رسالة في الرضـاع

ــ[3]ــ

(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الاَْخِ وَبَناتُ الاُْخْتِ وَأُمَّهـاتُكُمُ الَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ الَّتِى فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ الَّتِى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَاِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الاُْخْتَيْنِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً)

« نساء 4 : 23 »

ــ[4]ــ

ــ[5]ــ

 

المقدّمة

بسم الله الرحمن الرحيم
 

الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على محمّد خاتم النبيّين وعلى آله الأئمّة الميامين .

أضع هذه المقدّمة ـ بين يدي الأفاضل من القرّاء ـ لكتاب أحكام الرضاع في فقه الشيعة (فقه الرضاع) متوخّياً فيها عرض المفاهيم التي تحوّل بها الرضاع من موضع الفتوى إلى عالم الاستدلال والمبنى ، شمل مناقشة العامّة ـ أيضاً ـ في فقههم ممّا أفصح عن مكانة الفقيه المحاضر وقيمة الكتاب في الفقه المعاصر ، وما اقتضى الأمر من الإشارة إلى الوحي ، والتشريع والاجتهاد ، وما بذله أصحاب التقرير من الجهد والدقّة، والضبط والاستيعاب ، رائدهم في ذلك نشر العلم ، وإحياء الشريعة وتراث فقه الشيعة .

بين التشريع والاجتهاد :

جاءت الأديان الإلهيّة شرعة للسلوك ، ومنهاجاً للعمل . وقد بُلّغت الرسالة الإسلامية للناس كافّة عبر الكتاب والسنّة ، والسيرة النبوية ، وحياً من الله ، اتّخذها المسلمون قدوة للعمل ، والتمسها الفقهاء أساساً لمعرفة الأحكام .

ولذلك يحقّ لنا أن نقول : إنّ الدين يبدأ بالوحي وينتهي بالفتوى . وحي من الله ، وبلاغ من الرسول (صلّى الله عليه وآله) وتبيين من الأئمّة (عليهم السلام) وفتوى من المجتهدين ، ممّن وصفوا ـ وصفاً عامّاً ـ في هذا الحديث : « فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه ، حافظاً لدينه ، مخالفاً على هواه ، مطيعاً لأمر مولاه ، فللعوام أن

ــ[6]ــ

يقلّدوه »(1) هذا المنصب الخطير . ولهذا كانت المرجعيّة شاخصة العلم بالرسالة الإسلامية ، رائدة العمل بالوحي والتشريع الإلهي . ومن المواضيع التي تناولتها أيدي الفقهاء هو موضوع :

فقه الرّضاع :

فإنّ في هذا الموضوع أحكاماً تتعلّق بعموم المنزلة ، ونشر الحرمة ، وما يقتضي ذلك من موازنة في الأقوال والمذاهب ، وتفضيل الروايات بعضها على بعض وترجيحها من حيث المضمون ، والدلالة ، والسند . ويدور البحث فيها حول موضوعات ومسائل عويصة ، ترجع إلى أحكام الرضاعة ، والرضيع ، والمرتضع والشروط المعتبرة فيها ، وما إلى ذلك من فروض وفروع ، ومناقشات أدّت إلى البحث الجامع حول هذه القاعدة التحريميّة : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب »(2) والمزايا المتعلّقة بها ، وما يستثنى منها ، وما يترتّب عليها من أحكام شرعيّة ثابتة .

الرضاع في فقه الإماميّة والعامّة :

لم يختلف الفقهان في تحريم النكاح بالنسب ، كما حدّدته الآية الكريمة : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الاَْخِ وَبَنَاتُ الاُْخْتِ)(3).

ولم يختلفا ـ أيضاً ـ في أصل تحريم النكاح بالرضاع ، كما في هذه الآية
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الاحتجاج 2 : 511 ، نقلا عن تفسير الإمام الحسن العسكري : 300 .
(2) الوسائل 20 : 371 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب1 ح1 .
(3) النساء 4 : 23 .

ــ[7]ــ

الكريمة : (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ)(1).

وإنّما الاختلاف فيما حرم من الرضاع بعموم المنزلة في السنّة ، وفي جملة من الشروط .

الف ـ في فقه الشيعة الإماميّة :

أهمّ شرائط التحريم في الرضاعة(2):

1 ـ أن يكون الوطي صحيحاً ، وإن كان عن شبهة .

