (عليه
السلام)] .
(2) الوسائل 18 : 247 / أبواب بيع الحيوان ب4 ح1 ، التهذيب 8 : 243 / 877
[مع اختلاف يسير عمّا في
التهذيب] .
(3) الوسائل 20 : 371 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب1 ح1 : « يحرم من الرضاع ما
يحرم من النسب » .
بباب النكاح .
وربما يتوهّم في المقام أنّ لازم إطلاق الموصول في الجملة الشريفة(1) من هذه الجهة ما لا يمكن الالتزام به من الأحكام ، فإنّ لازمه أنّه إذا ارتضع غير هاشمي من لبن هاشمي أن تحرم على المرتضع الزكاة ، مع أنّه غير هاشمي ، لأنّ حرمة الزكاة مترتّبة في الشريعة المقدّسة على الانتساب إلى هاشم ، فيقوم الرضاع مقامه في هذه الجهة . وكذا لازمه أن يحرم الخمس على الهاشمي المرتضع من لبن غير الهاشمي إذا كان موضوع حرمة الخمس الانتساب إلى غير هاشم ، لا عدم الانتساب إلى هاشم . وكذا لازمه حرمة مباشرة ولد المسلم المرتضع من لبن كافر ، حيث إنّ ولد الكافر بحكم الكافر ، والرضاع يقوم مقام النسب .
ولكنّ التوهّم المذكور يندفع بأنّ ظاهر الجملة الشريفة(2) تنزيل الرضاع منزلة
النسب بما هو نسب ، من دون نظر إلى أيّة خصوصية من الخصوصيات القائمة بالنسب ،
فهي ليست ناظرة إلى خصوصيات الأنساب ، بحيث يترتّب على الرضاع حكم كل نسب بما
له من الخصوصيات ، ليترتّب على ابن الكافر الرضاعي حكم ابن الكافر النسبي ،
وعلى غير الهاشمي المرتضع من لبن الهاشمي حكمه بما أنّه هاشمي ، بل مفادها ليس
إلاّ حكماً عاماً بالإضافة إلى جميع البشر ، وهو تنزيل الرضاع منزلة النسب بما
هو نسب ، لا بما هو نسب خاصّ . فهي تنزل الأُمومة الرضاعيّة منزلة الأُمومة
النسبيّة فيما لها من الأحكام التحريميّة ، وهكذا سائر العناوين .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ، (2) الوسائل 20
: 371 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب1 ح1 : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » .
عدم اختصاص التنزيل بالحرمة الدائمة
الجهة الثانية : أنّ مقتضى إطلاق الجملة الشريفة(1) عدم اختصاص التنزيل في باب النكاح بالحرمة الدائمة ، فتشمل الحرمة الموقتة ، كالجمع بين الأُختين ، فيحرم الجمع بين الأُختين الرضاعيّتين بحكم إطلاقها .
مضافاً إلى صحيحة أبي عبيدة الحذّاء المرويّة في الكافي والفقيه ، قال : « سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : لا تنكح المرأة على عمّتها، ولا على خالتها ، ولا على أُختها من الرضاعة »(2).
عدم اختصاص التنزيل بالحرمة المستندة إلى النسب بالاستقلال
الجهة الثالثة : أنّ مقتضى إطلاق الجملة الشريفة(3) أيضاً عدم اختصاص
التنزيل فيها بالحرمة المستندة إلى النسب بالاستقلال ، فتعمّ الحرمة التي للنسب
فيها دخل بنحو الجزئية ، كما في المصاهرة التي هي علقة متقوّمة بعلقتين ،
كالعلقة المتحقّقة بين أُمّ الزوجة وزوج بنتها ، فإنّها متقوّمة بالزوجيّة
الكائنة بينه وبين بنتها والأُمومة المتحقّقة بينها وبين بنتها . فأُمّ المرأة
التي ليست زوجة للشخص لا تحرم عليه من هذه الجهة ، كما أنّ من ليست أُمّاً
لزوجة الشخص لا تحرم عليه من هذه الجهة ، فهي علقة قائمة بنسب وسبب ، والقاعدة
المتقدّمة(4) بحكم إطلاقها تنزّل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب .
(2) الوسائل 20 : 402 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب13 ح1 ، 476 / أبواب ما يحرم
بالمصاهرة ب24 ح2 ، 487 / ب30 ح2 [المصدر
الأخير خال من جملة « ولا على أُختها من الرضاعة]
، الكافي 5 : 445 / 11 ، الفقيه 3 : 260 / 1236 .
(3) يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب .
(4) يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب .
الرضاع منزلة النسب في هذه العلقة . فالأُمّ الرضاعية للزوجة تحرم على زوج بنتها الرضاعية ، كما تحرم عليه أُمّها النسبية .
نعم هذه القاعدة(1) لا تتكفّل تنزيل الرضاع منزلة الجزء الآخر وهو الزوجيّة ، فإذا أرضعت امرأة ولد زيد فلا تحرم على زيد أُمّ هذه المرأة النسبيّة ، لعدم تنزيل القاعدة المزبورة الرضاع منزلة الزوجية ، فلا تصير تلك المرأة برضاعها ولد زيد بحكم زوجته لتكون أُمّها النسبيّة أُمّ زوجته .
