|
|
|
الفصل الثاني
موانع الإرث
وهي ثلاثة : الكفر ، القتل ، الرقّ .
المانع الأول : الكفر .
وهنا فروع :
الفرع الأول : إرث الكافر من المسلم .
لا يرث الكافر بأقسامه المسلمَ ، فلو مات مسلم وله ولد كافر ، لا يعطى الكافر من الإرث شيئاً ، ولو لم يكن له وارث مسلم في جميع الطبقات كان ميراثه للإمام (عليه السلام) .
ودلّت على ذلك نصوص لا يبعد تواترها ، في بعضها « لا يتوارث أهل ملّتين »(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كصحيحة جميل وهشام ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) « أنّه قال فيما روى
الناس عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : لا يتوارث أهل ملّتين ، قال :
نرثهم ولا يرثونا ، إنّ الإسلام لم يزده في حقّه إلاّ شدّة » الوسائل 26 : 15 /
أبواب موانع الإرث ب1 ح14 .
وما رواه عبدالرحمن بن أعين ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « لا يتوارث أهل ملّتين نحن نرثهم ولا يرثونا ، إنّ الله عزّوجلّ لم يزدنا بالإسلام إلاّ عزّاً » الوسائل 26 : 13 / أبواب موانع الإرث ب1 ح6 .
ورواية أبي العبّاس ، قال : « سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : لا يتوارث
أهل ملّتين
وفي بعضها « لا يرث الكافر المسلم »(1).
مضافاً إلى الاتّفاق على الحكم بين الخاصّة والعامّة .
الفرع الثاني : إرث المسلم من الكافر .
أقول : هذا هو محل الكلام بيننا وبين العامّة .
ذهب العامّة(2) إلى أنّ المسلم لا يرث الكافر أيضاً ، واستدلّوا على ذلك
بالنبوي « أهل ملّتين لا يتوارثان »(3) فكما لا يرث الكافر المسلم ، لا يرث
المسلم
ــــــــــــــــــــــــــــ
يرث هذا هذا ، ويرث هذا هذا ، إلاّ أنّ المسلم يرث الكافر ، والكافر لا يرث
المسلم » المصدر المتقدّم ح15 .
وهكذا الحديث 17 ، 20 من الباب المذكور .
(1) كصحيحة أبي ولاد ، قال : « سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : المسلم
يرث امرأته الذمّية ، وهي لا ترثه » الوسائل 26 : 11 / أبواب موانع الإرث ب1 ح1
.
وصحيحة أبي خديجة ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « لا يرث الكافر المسلم وللمسلم أن يرث الكافر » المصدر المتقدّم ح3 .
ورواية عبدالرحمن بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) « في النصراني يموت وله
ابن مسلم (أيرثه) ؟ قال : (نعم) ، إنّ الله عزّوجلّ لم يزدنا بالإسلام إلاّ
عزّاً ، فنحن نرثهم ، وهم لا يرثونا » المصدر المتقدّم ح4 .
ومعتبرة سماعة ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « سألته عن المسلم هل يرث
المشرك ؟ قال : نعم ، فأمّا المشرك فلا يرث المسلم » المصدر المتقدّم ح5 .
وكذا رواية أبي العبّاس المتقدّمة في الهامش المتقدّم .
(2) المجموع 16 : 58 ، المغني لابن قدامة 7 : 166 ، الشرح الكبير 7 : 160 ،
حلية العلماء 6 : 262 .
(3) الوسائل 26 : 15 / أبواب موانع الإرث ب1 ح14 ، وقد تقدّم في الهامش من ص21
[ونقلته صحاحهم أيضاً بلفظ « لا يتوارث أهل ملّتين » راجع سنن أبي داود 3 :
126 / 2911 ، وسنن الترمذي 4 : 424 / 2108] .
الكافر أيضاً .
ولكن رواياتنا المستفيضة دالّة على أنّ المسلم يرث الكافر ، لأنّ الإسلام لم يزده إلاّ عزّاً(1) وشرفاً وشدّة(2).
وأمّا قوله (صلّى الله عليه وآله) : « لا يتوارث أهل ملّتين » فالمراد من النفي هو نفي التوارث من الجانبين ـ أي إرث الكافر من المسلم ، وإرث المسلم من الكافر ـ كما صرّح بهذا المعنى في بعض الروايات المعتبرة(3) وأنّ المراد من نفي التوارث هو نفيه من الجانبين ، لا نفي الإرث من كل جانب . ونتيجة ذلك هو إرث المسلم من الكافر لا العكس . هذا كلّه لو كان المسلم قريباً للميّت .
