ــ[21]ــ

أمّا لحـوم السباع فمن الطير والدواب فإنّا نكرهـه ، وأمّا الجلود فـاركبوا عليها ، ولا تلبسوا منها شيئاً تصلّون فيه»(1).

وروى الشيخ الصدوق في كتاب العلل عن محمّد بن إسماعيل البرمكي رفعه إلى أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « لا تجوز الصلاة في شعر ووبر ما لا يؤكل لحمه »(2).

وروى علي بن ] أبي [ حمزة قال : « سألت أبا عبدالله وأبا الحسن (عليهما السلام) عن لباس الفراء والصلاة فيها ، فقال : لا تصلّ فيها إلاّ فيما كان منه ذكيّاً قال قلت : أوَ ليس الذكيّ ما ذكّي بالحديد ؟ فقال : بلى إذا كان ممّا يؤكل لحمه قلت : وما لا يؤكل لحمه من غير الغنم ؟ قال : لا بأس بالسنجاب ، فإنّه دابة لا تأكل اللحم ، وليس ممّا نهى عنه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذ نهى عن كلّ ذي ناب
ومخلب »(3).

وروى محمّد بن إسماعيل ـ في المرفوعة ـ عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « لا يجوز الصلاة في وبر وشعر ما لا يؤكل لحمه ، لأنّ أكثرها مسوخ »(4).

وروي عن [الحسن بن] علي بن شعبة ـ في حديث ـ عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال : « كلّ ما أنبتت الأرض فلا بأس بلبسه والصلاة فيه ، وكلّ شيء يحلّ لحمه فلا بأس بلبس جلده الذكّي منه وصوفه وشعره [ووبره] ، وإن كان
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 4 : 353 / أبواب لباس المصلّي ب5 ح3 .
(2) علل الشرائع : 342 / ب43 ح1 ، الوسائل 4 : 347 / أبواب لباس المصلّي ب2 ح7 ولا يخفى أنّه يشتمل على ذيل يذكر بعد قليل.
(3) الوسائل 4 : 348 / أبواب لباس المصلّي ب3 ح3 .
(4) الظاهر أنّه نفس الحديث المتقدّم آنفاً عن العلل فلاحظ .

ــ[22]ــ

الصوف والشعر [والريش] والوبر من الميتة وغير الميتة ذكياً فلا بأس بلبس ذلك والصلاة فيه »(1) إلى غير ذلك من الروايات الواردة في المنع عن الصلاة في موارد خاصّة ممّا وقع السؤال عنه . وفيما ذكرناه غنىً وكفاية فيما يحتاج إليه من البحث فنقول :

لا ريب في استفادة المانعية من النواهي المتعلّقة بالصلاة فيما لا يؤكل لحمه ، أو بخصوص عنوان خاص . وتوهّم أنّ ما لا يؤكل لحمه لو لم يكن كناية عن حرمة الأكل بل عن عدم حلّيته ، لكان الفساد من جهة عدم الحلّية ، فيكون ظاهر النهي هو شرطية حلّية الأكل كما عن بعض الأساطين (قدّس سرّه)(2) مبني على ما أفاده من إمكان كون المانع هو الفعل غير الاختياري . وأمّا على ما بيّناه(3) من استحالة ذلك فلابدّ وأن يكون سبب الفساد هو الوقوع فيما لا يحلّ ، لا عدم الوقوع في الحلال ، وهو عبارة اُخرى عن المانعية ، سواء كان ذلك من جهة
الحرمة أو من جهة عدم الحلّية ، هذا . مضافاً إلى أنّ الفساد في الموثّقة(4) رتّب على حرمة الأكل ، لا على عدم الحلّية .

وأمّا الشرطية فليس في الروايات ما يتوهّم دلالته عليها إلاّ اُمور :

منها : قوله (صلّى الله عليه وآله) في الموثّقة : « لا تقبل تلك الصلاة حتّى يصلّيها في غيره ممّا أحلّ الله أكله » بدعوى أنّ ظاهره إيجاب وقوع الصلاة فيما
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 4 : 347 / أبواب لباس المصلّي ب2 ح8 ، تحف العقول : 338 .
(2) رسالة في اللباس المشكوك (للمحقّق العراقي (رحمه الله) وهو مطبوع مع روائع الأمالي) : 127 .
(3) في ص18 أوّل الأمر السابع .
(4) أي موثّقة ابن بكير المتقدّمة في ص19 .

ــ[23]ــ

يؤكل لحمه ، فيدلّ على الشرطية .

وقد أورد عليه شيخنا الاُستاذ العلاّمة (قدّس سرّه)(1) بأنّ ظهور صدرها في المانعية مانع عن استفادة الشرطية من الإيجاب المزبور ، لتصادم الظهورين في كلام واحد متصل ، فيكون ذلك من سوء تعبير ابن بكير بما يظهر منه المانعية أولا والشرطية ثانياً .

لكنّه يمكن أن يقال : إنّ صدر الموثّقة ناظر إلى بطلان الصلاة بوقوعها في غير المأكول ، وهو متمحّض في أن يكون الفساد من جهة وجود المانع ، إذ لا يشترط في الصلاة وجود غير الساتر قطعاً ، فضلا عن اشتراطه بشيء آخر .