ثمّ إنّه يترتّب على ما ذكرناه حرمة أُمّ الموطوء وأُخته وبنته الرضاعيات على
الواطئ ، وكذلك حرمة أُمّ المزني بها وبنتها الرضاعيتين على الزاني ، بناءً على
ما هو المشهور بين الفقهاء من الحرمة في النسب . فما عن العلاّمة(2) والمحقّق
الثاني(3) (قدّس سرّهما) ـ من القول بعدم التحريم في المسألة الثانية ـ لا نعرف
له وجهاً صحيحاً . على أنّ صحيحة محمّد بن مسلم(4) قد دلّت بظاهرها على التحريم
، نعم بناءً على ما اخترناه ـ من عدم الحرمة فيها في النسب ـ لا مجال للقول بها
في الرضاع ، وتحمل الصحيحة حينئذ على الكراهة .
البحث حول عموم المنزلة
الجهة الرابعة : هل التنزيل في الجملة الشريفة(5) مقصور على العناوين
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يحرم من الرضاع
ما يحرم من النسب .
(2) لاحظ المختلف 7 : 54 المسألة 14 .
(3) جامع المقاصد 12 : 286 .
(4) الوسائل 20 : 427 / أبواب ما يحرم بالمصاهرة ب7 ح2 .
(5) يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب .
السبعة المذكورة في الآية المباركة(1) فلا يثبت بالرضاع غيرها ، أو أنّه يعمّ العناوين الملازمة لها ؟ مثلا : عنوان أُمّ الأخ يتحقّق في ضمن عنوان الأُمّ أو منكوحة الأب فهو عنوان ملازم لبعض العناوين المذكورة ، فإذا تحقّق بالرضاع هذا العنوان ، كما إذا ارتضع صبي مع زيد فأصبح أخاً لزيد من الرضاعة ، فهل تحرم أُمّ ذلك الصبي على زيد ، حيث إنّها أُمّ أخيه من الرضاعة ؟ المشهور عدم العموم«1».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«1» المراد من عموم المنزلة شمول الحرمة بالرضاع للعناوين الملازمة للعناوين المحرّمة بالذات وإن افترقت عنها ، لأنّها لازم أعمّ ، أي العنوان اللازم يكون أعمّ من الملزوم المحرّم ذاتاً فيقال مثلا : إنّ أُمّ الأخ بمنزلة الأُمّ ، فكما تحرم بالنسب تحرم بالرضاع أيضاً ، ويتحقّق عموم المنزلة في الموارد التالية :
أحدها : أُمّ الأخ .
وهذا العنوان بنفسه ليس من المحرّمات بالنسب كي يحرم مثله بالرضاع ، لعدم الدليل على الحرمة بهذا العنوان ، إلاّ أنّه قد يقترن مع عنوان محرّم بالنسب أو بالمصاهرة ، وقد يفترق عنهما ويتحقّق بالرضاع فقط ، ولكن لا يوجب الحرمة إلاّ عن طريق عموم المنزلة لملازمة هذا العنوان لبعض العناوين النسبيّة المحرّمة كما أشرنا ، ولكن حيث إنّه لازم أعمّ فإذا افترق عن المحرّم الذاتي فلا يوجب الحرمة .
بيان ذلك : أنّ العنوان المذكور يتحقّق إمّا بالنسب ، أو المصاهرة ، أو بالرضاع وتحرم المرأة بالأوّلين ، دون الرضاع إلاّ على القول بعموم المنزلة ، فيتحقّق في :
1 ـ أُمّك .
فإنّه يصدق عليها أُمّ أخيك ، إذا كان لك أخ شقيق ، وهي محرّمة عليك بالنسب
وهذا ظاهر .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النساء 4 : 23 .
. . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2 ـ زوجة أبيك (أي أُمّ أخيك من أبيك) .
وهي محرّمة عليك بالمصاهرة ، لأنّها زوجة أبيك ، وقال عزّ من قائل : (وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ)(1).
3 ـ الأُمّ الرضاعية لأخيك .
وهذه كما إذا أرضعت أجنبيّة أخاك ـ وهي ليست بأُمّك ولا زوجة أبيك ـ فإنّ هذه أُمّ رضاعية لأخيك ، تحرم عليه ، ولكن لا تحرم عليك ، لعدم صدق عنوان الأُمّ ، ولا زوجة الأب عليها ، نعم يصدق عليها العنوان الملازم للعنوانين المحرّمين(2) وهو عنوان أُمّ الأخ ولكن هذا ليس من العناوين المحرّمة ، إلاّ على القول بعموم المنزلة ، ولا نقول به .
ومثل أُمّ الأخ أُمّ الأُخت ، فهي إمّا أن تكون أُمّاً لك أيضاً ـ كما إذا كانت الأُخت شقيقة لك ـ أو تكون أُمّها زوجة أبيك ، كما إذا لم تكن شقيقة . والأُولى تحرم عليك نسباً والثانية تحرم عليك مصاهرة .
