|
|
رسالة في
اللباس المشكوك
الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف بريّته محمّد وعترته الطيّبين الطاهرين ، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين .
وبعد ، فيقول العبد الآثم ، المفتقر إلى رحمة ربّه الغني أبو القاسم بن علي
أكبر الموسوي الخوئي عفا الله عن جرائمه ، وحشره مع الأئمّة المعصومين :
بما أنّ مسألة اللباس المشكوك فيه من عويصات مسائل الفقه مبتنية على اُصول
ومبان مهمّة ، تضاربت فيها أنظار العلماء ، ولقد عادت حلبةً لسباق التحقيق
ومجالا لفرسانه ، فلم يجر فيها إلاّ كلّ حائز قصب السبق ، ومالك أزمّة
التنقيب . وبما أنّ الحاجة إليها مسيسة في كل حين ، عمدت إلى تنقيح القول فيها
بما يسعه الوقت على حين كنت اُلقيها دروساً ، فأفرغتها في رسالة مستقلّة ،
ليعمّ الانتفاع بها
القريب والنائي ، وينتجع بها الداني والقاصي .
وأنّ من النواميس المطّردة إهداء الكتب إلى كبير من كبراء الدهر ، وإنّي لا أجد
أكبر من حجّة بيت الوحي المنتظر (صلوات الله وسلامه عليه) اُهدي إليه بضاعتي
المزجاة ، فعسى أن يمنّ عليّ فيوفي لي الكيل دنيا وعقبى . فأقول مستمدّاً من
الله عزّوجلّ ومن وليّه المأمول (عجّل الله تعالى فرجه) : إنّ المسألة
أصبحت ذات وجوه وأقوال ، بعد ما كان القول بعدم الجواز معروفاً بين الأصحاب ،
وقد اختاره بعض المحقّقين من المتأخّرين(1) أيضاً . فمن قائل بالجواز مطلقاً ،
ومفصّل بين الشرطية والمانعية ، فاختار المنع على الاُولى والجواز على
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وهو المحقّق
الإيرواني (رحمه الله) في رسالة الذهب المسكوك في اللباس المشكوك : 2 .
الثانية ، وهذا هو المعروف بين المتأخّرين ، بل أفاد شيخنا الاُستاذ العلاّمة (قدّس سرّه) في رسالته المفردة أنّ النزاع في الجواز وعدمه مبني على القول بالمانعية ، وأمّا على الشرطية فلا إشكال في عدم الجواز(1).
وأنت بعد ما تحيط خبراً بما سنذكره إن شاء الله تعالى تعرف أنّ مقتضى بعض ما استدلّ به على الجواز(2) هو القول به حتّى على الشرطية ، فيكون ما أفاده (قدّس سرّه) تفصيلا في المسألة ، كما أفاده في الجواهر(3)، لا قولا بالجواز مطلقاً .
وعلى هذا التفصيل يبتني القول بالتفصيل بين الساتر وغيره ، باختيار المنع في الأول والجواز في الثاني ، بدعوى الشرطية في الساتر والمانعية في غيره .
ومنهم من فصّل بين اللباس وغيره ممّا يقع على بدن المصلّي أو على لباسه بعد الفراغ عن مانعية غير المأكول مطلقاً حتّى ما يكون من غير اللباس ، وهو الذي أفتى به صاحب الجواهر (قدّس سرّه) في كتاب النجاة(4) وأمضاه شيخ مشايخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(5).
ومنهم من فصّل بين ما يكون مع المصلّي من افتتاح صلاته وما يقع عليه أو يلبسه بعد الشروع فيها ، فاختار الجواز في الثاني وعدمه في الأول .
ومنهم من فصّل بين ما تكون جزئيته للحيوان معلومة ، وما يحتمل كونه من غير
الحيوان أيضاً . وهذا التفصيل مبنيّ على استفادة الشرطية من الأدلّة على تقدير
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رسالة الصلاة في
المشكوك : 8 .
(2) كالوجه الثالث والرابع الآتيين في ص46 ، 47 ، والوجه الأوّل والرابع ممّا
تقتضيه الأدلّة الاجتهادية الآتيين في ص33 ، 37 .
(3) الجواهر 8 : 80 وما بعدها .
(4) ، (5) نجاة العباد : 89 ـ 90 .
العلم بجزئية ما يصلّي فيه للحيوان ، وعلى القول بالمنع على تقدير الشرطية .
ولعلّك تقف على تفصيل آخر لا يبتني على التفصيل بين الشرطية والمانعية .
والمختار عندنا هو القول بالجواز على المانعية مطلقاً ، وعلى الشرطية في بعض موارد الشبهة ، ويتّضح لك الحال في ضمن الاستدلال إن شاء الله تعالى .
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ التكلّم في حكم المسألة إمّا أن يكون من جهة مقتضيات الأدلّة الاجتهادية ، أو من جهة الاُصول الموضوعية ، أو من جهة الاُصول الحكمية ، عقلية أو نقلية ، فلنفرد لكلّ جهة بحثاً مستقلا ، فمباحث الرسالة ثلاثة .