وتوهّم إمكانه على تقدير وجوده ، نظير اشتراط القراءة بكونها جهرية على تقدير عدم الائتمام .

فاسد ، فإنّه على تقدير لبس لباس آخر غير الساتر ، أو حمل شيء في الصلاة ، يستحيل الأمر بإيقاعها في مأكول اللحم أو في غير ما لا يؤكل منه الذي هو منشأ انتزاع الشرطية ، فإنّه من طلب المحال أو طلب الحاصل ، وكلاهما غير معقول ، وذلك فإنّ اللباس الآخر المفروض وجوده إن كان من المأكول أو من غير الحيوان فهو من طلب الحاصل ، وإن كان من غير المأكول فهو من طلب المحال .

ومن ذلك يظهر بطلان الالتزام بالشرطية على تقدير كون اللباس حيوانياً أيضاً ، كما أنّه يظهر منه بطلان الالتزام بها معلّقاً على تعلّق الإرادة بلبس لباس آخر ، أو بحمل شيء معه في الصلاة ، وذلك فإنّ الإرادة الحدوثية لا يحتمل كونها تقديراً للشرطية ، والإرادة البقائية الملازمة للبسه خارجاً حالها حال نفس اللبس في استحالة الأمر المزبور على فرض وجودها وتحقّقها في الخارج .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رسالة الصلاة في المشكوك : 146 وما بعدها .

ــ[24]ــ

وبالجملة : شرط الواجب مطلقاً ـ سواء كانت الشرطية مطلقة أو على تقدير ـ لابدّ وأن يكون فعلا اختيارياً قابلا لتوجيه الخطاب إليه ، وليس في المقام شيء قابل له ولو في فرض تحقّق اللبس ، أو فرض كون اللباس حيوانياً .

نعم يصحّ أن يقال : إذا كنت لابساً لشيء غير الساتر يشترط فيه أن يكون من غير ما لا يؤكل لحمه ، لكنّه لا بمعنى الشرطية في الواجب، ضرورة أنّ كونه كذلك لا يعقل تعلّق الأمر به ، بل بمعنى دوران الصحّة مداره ، وهو يجتمع مع مانعية الوقوع في غير المأكول أيضاً.

فتلخّص : أنّ البطلان فيما إذا لم يكن غير المأكول ساتراً لابدّ وأن يكون من جهة المانعية المستفادة من صدر الموثّقة ، وأمّا ذيلها الآمر بوقوع الصلاة في غير ما لا يؤكل فهو ناظر إلى الشرطية ، لكنّها في خصوص الساتر ، إذ لا يكفي في صحّة الصلاة مجرّد عدم وقوعها في غير المأكول ، بل لابدّ من وقوعها في ساتر غير ما لا يؤكل لحمه ، وهو في فرض كونه حيوانياً ـ كما هو في مورد السؤال في الموثّقة ـ لابدّ وأن يكون مقيّداً بالمأكولية ، أو بعدم كونه من غير المأكول .

وعلى كل حال ، لا يكفي في الصحّة مجرّد عدم الوقوع في غير المأكول ، بل لابدّ من الوقوع في غيره في قبال صلاة العاري ونحوها . وعلى ما ذكرناه لا تنافي بين الفقرتين ، وفي استفادة المانعية من إحداهما والشرطية من الاُخرى .

إلاّ أنّ التحقيق عدم الدلالة فيها على الشرطية أصلا ، فإنّ الإشارة في قوله (عليه السلام) : « لا تقبل تلك الصلاة حتّى يصلّي في غيره ممّا أحلّ الله أكله » إمّا أن تكون إلى طبيعي الصلاة ، أو إلى خصوص صنف من أصنافه من صلاة الظهر والمغرب مثلا ، أو إلى شخص الصلاة الواقعة بما أنّها واقعة في الحيواني ، لا بما هي شخص ، ضرورة أنّه بعد وقوعها فاسدة يستحيل أن تنقلب عمّا هي عليها فيحكم عليها بالصحّة.

ــ[25]ــ

لا ريب في استفادة الشرطية على الأول والثاني بالتقريب المتقدّم ، وأمّا على الثالث فلا يمكن استفادتها منها ، ضرورة أنّه بعد ما فرض وقوع الصلاة في الحيواني ، وحكم بفسادها فيما إذا وقعت في غير المأكول ، فلا مناص من توقّف الصحّة على وقوعها في غيره ممّا أحلّ الله أكله .

ومع هذا الاحتمال بل أظهريته ـ ولو من جهة حصر الصحّة فيما إذا وقعت في المحلّل أكله ـ كيف يمكن دلالتها على الشرطية حتّى يعارض بها دلالة الصدر على المانعية . فالرواية متمحّضة في الدلالة على المانعية ، وليس لها إجمال من هذه الجهة أصلا .

فإن قلت : هب أنّ الموثّقة لا يستفاد منها الشرطية ولو بالقياس إلى الساتر إلاّ أنّه لا إشكال في اشتراط الستر اللباسي في الصلاة ، وحيث إنّ اللباس له قسمان في الخارج ، أحدهما ممّا لا يؤكل ، والآخر من غيره ، فلا محالة يكون النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل موجباً لتقيّد الأمر بلبس الساتر بغيره ، لامتناع اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد بعنوان واحد ، فيكون ذلك شرطاً في الساتر لا محالة ، ولا يضرّه عدم وجود المطلق في باب الساتر ، فإنّ التقييد المستفاد من النهي إنّما هو بالقياس إلى الحكم الواقعي ولو لم يكن دليل في البين ، فإنّ متعلّق الحكم الواقعي إذا استحال فيه الاهمال فلابدّ وأن يكون إمّا مطلقاً أو مقيّداً ، فإذا ثبت عدم الإطلاق من جهة النهي وامتناع اجتماعه مع الأمر فلابدّ من الالتزام بالتقييد .