وأمّا إذا أرضعت امرأة أجنبيّة أُختك فهي تكون أُمّاً رضاعية لأُختك ، ولكن لا تحرم عليك إلاّ بعموم المنزلة ، كما عرفت في أُمّ الأخ .
فتحصّل ممّا ذكرنا : أنّه إذا كانت أُمّ أخيك أو أُختك أُمّاً لك أيضاً فتحرم عليك نسباً ورضاعاً ، لأنّ أُمّ الأخ أو الأُخت حينئذ تكون أُمّك، وهي محرّمة عليك نسباً ورضاعاً .
وكذا أُمّ الأخ أو الأُخت بالمصاهرة ، فهي محرّمة أيضاً ، لأنّها زوجة أبيك .
وأمّا الأُمّ الرضاعية لأخيك أو أُختك من دون أن تكون زوجة لأبيك فلا تحرم عليك
، لا بالنسب ولا بالمصاهرة ، لعدم النسبة ولا المصاهرة ، ولا الرضاع المحرّم ،
إلاّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النساء 4 : 22 .
(2) أي الأُمّ وزوجة الأب .
. . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن طريق عموم المنزلة ، ولا نقول به . وكذا الأُمّ النسبية لأخيك الرضاعي كما في مثال المتن .
المورد الثاني : أُمّ ولد الولد (أُمّ الحفيد أو الحفيدة) .
وهذا العنوان أيضاً لا يحرم ذاتاً ، نعم يتحقّق بالنسب والمصاهرة والرضاع ، وتحرم عليك المرأة في الأوّلين ، دون الثالث ، إلاّ عن طريق عموم المنزلة ، فيتحقّق في :
1 ـ بنتك :
فإنّه يصدق عليها أنّها أُمّ ولد ولدك ، إذا كان لها ولد من زوجها ، إذ هي ولدك ، فابنها يكون ولد ولدك ، وهي أُمّه ، لأنّها أُمّ حفيدك أو حفيدتك ، وهي محرّمة عليك ، لأنّها بنتك النسبيّة ، وهذا ظاهر .
2 ـ زوجة ابنك :
إذ يصدق عليها أنّها أُمّ ولد ولدك ، فيما إذا كان لها ولد من ابنك ـ زوجها ـ وهذه تحرم بالمصاهرة كما هو ظاهر ، فإنّها حليلة الابن المحرّمة بالنصّ القرآني(1)، لا بعنوان أُمّ الحفيد .
3 ـ الأُمّ الرضاعيّة للحفيد .
وهذه كما إذا أرضعت امرأة أجنبيّة حفيدك أو حفيدتك ، فإنّها يصدق عليها عنوان أُمّ ولد الولد ، ولكن لا تحرم عليك ، لعدم النسبة ، ولا المصاهرة ، وليس هناك إلاّ الرضاع بعموم المنزلة ، لملازمة هذا العنوان (أُمّ ولد الولد) مع العنوان النسبي (البنت) .
ويتحقّق هذا العنوان عن طريق الرضاع غير المحرّم على الموارد التالية أيضاً وتكون من موارد عموم المنزلة تحت عنوان « أُمّ ولد الولد » كالمثال المتقدّم ، وهي :
أ
ـ لو أرضعت زوجة ابنك ولداً أجنبياً ، وكان لذلك الولد أُمّ نسبيّة ، فإنّها
تحلّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النساء 4 : 23 .
. . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لك وإن صدق عليها عنوان « أُمّ ولد ولدك » .
ب ـ نفس الفرض وكان لذلك الولد أُمّ أُخرى رضاعيّة ، فإنّها تحلّ لك أيضاً ، وإن صدق عليها عنوان « أُمّ ولد الولد » .
والحاصل : أنّ التي تحرم مع صدق هذا العنوان عليها هي زوجة الابن عن طريق المصاهرة ، والبنت عن طريق النسب . وأمّا لو صدق هذا العنوان عن طريق الرضاع فقط دون المصاهرة والنسب ، فلا أثر له إلاّ بعموم المنزلة ، لعدم حرمة هذا العنوان بالنسب ذاتاً كي يحرم مثله بالرضاع ، نعم هو ملازم للمحرّم الذاتي .
وبالجملة : إنّ أُمّهات ولد الولد لا تحرمن ، إلاّ من كانت بنتك ، أو زوجة ابنك .
المورد الثالث : جدّة الولد
وهذا العنوان يتحقّق أيضاً بالنسب والمصاهرة والرضاع ، ويحرم في الأوّلين ، دون الأخير ، لتحقّقه في :
1 ـ أُمّك :
إذ هي جدّة ولدك ، فإنّه لو كان لك ولد فأُمّك جدّة ولدك ، وحرمة هذه ظاهرة .