ولنقدّم قبل الشروع في المباحث اُموراً ينتفع بها فيها :
الأوّل : الجواز المبحوث عنه في المقام إمّا وضعي بمعنى المضي والصحّة أو تكليفي بمعنى الإباحة المقابلة للتحريم التكليفي ، لكنّه مسنداً إلى الصلاة المأتي بها بداعي الأمر والمضافة إلى المولى ، فإنّ جواز الشيء بهذا المعنى مع ثبوت الأمر بالعبادة يلازم الصحّة والمضي في مقام الامتثال ، وإلاّ لكان الفعل من التشريع المحرّم بالأدلّة الأربعة ، فإنّ حرمته غير تابعة لعدم الحكم واقعاً ، بل يكفي فيها عدم الإحراز ، فإذا لم يحرز صحّة الصلاة في المشكوك في كونه ممّا لا يؤكل بأصل أو أمارة فهي محكومة بالحرمة إذا أتى بها بداعي الامتثال .
ثمّ إنّ الصحّة الملازمة للقول بالجواز صحّة واقعية ، فلا يجب الإعادة ولو انكشف بعد ذلك كون ما وقع فيه الصلاة من أجزاء غير المأكول. وهذا بناءً على اختصاص المانعية بصورة العلم بكونه ممّا لا يؤكل ظاهر ، وأمّا بناءً على عدم الاختصاص ، وكون المانعية مطلقة ـ كما هو الظاهر وسيجيء الكلام فيه
مفصّلا(1) ـ فلأنّ دليل « لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة »(2) حاكم على عموم أدلّة الأجزاء والشرائط والموانع ، وموجب لاختصاصها بغير ما إذا وقع العمل واحتاج التدارك إلى الإعادة ، وقد ذكرنا في محلّه(3) أنّه يشمل ما إذا كان النقصان من جهة الجهل بالحكم أو بالموضوع من غير تقصير ، ولا موجب للتخصيص بالناسي ، بل لا يبعد عمومه للجاهل المقصّر غير الملتفت إلى عدم انطباق المأتي به على المأمور به ولو احتمالا ، لولا قيام الإجماع على خلافه .
نعم لا إشكال في عدم شمول الدليل للعامد أو المحتمل لعدم الانطباق مع تنجّز الواقع عليه ، وذلك فإنّ الظاهر منه أنّ الإعادة على تقدير عدم الدليل كان من جهة الانكشاف المتأخّر ، بحيث لولا الانكشاف لماكان يعيد المصلّي ، من غير حاجة إلى ورود دليل ، ومن المعلوم أنّه يختصّ بغير الصورتين المذكورتين .
وبذلك يندفع ما ذهب إليه بعض المحقّقين من المعاصرين(4) من عمومه للعامد فضلا عن الجاهل المقصّر ، وتمام الكلام في محلّه .
الثاني : أنّه لابدّ على كلا القولين ـ أعني بهما القول بالشرطية أو
المانعية ـ من إحراز صحّة العمل ظاهراً ، ولو من جهة أصل حكمي عقلي أو نقلي ،
ولا يجوز الجري مع الشكّ بلا معذّر ، وذلك فإنّ المانعية الثابتة لشيء في أمثال
المقام ليست إلاّ بمعنى أخذ عدم ذلك الشيء في المأمور به ، فكما أنّه لابدّ من
إحراز المأمور به من
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص35 .
(2) الوسائل 5 : 470 / أبواب أفعال الصلاة ب1 ح14 .
(3) شرح العروة الوثقى 18 : 16 وما بعدها .
(4) حكاه السيّد البجنردي (رحمه الله) في القواعد الفقهية 1 : 8 عن الميرزا
الشيخ محمّد تقي الشيرازي (رحمه الله) .
جهاته الوجودية كذلك لابدّ من إحرازه من جهاته العدمية .
ومن هنا يندفع ما ربما يتوهّم من عدم الحاجة إلى الإحراز على تقدير القول بالمانعية ، عملا بقاعدة المقتضي والمانع ، فإنّ تلك القاعدة وإن لم تكن تامّة عندنا على ما بيّن في محلّه(1) إلاّ أنّها على تقدير تماميتها تختص بما إذا اُحرز أجزاء العلّة التامّة من غير جهة المانع وشكّ في وجوده ، ليحكم حينئذ بالعدم وبوجود المعلول ولا تجري في كل ما يطلق عليه المانع وإن لم يكن من أجزاء العلّة كما في المقام .
نعم الغالب في الموانع أنّ عدمها يحرز بأصل موضوعي أو حكمي ، وهذا بخلاف الشروط ، ولكن هذا لا يوجب الفرق فيما هو المهم في المقام من لزوم إحرازهما في مقام الامتثال بحكم العقل ، وعدم جواز الاكتفاء بتحقّق بعض المأمور به في الخارج .
الثالث : أنّ النزاع في المقام وإن كان في خصوص الصلاة فيما يشكّ في كونه من أجزاء ما لا يؤكل ، إلاّ أنّ ملاكه يعمّ كل مشتبه من بقيّة الموانع ، سواء كانت المانعية عقلية أو شرعية ، نعم بعض الوجوه المذكورة للجواز لا يجري في بعض الشبهات الموضوعية ، إلاّ أنّ ما هو المهم يجري في الجميع ، ويظهر لك ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى .
وما توهّمه بعض المحقّقين من المعاصرين(2) تبعاً للمحقّق صاحب الكفاية(3) (قدّس
سرّهما) من اختصاص المانعية العقلية بصورة الإحراز ، وعدم عمومها صورة الشكّ في
وجود الموضوع ناش من الخلط بين بابي التزاحم والتعارض ، فإنّ المانعية
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مصباح الاُصول 3
(موسوعة الإمام الخوئي 48) : 286 .
(2) وهو المحقّق الإيرواني (رحمه الله) في رسالة الذهب المسكوك في اللباس
المشكوك : 4 .
(3) كفاية الاُصول : 156 ، 174 .
العقلية إن كانت ناشئة من التزاحم بين التكليفين فلا ريب في أنّ التكليف المزاحم إنّما يكون مزاحماً ومعجّزاً مولوياً في ظرف تنجّزه ، ومع عدم التنجّز ولو من جهة الشكّ في موضوعه فلا مزاحم في البين أصلا .
وأمّا إذا كانت ناشئة من التعارض ، كما إذا حرم لبس الحرير ووجب لبس الساتر في الصلاة فوقعت المعارضة بين الدليلين ، فقيّد اللباس بغير الحرير بحكم العقل ، فكيف يمكن أن يقال باختصاص المانعية بصورة العلم بعد ما كان الحرير بوجوده الواقعي محكوماً بحرمة لبسه المضادّة لوجوبه في الصلاة .
ولذلك قد ذكرنا في محلّه(1) أنّ عدم جواز التمسّك بالعموم في الشبهات المصداقية يعمّ ما إذا كان التخصيص بحكم العقل أيضاً ، وعليه بنينا فساد الصلاة الواقعة في الغصب ولو مع الجهل بغصبيّته ، بناءً على القول بعدم جواز اجتماع الأمر والنهي(2)، ووجّهنا فتوى المشهور بالصحّة بأنّهم ذهبوا إلى جواز الاجتماع وذلك لا ينافي حكمهم بالفساد في صورة العلم بالغصبية ، فإنّه من جهة التزاحم وتقديم جانب النهي ، والتفصيل يحتاج إلى بسط في الكلام بما لا يناسبه وضع الرسالة .
هذا كلّه من جهة الشبهة الموضوعية ، وأمّا الشبهة الحكمية فلا ريب في جواز الصلاة معها ، بناءً على البراءة فيما تردّد أمر المأمور به بين الأقل والأكثر كما هو المعروف ، نعم بناءً على لزوم الاحتياط فيه فلابدّ من القول بعدم الجواز في الشبهة الحكمية أيضاً .
الرابع : أنّ ذهاب المشهور في محلّ البحث إلى عدم الجواز مع اتّفاقهم
على
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في اُصول
الفقه 4 (موسوعة الإمام الخوئي 46) : 352 .
(2) راجع شرح العروة الوثقى 13 : 17 .
جريان البراءة فيما تردّد أمره بين الأقل والأكثر ، واتّفاقهم على البراءة في الشبهات الموضوعية التحريمية لعلّه من جهة أنّهم يرون النهي الغيري المستفاد منه المانعية نهياً واحداً متعلّقاً بالطبيعة ، ولا ينحلّ إلى نواه عديدة حسب تعدّد الأفراد ، فيكون العلم بتعلّق النهي بالطبيعة موجباً لتنجّزه على المكلّف ولو مع الشكّ في فردية شيء لها ، وذلك للعلم بفعلية التكليف والقدرة على امتثاله . وهذا بخلاف النواهي النفسية المنحلّة إلى النواهي الكثيرة حسب كثرة الأفراد الخارجية ، فإذا شكّ في فردية شيء لموضوعاتها فلا مناص عن الرجوع إلى البراءة .
وهذا الوجه وإن لم يكن تامّاً عندنا ، إلاّ أنّه يندفع به تعجّب شيخنا الاُستاذ العلاّمة (قدّس سرّه)(1) من ذهاب المشهور إلى البراءة في المقامين وإلى عدم الجواز في المقام . وسيتّضح(2) الحال فيما كان الحكم متعلّقاً بالطبيعة أو الأفراد من حيث الرجوع إلى البراءة والاحتياط ، ونبيّن إن شاء الله تعالى أنّ مانعية الطبيعة غير معقولة ، بل لابدّ من الالتزام بمانعية كلّ فرد ، وعليه يكون القول بالبراءة في المقامين ملازماً للقول بالجواز في المقام . ولعلّ المشهور لم يلتفتوا إلى استحالة مانعية الطبيعة .
ويمكن أن يقال : إنّه لم يثبت من المشهور إلاّ ذهابهم إلى عدم الجواز في خصوص الساتر ، كما هو صريح عبارة العلاّمة (قدّس سرّه) في المنتهى(3) بدعوى اشتراط الساتر بكونه من غير ما لا يؤكل لحمه .