قلت : أمّا تقييد الستر الواجب بدليل النهي فهو غير قابل للإنكار ، إلاّ أنّ القيد المعتبر فيه هو أن لا يكون الساتر ممّا لا يؤكل ، لا أن يكون من غيره الذي هو معنى الشرطية . فاعتبار هذا القيد العدمي في الستر الواجب كاعتبار القيود العدمية في نفس الصلاة ، فإنّها أيضاً توجب تقييدها بما لا يكون مع شيء منها ، إلاّ

ــ[26]ــ

أنّه يرجع إلى المانعية ، لا إلى الشرطية .

ومنها : تعليق الجواز في ذيل الموثّقة(1) على كون الحيوان مأكول اللحم ، فإنّه توهّم دلالته على الشرطية ، من جهة ظهور القضية الشرطية في المفهوم ، وأنّ عدم الجواز مستند إلى عدم الوقوع في المأكول .

ويرد عليه ـ مضافاً إلى ما عرفت من أنّ تعليق الجواز على الوقوع في محلّل الأكل بعد فرض كون اللباس حيوانياً ، والحكم بفساد الصلاة إذا وقعت في غير المأكول لا يدلّ على الشرطية ـ أنّه إنّما يتمّ فيما إذا لم يعلّق الفساد بعده على الوقوع في غير المأكول ، وأمّا معه فلا يبقى له دلالة عليها أصلا .

ومنها : رواية علي بن [أبي] حمزة(2)، وغاية ما يمكن أن يستدلّ بها على الشرطية أن يقال : إنّها تدلّ على اعتبار التذكية في جواز الصلاة ، المقيّدة في ذيلها بخصوص مأكول اللحم ، فكأنّه (عليه السلام) قال : جواز الصلاة مشروط بالتذكية الخاصّة ، وهي ما كانت في مأكول اللحم .

وبعبارة اُخرى : بعد ما علم في الشريعة قبول غير مأكول اللحم من السباع وغيرها للتذكية ، وتأثيرها في الطهارة وجواز الانتفاع بها ، فلابدّ من جعل اشتراط كون الحيوان مأكول اللحم إمّا قيداً ابتداءً لجواز الصلاة وإن كان مؤخّراً في العبارة أو يجعل قيداً للتذكية لكن بالقياس إلى خصوص الصلاة . وعلى كل حال يستفاد منها الشرطية وفساد الصلاة بدون القيد المزبور .

إلاّ أنّه يرد عليه : أنّ النهي فيها لو كان عن الصلاة إلاّ في خصوص المذكّى لكان لتوهّم الشرطية مجال واسع ، وأمّا إذا كان النهي فيها عن الصلاة في الفراء
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أي موثّقة ابن بكير المتقدّمة في ص19 .
(2) المتقدّمة في ص20 .

ــ[27]ــ

إلاّ في المذكّى فلا تدلّ الرواية إلاّ على بطلان الصلاة في فراء لا يكون مذكّى وصحّتها مع التذكية ، وأين ذلك من الشرطية ، وهل هو إلاّ الحكم بصحّة الصلاة في فرد وبالفساد في آخر . فكما يمكن أن يكون ذلك من جهة الشرطية يمكن أن يكون من جهة المانعية ، بل تجويز الصلاة في السنجاب في ذيل الرواية معلّلا بأنّه لا يأكل اللحم وليس ممّا نهى عنه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يدلّ على المانعية وأنّ الصحّة تدور مدار عدم النهي ، فكلّ ما لم يكن ممّا نهى النبي (صلّى الله عليه وآله) عن الصلاة فيه يحكم بجوازها فيه .

وأمّا رواية [الحسن بن] علي بن شعبة(1) فعدم دلالتها على الشرطية واضح ، فإنّ عدم البأس في الصلاة فيما أنبتت الأرض أو ما أحلّ الله أكله يمكن أن يكون من جهة مانعية غير المأكول ، كما يمكن أن يكون من جهة شرطية ذلك فلا دلالة لها على خصوص الشرطية .

فتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّ فساد الصلاة في غير المأكول منحصر بجهة المانعية ، وليس في شيء من الروايات دلالة على الشرطية ، وأنّه لا فرق بين الساتر وغيره في أنّ البطلان في كلّ منهما مستند إلى المانعية .

الثامن : إذا لم تثبت المانعية وتردّد أمر فساد الصلاة في غير المأكول بين أن يكون من جهة وجود المانع أو عدم الشرط ، فلا أصل يحرز به المانعية أو عدم الشرطية ، وذلك للعلم الإجمالي بأحد الجعلين إمّا جعل الشرطية أو جعل المانعية فلا مجال لجريان الأصل في أحد الطرفين . فإذا فرضنا أنّ الحكم كان على تقدير ثبوت المانعية هو الرجوع إلى البراءة في الشبهات الموضوعية ، كما أنّ مقتضى الأصل هو الاشتغال على تقدير الشرطية ، فعند عدم إحراز المانعية يكون المرجع
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المتقدّمة في ص21 .