2 ـ أن تكون الرضاعة في يوم وليلة ، لا يفصل بينهما برضاع آخر .

3 ـ أو ما أنبت اللحم ، وشدّ العظم .

4 ـ أن يكون خلال الحولين . كلّ ذلك من الثدي ، وتكون المرضعة بالغة وحيّة .

5 ـ كفاية عشر رضعات كاملة في التحريم من الثدي ، إذا لم يتخلّل فيها بأكل أو شرب .

6 ـ اتّحاد الفحل في اللبن .

ب ـ في فقه العامّة :

أهمّ شرائط التحريم في الرضاعة(3):

1 ـ كفاية الرضعة الكاملة .

2 ـ أو لا يكون عدد الرضعات بأقلّ من خمس رضعات متفرّقات .

3 ـ أو مطلق التغذية من اللبن ، وإن لم يكن من الثدي .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النساء 4 : 23 .
(2) منهاج الصالحين (للإمام الخوئي) 2 : 267 .
(3) فقه السنّة (للسيّد سابق) 2 : 396 .

ــ[8]ــ

4 ـ عدم اشتراط أن تكون المرضعة بالغة وحيّة .

ويذكر الشيخ الطوسي ـ شيخ الطائفة ـ في الخلاف من متفرّدات الإمامية التي خالفها جميع الفقهاء ، هو ما : إذا حصل بين صبيّين الرضاع الذي يحرّم مثله ، فإنّه ينشر الحرمة إلى أخويهما وأخواتهما ... وقال جميع الفقهاء خلاف ذلك(1).

ومن أوجه النقاش بين الفقهين ما تعرّض له هذا الكتاب ـ فقه الرضاع ـ في مسألة التحديد في نشر الحرمة بعشر رضعات برواية رووها عن عائشة أنّها قالت : « كان في القرآن أنّ ما يحرم من الرضاع عشر رضعات ، ثمّ نسخ ونزل أنّ ما يحرم خمس رضعات »(2).

قال الإمام الخوئي ردّاً على ذلك : ومن هنا ذهب إلى كلّ منهما طائفة ، فإنّه بعد الاعتراف بنسخ التحديد بالعشر ، ونزول التحديد بالخمس ، كيف يسوغ الإفتاء بأنّ الحدّ هو العشر استناداً إلى القرآن المنسوخ(3) كما لا يجوز الإفتاء بخمس رضعات ، لعدم وجود هذا النسخ في القرآن .

تشريع الحرمة في الرضاع :

وقد تضمّن هذا التشريع سرّاً من أسرار التكوين ، من اتّساع دائرة المحارم بالرضاع ، وتضييق حدودها من حيث حرمة النكاح في الموقّت والدائم .

ولعلّ تأثير اللبن الواحد في تكوين الإنسان ، وتكييف بنيته الروحيّة والجسميّة هو الذي أدّى إلى إلحاقه بالمحارم الذين يختلفون عن غيرهم في الخصائص الجنسيّة والعاطفية فيما بينهم .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الخلاف 4 : 302 / المسألة 73 .
(2) المغني لابن قدامة 9 : 194 ] مع اختلاف في النقل [ .
(3) راجع ص119 من هذه الرسالة .

ــ[9]ــ

فكان دور التشريع في هذا الأمر دور الكشف عن الواقع المجهول عند البشريّة ، ودور خروجها عن حدّ البهائم ، وحياة الحيوانات الضارية.

ثمّ إنّه لابدّ من أن يكون في هذا التحريم مفسدة ملزمة تلحق بالأُسرة البشريّة ، وهي تريد التناكح والتناسل والمصاهرة فيما بينها بعيدة عن التلوّثات والأوضار المادّية والمفاسد الأخلاقية ، الأمر الذي لا يمكن استكناهه وكشف أسراره وكوامنه إلاّ بالتشريعات الإلهيّة ، التي تزامل المصالح الإنسانية العليا ، وفق أسرار الخليقة المنسجمة معها ، فيما ينبغي أن يتخالط الناس أو لا يتخالطوا .

ونظير هذا التشريع القرآني هو النهي عن نكاح ما نكح الآباء ، والجمع بين الاُختين : (وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ)(1) (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الاُْخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ)(2) تجويزاً لما مضى ، وتحريماً لما يأتي .