ولعلّ المشهور ذهبوا إلى الشرطية أيضاً في خصوص الساتر ، وعليه فعدم ذهابهم إلى
البراءة في المقام من باب السالبة بانتفاء الموضوع ، ومن جهة عدم بنائهم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ رسالة
الصلاة في المشكوك : 312 ، كتاب الصلاة 1 : 210 .
(2) في ص73 وما بعدها .
(3) منتهى المطلب 4 : 236 / الفرع الثالث .
على المانعية .
وكيف كان ، فالمتّبع هو الدليل ، وسيظهر الحال فيما بعد إن شاء الله تعالى .
الخامس : لا ريب في صحّة إجراء الأصل في تمام الموضوع ، وترتّب الحكم عليه ، وهل يجري في بعض أجزاء الموضوع مع إحراز الباقي بالوجدان ، أم لا ؟ فيه خلاف ، ذهب بعض المحقّقين من المعاصرين(1) إلى عدم الجواز ، نظراً إلى أنّ أخذ شيء قيداً في الموضوع أو المتعلّق للحكم ليس إلاّ عبارة عن أخذ التقيّد به فيهما ، ومن المعلوم أنّ استصحاب القيد مع إحراز ذات الموضوع بالوجدان لا يحرز به التقيّد ، لا بالوجدان ولا بالتعبّد ، لأنّه من الاُصول المثبتة . ودعوى خفاء الواسطة بطلانها غير خفي على الناقد البصير ، وعليه رتّب عدم الجواز في الأجزاء أيضاً ، لما هو الظاهر من أنّ كل جزء فيه شائبة الشرطية فإنّ الأثر إنّما يترتّب عليه مقيّداً بالجزء الآخر ، وقد عرفت أنّه لا يحرز التقيّد بجريان الأصل في ذات القيد .
أقول : الاُمور المتباينة إذا اُخذت في متعلّق الحكم أو موضوعاً له فلا معنى لتركّبها ووحدتها إلاّ اعتبار كل منها في زمان وجود الآخر ، من دون اعتبار وصف زائد على نفس الأجزاء ، فالأجزاء بالأسر هي التي تترتّب عليها المصلحة أو تكون مأخوذة في الموضوع ، والأمر المتعلّق بالمركّب بنفسه يكون متعلّقاً بالأجزاء ، ويكون كل جزء مأموراً به بنفس الأمر بالمركّب ، إذ هو هو بعينه .
فكما أنّه إذا كان شيء موضوعاً لحكم في يوم معيّن فتحقّق ذلك اليوم ، لكن كان
بقاء الموضوع إلى زمانه مشكوكاً فيه ، فلا مانع من جريان الاستصحاب فيه وترتّب
الأثر عليه ، فكذلك فيما ترتّب الأثر على الوجود في زمان وجود شيء آخر
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وهو المحقّق
الإيرواني (رحمه الله) في رسالة الذهب المسكوك في اللباس والمشكوك : 11 .
من الزمانيات ، فإذا اُحرز أحد الجزأين بالوجدان ، وصار هذا الزمان زمان وجوده ، فجريان الاستصحاب في الجزء الآخر يكون محقّقاً للموضوع لا محالة .
وإن شئت توضيح ذلك فارجع إلى معرفة حال المقتضيات التكوينية ، فإنّه إذا كان المقتضي الواحد مركّباً من جزأين فهل هناك يكون الاقتضاء إلاّ لنفس الجزأين المجتمعين في الزمان الواحد ، أو أنّ لوصف الاجتماع أيضاً دخلا في الاقتضاء ، بحيث يكون له الدخالة في رشح الأثر ، أو تقول إنّ وصف الاجتماع له دخل في فعلية الاقتضاء فيكون شرطاً للاقتضاء . وهذا مع أنّه فاسد في نفسه لازمه أن يكون المقتضي للاقتضاء ذات الجزأين ، وهو المطلوب من كون المقتضي هو ذات المركّب من دون أن يكون لوصف الاجتماع دخل فيه .
ومن هنا تعرف الحال فيما كان الموضوع أو المتعلّق مركّباً من وجوديين في زمانين ، بأن اعتبر الموجودان في زمانين إمّا مطلقاً أو مع تقيّد أحدهما أو كليهما بزمان خاصّ شيئاً واحداً ، وجعل متعلّقاً للحكم أو موضوعاً له ، فإنّه لا مانع في جميع ذلك من إحراز أحدهما بالأصل وضمّه إلى الوجدان ، نعم فيما إذا أخذ مطلق الوجودين بلا تقييد بزمان موضوعاً أو متعلّقاً له لا يجري فيه ذلك ، والوجه فيه ظاهر .
وأمّا توهّم معارضة جريان الأصل وضمّه إلى الوجدان باستصحاب عدم تحقّق المركّب فسيجيء الكلام فيه في الوجه الخامس من تقريب الاُصول الموضوعية(1).
وممّا ذكرنا يظهر الحال في الشرائط أيضاً ، فإنّه لا معنى للشرطية إلاّ أخذ
شيء مقيّداً بزمان وجود شيء موضوعاً أو متعلّقاً للحكم .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص50 .