ــ[28]ــ

هو قاعدة الاشتغال ، فإنّ احتمال الشرطية وعدم إحراز حصول المأمور به في الخارج ولو بمعونة الأصل كاف في عدم استقلال العقل بالبراءة .

وإن شئت قلت : إنّ استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان أو شمول أدلّة البراءة الشرعية يتوقّف على إحراز أن يرجع الشكّ إلى الشكّ في التكليف ، كما إذا ثبتت المانعية ، وأمّا عند احتمال الشرطية فيحتمل أن يكون الشكّ في الامتثال ، واحتمال أن يكون الشكّ في الامتثال بعينه شكّ في الامتثال ، ومعه يحكم العقل بالاشتغال لا محالة .

وبهذا اندفع ما أفاده شيخنا الاُستاذ العلاّمة (قدّس سرّه)(1) من رفع الكلفة الزائدة على تقدير الشرطية بحديث الرفع ، إذ الكلفة إنّما هي في حكم العقل بلزوم إحراز الامتثال ، وليس هناك مجعول شرعي يشكّ فيه حتّى يتمسّك في رفعه بالأصل ، نعم نفس الشرطية مجعول شرعي، إلاّ أنّ الأصل في نفيها معارض بأصالة عدم جعل المانعية .

التاسع : هل المانع عن صحّة الصلاة على تقدير المانعية هو وقوع الصلاة في أجزاء ذوات ما لا يؤكل من الأسد والأرنب وغيرهما ، وقد اُخذ عنوان ما لا يؤكل لحمه معرّفاً لها ، فتكون حرمة الأكل وعدم جواز الصلاة ثابتين لموضوع واحد . أو أنّ الموضوع لعدم الجواز هو وقوع الصلاة فيما حرّم الله أكله بهذا العنوان ، حتّى تكون حرمة الأكل مأخوذة في موضوع عدم الجواز ، فيكون أحد الحكمين في طول الآخر ؟

وعلى الثاني فهل المانعية للحرمة الذاتية ، فلا تفسد الصلاة فيما وقعت في المحرّم لعارض كالجلل ونحوه . أو للحرمة الفعلية حتّى تصحّ الصلاة فيما إذا
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لم نعثر عليه في مظانّ وجوده .

ــ[29]ــ

اضطرّ الإنسان إلى أكل لحم ما كان محرّماً في نفسه . أو للحرمة الشأنية ولو لعارض ، حتّى لا تصحّ في شيء من ذلك ؟ وجوه .

والتحقيق أن يقال : إنّه إن اقتصرنا في بطلان الصلاة في غير المأكول بخصوص السباع ـ كما هو صريح رواية علي بن [أبي] حمزة المتقدّمة(1)ـ فلا مناص من كون المانعية ثابتة للعنوان الذاتي ، وهو وقوع الصلاة في أجزاء السباع .

وأمّا إذا تعدّينا منها إلى غيرها ، بحمل الرواية على التقيّة ونحوها ، فلا موجب لرفع اليد عن ظواهر الأدلّة في أخذ حرمة الأكل في موضوع عدم الجواز فإنّ الحمل على المعرّفية وعدم كون العنوان المأخوذ في الموضوع موضوعاً خلاف الظاهر ، لا يصار إليه إلاّ بقرينة .

فما عن شيخنا الاُستاذ العلاّمة (قدّس سرّه)(2) من جعل المانع هو الوقوع في أجزاء العناوين الذاتية بلا موجب ، مضافاً إلى أنّه لا موجب حينئذ للتعدّي إلى ما لا يكون محرّماً في ذاته بل عرض له هذا العنوان ، مثل الموطوء وشارب لبن الخنزيرة والجلال ، وإن كان الاُستاذ (قدّس سرّه)(3) توقّف في الأخير ، نظراً إلى كون الجلل مثل الاضطرار من العناوين القابلة للزوال .

وأنت خبير بأنّ القبول للزوال أجنبي عن المانعية ، وكيف يقاس ذلك بالاضطرار ، فإنّه موجب للحلّية بالقياس إلى خصوص المضطر ، لا تبدّلا في ذات اللحم حتّى يحرم على عامّة المكلّفين ، كما في الجلل . فالجلال ما دام كونه كذلك محرّم على كل أحد ، وكونه قابلا للزوال لا ينافي مانعيّته عن الصلاة حال وجوده .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص20 .
(2) رسالة الصلاة في المشكوك : 320 وما بعدها .
(3) رسالة الصلاة في المشكوك : 96 .

ــ[30]ــ

وبالجملة : إن كان محرّم الأكل معرّفاً للعنوان الذاتي فلا موجب للتعدّي إلى غير ما كان حراماً في ذاته .

ودعوى أنّ ما دلّ على الملازمة بين الحرمة وعدم جواز الصلاة يقتضي التعدّي إلى ما ذكر يمنعها أنّ ما دلّ على الملازمة يدلّ على موضوعية نفس عنوان محرّم الأكل أيضاً ، فإن اُخذ بظهوره فهو ، وإن جُعل معرّفاً فالقدر المتيقّن هو معرّفيته لخصوص المحرّمات الذاتية .