الفرع الثالث : المسلم يحجب الكافر .
لو كان المسلم بعيداً عن الميّت ، كما لو كان المسلم حفيد الكافر أو سبطه أو أخاه ، وللكافر ولد كافر . أو كان المسلم عمّ الكافر أو ابن عمّه ، وللكافر ولد كافر فهل يحجب المسلم الكافر عن الميراث ، ويكون الميراث للمسلم . أو أنّ الولد الكافر يتقدّم على المسلم ؟
صرّح أصحابنا بأنّ المسلم يحجب الكافر ، ويختصّ بالميراث وإن كان بعيداً
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 26 : 12 / أبواب موانع الإرث ب1 ح4 ، 6 ، وقد تقدّما في ص22 ، 21 .
(2) فقد روى عبدالرحمن بن أعين ، قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن
قوله (صلّى الله عليه وآله) : لا يتوارث أهل ملّتين ، قال فقال أبو عبدالله
(عليه السلام) : نرثهم ولا يرثونا
إنّ الإسلام لم يزده في ميراثه إلاّ شدّة » . الوسائل 26 : 15 / أبواب موانع
الإرث ب1 ح17 . وصحيحة جميل وهشام المتقدّمة في ص21.
(3) فعن أبي العباس ، قال : « سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : لا يتوارث
أهل ملّتين
يرث هذا هذا ، ويرث هذا هذا ، إلاّ أنّ المسلم يرث الكافر ، والكافر لا يرث
المسلم » الوسائل 26 : 15 / أبواب موانع الإرث ب1 ح15 .
ولا يرث الكافر وإن كان قريباً . وهذا هو مقتضى ما دلّ من الروايات ، وإن كان بعضها ضعيفاً(1) إلاّ أنّ في المعتبر منها دلالة واضحة على أنّ الكافر إذا أسلم قبل القسمة اختصّ بالميراث الذي كان لولا إسلامه مشتركاً بين غيره من المسلمين أو الكفّار .
والمعتبر من الروايات الواردة في الإسلام قبل القسمة على قسمين :
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كرواية الحسن بن صالح ـ الضعيفة به ـ عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «
المسلم يحجب الكافر ويرثه ، والكافر لا يحجب المسلم ، ولا يرثه » الوسائل 26 :
11 / أبواب موانع الإرث ب1 ح2 .
وكذا مرفوعة علي بن رباط ، قال « قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : لو أنّ
رجلا ذمّياً أسلم
وأبوه حي ، ولأبيه ولد غيره ، ثمّ مات الأب ، ورثه المسلم جميع ماله، ولم يرثه
ولده ولا امرأته مع المسلم شيئاً » الوسائل 26 : 24 / أبواب موانع الإرث ب5 ح1
.
وكذا رواية مالك بن أعين المروية في الكافي 7 : 143 / 1 والتهذيب 9 : 368 /
1315 ـ والآتي وجه ضعفها في ص39 وإن وصفها العلاّمة ] في المختلف 9 : 74 مسألة
23 [ ، بل الشهيد المتضلّع بالرجال ] في حاشية الإرشاد 3 : 597 [ بالصحّة ـ عن
أبي جعفر (عليه السلام) قال : « سألته عن نصراني مات ، وله ابن أخ مسلم ، وابن
اُخت مسلم ، وله أولاد وزوجة نصارى ، فقال : أرى أن يعطى ابن أخيه المسلم ثلثي
ما تركه ، ويعطى ابن اُخته المسلم ثلث ما ترك إن لم يكن له ولد صغار ، فإن كان
له ولد صغار فإنّ على الوارثين أن ينفقا على الصغار ممّا ورثا عن أبيهم حتّى
يدركوا ، قيل له : كيف ينفقان على الصغار ؟ فقال : يخرج وارث الثلثين ثلثي
النفقة ، ويخرج وارث الثلث ثلث النفقة ، فإذا أدركوا قطعوا النفقة عنهم
قيل له : فإن أسلم أولاده وهم صغار ؟ فقال : يدفع ما ترك أبوهم إلى الإمام حتّى
يدركوا
فإن أتمّوا (بقوا) على الإسلام إذا أدركوا دفع الإمام ميراثه إليهم، وإن لم
يتمّوا (لم يبقوا) على الإسلام إذا أدركوا دفع الإمام ميراثه إلى ابن أخيه وابن
اُخته المسلمين ، يدفع إلى ابن أخيه ثلثي ما ترك ، ويدفع إلى ابن اُخته ثلث ما
ترك» الوسائل 26 : 18 / أبواب موانع الإرث ب2 ح1 .