والرخصة في الإبقاء على ما مضى من هذا النكاح المحظور بعد نزول الآية الكريمة في التحريم ، دليل على ما للمشرّع من سلطة تشريعية مطلقة فيما يرى من ترخيص أو حظر في زمان دون زمان إذا كان المشرّع هو الله . ولم يفعل الشارع مثل ذلك في ارتداد أحد الزوجين عن الإسلام ، أو إسلام أحدهما دون الآخر ، بل شرّع البينونة بينهما .

ومن هذا المنطلق يمكن الإجابة عن نكاح الأخوات والإخوة ـ إن صحّ ذلك ـ فيما سلف من ولد آدم ، إباحة في جيل ، وحظراً في جيل آخر . ولعلّ هناك أمراً آخر في التوالد استأثر بعلمه الله ، وهو أعلم ببواطن الاُمور .

منهجيّة الكتاب :

وقد اتّبع في هذا الكتاب المنهج الموضوعي الذي يتميّز بوحدة الموضوع
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ، (2) النساء 4 : 22 ، 23 .

ــ[10]ــ

واستيعاب جميع العناصر والأحكام التشريعيّة ذات الانطباق الواحد في إطار موحّد ، ونظرية عامّة وتخطيط شامل ، يحيط بجميع مفردات الموضوع وموادّها ومسائلها المبسّطة في مختلف كتب الفقه الموسوعيّة .

وقد اقتضى هذا المنهج التعرّض للبحث عن النكاح الدائم والمنقطع ، وعن المملوكة والمحلّلة ، وما يتعلّق به من وطي الشبهة ومسألة الضمان ومهر المثل ، وغير ذلك من الأبحاث المترابطة .

مكانة المحاضر :

ومن أبرز المجتهدين ـ وهو على قمّة الفقاهة والاجتهاد ـ الإمام الخوئي ، الذي تدارس مع طلاّبه النابهين الفقهَ والاُصولَ ، ودلّهم على الاجتهاد والفتوى ، وحاضر عليهم ـ فيما حاضر ـ هذا المبحث الجليل ، وخرج معهم بهذا الموضوع الجديد .

وتطوير فقه الرضاع من الفتوى إلى الاستدلال والمبنى أمر غير يسير ، يدلّ على قدرة الفقيه ودقّة اجتهاده ، وما بلغ إليه من تفوّق ومهارة ، وإبداع وأعلميّة إلى جانب نهوضه بالمرجعيّة العليا في مجاري الاُمور(1) وقيامه بالنيابة العامّة عن الإمام الغائب (عليه السلام) .

وكان الإمام الخوئي (رحمه الله) العالم الذي نُعتت حياته : (العالم حيّ وإن مات) ونعيت(2) مماته : (إذا مات العالم ثلمت في الإسلام ثلمة لا يسدّها شيء) .

جهد المقرّرين :

وقد عنّ لي ـ ببضاعتي المزجاة ـ أن اُقدّم لهذا الكتاب : (فقه الرضاع) الذي تظافرت عليه جهود الإمام الخوئي ، وتلميذيه : آية الله الشيخ محمّد تقي الإيرواني
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البحار 100 : 80 / 37 ، المستدرك 17 : 315 / أبواب صفات القاضي باب 11 ح16 .
(2)
[لعلّ المراد : « ونُعِتَ » أو « ونعي »] .

ــ[11]ــ

وآية الله السيّد محمّد مهدي الخلخالي ، اللذين وصف تقريرهما ـ في تقريظه بـ « ... حسن العبارة ، جيّد البيان ، وافياً بالمراد ... » .
ورجا من الله جلّ شأنه « ... أن يزيد من توفيقهما ، ويجعلهما من أعلام الدين ، وحفّاظ شريعة سيّد المرسلين » .

وهو ما دلّ على إبداعهما في إعداد هذا الأثر الجليل من شريعة محمّد (صلّى الله عليه وآله) وفقه آل محمّد (صلّى الله عليه وآله) راجين أن يكون هذا الجهد مرضيّاً لدى بقيّة الله الإمام الغائب (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) إنّه ولي التوفيق .

مرتضى الحكمي                       

طهران ـ صفر المظفّر 1314هـ ق ـ 9/5/72هـ ش

 

ــ[12]ــ

الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على محمّد وآله الطيّبين .