وممّا يؤكّد ما ذكرناه من كون حرمة الأكل مأخوذة في الموضوع هو أنّه إذا دلّ دليل على نسخ حرمة أكل لحم حيوان فلا يشكّ أحد في جواز الصلاة في أجزائه ، مع أنّ الذات بعينها هي الذات الأوّلية التي لم تكن الصلاة جائزة في أجزائها .

ثمّ إنّ الحرمة المأخوذة في الموضوع لا تختصّ بالحرمة الذاتية الثابتة للشيء مع قطع النظر عن العوارض ، بل تعمّ الحرمة ولو كانت من جهة العارض كالجلل ونحوه ، وذلك لإطلاق الدليل على أنّ ما حرّم الله أكله لا تجوز الصلاة في شيء منه(1). كما أنّ المراد منها ليس هي الحرمة الفعلية المقابلة لإباحة الأكل فعلا ، ضرورة أنّه لا تجوز الصلاة في أجزاء ما اضطرّ إلى أكل لحمه ، وتجوز في أجزاء الحي وما خرج روحه بغير التذكية .

بل المراد منها على ما هو المستفاد من قوله (عليه السلام) : ما حرّم الله أكله(2) هو كون اللحم حراماً على تقدير وجود الشرائط ، فلو فرضنا عدم فعلية
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 4 : 345 / أبواب لباس المصلّي ب2 .
(2) الظاهر إرادة ما ورد في ذيل موثّقة ابن بكير المتقدّمة في ص19 وهو قوله (عليه السلام) : « وحرّم عليك أكله » .

ــ[31]ــ

الحرمة لعدم ابتلاء مكلّف به أصلا فهو لا يوجب صحّة الصلاة في صوفه مثلا ، فإنّه صوف حيوان حرّم الله أكله ، أي جعل له الحرمة في عالم التشريع وإن لم تكن الحرمة فعلية ، لعدم شرط أو وجود مانع ، وهذه الحرمة هي المرادة من الحرمة الشأنية التي تدور المانعية مدارها .

العاشر : أنّ اعتبار المانعية لغير المأكول في الصلاة إمّا أن يكون في نفس الصلاة ، أو في المصلّي ، أو في اللباس ، بمعنى أنّ القيد الاعتباري في الصلاة هل يكون مركزه نفس الصلاة ، فاعتبر فيها أن لا تقع في غير المأكول ، من دون إضافة إلى المصلّي أو اللباس . أو أنّ مركزه هو المصلّي ، فاعتبر فيها أن لا يكون المصلّي لابساً أو مصاحباً لغير المأكول . أو أنّ المركز هو اللباس ، فاعتبر فيها أن لا يكون هو أو كلّ ما مع المصلّي من غير المأكول . وعلى كل حال ، فالتقييد الاعتباري لنفس الصلاة ، والاختلاف في المركز والمورد .

الذي ينبغي أن يقال : إنّه لا معنى لأخذ شيء شرطاً في المأمور به إلاّ أن يكون هو أيضاً متعلّقاً للأمر بتبع الأمر به ، من جهة أخذ التقيّد فيه ، ولذا قد ذكرنا في الأمر السابع(1) أنّ شرط المأمور به لا يمكن إلاّ أن يكون فعلا اختيارياً ، وحيث إنّ اتّصاف اللباس بكونه من المأكول أو من غيره أو عدم كونه من غير المأكول لا يعقل تعلّق التكليف به وجوداً أو عدماً ، فلا معنى لكونه قيداً في المأمور به ، نعم يصحّ أن يقال : يشترط في الصلاة أن لا يكون اللباس من غير المأكول . لكنّه لا بمعنى أخذه في المأمور به ، بل بمعنى دوران الصحّة مداره ، ولو من جهة تقيّد الصلاة بأن لا تقع فيه .

فيدور الأمر بين أن يعتبر التقيّد في ناحية المصلّي ، بأن يكون الأمر متعلّقاً
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص18 .

ــ[32]ــ

بالصلاة المقيّدة بأن لا يكون المصلّي لابساً أو مصاحباً لغير المأكول ، فيكون عدم لبسه أو مصاحبته إيّاه مطلوباً من ناحية الأمر بالمقيّد . أو في ناحية نفس الصلاة فيكون الأمر متعلّقاً بها بقيد أن لا تكون في غير المأكول .

ولا يبعد أن يكون بعض الروايات ظاهرة في الأول ، كقوله (عليه السلام) في موثّقة سماعة : « ولا تلبسوا منها شيئاً تصلّون فيه »(1) إذ جعل متعلّق النهي الغيري المستفاد منه المانعية فيها هو اللبس حال الصلاة ، وليس في غيرها ما ينافي دلالته فإنّها دالّة على النهي عن الصلاة في غير المأكول ، وحيث إنّ غير المأكول لا معنى لكونه ظرفاً للصلاة إلاّ باعتبار كونه ظرفاً للمصلّي من جهة كونه لباساً له أو مصاحبته إيّاه حتّى تكون الظرفية بالعناية .