والفرق بين الأجزاء والشروط أنّ الأثر مترتّب على الأجزاء ولكل منها دخل فيه ، وهذا بخلاف الشرائط ، فإنّ الأثر لا يترتّب عليها ، وإنّما يترتّب على ذات المشروط في زمان وجودها ، وحينئذ فيجري فيه جميع ما ذكرنا في الجزء بعينه .
هذا كلّه إذا لم يعلم من نفس الدليل أو من الخارج دخل عنوان آخر في الموضوع أو المتعلّق ، وإلاّ فلابدّ من إحرازه ، ولا أثر لإحراز ذات الجزأين أو ذات المشروط في زمان الشرط بضمّ الوجدان إلى الأصل .
ومن هنا وقع الكلام فيما إذا ركع المؤتم وشكّ في إدراكه ركوع الإمام ، في أنّ استصحاب بقاء الإمام راكعاً هل يكفي في الحكم بصحّة الاقتداء ، من جهة أنّ الموضوع هو ركوع المأموم في زمان ركوع الإمام وهو محرز بضمّ الوجدان إلى الأصل ، أو أنّ الموضوع هو إدراك المأموم لركوع الإمام المنتزع عن اجتماع الركوعين في زمان واحد ، واستصحاب بقاء الإمام راكعاً لا يثبت هذا العنوان .
وقد مال إلى كلّ من الوجهين شيخ مشايخنا العلاّمة الأنصاري (قدّس سرّه) في موضعين من كلامه(1) والمسألة محرّرة في محلّها(2).
وملخّص الكلام : أنّ نفس التركّب لا يمنع من ضمّ الوجدان إلى الأصل ما
لم يكن هناك قرينة على دخل عنوان آخر ، ومن ذلك ما إذا اُخذ عدم وصف قيداً
في الموضوع أو المتعلّق بنحو النعتية ـ أعني به الاتّصاف بالعدم ـ كما إذا
ترتّب
الأثر على الماء المتّصف بعدم الكرّية ، فإنّه لا يكفي حينئذ استصحاب عدم نفس
الوصف وضمّه إلى الوجدان في ترتّب الحكم ، لعدم إثبات الاتّصاف بذلك ، بل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتاب الصلاة 2 (تراث الشيخ الأعظم) : 334 ، 427 .
(2) راجع شرح العروة الوثقى 17 : 112 وما بعدها .
لابدّ في ترتيب الأثر من إحراز الاتّصاف وجداناً ، أو بالأصل فيما كان له حالة سابقة ، كما إذا كان الماء مسبوقاً بالقلّة . وسيجيء لذلك تتمّة فيما يأتي إن شاء الله تعالى(1).
السادس : في تحقيق الحال في أنّه يمكن جعل الشرطية لأحد الضدّين والمانعية للضدّ الآخر ، أو يستحيل ذلك . وقبل الخوض فيه لابدّ من تحقيق الحال في أجزاء العلّة ، وبيان كيفية دخل كل منها في وجود المعلول فنقول :
أمّا المقتضي فدخله في أجزاء العلّة باعتبار أنّه هو الذي يترشّح منه المعلول .
وأمّا الشرط فهو أجنبي عن الرشح ، ضرورة أنّ الاحتراق ـ مثلا ـ لا يترشّح من المحاذاة ، بل الترشّح إنّما هو من ذات النار ، والمحاذاة كغيرها من الشرائط دخيلة في فعلية الأثر من المقتضي ، إمّا من جهة نقص في الفاعلية أو القابلية . وعلى كل حال فهي أجنبية عن المؤثّرية والفاعلية .
ومن هنا يعلم أنّ دخل الشرط في وجود المعلول ليس على حذو دخل المقتضي فيه ، فإنّ المؤثّر في وجود المعلول هو المقتضي ليس إلاّ ، غاية الأمر أنّ تمامية مؤثّريته أو قابلية المعلول للوجود إنّما يكون بوجود الشرط ، مثلا الطهارة ليست مؤثّرة في النهي عن الفحشاء ، بل المؤثّر فيه هو الصلاة ، لكنّها لا تقتضيه مطلقاً ، بل إذا كانت مقرونة بالطهارة ، أو أنّ النفس لا تتأثّر منها إلاّ مع كون المصلّي طاهراً . وعلى كل حال فالنهي عن الفحشاء لا يترشّح إلاّ من الصلاة ، لا من الطهارة .
وأمّا المانع فدخل عدمه في وجود المعلول مباين لدخل المقتضي والشرط
فإنّ العدم يستحيل أن يكون دخيلا في الوجود بالضرورة ، بل دخالته من جهة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص55 .
مزاحمة وجوده للتأثير ، ولولا المزاحمة بين الوجودين لما كان يعقل كون عدم شيء من أجزاء علّة شيء آخر .
إذا عرفت ذلك فنقول : إذا كان أحد الضدّين شرطاً لوجود شيء فإمّا أن يكون هو والمقتضي موجودين في الخارج أم لا ، وعلى الأول لا يعقل وجود الضدّ الآخر حتّى يكون مزاحماً في التأثير ، وإلاّ لزم اجتماع الضدّين . وعلى الثاني يستند عدم المعلول إلى عدم المقتضي أو إلى عدم الشرط ، لا إلى وجود المزاحم . وعلى كلّ حال تستحيل المانعية الناشئة عن المزاحمة .