2 ـ أُمّ الزوجة (جدّة الولد بالمصاهرة) :
فإنّه إذا كان لك ولد من زوجتك ، فأُمّها تكون جدّة ولدك ، وهذه تحرم بالمصاهرة بعنوان أُمّ الزوجة (أُمّهات النساء) دون عنوان جدّة الولد .
3 ـ أُمّ مرضعة ولدك (جدّته الرضاعية) :
كما إذا أرضعت أجنبية ولدك وكانت لتلك المرضعة أُمّ ، فهي لا تحرم عليك وإن صدق عليها (جدّة ولدك) لعدم حرمة هذا العنوان بما هو في النسب كي يحرم مثله بالرضاع إلاّ بعموم المنزلة ، لأنّها بمنزلة الأُمّ النسبيّة .
هذا كلّه فيما إذا كان ولدك نسبياً وكان له جدّة من الرضاع ، وأمّا إذا كان لك ولد
. . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رضاعي ، كما إذا أرضعت زوجتك طفلا أجنبياً ، وكان لذاك الطفل الرضيع جدّة من النسب ، أو من الرضاع ـ بأن رضع من ثدي امرأة أُخرى لها أُمّ ـ فجدّاته تحلّ لك ، لعدم النسب ، ولا المصاهرة ، إلاّ الرضاع غير المحرّم ، لكونها بمنزلة الأُمّ النسبيّة .
هذا كلّه في جدّة ولدك ، وأمّا أُمّ ولدك فهي حلال لك ، لأنّها إمّا زوجتك ، أو
مرضعة ولدك ، ولا مانع من تزويجها إذا لم تكن مزوّجة .
المورد الرابع : أُمّ العمّ أو العمّة .
فإنّها لا تحرم بهذا العنوان أيضاً ، إلاّ أن يقترن بعنوان محرّم ذاتي ، أو نقول بعموم المنزلة ، ولا نقول به ، فإنّ هذا العنوان يتحقّق أيضاً إمّا بالنسب، أو المصاهرة ، أو الرضاع ويحرم في الأوّلين دون الثالث ، لتحقّقه في :
1 ـ الجدّة للأب :
فإنّه يصدق عليها أنّها أُمّ عمّك أو عمّتك ، وهذه تحرم بالنسب كما هو ظاهر ، لأنّها أُمّك بالواسطة .
2 ـ زوجة الجدّ :
كما إذا لم يكن العمّ أو العمّة شقيقاً لأبيك ، وهذه تحرم بالمصاهرة لأنّها زوجة الجدّ .
3 ـ الأُمّ الرضاعيّة للعمّ أو العمّة :
وهذه كما إذا أرضعت امرأة أجنبية عمّك أو عمّتك ، فإنّها تكون أُمّاً لهما . وهذه لا تحرم عليك ، لعدم النسب ولا المصاهرة بينك وبينها ، وليس هناك إلاّ الرضاع ، وهو لا يحرِّم في الفرض ، لعدم حرمة هذا العنوان (أُمّ العمّ أو العمّة) في النسب كي يحرم مثلها بالرضاع ، إلاّ عن طريق الملازمة بينه وبين الجدّة ، ولا نقول باستلزامها الحرمة إلاّ على القول بعموم المنزلة .
. . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المورد الخامس : أُمّ الخال أو الخالة .
وهذه أيضاً تتحقّق في ثلاثة موارد :
1 ـ الجدّة للأُمّ :
وهذه تحرم عليك بالنسب كما هو ظاهر .
2 ـ زوجة الجدّ للأُم :
وهذه تحرم عليك بالمصاهرة .
3 ـ الأُمّ الرضاعيّة لهما :
وهذه لا تحرم عليك ، لعدم النسب ولا المصاهرة ، فلا موجب لتحريمها إلاّ الرضاع بعموم المنزلة ، ولا نقول به كما في الموارد السابقة .
المورد السادس : أُخت الولد .
وهذا العنوان بنفسه ليس من العناوين المحرّمة بالذات أيضاً ، كالعناوين المتقدّمة ولكن قد يتّحد مع العنوان المحرّم بالنسب أو المصاهرة ، لتحقّقه في الموارد الثلاثة التالية أيضاً :
1 ـ بنتك :
فإنّه يصدق عليها أنّها أُخت ولدك إذا كان لك ولد آخر ، وهذه تحرم بالنسب ، لأنّها بنتك ، وهذا ظاهر .
2 ـ بنت امرأتك :
وهي الربيبة ، فإنّها تكون أُختاً لولدك من أُمّه ، وهذه تحرم عليك بالمصاهرة ، لأنّها ربيبتك .
3 ـ الأُخت الرضاعيّة لولدك :
وهذه كما إذا أرضعت امرأة أجنبيّة ولدك ، وكانت لها أو لزوجها بنت ، وكان
. . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الزوج هو الذي نشأ اللبن بسببه ـ المعبّر عنه في الاصطلاح الفقهي بالفحل أو صاحب اللبن ـ فإنّه يصدق على تلك البنت أنّها أُخت ولدك عن طريق الرضاع . وهذه لا تحرم عليك بهذا العنوان ، لأنّ المحرّم إنّما هو عنوان البنت ، لا أُخت الولد ، فإنّها لا تحرم عليك إلاّ أن تكون بنتك أو ربيبة لك ، أو نقول بعموم المنزلة في الرضاع ، هذا .