وعلى كل حال ، فالصلاة من أفعال المصلّي وكونه لابساً لغير المأكول أو مصاحباً إيّاه من جملة أفعاله أيضاً ، ولا مصحّح لظرفية متعلّق أحد الفعلين للآخر إلاّ بتوسيط الفاعل في البين حتّى يكون الإسناد إلى الفعل بالعرض والمجاز وعليه يكون مركز التقييد حقيقة هو عدم لبس المصلّي أو عدم مصاحبته لغير المأكول ، فيكون التقيّد بالعدم المنتزع عنه المانعية معتبراً في ناحيته ، فلا تكون لها دلالة على خلاف ما يستفاد من الموثّقة ، بل يكون مفادها منطبقاً على ما يستفاد منها بعينه ، فلا يبقى في البين ما يدلّ على اعتباره في ناحية الصلاة حتّى يكون المانع وقوعها في غير المأكول من غير لحاظ المصلّي .

وممّا ذكرناه يظهر فساد ما أفاده بعض المحقّقين من المعاصرين(2) ـ من أنّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 4 : 353 / أبواب لباس المصلّي ب5 ح3 ، وقد تقدّمت في ص20 .
(2) وهو المحقّق الإيروانيى (رحمه الله) في رسالة الذهب المسكوك في اللباس المشكوك : 27 .

ــ[33]ــ

القيدية الاعتبارية لابدّ وأن ترجع إلى الصلاة ، والقيدية الحقيقية أعني بها الاتّصاف الخارجي ليس إلاّ للمصلّي أو اللباس ، فإنّ اللباس في نفسه إمّا يكون من المأكول أو لا يكون منه ، كما أنّ المصلّي إمّا يكون لابساً له أو لا . فالترديد ليس بين الثلاثة ، بل بين الاثنين ـ فإنّك قد عرفت أنّ القيدية الاعتبارية وإن كانت للصلاة لا محالة إلاّ أنّ مركزها يمكن أن يكون نفسها ، ويمكن أن يكون المصلّي أو اللباس مع قطع النظر عمّا ذكرناه من لزوم كون الشرط فعلا اختيارياً . وسيظهر ثمرة هذا البحث في إجراء الاُصول العملية إن شاء الله تعالى .

إذا تحقّقت هذه الاُمور فيقع الكلام في المباحث :

ــ[34]ــ


المبحث الأوّل

فيما تقتضيه الأدلّة الاجتهادية

وتقريب دلالتها على جواز الصلاة فيما يشكّ في كونه من غير المأكول من
وجوه :

الأوّل : دعوى اختصاص الألفاظ وضعاً أو انصرافاً بخصوص المصاديق المعلومة ، فيكون النهي عن الصلاة في غير المأكول مختصّاً بما يعلم أنّه من غير المأكول ، فلا يكون الفرد المشكوك فيه محتملا لتعلّق النهي به واقعاً ، وإن كان من غير المأكول في نفس الأمر .

ولا يخفى أنّ هذه الدعوى لو تمّت لكان لازمها الحكم بالصحّة الواقعية ، وعدم تحقّق انكشاف الخلاف بانكشاف الوقوع في غير المأكول حتّى يكون الحكم بالصحّة متوقّفاً على جعل شرعي ، بل يكون المأتي به موافقاً للمأمور به في الواقع . إلاّ أنّ فسادها من الوضوح بمرتبة لا يحتاج معه إلى اتعاب النفس بإقامة البرهان والاستدلال عليه .

الثاني : دعوى أنّ العمومات أو المطلقات الواردة في وجوب الصلاة أو في وجوب التستر حجّة على جوازها في كلّ شيء ، ولا يزاحمها إلاّ حجّة اُخرى ومن الضروري أنّ دليل التخصيص لا يكون حجّة إلاّ فيما علم انطباق موضوعه على الموجود الخارجي ، فما لم يعلم كون شيء من غير المأكول لا يكون دليل

ــ[35]ــ

النهي عن الصلاة فيه حجّة بالقياس إليه ، فيتمسّك بالعموم ، فيحكم بجواز الصلاة فيه واقعاً .

ويرد عليه : أنّه على تقدير تسليم وجود عموم أو إطلاق في البين فلا محالة يكون دليل التخصيص كاشفاً عن تقيّد موضوعه بغير عنوان المخصّص واقعاً ، فإنّه مقتضى الجمع بين الدليلين ، ضرورة استحالة بقاء العام أو المطلق على عمومه أو إطلاقه بعد ورود التخصيص أو التقييد، فكاشفية العموم أو الإطلاق تتضيّق بورود التخصيص أو التقييد ، وينكشف بهما عدم إرادة العموم أو الاطلاق من أوّل الأمر .

وحينئذ فصدق عنوان المخصّص على فرد وإن كان مشكوكاً فيه فلا يكون دليل التخصيص حجّة بالقياس إليه ، إلاّ أنّ صدق عنوان العام بعد تقييده بغير عنوان المخصّص يكون مشكوكاً فيه ، فلا يكون الدليل العام حجّة بالقياس إليه أيضاً .

وبالجملة : إنّما يصحّ التمسّك بالعموم أو الإطلاق فيما إذا كان الشكّ راجعاً إلى الشكّ في أصل التخصيص أو التقييد ، ولو بالنسبة إلى غير ما يعلم التخصيص أو التقييد بالقياس إليه ، وأمّا إذا علم التخصيص أو التقييد وكان الشكّ راجعاً إلى الانطباق ـ كما في الشبهات المصداقية ـ فلا يمكن التمسّك معه بالعموم أو الإطلاق ، فإنّ صدق عنوان العام الثابت تقييده بدليل المخصّص لا يكون محرزاً معه ، ومع عدم إحرازه لا يصحّ التمسّك به ، ولتحقيق المقام وتوضيحه مقام آخر(1).