منها : ما دلّ على أنّه « من أسلم على ميراث قبل أن يقسّم فله ميراثه »(1) وليس في هذا القسم من الروايات دلالة على الحجب ولا على عدمه ، بل غاية دلالتها أنّه يفرض مسلماً فيأخذ ميراثه ، فإن كان معه شريك أخذ حصّته ، وإلاّ أخذ جميع المال .
ومنها : ما دلّ على أنّه إذا أسلم قبل القسمة فله الميراث كلّه(2) وإن أسلم بعدها فلا شيء له .
وهذا يفرض فيما إذا كان الميّت مسلماً وله أولاد كفّار ، وإخوة مسلمون ، ففي
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ففي صحيحة عبدالله بن مسكان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « من أسلم
على ميراث قبل أن يقسّم فله ميراثه ، وإن أسلم وقد قسّم فلا ميراث له » الوسائل
26 : 21 / أبواب موانع الإرث ب3 ح2 .
(2) ففي صحيحة أبي بصير ، قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل مسلم
مات وله اُمّ نصرانية ، وله زوجة وولد مسلمون ، قال فقال : إن أسلمت اُمّه قبل
أن يقسّم ميراثه اُعطيت السدس ، قلت : فإن لم يكن له امرأة ، ولا ولد ، ولا
وارث له سهم في الكتاب من المسلمين ، واُمّه نصرانية ، وله قرابة نصارى ممّن له
سهم في الكتاب لو كانوا مسلمين ، لمن يكون ميراثه ؟ قال : إن أسلمت اُمّه فإنّ
جميع ميراثه لها ، وإن لم تسلم اُمّه وأسلم بعض قرابته ممّن له سهم في الكتاب
فإنّ ميراثه له ، وإن لم يسلم من قرابته أحد فإنّ ميراثه للإمام » نقلها في
الوسائل 26 : 20 / أبواب موانع الإرث ب3 ح1 عن الكافي 7 : 144 / 2 مع نحو تغيير
.
وصحيحة محمّد بن مسلم ، عن أحدهما (عليهما السلام) قال : « من أسلم على ميراث
(من) قبل أن يقسّم فهو له ، ومن أسلم بعد ما قسّم فلا ميراث له ... » المصدر
المتقدّم من الوسائل ح3 .
ومعتبرة أبي العباس البقباق ، قال « قال أبو عبدالله (عليه السلام) : من أسلم
على ميراث قبل أن يقسّم فهو له » المصدر المتقدّم من الوسائل ح5 .
وكذا صحيحة محمّد بن مسلم ، راجع المصدر المتقدّم من الوسائل ح4 .
مثل ذلك لا يرث الولد الكافر الأب المسلم قطعاً ، ويكون الإرث للإخوة المسلمين الذين هم من الطبقة الثانية ، فلو فرض أنّ الولد الكافر أسلم قبل القسمة كان تمام المال له ، لأنّه من الطبقة الاُولى ، فيحجب من هو في الطبقة الثانية . ولو أسلم بعد القسمة فليس له شيء . إلاّ أنّ وجود هذا الفرض في الخارج إمّا بعيد ، أو غير محقّق.
وكذا يفرض هذا لو كان الميّت مسلماً وولده كفّار ، وأحفاده وأسباطه مسلمون . وهذا أيضاً بعيد ، أو غير محقّق .
وكذا يفرض هذا لو كان الميّت كافراً ، فإنّه يمكن أن يكون جميع أولاده وإخوته وأرحامه وجميع من يتقرّب به بواسطة أو بدونها كفّاراً ، ففي مثل هذه الصورة لو أسلم من في الطبقة المتأخّرة ـ كالأخ أو الحفيد أو السبط ـ قبل القسمة كان تمام المال له ، وإن أسلم بعد القسمة لم يكن له شيء . وهذا كثير الوجود .