ولكن قد دلّت النصوص الخاصّة(1) على أنّه لا ينكح أبو المرتضع في أولاد صاحب اللبن(2) ولا في أولاد المرضعة(3) فلا يصحّ نكاحهنّ ابتداءً ولا استدامة . وعليه لو ارتضع ولدك من جدّته لأُمّه حرمت عليك زوجتك التي هي أُمّ ذاك الولد ، لأنّها صارت حينئذ من أولاد صاحب اللبن ، كما أنّها صارت من أولاد المرضعة ، ويحرم نكاحهنّ على أبي المرتضع والمفروض أنت أبو المرتضع ، وصارت زوجتك ـ التي هي أُمّ المرتضع ـ من أولاد صاحب اللبن وأولاد المرضعة ، فيبطل نكاحها معك ، فإنّ أولاد صاحب اللبن وأولاد المرضعة بمنزلة أولادك كما في النصوص المذكورة .
ومن هنا قال السيّد الأُستاذ (قدّس سرّه) في المنهاج 2 : 268 :
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 20 : 391
/ أبواب ما يحرم بالرضاع ب6 ح10 (صحيحة علي بن مهزيار) 404 / ب16 ح1 (صحيحة
أيّوب بن نوح) . ويأتي ذكرهما في ص37 . ح2 في نفس الباب ويأتي الكلام في ذلك في
ص56 في المسألة الثالثة ، وص59 في المسألة الرابعة .
(2) ولادة ورضاعاً .
(3) ولادة لا رضاعاً .
كما صرّح بذلك السيّد الأُستاذ (قدّس سرّه) في المنهاج 2 : 268 كتاب النكاح
أحكام الرضاع . والدليل على التفصيل بين أولاد صاحب اللبن وأولاد المرضعة بذلك
هو ما يستفاد من نصوص الباب ، ولسنا بصدد التحقيق من هذه الناحية ، فراجع ص56
م3 وص59 م4 من هذا الكتاب .
وعن المحقّق الداماد(1) اختيار العموم ، وحكي ذلك عن الحلّي(2) في أُخت الابن وجدّته لأُمّه . وقبل الورود في البحث ينبغي التنبيه على أمرين :
تحرير محلّ الكلام :
الأوّل : أنّ محلّ الكلام في المسألة يلزم أن يكون العنوان الملازم الذي لا ينفكّ عن بعض العناوين المحرّمة نسباً أو سبباً ، كعنوان أُمّ الأخ وأُخت الابن وجدّة الابن ، دون العنوان الذي يمكن انفكاكه عنها ، كأُخت الأخ ، فإنّها قد تكون أُختاً فتحرم ، وقد لا تكون أُختاً فلا تحرم، كما إذا كان لزيد أخ من أُمّه دون أبيه وكان لذلك الأخ أُخت من أبيه ، فهي أُخت أخي زيد ، لكنّها ليست أُختاً لزيد ، لا من أُمّه ولا من أبيه ، فلا تحرم على زيد . وإذا لم تحرم أُخت الأخ ـ التي ليست بأُخت ـ في باب النسب فعدم حرمتها بالرضاع أولى ، فعدم تأثير الرضاع في مثل هذا العنوان ينبغي أن يخرج عن محلّ النزاع . نعم أُخت الأخ من الأبوين تحرم في النسب دائماً فتحرم مثلها من الرضاع أيضاً، بناءً على عموم التنزيل .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مسألة 1280 : لا ينكح أبو المرتضع في أولاد صاحب اللبن ولادة ورضاعاً ، ولا في
أولاد المرضعة ولادة لا رضاعاً ، فإذا أرضعت زوجة الجدّ للأُمّ طفلا من لبن
جدّه لأُمّه(3)حرمت أُمّ المرتضع على أبيه(4)، ولا فرق في المرضعة بين أن تكون
أُمّاً لأُمّ المرتضع ، وأن لا تكون أُمّاً لها ، بل تكون زوجة لأبيها .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رسالة في الرضاع
(ضمن رسائل تسع مسمّاة بالرضاعيات والخراجيات) : 25 ، 17 .
(2) السرائر 2 : 555 .
(3) أي جدّ الولد لأُمّ الولد .
(4) أي على أبي الولد ، وهي زوجته .