وبعد ، فإنّ من نعم الله تعالى عليَّ فيما مضى من حياتي وما قضيته من سنيّ عمري التوفيق لحضور مجالس ومحاضرات المربّي الثقافي الأعظم السيّد الأكبر السيّد أبو القاسم الخوئي (دام ظلّه الشريف) في الموضوعات المختلفة الفقهيّة والاُصوليّة وغيرها في شتّى المناسبات ، وكان من ذلك المحاضرات التي ألقاها في أحكام الرضاع في الفقه الإسلامي في مناسبتين ، وقد وفّقت للحضور في إحدى المناسبتين وسجّلت ما ألقاه (دام ظلّه) وحضر الأخ العلاّمة السيّد محمّد مهدي الخلخالي في كلتا المناسبتين ، وقد مزجت ما سجّلته وما سجّله ، وهذّبته بعنوان : الرسالة الرضاعيّة في تقرير ما ألقاه الاُستاذ الأعظم السيّد الأكبر الخوئي (دام ظلّه الوارف) في هذا الجانب من الفقه الإسلامي . وقد أبدى بعض إخواننا الأفاضل بعض الملاحظات في مختلف جوانب الرسالة ليستفيد منها المراجع لهذه الرسالة .

وأسأله تعالى أن يكون ذلك كلّه مقبولا لدى من نتقرّب إليه تعالى برضاه وصلّى الله على محمّد وآله الطيّبين .

محمّد تقي الإيرواني         

1412هـ ق ـ النجف الأشرف

ــ[13]ــ

بسمه تعالى

أحمده تبارك وتعالى على نعمه وآلائه ، واُصلّي واُسلّم على أشرف بريّته وخير خلقه ، وخاتم رسله محمّد صلّى الله عليه وآله الطيّبين الطاهرين ، الذين ارتضعوا من ثدي الرسالة النبوية لبانة الوحي الإلهية .

أمّا بعد ، فقد حظيت مسألة الرضاع في الفقه الإسلامي بمنزلة هامّة ، وأهميّة فائقة ، فإنّ الرضاع لحمة كلحمة النسب(1)، يحرم به ما يحرم بالنسب ، وله ربط وثيق بحرمة النكاح ، فإنّ ربط الرضاعة بين الرضيع والمرضعة يكون كربط النسب بين الولد والوالدة ربط تكوين واشتقاق ، وليس ذلك إلاّ لسريان حقيقة الأصل في فروعه . والرضاع بشرائطه له تأثير في ذلك الربط الأصيل ، وإن كان أضعف من النسب، ومن هنا أوسع الله تعالى لنا دائرة القرابة بالحاق الرضاع بها ، لأنّ بدن الرضيع يتكوّن من لبن المرضعة ، ولذلك يرث منها الطباع والأخلاق ، كما يرث منها ولدها الذي ولدته . وحيث إنّا لم نُحط علماً بتأثير الرضاعة ، لا في مقدارها ولا شرائطها ، ولا شرائط المرضعة ولا الرضيع ، فلابدّ وأن نقتصر على ما ورد به النصّ الشرعيّ ، ونرجع فيما شكّ إلى ما تقتضيه الاُصول والقواعد العامّة . وقد اختلفنا مع سائر المذاهب في جملة من الشروط ، ومن المعلوم أنّ مذهب أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) هو الحقّ الذي لا ريب فيه ، فإنّهم المطهّرون من الدنس والخطأ ، والمرتضعون من ثدي الرسالة ، وهم أحد الثقلين اللذين تركهما الرسول الأعظم مرجعاً للاُمّة .
ولقد أشار الكتاب الكريم إلى أهميّة الربط الرضاعي ، حيث إنّه عدّه في
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ ملحق رقم (1) ص177 .

ــ[14]ــ

سياق الربط النسبي الموجب لحرمة نكاح الاُمّهات والأخوات ، حيث قال عزّ من قائل : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الاَْخِ وَبَنَاتُ الاُْخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ ...)(1).

كما وقد اهتمّت به السنّة الشريفة ، وأحاديث العترة الطاهرة ، فورد حوله وحول أحكامه عشرات الروايات والأخبار ، منها ما روي عن النبي (صلّى الله عليه وآله) عن طرق الفريقين(2) قوله (صلّى الله عليه وآله) : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » .

ولهذا قد اهتمّ فقهاؤنا العظام بمسألة الرضاع على مرّ تاريخ الفقه الإسلامي وعمدوا على تشييد قاعدة في الرضاع يرجع إليها في التفريعات المناسبة وكانت من أهم القواعد الفقهيّة .