وشمول المعتبر من الروايات لهذا القسم هو المتيقّن ، فتدلّ هذه الروايات على أنّ إسلام من هو في المرتبة المتأخّرة موجب لحجب المرتبة المتقدّمة إذا كان قبل القسمة ، سواء كان الموروث كافراً أو مسلماً .
فإذا كان الإسلام قبل القسمة موجباً لأن يكون تمام المال لمن أسلم ، فكون تمام المال له إذا كان مسلماً من الأول بطريق أولى . فلو مات كافر وله أولاد كفّار وإخوة مسلمون كان الإرث للإخوة المسلمين ، دون الأولاد الكفّار ، وهو معنى الحجب .
الفرع الرابع : الحجب يختصّ بغير الإمام (عليه السلام) .
لو لم يكن للكافر وارث مسلم ، قريب أو بعيد ـ ولو كان إسلامه بعد الموت ـ كان إرثه لورثته الكفّار ، حسب ما يرونه من الإرث . ولا يرثه الإمام (عليه السلام) لأنّه وارث من لا وارث له ، والكافر في المقام له وارث ـ وإن كان كافراً ـ بمقتضى
قوله تعالى : (وَأُولُوا الاَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ)(1) فإنّه لا قصور في شموله للكفّار أيضاً .
على أنّه لو كان الإمام (عليه السلام) هو الوارث لما كان مورد لإرث النصارى والمجوس ، الوارد في الروايات(2) وفي كيفية تقسيم الإرث بين المجوس ، وأنّ النصارى يرث بعضهم بعضاً .
على أنّ السيرة القطعية من زمان المعصومين (عليهم السلام) إلى يومنا هذا قائمة على عدم التوريث ، فلم ينقل أنّ ماله يؤخذ ويجعل في بيت المال ، على كثرة من كان من أهل الذمّة في بلاد المسلمين في زمانهم (عليهم السلام) وبعده .
الفرع الخامس : المراد بالكافر خصوص الأصلي ، أو يشمل المرتدّ أيضاً سواء كان عن فطرة أو ملّة ؟
ادّعي الإجماع على أنّ المرتدّ الفطري لا يرثه ورثته الكفّار ، والمشهور شهرة عظيمة أنّ المرتدّ الملّي كذلك ، فإرثهما حينئذ للإمام (عليه السلام) .
أقول : أمّا المرتدّ الملّي فالصحيح أنّه كالأصلي ، كما ذهب إليه الشيخ الصدوق(3)، والشيخ الطوسي في كتابي أخباره(4)، واختاره من المتأخّرين صاحب المستند(5)،
إذ لا دليل على استثنائه من سائر الكفّار ، فيبقى ما دلّ على أنّ إرثه كغيره من
الكفّار الأصليين لورثته الكفّار، على ما دلّ عليه إطلاق الآية
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأنفال 8 : 75 .
(2) الوسائل 26 : 23 / أبواب موانع الإرث ب4 ، 317 / أبواب ميراث المجوس ب1 ح1
.
(3) المقنع : 508 ، الفقيه 4 : 245 / 789 .
(4) التهذيب 9 : 372 / 1328 ، الاستبصار 4 : 193 / 724 .
(5) مستند الشيعة 19 : 26 ـ 29 .
المباركة (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالاَْقْرَبُونَ ...)(1) فإنّها شاملة لكلّ ميّت مسلماً كان أو كافراً ، أصلياً كان كفره أو بالارتداد ، نعم خرج عنه ما إذا كان للكافر وارث مسلم ، للروايات المعتبرة الدالّة على ذلك(2).
وأمّا في المقام فاستدلّوا على الخروج بعدّة وجوه ، بلغ ضعف بعضها درجة لا تقبل الذكر ، بعد وضوح عدم تحقّق الإجماع .
وعمدة ما ذكر من الوجوه ما في الجواهر ، من أنّ المرتدّ متحرّم بالإسلام ولذا لا يجوز استرقاقه ، ولا يصحّ نكاحه لكافرة ولا لمسلمة(3).