ما هو مقتضى الأصل ؟
الأمر الثاني : أنّ مقتضى الأصل في موارد الشكّ في تحقّق الرضاع المحرّم ، أو سببيّته لنشر الحرمة ، هل هو الحرمة أو الحلّ ؟
فنقول : أمّا الشبهة المصداقية بأن يشكّ في تحقّق أصل الرضاع أو بعض شروطه ، فإذا لم يكن ما يثبت ذلك المشكوك من أصل أو أمارة ، فمقتضى الاستصحاب عدم تحقّقه ، مثلا : إذا شكّ في أصل تحقّق الرضاع بين زيد وهند فالأصل عدمه ، وكذا إذا شكّ في مدّة الرضاع أو عدده ولم يعلم تحقّق المقدار المعتبر في التحريم . وإذا شكّ في تحقّق النكاح الصحيح بين الفحل والمرضعة أو كون الوطء بنحو الزنا ، فمقتضى أصالة الصحّة فيه كونه بنحو مشروع ، فيكون اللبن محرّماً . وكذا إذا شككنا في حياة المرضعة ، فمقتضى استصحاب حياتها تحقّق هذا الشرط .
وأمّا الشبهة الحكميّة ، كأن يشكّ في اشتراط نشر الحرمة بالرضاع بشكل خاصّ ،
فإن كان هناك إطلاق يتمسّك به لنفي اعتبار ذلك الأمر فهو ، وإلاّ بأن كان
الدليل مجملا ، أو كان معارضاً بإطلاق دليل آخر ، ولم تنته النوبة إلى الترجيح
أو التخيير ، فلا مانع من التمسّك بعمومات الحلّ ، كالآية المتضمّنة لحلّ ما
وراء العناوين المحرّمة(1) والآية المتضمّنة لإباحة نكاح ما طاب من النساء(2)
لأنّ مقتضى العمومات جواز نكاح أيّة امرأة ، وقد خرج عن هذا العموم طوائف من
النساء
فإذا شكّ في اعتبار شيء في العنوان الخارج بالتخصيص كان المخصّص مردّداً بين
الأقلّ والأكثر ، وحيث إنّه منفصل فالقاعدة في مثله تقتضي التمسّك بالعموم في
مورد الشكّ .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النساء 4 : 24 .
(2) النساء 4 : 23 .
أصالة الحل
ولا يخفى أنّه لا يمكن التمسّك في المقام بأصالة الحلّ ، لأنّها محكومة بأصالة عدم تحقّق الزوجيّة بين الشخصين اللذين يشكّ في تحقّق الحرمة بينهما بالرضاع ، وهذا بخلاف الشبهة المصداقية ، فإنّ استصحاب عدم تحقّق الزوجية فيها محكوم بالأصل المنقّح عدم تحقّق الرضاع ، لكون الشكّ في تحقّق الزوجيّة مسبّباً عن الشكّ في تحقّق الرضاع .
وأمّا أصالة الحلّ الواردة في رواية مسعدة بن صدقة المعتبرة التي يقول الإمام (عليه السلام) فيها : « والأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك ، أو تقوم به البيّنة »(1) فقد تحقّق في محلّه(2) أنّ المراد ما يعمّ الأصل التنزيلي والأمارة المقتضيين للحلّ ، لا خصوص ما يساوق أصالة البراءة ، وذلك بقرينة ما ذكر فيها من الأمثلة فإنّ مثبت الملكيّة في العبد والثوب هي اليد ، ونافي الأُخوة والرضاع في الزوجة هو الاستصحاب .
هذا تمام الأمرين اللذين أردنا التنبيه عليهما .
ونقول بعد ذلك : ما يمكن أن يستدلّ به ، أو استدلّ به للقائلين بعموم المنزلة وجهان :
أدلّة القول بعموم المنزلة
1 ـ إطلاق الحديث :
الأوّل : إطلاق قولهم (عليهم السلام) : « يحرم من الرضاع ما يحرم من
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 17 : 89
/ أبواب ما يكتسب به ب4 ح4 .
(2) راجع مصباح الاُصول 2 (موسوعة الإمام الخوئي 47) : 318 .
النسب »(1) حيث إنّ أُمّ الأُخت ، وأُخت الابن ، وجدّة الابن لأُمّه ، وغيرها من العناوين الملازمة محرّمة بالنسب ، فتحرم بالرضاع . فصلة الموصول باطلاقها تعمّ هذه العناوين ، فيعمّها الموصول ، فيشملها الحكم ، وهو التحريم بالرضاع ، هذا .
ولا يخفى أنّ توهّم الإطلاق من هذه الجهة في الجملة الشريفة(2) يبتني على كون (ما) الموصولة كناية عن الأشخاص كما عليه المشهور ، وحينئذ فلتوهّم أنّ شخص أُمّ الأخ ـ مثلا ـ محرّمة في النسب بأي عنوان كان من العناوين فتحرم بالرضاع مجال ، وأمّا على ما سلكناه ـ من كون الموصول كناية عن الفعل ـ فلا مجال للتوهّم المزبور أصلا ، إذ عليه يكون المعنى : يحرم بالرضاع الفعل الذي يحرم بالنسب . ومن الواضح أنّ مورد الحرمة في الأدلّة هي العناوين السبعة ، فليس الموصول على مسلكنا بمعنى الشخص ليتوجّه النظر إليه ، ويقطع النظر عن العنوان .