وكان ممّن تصدّى لتحقيق هذه القاعدة وتشييد مبانيها من فُجِع الإسلام والمسلمون والأوساط العلميّة بفقده(3) بفاجعة عظيمة في عصرنا الحاضر ، وهو سيّدنا الاُستاذ الأعظم آية الله العظمى الإمام الخوئي (قدّس سرّه) فإنّه كان مناراً للعلم ، وعلماً للفضيلة والتحقيق ، وباباً من أبواب مدينة علوم أهل البيت (عليهم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النساء 4 : 23 .
(2) الوسائل 20 : 371 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب1 ح1 ، 7 .
والمعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي (صلّى الله عليه وآله) 1 : 452 مادّة حرم ، عن البخاري ، ومسلم ، وغيرهما عن النبي (صلّى الله عليه وآله) .
(3) قد ارتحل سيّدنا الاُستاذ (قدّس سرّه) إلى جوار ربّه الكريم في 8 صفر سنة 1413هـ في النجف الأشرف ، وكانت ولادته في 15 رجب سنة 1317هـ في بلدة (خوي) من بلاد آذربيجان .

ــ[15]ــ

السلام) وياأسفاه ياسيّدي الاُستاذ حين اُحرّر هذه الكلمات ، ولا أرى لك شخصاً في الحياة ، ولا أستطيع أن اُؤدّي حقّك يافقيد العلم ، ويازعيم الاُمّة ، فهنيئاً لك ثمّ هنيئاً لك ، لقد عشت سعيداً ، ومتّ سعيداً مظلوماً ، ووفدت على ربّ كريم ، ونزلت ضيفاً عزيزاً على جدّك أمير المؤمنين (عليه صلوات المصلّين) وبقيت الأوساط العلميّة تنعاك ، ولكن أنت حيّ بآثارك لا تنسى ، وتكون كمن سبقك من أعلام الدين خالداً ومناراً للهدى ، وأنت حيّ مرزوق عند ربّك أبداً ، فسلام عليك ، طبت مضجعاً وموئلا .

ولعمرو الحقّ لقد اشتملتْ أبحاث سماحته (قدّس سرّه) في هذه الرسالة كغيرها من أبحاثه على تدقيقات لطيفة ، وتحقيقات عميقة ، اقتضاها البحث ، كما هو المشهود في أبحاثه في سائر المجالات العلميّة ، فقهاً واُصولا وتفسيراً ورجالا .

وقد وفّقني الله تعالى بمنّه ولطفه للحضور في أبحاثه العالية في الاُصول والفقه والتفسير ، وقرّرت من أبحاثه القيّمة ما ساعدني التوفيق على تقريره وتحريره ، ومن تلك الأبحاث ما ألقاه (قدّس سرّه) في تشييد قاعدة الرضاع محتوى هذه الرسالة في مناسبتين(1) من أيّام العطلات التقليدية في الحوزة العلميّة المباركة في النجف الأشرف زادها الله شرفاً وعزّاً .

لقد كان ممّن حضر في المناسبة الاُولى سماحة العلاّمة الحجّة الفقيه الشيخ محمّد تقي الإيرواني (دامت بركاته) محرّراً ما أفاده السيّد الاُستاذ (قدّس سرّه) وقد حبّذ نشر هذه الرسالة الكريمة التي هي من إفادات اُستاذنا المعظّم (قدّس سرّه) مزجاً بين ما
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الاُولى في شهر رمضان سنة 1374هـ ق ، والثانية في شهر رمضان سنة 1375هـ ق ، وقد كان (قدّس سرّه) ملحّاً على الدراسة حتّى في أيّام العطلات التقليدية بنشاط تامّ ، وحوله تلامذته يغتنمون الفرصة بالارتشاف من منهله العذب .

ــ[16]ــ

حرّرته وما حرّره (دامت إفاضاته) فأجبته على ما أحبّ ، وقدّمت له ما طلب ، أداءً لمقامه الكريم وتقديراً لحقّه على الحوزة العلميّة .

وقد طبعت(1) هذه الرسالة في النجف الأشرف بعد ملاحظة سيّدنا الاُستاذ (قدّس سرّه) لها والإدلاء عليها بتقريظه العطر ، وحيث إنّ البحث عن الرضاع كان ينطوي على دقائق وتحقيقات أفادها (قدّس سرّه) تجدر بالاهتمام وتليق بالتأمّل والدراسة ، لذلك آثرنا تجديد طباعة(2) هذه الرسالة ثانيةً ، ونشرها على الملأ الفقهي العام ، تعميماً للفائدة ، وإغناءً للمكتبة الإسلامية ، وخدمة للفقه والفقهاء والله ولي التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل .

محمّد مهدي الموسوي الخلخالي    

ربيع الأوّل 1414هـ ق ـ طهران

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في سنة 1412هـ ق وذلك في حياة السيّد الاُستاذ (قدّس سرّه) .
(2) وقد أضفنا في بعض التعاليق أقوال العامّة للمقارنة بين الفقه على المذاهب الخمسة ، وهناك بعض الملحقات أيضاً .

ــ[17]ــ


بسم الله الرحمن الرحيم
 

أسباب حرمة النكاح في الإسلام

وهي أربعة : فإنّ حرمة النكاح في شريعة الإسلام بين أي رجل وأيّة امرأة ـ سواء أكانت على نحو الدوام أم على النحو المؤقت ـ إمّا أن تستند إلى النسب القائم بينهما خاصّة ، كحرمة النكاح بين الرجل واُمّه ، واُخته ، وبنته ، وبنت أخيه ، وبنت اُخته ، وعمّته ، وخالته ، وهي العناوين النسبيّة السبعة المذكورة في الآية(1).

أو تستند إلى الرضاع المحقِّق لأحد العناوين المتقدّمة بينهما خاصّة ، فتتحقّق به اُمومة رضاعيّة ، واُخوة رضاعيّة ، وهكذا .

أو تستند إلى السبب فقط ، ونعني به ما لم يكن نسباً ولا رضاعاً ، كالتزويج بذات العدّة مع العلم بكونها ذات عدّة والعلم بعدم جواز التزويج في العدّة ، أو مع الدخول بها وإن جهل الحكم والموضوع . وكالتزويج بذات البعل مع العلم بالحكم وبأنّها ذات بعل ، أو مع الدخول بها وإن جهل الحكم أو كونها ذات بعل .

أو تستند إلى المركّب من النسب وغيره ، أو المركّب من الرضاع وغيره وذلك كاُمّ الزوجة نسباً أو رضاعاً ، فإنّ حرمتها على زوج بنتها تستند إلى مجموع الأمرين : الزوجيّة القائمة بين ذلك الزوج وزوجته ، وبنوّة تلك الزوجة لتلك المرأة نسباً أو رضاعاً . وهكذا بنت الزوجة المدخول بها ، وزوجة الأب ، وزوجة الابن ، واُخت الزوجة ، فإنّ الكلام فيما يعمّ التحريم الموقّت ، كما تقدّم . وقد اصطلح
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النساء 4 : 23 ، وقد تقدّمت في ص4 .

ــ[18]ــ

الفقهاء على هذا القسم من أسباب التحريم بالمصاهرة .

وقد تعرّض القرآن الكريم للأقسام الأربعة ، فذكر العناوين النسبيّة السبعة أوّلا في الآية(1)، وهي الاُمّ والبنت والاُخت ـ وهذه الثلاثة متقوّمة بنسب واحد ـ والعمّة والخالة وبنت الأخ وبنت الاُخت ، وهذه الأربعة تتقوّم بنسبين .

ثمّ أخذ في ذكر القسم الثاني ، فذكر نوعين منه ، وهما الاُمّ الرضاعيّة والاُخت الرضاعيّة ، وثبت الباقي بالسنّة .

ثمّ ذكر أربعة أصناف من القسم الرابع ، وهـي : 1 ـ اُمّهات النساء . 2 ـ والربائب من النساء المدخول بهنّ . 3 ـ وحلائل الأبناء . 4 ـ والجمع بين الاُختين .

وذكر الصنف الخامس ، وهي زوجات الآباء قبل هذه الآية(2).

وذكر من القسم الثالث صنفاً واحداً ، وهي المطلّقة ثلاثاً(3)«1»

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

«1» لا بأس بذكر رواية تضمّنت لذكر فهرس جميع الفروج المحرّمة في الشريعة الإسلامية وهي ما روي عن موسى بن جعفر (عليه السلام) عن أبيه جعفر بن محمّد (عليه السلام) قال : « سئل أبي (عليه السلام) عمّا حرّم الله عزّوجلّ من الفروج في القرآن ، وعمّا حرّمه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في سنّته ، فقال : الذي حرّم الله عزّوجلّ أربعة وثلاثون وجهاً : سبعة عشر في القرآن ، وسبعة عشر في السنّة.