ومن هنا يندفع ما يقال من أنّ استناد وجود المعلول إلى مجموع أجزاء العلّة يستدعي استناد عدمه إلى عدم المجموع من دون ترتّب ، نعم إذا كان بعض أجزاء العلّة موجوداً دون بعض لاستند العدم إلى عدم ذلك البعض ، فإنّك قد عرفت أنّ استناد الوجود إلى عدم المانع إنّما كان من جهة المزاحمة ، ومع عدم المقتضي أو الشرط كيف يعقل استناد العدم إلى وجود المزاحم .
إن قلت : هب أنّ عدم المعلول يستند إلى عدم المقتضي لا إلى وجود المانع لكنّه لا يسلّم عند عدم الشرط ، فإنّ الشرط دخالته في العلّة إنّما هو باعتبار دخله في فعلية الأثر ، والمانع إنّما يمنع عن الفعلية ، فهما في مرتبة واحدة ، فلا مرجّح لاستناد عدم المعلول إلى عدم شرطه ، بل يستند إليه وإلى وجود المانع في مرتبة واحدة . فما هو المستحيل اقتضاء أحد الضدّين لشيء ومانعية الآخر عنه ، لا شرطية أحدهما ومانعية الآخر كما هو محلّ الكلام .
قلت : قد عرفت(1) أنّ الشرط إمّا أن يكون متمّماً لفاعلية الفاعل أو متمّماً
لقابلية القابل ، وعلى كلّ تقدير فالمعلول في نفسه غير قابل للوجود ، ومعه كيف
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص13 .
يعقل أن يكون عدمه مستنداً إلى وجود المزاحم .
فإن قلت : إنّ مانعية الشيء إنّما تنتزع من كونه بحيث لو وجد المقتضي مع الشرائط يمنع وجود المعلول ويزاحم المقتضي في تأثيره ، ومن الضروري إمكان ذلك في الضدّ مع شرطية الضدّ الآخر ، غاية الأمر أنّه لا يستند عدم المعلول إلى وجود المانع خارجاً ، لاستحالة اجتماع الضدّين كما ذكرت ، لكن صدق القضية الشرطية ـ وهي أنّه لو كان المقتضي مع سائر الشرائط موجوداً لاستند العدم إلى وجود المانع ـ لا يستدعي صدق الطرفين ، بل الميزان في صدقها هو تحقّق الملازمة .
قلت : إذا كان استناد العدم إلى وجود المانع ـ الذي هو معنى المانعية ـ متوقّفاً على وجود الضدّين معاً ، فصدق القضية الشرطية لا يستدعي صلوح اتّصاف الضدّ بالمانعية ، فإنّه إذا كان التالي مترتّباً على محال ـ وهو اجتماع الضدّين ـ فلا محالة يكون هو محالا أيضاً ، فإنّ مستلزم المحال محال ، وإن كانت الملازمة بين المحالين صادقة .
على أنّ الملازمة أيضاً كاذبة ، من جهة أنّه لو فرض الضدّان المفروض أحدهما شرطاً والآخر مانعاً موجودين في الخارج ولم يكن اجتماع الضدّين محالا فلماذا تقع الممانعة ولا يوجد المعلولان المتضادّان أيضاً ، فإنّ حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد ، فإذا أمكن اجتماع الضدّين في طرف العلّة أمكن اجتماعهما في طرف المعلول أيضاً .
فإن قلت : هب أنّ ذلك لا يجوز في التكوينيات لكنّه لماذا لا يجوز كون أحد الضدّين شرطاً للمأمور به والآخر مانعاً عنه في التشريعيات ، إذ لا تأثير ولا تأثّر فيها ، ولا معنى لاعتبار شيء شرطاً أو مانعاً في المأمور به إلاّ اعتبار وجوده أو عدمه فيه ، وعليه لا مانع من اعتبار وجود أحد الضدّين وعدم الآخر فيه إذا
كان فيهما ملاك الشرطية والمانعية .
قلت : ليس أخذ شيء شرطاً أو مانعاً في المأمور به إلاّ من جهة دخلهما في ملاكه ، بناءً على تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد ، فيرجع الأمر إلى دخل وجود أحد الضدّين وعدم الآخر في تحقّق الملاك والمصلحة ، فيعود المحذور .
ودعوى أنّ اللازم هو وجود المصلحة في نفس الأمر ، وأمّا في المتعلّق فلا ملزم له ، فلا مسرح لها في الأحكام الحقيقيّة الناشئة عن الإرادة والكراهة والحبّ والبغض ، وهل يعقل تعلّق الإرادة بشيء بلا مصلحة في متعلّقها بل لمصلحة في نفسها ، كلاّ . نعم يمكن ذلك في الأحكام غير الحقيقيّة الناشئة عن مصلحة في نفس الإنشاء وجعل الحكم ، لكنّها بمراحل عن محلّ البحث والكلام ، هذا .
مضافاً إلى أنّ جعل الشرطية لأحد الضدّين وأخذ وجوده في متعلّق الأمر يغني عن أخذ عدم الضدّ الآخر فيه والخطاب به ، ولو فرض فيه ملاك المانعية أيضاً ، فكيف يمكن البعث المولوي نحو عدم الضدّ مع فرض البعث إلى وجود ضدّه ، مع أنّه من اللغو الواضح .