الجواب عن ذلك :
والجواب عن هذا الوجه على مسلك المشهور هو أنّ ظاهر الجملة الشريفة النظر إلى المحرّمات الثابت تحريمها في الشريعة المقدّسة بنحو القضايا الحقيقية ، ومن الواضح اختصاص ذلك بالعناوين المذكورة فيها ، إذ لم يرد في دليل من الأدلّة التحريم بعنوان من العناوين الملازمة . وعلى تقدير إجمال القاعدة من هذه الجهة فالمرجع عمومات الحلّ المتقدّمة(3) كما تقتضيه القاعدة في تردّد المخصّص المنفصل بين الأقلّ والأكثر .
2 ـ الروايات الخاصّة :
الوجه الثاني : الروايات الخاصّة الواردة في الباب ، وعمدتها روايتان :
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ، (2) الوسائل 20
: 371 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب1 ح1 ، 3 ، 7 .
(3) في ص34 .
الاُولى : صحيحة علي بن مهزيار ، قال : « سأل عيسى بن جعفر بن عيسى أبا جعفر الثاني (عليه السلام) إنّ امرأة أرضعت لي صبيّاً ، فهل يحلّ لي أن أتزوّج ابنة زوجها ؟ فقال : ما أجود ما سألت ، من هاهنا يؤتى أن يقول الناس : حرمت عليه امرأته من قبل لبن الفحل ، هذا هو لبن الفحل لا غيره . فقلت له : الجارية ليست ابنة المرأة التي أرضعت لي ، هي ابنة غيرها ، فقال : لو كنّ عشراً متفرّقات ما حلّ لك شيء منهنّ ، وكنّ في موضع بناتك »(1).
الثانية : صحيحة أيّوب بن نوح ، قال : « كتب علي بن شعيب إلى أبي الحسن (عليه السلام) : امرأة أرضعت بعض ولدي ، هل يجوز لي أن أتزوّج بعض ولدها ؟ فكتب (عليه السلام) : لا يجوز ذلك لك ، لأنّ ولدها صارت بمنزلة ولدك »(2).
وتقريب الاستدلال بهاتين الصحيحتين هو أنّ مقتضى إطلاق تنزيل بنات الفحل في الصحيحة الاُولى منزلة بنات أبي المرتضع بقوله (عليه السلام) : « وكنّ في موضع بناتك » ، وتنزيل أولاد المرضعة في الصحيحة الثانية منزلة أولاد أبي المرتضع بقوله (عليه السلام) : « لأنّ ولدها صارت بمنزلة ولدك » هو التنزيل بلحاظ جميع الآثار ، فيصير أخو أبي المرتضع بمنزلة العمّ ، وأبو أبي المرتضع بمنزلة الجدّ ، واُمّ المرتضع بمنزلة حليلة الأب ، فإذا كان أولاد الفحل ذكوراً حرم عليهم التزويج بها وكذا مقتضاه صيرورة أولاد أبي المرتضع إخوة لأولاد الفحل ، وهكذا .
جواب المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) :
وقد أجاب عن الاستدلال بهاتين الصحيحتين صاحب الكفاية المحقّق
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 20 : 391
/ أبواب ما يحرم بالرضاع ب6 ح10 .
(2) الوسائل 20 : 404 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب16 ح1 .
الخراساني (قدّس سرّه) في رسالته الرضاعية(1) بأنّ المستفاد من التنزيل الذي تضمّنته الصحيحتان ليس إلاّ التنزيل بلحاظ حرمة تزويج أبي المرتضع بأولاد المرضعة أو صاحب اللبن ، ولا يستفاد منهما حكم تزويجه بغيرهنّ أو تزويج غيره بهنّ ، وأنّ السؤال عن جواز تزويجه وعدمه يوجب صرف وجه الإطلاق في التنزيل إلى التنزيل بلحاظ حرمة تزويجه بهنّ ، هذا .
المناقشة في جوابه :
ولا يمكن المساعدة على ما أفاده (قدّس سرّه) إذ هو خلاف المفهوم العرفي من
الصحيحتين المتقدّمتين ، فإنّ التنزيل قد جاء بلسان التعليل للحكم بعدم الجواز
في الصحيحة الثانية ، وبلسان تطبيق الكبرى على الصغرى في الصحيحة الاُولى ، ومن
الواضح إفادة كلّ منهما العموم بالنظر العرفي ، نعم إذا كان التنزيل في مرتبة
نفس الحكم كان قاصراً عن إفادة العموم ، كما في قوله (عليه السلام) في بعض
روايات العصير العنبي : « هو خمر لا تشربه »(2) فإنّ مجيء الحكم بقوله (عليه
السلام) : « لا تشربه » بالتنزيل بقوله : « هو خمر » يمنع عن استفادة الإطلاق
من التنزيل المزبور فإنّه يصلح لكونه قرينة على اختصاص التنزيل بهذا الأثر ،
ولا أقل من الاحتمال وهذا بخلاف ما إذا جاء التنزيل بلسان التعليل ، أو تطبيق
الكبرى على الصغرى في
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتاب الرضاع (ضمن
مجموعة من كتب الآخوند
«قدّس
سرّه»
: 5 ـ 6 [مجموعة الكتب
هذه مودعة في مكتبة السيّد النجفي المرعشي (قدّس سرّه) تحت عنوان : قطرات من
يراع بحر العلوم] .