وفيه : أنّ ذلك لا يخرج عن القياس ، إذ أنّه مع ثبوت ذلك لم يثبت أنّه للتحرّم بالإسلام ، وعلى تقديره فهو قياس مع الفارق ، لأنّ مسألة النكاح والاسترقاق يمكن أن تكون في مورد قابل للبقاء ، والمرتدّ محكوم بالقتل إن كان عن فطرة وبالاستتابة ثلاثة أيّام إن كان عن ملّة، فإن لم يتب قتل ، ففرض عدم جواز نكاحه ولا استرقاقه لا يوجب التعدّي إلى الإرث .
على أنّه لا وجه لعدم جواز تزويجه بالكتابية متعة أو دواماً ، لأنّ للمسلم أن يتزوّج بها متعة بلا خلاف ، ودائماً على خلاف ـ وإن كان الأظهر عندنا جوازه أيضاً ، خلافاً للمشهور ـ فكيف لا يجوز للمرتدّ ذلك . بل لا دليل على عدم جواز تزويجه بغير الكتابية من أقسام الكفّار ، كالمشركة والوثنية ، نعم ليس له أن يتزوّج بالمسلمة ، لأنّه كافر ، ولا ربط لذلك بالمقام .
وأمّا عدم استرقاقه فليس لأجل التحرّم بالإسلام ، بل لأجل أنّ الاسترقاق
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النساء 4 : 7 .
(2) تقدّم بعضها في هامش ص21 ـ 22 .
(3) الجواهر 39 : 17 .
على خلاف الأصل ، فيحتاج إلى دليل ، فإنّ ملكية إنسان لإنسان أو غيره يحتاج إلى دليل ، ولا دليل ، فإنّ أدلّة الاسترقاق كلّها في الكافر الأصلي ، دون غيره . فلا مقتضي للاسترقاق من الأول .
الوجه الثاني : التمسّك بالاستصحاب ، وأنّ الأصل أنّ الوارث الكافر لا يرث من المرتدّ .
وفيه : على فرض جواز الأصل في نفسه ، كيف يمكن التمسّك به مع وجود إطلاق الآية المباركة (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ ...)(1) والروايات الشريفة .
الوجه الثالث : أنّ المرتدّ إذا تاب وجب عليه قضاء صلاته وصيامه الفائت حال الردّة ، فحاله حال المسلم ، فهو ملحق به لا بالكافر .
وهذا عجيب ، لأنّ القاعدة تقتضي قضاء ما فات من أي شخص ، خصّص بما إذا كان كافراً ، فإنّه لا يجب عليه قضاء ما فاته حال كفره، وهو مختصّ بالكافر الأصلي ، ولا يشمل المرتدّ ، فكيف يتعدّى منه إلى مسألة الإرث . على أنّ إطلاق الآية المباركة دالّ على الإرث .
الوجه الرابع : إطلاق قولهم (عليهم السلام) : « لا يرث الكافر المسلم »(2) الشامل للمرتدّ ، لأنّه كان مسلماً ، ولذا يصحّ إطلاق المسلم عليه ولو مجازاً ، باعتبار انقضاء المبدأ عنه .
وهذا الوجه وغيره غير قابل للذكر ، لأنّ المراد بالمسلم في قولهم (عليهم
السلام) : « لا يرث الكافر المسلم » المسلم بالفعل ، والمرتدّ كافر بالفعل ،
فلا يشمله ذلك .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النساء 4 : 7 .
(2) الوسائل 26 : 12 / أبواب موانع الإرث ب1 ح3 وغيره . راجع ص22 الهامش (1) .
فالصحيح : أنّ المرتدّ الملّي إذا لم يكن له وارث مسلم ورثه ورثته الكفّار لإطلاق الآية المباركة . مضافاً إلى صحيحة إبراهيم بن عبدالحميد، قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : نصراني أسلم ، ثمّ رجع إلى النصرانية ثمّ مات ، قال : ميراثه لولده النصارى . ومسلم تنصّر ثمّ مات ، قال : ميراثه لولده المسلمين »(1).
وإشكال صاحب الجواهر وغيره عليها بشمولها حتّى لمّا إذا كان له ورثة مسلمون ، وهو خلاف الإجماع والنصّ(2) لا وجه له ، للزوم رفع اليد عن الإطلاق على فرضه ، بل يمكن أن يقال : لا إطلاق لها ، لأنّه بطبيعة الحال حينما كان نصرانياً كان له أولاد كفّار ، ولم يذكر أنّه بعد إسلامه تولّد له ولد ، وربما كان إسلامه يوماً أو شهراً أو سنة . فقوله (عليه السلام) : « ميراثه لولده النصارى » باعتبار موردها . فلا إطلاق لها حتّى يقيّد بغيره .