فإن قلت : إذا كان إغناء أحد الجعلين عن الجعل الآخر موجباً للغويته لما كان يقع النزاع في وجوب المقدّمة شرعاً ، وفي استلزام الأمر بأحد الضدّين للنهي عن الضدّ الآخر ، أو في استلزام وجوب أحد المتلازمين لوجوب الآخر ، فإنّ كلّ ذلك يكون من اللغو كما عرفت .
قلت : استلزام وجوب ذي المقدّمة لوجوب مقدّمته ليس بمعنى استلزام البعث نحوه للبعث نحوها ، كيف وهو خلاف الواقع وجداناً ، بل بمعنى استلزام إرادة الشيء لإرادة مقدّمته قهراً من دون اختيار في ذلك للمريد ، أو بمعنى أنّ البعث إلى الشيء بعث نحو مقدّمته بالعرض . وعلى كل حال ، فليس هناك بعثان مولويان حتّى يكون أحدهما من اللغو الباطل .
ومنه يظهر الجواب عن استلزام وجوب الشيء للنهي عن ضدّه ، أو الأمر بملازمه .
فإن قلت : إذا كان الأمر بشيء مع عدم الحاجة إليه في تحقّق متعلّقه خارجاً موجباً للغويته ، فلابدّ من قصر الأحكام الشرعية بما لا يكون للمكلّف بنفسه داع إلى إيجاد متعلّقاتها ، وإلاّ فيكون الأمر بالإيجاد من اللغو كما ذكرت .
قلت : الحكم في القضايا الحقيقيّة ليس إلاّ بمعنى الإنشاء بداعي جعل الداعي على المكلّف إمكاناً ، أي جعل ما يمكن أن يكون داعياً له ، من دون نظر إلى شخص خاصّ ، ومن المعلوم عدم التفاوت في ذلك بين ما يكون للمكلّف داع إلى الفعل خارجاً وعدمه .
وأمّا في القضايا الخارجية فإن كان الآمر لا يعلم بتحقّق مراده من غير جهة أمره في الخارج فالحال فيه هي الحال بعينها في القضايا الحقيقية ، وإلاّ فيكون من اللغو الواضح ، نعم فيما إذا كان المطلوب خصوص وجوده العبادي ومضافاً إلى المولى فالعلم بوجوده المطلق في الخارج لا يوجب لغوية الأمر به بنحو خاصّ .
فإن قلت : الأمر بشيء مطلقاً يكون أمراً بإيجاده مضافاً إلى المولى وبداعي أمره ، ضرورة استحالة الأمر بشيء مقيّداً بأن يكون الداعي إلى إيجاده غير أمر المولى ، لما عرفت من أنّ الأمر إنّما هو لجعل الداعي ، فيستحيل تقييد المأمور به بأن يكون بداع آخر ، ومن المعلوم أنّ استحالة التقييد تستلزم استحالة الإطلاق . وما يرى من سقوط الأمر بما إذا أتى بذات المأمور به في التوصّليات فهو من جهة حصول الغرض ، كما إذا صدر الفعل لا عن اختيار ، لا من جهة الإتيان بالمأمور به .
قلت : استحالة التقييد بكون الداعي غير أمر المولى لا تكشف عن كون المأمور به خصوص الوجود المضاف إلى المولى ، وذلك فإنّه كما يستحيل التقييد
المذكور يستحيل التقييد بكون الداعي هو الأمر أيضاً على ما بيّن في محلّه(1). فالمأمور به ليس إلاّ الوجود المهمل ، لا المطلق ولا المقيّد ، كما هو الحال في كلّ ما يكون من التقسيمات الثانوية المترتّبة على جعل الحكم وفرض وجوده .
وقد ذكرنا في محلّه أنّ التقييد بكون الداعي هو الأمر لابدّ وأن يكون بأمر آخر متمّم للأمر الأول كما في العباديات ، وعليه فالأمر بما يعلم تحقّقه خارجاً في غير العباديات يكون من اللغو الواضح .
فإن قلت : يكفي في عدم لغوية الخطاب بعدم الضدّ مع الخطاب بوجود ضدّه الآخر كونه تأكيداً له ، إذ اللغوية ترتفع بأدنى نكتة ، ولتكن النكتة هو التأكيد . على أنّ اللغوية على تقدير تسليمها إنّما تكون مع توجّه الخطاب إلى مخاطب واحد ، وأمّا إذا كان خطاب الشرطية مع واحد والخطاب بالمانعية مع آخر فأين اللغوية ؟
قلت : اندفاع اللغوية لنكتة التأكيد عين الالتزام باستحالة الجعلين ، فلابدّ وأن يكون المجعول إمّا الشرطية أو المانعية ، غاية الأمر أنّه في مقام الإثبات ربما يطلب الوجود واُخرى عدم ضدّه . وأمّا اندفاع اللغوية من جهة تعدّد المخاطب فهو إنّما يفيد إذا لم تكن الأحكام مشتركة ، وكان كل مخاطب محكوماً بحكم خاصّ ، وإلاّ فكل منهما مخاطب بخطابين يكون أحدهما لغواً لا محالة .