(2) الوسائل 25 : 293 / أبواب الأشربة المحرّمة ب7 ح4 عن التهذيب 9 : 122 / 526
[لا يخفى أنّ الموجود في
الوسائل «لا تشربه» من دون كلمة «خمر» نعم هي موجودة في التهذيب]
.
الرتبة المتقدّمة على الحكم ، فإنّه يفيد العموم بلا ريب ، وعليه فلا مناص من استفادة عموم التنزيل من الصحيحتين المتقدّمتين .
والذي يوضّح ذلك أنّ العناوين المتضايفة كما هي متلازمة في مرحلة الثبوت
والواقع متلازمة في مرحلة التنزيل ، فكما أنّ كون زيد أباً لعمرو لا ينفكّ في
الواقع عن كون عمرو ابناً له ، فكذا في مرحلة التنزيل لا ينفكّ تنزيل زيد منزلة
الأب لعمرو عن تنزيل عمرو منزلة الابن له. وهكذا تنزيل شخص منزلة ابن الأخ ، أو
ابن الابن لشخص آخر لا ينفكّ عن تنزيل الآخر منزلة العمّ والجدّ ، وهكذا ، إلاّ
أنّ ذلك لا يقتضي المصير إلى عموم المنزلة بالمعنى المصطلح عليه ، وهو شمول
التنزيل للعناوين الملازمة ، فإنّ مقتضاه ـ مع غضّ النظر عمّا سيأتي(1) ـ ليس
إلاّ التعدّي في الحكم بالحرمة إلى كلّ عنوان أصلي مترتّب على كون أولاد
المرضعة أو صاحب اللبن أولاداً لأبي المرتضع ، فيكون المستفاد منها عموم
التنزيل في المورد الخاص فيحرم على أخي أبي المرتضع أن يتزوّج بأولاد المرضعة
أو صاحب اللبن لأنّه عمّهنّ ، ويحرم عليهم أن يتزوّجوا باُخت أبي المرتضع
لأنّها عمّتهم ، كما يحرم أن يتزوّجوا باُمّ أبي المرتضع لأنّها جدّتهم ، ويحرم
على أبي أبي المرتضع أن يتزوّج بهنّ لأنّه جدّهن . كما أنّ مقتضى ذلك حرمة
تزويج أولاد المرضعة أو صاحب اللبن بأولاد أبي المرتضع ، لا من جهة أنّهم إخوة
أخيهم ، فإنّ هذا العنوان كما تقدّم(2) لا يقتضي التحريم في النسب فضلا عن
الرضاع ، بل لصيرورتهم إخوة لهم بالتنزيل المزبور فإنّ حقيقة الاُخوّة ليست
إلاّ الاشتراك في الأب أو في الاُمّ أو في كليهما ، إلاّ في
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص42 .
(2) في ص33 .
الأخوين الرضاعيين ، فإنّ الشارع اعتبر هناك في الاُخوّة الاشتراك في الفحل ، ولم يكتف بالاشتراك بالاُمّ ، وبالتنزيل المزبور يصبح الأب الحقيقي لأولاد أبي المرتضع أباً تنزيلياً لأولاد المرضعة أو صاحب اللبن ، فيشتركون في أب واحد ، فتتحقّق الاُخوّة بينهم ، كما ذهب إليه الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في رسالته الرضاعية(1)وإن كان الأشهر خلاف ذلك .
وما أورده عليه بعض الأساطين من اختلاف الاُخوّة والاشتراك في الأب مفهوماً ، وأنّ كلا منهما ليس عين الآخر ، وأنّ عنوان أولاد الأب عنوان ملازم للاُخوّة لا عينه ، لا يساعد عليه الفهم العرفي .
ثمّ إنّ مقتضى عموم التنزيل في الصحيحتين المتقدّمتين(2) حرمة زوجة أبي المرتضع ـ سواء أكانت اُمّاً للمرتضع أم لا ـ على أولاد صاحب اللبن أو المرضعة لأنّها حليلة أبيهم التنزيلي ، فتشملها الآية المتضمّنة لحرمة نساء الآباء على أولادهم(3).
ما أفاده الشيخ الأنصاري والمناقشة فيه :
وأمّا ما أفاده الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في المقام(4) ـ من أنّ مقتضى
التنزيل المزبور صيرورة اُمّ المرتضع بمنزلة الاُمّ لأولاد صاحب اللبن أو
المرضعة ـ فهو أمر غريب ، إذ لا ملازمة أصلا بين تنزيل أبي المرتضع منزلة الأب
لهم وتنزيل اُمّه منزلة الاُمّ ، نعم تحرم عليهم بما أنّها حليلة أبيهم كما
تقدّم .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتاب النكاح
(إعداد لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم 20) : 344 .
(2) في ص37 .
(3) النساء 4 : 22 .
(4) كتاب النكاح (إعداد لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم 20) : 342 .
|
|
|