ثمّ إنّه لو قلنا بجواز التمسّك بالعموم في الشبهات المصداقية فلا يثبت به إلاّ الحكم الظاهري بجواز الصلاة ، وبعد انكشاف الخلاف وأنّها وقعت في غير المأكول لابدّ من إعادتها ، إلاّ أن يدلّ دليل شرعي على الصحّة والإجزاء ، كحديث
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في اُصول الفقه 4 (موسوعة الإمام الخوئي 46) : 343 .

ــ[36]ــ

لا تعاد(1) أو غيره .

الثالث : دعوى أنّ المانعية في المقام حيث إنّها منتزعة عن النهي عن الصلاة في غير المأكول فتكون فعليتها تابعة لفعليّته ، وحيث إنّ النهي لا يكون فعلياً مع الجهل فلا تكون المانعية أيضاً فعلية ، فتصحّ الصلاة في فرض الجهل بكون اللباس أو ما يستصحبه المصلّي من غير المأكول واقعاً .

نعم لو كان دليل المانعية بلسان أنّه لا صلاة في غير المأكول ونحوه ممّا لا يكون من قبيل التكليف ، لكان مقتضاه المانعية المطلقة المقتضية للفساد ولو في ظرف الجهل أو النسيان ، ما لم يدلّ دليل ثانوي على الصحّة والإجزاء . لكن الأمر في المقام ليس كذلك .

ويرد عليه أوّلا : أنّ غالب أدلّة عدم الجواز وإن كانت بلسان النهي إلاّ أنّ موثّقة ابن بكير(2) صريحة في المانعية وفي فساد الصلاة في غير المأكول ، فيتمسّك باطلاقها للحكم بالبطلان في حال الجهل ، فلابدّ من التماس دليل آخر [للصحّة] في ظرف الجهل .

وثانياً : أنّ النواهي الواردة في أجزاء المركّب وقيودها كالأوامر المتعلّقة بها ليس لها ظهور في إنشاء البعث والزجر ، كيف وتعلّقها في العبادات والمعاملات بسنخ واحد ، مع عدم شائبة الطلب في المعاملات أصلا ، بل الظاهر منها الإرشاد إلى المانعية ، كما أنّ الظاهر من الأوامر فيها الجزئية أو الشرطية .

وكونها منتزعة عن الحكم التكليفي معناه أنّها تنتزع عن الأوامر المتعلّقة بالمركّبات المقيّدة بالقيود الوجودية أو العدمية ، لا أنّها تنتزع عن الأمر المتعلّق
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 5 : 470 / أبواب أفعال الصلاة ب1 ح14 .
(2) الوسائل 4 : 345 / أبواب لباس المصلّي ب2 ح1 ، وقد تقدّمت في ص19 .

ــ[37]ــ

بالجزء أو الشرط أو النهي المتعلّق بالمانع . وعليه لا موجب لاعتبار العلم في فعلية هذا النهي الذي هو إرشادي محض ، ضرورة أنّ الاشتراط بالعلم من لوازم الطلب ، لا من لوازم كل إنشاء ولو لم يكن بداعي البعث والزجر ، وهذا ظاهر بأدنى تأمّل .

وثالثاً : أنّه لا وجه لاعتبار العلم بالموضوع في فعلية الطلب مع عدم أخذه فيه في لسان الدليل ولا في دليل آخر منفصل ، ضرورة أنّ فعلية الحكم إنّما تكون بفعلية موضوعه التامّ ، وإلاّ لزم تخلّف الموضوع عن حكمه ، وهو في حكم تخلّف العلّة التامّة عن معلولها .

نعم لا يكون الحكم الفعلي منجّزاً في ظرف الجهل ، ولا يصحّ العقاب على مخالفته ، وأين ذلك من الفعلية وتحقّق البعث أو الزجر في الواقع، خصوصاً في القضايا الحقيقية التي لا نظر فيها إلى شخص موضوع ، وإنّما اُنشئ فيها الحكم على موضوعها المقدّر وجوده أينما تحقّق .

ومن هنا علم أنّ الأمر كذلك حتّى فيما كانت المانعية مترتّبة على التكليف النفسي التحريمي ، كما إذا بنينا على استحالة اجتماع الأمر والنهي من جهة اتّحاد متعلّقهما في الخارج وجوداً وتقديم جانب النهي ، فإنّ حرمة المجمع واقعاً تكون مانعاً عن شمول إطلاق الأمر له ولو لم يعلم المكلّف بالتحريم ، لأنّ استحالة اجتماع الضدّين غير متوقّفة على علم المكلّف .

ولذا ذكرنا في محلّه(1) أنّ لازم هذا القول هو الحكم بفساد الصلاة في الدار المغصوبة ولو مع الجهل بغصبيّتها ، إلاّ أن يدلّ دليل خارجي على الصحّة والإجزاء وأنّ فتوى المشهور بالصحّة في الفرض المزبور لابدّ وأن تكون مبنيّة على القول
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح العروة الوثقى 13 : 17 ـ 18 .