فأمّا التي في القرآن : 1 ـ(4) فالزنا ، قال الله عزّوجلّ : (وَلاَ تَقْرَبُوا
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النساء 4 : 23 ، وقد تقدّمت في ص4 .
(2) النساء 4 : 22 .
(3) البقرة 2 : 228 ـ 230 .
(4) الترقيم من الكاتب ، لا في أصل الرواية ، لغرض التوضيح .

ــ[19]ــ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الزِّنَى)(1) 2 ـ ونكاح امرأة الأب ، قال الله تعالى : (وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ)(2) 3 ـ (أُمَّهَاتُكُمْ 4 ـ وَبَنَاتُكُمْ 5 ـ وَأَخَوَاتُكُمْ 6 ـ وَعَمَّاتُكُمْ 7 ـ وَخَالاَتُكُمْ 8 ـ وَبَنَاتُ الاَْخِ 9 ـ وَبَنَاتُ الاُْخْتِ 10 ـ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ 11 ـ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ 12 ـ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ 13 ـ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ 14 ـ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ 15 ـ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الاُْخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ)(3) 16 ـ والحائض حتّى تطهر ، قال الله عزّوجلّ : (وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ)(4) 17 ـ والنكاح في الاعتكاف ، قال الله عزّوجلّ : (وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)(5).
وأمّا التي في السنّة 1 ـ فالمواقعة في شهر رمضان نهاراً . 2 ـ وتزويج الملاعنة بعد اللعان . 3 ـ والتزويج في العدّة . 4 ـ والمواقعة في الإحرام . 5 ـ والمحرم يتزوّج أو يزوّج . 6 ـ والمظاهر(6) قبل أن يكفّر . 7 ـ وتزويج المشركة . 8 ـ وتزويج الرجل امرأة قد طلّقها للعدّة تسع تطليقات . 9 ـ وتزويج الأمة على الحرّة . 10 ـ وتزويـج الذمّية على المسلمة . 11 ـ وتزويج المرأة على عمّتها وخالتها . 12 ـ وتزويج الأمة من غير إذن مولاها . 13 ـ وتزويج الأمة على من(7) يقدر على تزويج الحرّة . 14 ـ والجارية من

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الإسراء 17 : 32 .
(2) النساء 4 : 22 .
(3) النساء 4 : 23 .
(4) البقرة 2 : 222 .
(5) البقرة 2 : 187 .
(6) أي من ظاهر امرأته على ما ذكر في الفقه كتاب الظهار .
(7) في البحار : « لمن » بدل « على من » .

ــ[20]ــ

وقد تقدّم أنّ الكلام فيما يعمّ التحريم الموقّت .

والمقصود بالبحث في هذه الرسالة إنّما هو الرضاع ، باستيفاء جميع الأحكام المتعلّقة بسببيّته لحرمة النكاح ، فنقول :
 

سببيّة الرضاع لنشر الحرمة

سببيّة الرضاع لنشر حرمة النكاح في الجملة مورد اتّفاق فقهاء الإسلام ، وإن وقع الخلاف في خصوصياته«1»، وقد استفاضت الأخبار بذلك ، وهي على قسمين :

قسم يتضمّن بيان قاعدة كلّية تطبيقاً على بعض الموارد الخاصّة ، أو ابتداءً وهو قولهم (عليهم السلام) : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»(1) أو ما يقرب من هذا التعبير ، وفي بعضها : « يحرم من الرضاع ما يحرم من القرابة »(2) كما أنّ في بعضها رواية الجملة الأُولى عن النبي (صلّى الله عليه وآله)(3).

  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السبي قبل القسمة . 15 ـ والجارية(4) المشركة . 16 ـ والجارية المشتراة قبل أن يستبرأها. 17 ـ والمكاتبة الـتي قد أدّت بعض المكاتبة»(5).
«1» راجع الملحق رقم (2) في ص177 .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 20 : 371 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب1 ح1 ، 3 ، 4 ، 6 ، 7 ، 10 .
(2) الوسائل 20 : 371 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب1 ح2 ، 9 .
(3) الوسائل 20 : 371 / أبواب ما يحرم بالرضاع ب1 ح1 ، 7 .
(4) في الخصال : « الجارية المشتركة » .
(5) البحار 100 : 367 / باب جوامع محرّمات النكاح ح1 عن الخصال : 532 / 10 .