فتحصّل ممّا ذكرناه : استحالة جعل المانعية لأحد الضدّين مع جعل
الشرطية للضدّ الآخر ، نعم إذا كان الضدّان لا ثالث لهما فلا تتمحّض اللغوية في
جعل المانعية ، بل يكون اللغو هو جعل إحداهما مع جعل الاُخرى من دون ترجيح
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ محاضرات في اُصول الفقه 1 (موسوعة الإمام الخوئي 43) : 520 فإنّ
المذكور فيه
ينافي ما ذكره هنا .
في البين .
السابع : في بيان أنّ المانع من الصلاة هو وقوعها في أجزاء ما لا يؤكل ، أو أنّ الشرط وقوعها في غيرها ، وأنّه هل هناك فرق بين الساتر وغيره أم لا .
وقبل ذلك لابدّ من بيان أمر ، وهو أنّ شرط المأمور به أو المانع عنه لا يكون إلاّ فعلا اختيارياً للمكلّف ، ضرورة أنّ الشرطية والمانعية إنّما تنتزعان من أخذ المأمور به مقيّداً بأمر وجودي أو عدمي ، فلابدّ من تعلّق الأمر بذلك الأمر الوجودي أو العدمي في ضمن تعلّقه بالمقيّد ، وإلاّ لكان القيد مفروض الوجود وخارجاً عن حيّز الطلب ، فيكون قيداً للوجوب لا للواجب ، وهذا خلف . مثلا الشرط في مثل اشتراط الصلاة بالقبلة هو إيقاعها إليها وهو فعل اختياري ، لا نفس القبلة .
ومنه يعلم أنّ الشرط أو المانع في محلّ البحث لابدّ وأن يرجع إلى اعتبار أمر وجودي أو عدمي في الصلاة ، بأن يكون إيقاعها في لباس مخصوص ـ مثلا ـ شرطاً أو مانعاً ، وأمّا نفس المأكولية في الحيوان فيستحيل اعتبار الشرطية لها ، كما يستحيل اعتبار المانعية لغير المأكولية .
ومنه يظهر أنّ ما أفاده بعض الأساطين (قدّس سرّه)(1) من أنّ الشرطية والمانعية
إنّما تنتزعان من إضافة الواجب إلى شيء خارجي ، فذلك الشيء الخارجي
اختيارياً كان أو غيره هو الشرط أو المانع ، بمراحل عن الواقع .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) [لعلّ المقصود به المحقّق العراقي (رحمه الله) . راجع نهاية الأفكار 1 :
277 وبحث
الواجب المعلّق . راجع أيضاً نهاية الأفكار 4 : 91 ـ 93 ، وكذلك رسالته (رحمه
الله) في
اللباس المشكوك (المقام الأوّل) وقد صرّح (رحمه الله) فيها ص152 و153 بكون
القيد
غير اختياري فيما نحن فيه] .
إذا عرفت ذلك فلابدّ لنا من ذكر الروايات الواردة في المقام ، ثمّ التكلّم في مفادها .
فقد روى ابن بكير في الموثّق ، قال : « سأل زرارة أبا عبدالله (عليه السلام)
عن الصلاة في الثعالب والفنك والسنجاب وغيره من الوبر ، فأخرج كتاباً زعم أنّه
إملاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إنّ الصلاة في وبر كلّ شيء حرام أكله
فالصلاة في
وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وألبانه(1) وكلّ شيء منه فاسدة ، لا تقبل تلك
الصلاة حتّى يصلّي في غيره ممّا أحلّ الله أكله ، ثمّ قال : يازرارة هذا عن
رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) فاحفظ ذلك يازرارة ، وإن كان ممّا يؤكل لحمه فالصلاة في
وبره
وبوله وشعره وروثه وألبانه وكلّ شيء منه جائزة إذا علمت أنّه ذكيّ قد ذكّاه
الذابح ، وإن كان غير ذلك ممّا قد نهيت عن أكله وحرم عليك أكله فالصلاة في كلّ
شيء منه فاسدة ، ذكّاه الذابح أو لم يذكّه »(2).
وروى أنس بن محمّد عن أبيه عن جعفر بن محمّد عن آبائه (عليهم السلام) في وصيّة النبي (صلّى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) : « ياعلي لا تصلّ في جلد ما لا يشرب لبنه ولا يؤكل لحمه »(3).
وروى إسماعيل بن سعد الأحوص في الصحيح ، قال : « سألت الرضا (عليه السلام) عن الصلاة في جلود السباع ، قال (عليه السلام) : لا تصلّ فيها »(4).
وروى سماعة في الموثّق ، قال : « سألته عن لحوم السباع وجلودها ، قال :
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا توجد في المصدر .
(2) الوسائل 4 : 345 / أبواب لباس المصلّي ب2 ح1 (مع اختلاف يسير) .
(3) الوسائل 4 : 346 / أبواب لباس المصلّي ب2 ح6 .
(4) الوسائل 4 : 354 / أبواب لباس المصلّي ب6 ح1 .
|
|