ــ[38]ــ

بالجواز ، المبني على تعدّد الوجودين وكون التركيب بينهما انضمامياً لا اتّحادياً فإنّه على هذا القول يدخل المجمع في كبرى باب التزاحم لا التعارض ، ولازمه الالتزام بالصحّة في فرض المعذورية وعدم تنجّز الحرمة الواقعية المستلزمة لعدم اتّصاف الفعل بالقبح الفاعلي .

وما وجّه به المحقّق صاحب الكفاية (قدّس سرّه) فتوى المشهور من عدم فعلية النهي في ظرف الجهل فلا مانع من شمول إطلاق دليل الأمر له(1)، قد عرفت ما فيه ، وتمام الكلام في محلّه .

الرابع : دعوى أنّ الروايات الدالّة على جواز الصلاة في الخز(2) تدلّ على جوازها فيما كان يطلق عليه الخز ، وكان لبسه متعارفاً في تلك الأزمنة ، ومن المعلوم ندرة العلم بخلوص الخز وعدم غشّه بوبر الأرانب وغيرها ، فتكون تلك الأدلّة دالّة على جواز الصلاة فيما احتمل غشّه بغيره ممّا لا يؤكل لحمه ، إذ تخصيصها بخصوص الخالص يوجب إلغاءها وعدم الفائدة في تجويز الصلاة فيه فإنّ إحراز خلوصه من الغشّ نادر ، لا يمكن اختصاص تلك الأدلّة بمورده . وبعدم القول بالفصل بين موارد المشتبه يتعدّى إلى سائر موارد الشبهة ، فيتمّ المطلوب .

ويرد عليه أوّلا : أنّ تلك الأدلّة على تقدير دلالتها على جواز الصلاة في غير الخالص أيضاً قد قيّدت بما دلّ على عدم الجواز في المغشوش، فيكون التمسّك بها لجواز الصلاة فيما احتمل فيه الغشّ من التمسّك بالإطلاق في الشبهات
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول : 156 / الأمر العاشر .
(2) الوسائل 4 : 359 / أبواب لباس المصلّي ب8 ـ 10 .

ــ[39]ــ

المصداقية ، وقد عرفت(1) عدم جوازه .

وثانياً : أنّ الحكم بجواز الصلاة في محتمل الغشّ ـ بدعوى أنّ التخصيص بخصوص ما علم خلوصه يوجب التقييد بالفرد النادر ـ على تقدير تماميته يوجب تخصيصاً آخر في أدلّة عدم جواز الصلاة في غير المأكول ، فكما أنّ الخز خارج عن تلك الأدلّة يكون خليطه خارجاً عنها إمّا مطلقاً أو في خصوص الجهل بالحال ، ومعه كيف يمكن دعوى عدم القول بالفصل ، وأنّ جواز الصلاة في محتمل الغش يوجب جواز الصلاة في غيره من المشتبهات أيضاً .

وبالجملة : ليس في تلك الأدلّة ولو بقرينة ما دلّ على عدم الجواز في المغشوش دلالة على الجواز فيما احتمل فيه الغش ، ويكون حينئذ إحراز موضوعها متوقّفاً على حصول العلم أو حجّة اُخرى من الخارج ، كبقيّة الموضوعات الخارجية ، وليس إحراز الخلوص ولو بحجّة غير العلم من الفرد النادر الذي لا يمكن حمل المطلقات عليه ، وعلى تقدير الدلالة فلا يمكن التعدّي من موردها إلى غيره .

ولا يخفى أنّ هذا الوجه على تقدير تماميّته يترتّب عليه الجواز حتّى على القول بالشرطية وأنّ الأمر تعلّق بالصلاة في غير ما لا يؤكل ، فإنّ مقتضى دلالة الأخبار على جواز الصلاة في الخز المحتمل للغشّ هو ذلك كما لا يخفى .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص34 .

ــ[40]ــ


المبحث الثاني

فيما تقتضيه الاُصول الموضوعية

وقد استدلّ بها على جواز الصلاة في المشتبه بوجوه :

الأوّل : التمسّك بأصالة الحلّ في لحم الحيوان المتّخذ منه الصوف المشتبه مثلا ، فيحرز بها حلّية اللحم ظاهراً ، ويترتّب عليها جواز الصلاة في الصوف المأخوذ من حيوانه .

وقد اُورد عليه بوجوه :

منها : ما عن شيخنا الاُستاذ العلاّمة (قدّس سرّه)(1) من أنّها على تقدير جريانها لا تجري فيما إذا علم حرمة أكل لحم حيوان معيّن وحلّية الآخر بعينه متميّزاً في الخارج عن الحرام ، فإنّه ليس هناك لحم يشكّ في حلّيته وحرمته ، بل الشكّ راجع إلى أخذ الصوف من معلوم الحرمة أو الحلّية ، نعم العنوان الانتزاعي ـ وهو ما اُخذ منه هذا الصوف ـ وإن لم يعلم حرمته ، إلاّ أنّه ليس له وجود في الخارج ، ولا يترتّب عليه أثر شرعي ، وما هو موجود فيه وموضوع للأثر إمّا معلوم الحرمة أو معلوم الحلّية .

ويرد عليه : أنّ معلومية حلّية أحد الحيوانين في نفسه وحرمة الآخر كذلك
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رسالة الصلاة في المشكوك : 316 .