هذا ، ولكن الصحيح أنّ رواية إبراهيم بن عبدالحميد لم يثبت أنّها عن الإمام (عليه السلام) لأنّه وإن رواها إبراهيم بن عبدالحميد ـ كما في الفقيه(3) ـ عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، إلاّ أنّها في التهذيب في موردين(4) وفي الاستبصار في مورد(5) رواها إبراهيم عن رجل عن الإمام (عليه السلام) . فلم يثبت إسنادها إلى المعصوم (عليه السلام) . ولا حاجة لها بعد اقتضاء القاعدة أن يكون إرثه لورثته الكفّار ، لا للإمام (عليه السلام) .
وأمّا المرتدّ الفطري : فقد ادّعى غير واحد من الأعاظم ، منهم صاحب
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 26 : 25 / أبواب موانع الإرث ب6 ح1 .
(2) الجواهر 39 : 18 .
(3) الفقيه 4 : 245 / 789 .
(4) التهذيب 9 : 372 / 1328 ، 1346 .
(5) الاستبصار 4 : 193 / 724 .
الجواهر(1) الإجماع القطعي على أنّه لو لم يكن له وارث مسلم فإرثه للإمام (عليه السلام) ولا يرثه ورثته الكفّار ، وادّعى أنّ الحكم مقطوع به بين الأصحاب .
والظاهر أنّ دعوى الإجماع وإن صدرت من مثل صاحب الجواهر وغيره إلاّ أنّها لا محصّل لها ، وذلك لأنّ لنا في المرتدّ الفطري بحثين :
الأوّل : في انتقال ماله إلى ورثته حين ارتداده ـ فإن لم يكن له وارث مسلم فإلى الإمام (عليه السلام) ولا يرثه الكافر ـ والحكم عليه بالموت التنزيلي ، وبينونة زوجته واعتدادها عدّة الوفاة ، ووجوب قتله ، وعدم قبول توبته ، وعدم ارتفاع هذه الأحكام بالتوبة . وهذا واضح ، وتدلّ عليه النصوص(2)، بلا حاجة إلى الإجماع . وهذا خارج عن محل الكلام .
الثاني : ما إذا مات المرتدّ الفطري موتاً حقيقياً ـ لا تنزيلياً ـ بأن فرض عدم قتله ، لفراره أو لعدم إمكانه ، كما في زماننا ، فاكتسب مالا جديداً ثمّ مات موتاً حقيقياً ، فلمن يكون ميراثه ؟ وهو محلّ الكلام .
المشهور عدم قبول توبته حتّى في غير ما ذكر من الأحكام المتقدّمة ، فلا يحكم بطهارته ، ولا يجوز تزويجه من زوجته أو غيرها ، وعدم إمكان تملّكه لشيء .
وخالف في ذلك جماعة منهم صاحب العروة(3) والشهيد في الروضة(4 ) والمحقّق القمّي
في جامع الشتات(5) وقالوا بقبول توبته ـ في غير الأحكام المذكورة ـ باطناً بينه
وبين الله ، بل ظاهراً أيضاً ، وهو الصحيح . ورتّب عليه ما يترتّب على
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الجواهر 39 : 17 .
(2) الوسائل 28 : 323 / أبواب حدّ المرتدّ ب1 ح2 ، 3 .
(3) العروة الوثقى 1 : 109 / المسألة [382] .
(4) الروضة البهيّة 8 : 30 ، 9 : 337 .
(5) جامع الشتات 2 : 712 ، 750 .
المسلم من الأحكام ، وإن كان يجب قتله وتبين زوجته ، إلاّ أنّه يحكم بطهارته وجواز تملّكه لأي شيء ، وصحّة معاملاته ، وتزويجه من مسلمة ، بل حتّى بامرأته السابقة .
وعلى أي حال ، لا معنى ـ على المشهور ـ لدعوى الإجماع على انتقال ماله إلى ورثته المسلمين دون الكفّار . والإجماع التقديري ـ أي لو فرض أنّه يملك فلا ينتقل إلى ورثته الكفّار ـ بعيد جدّاً .
والظاهر أنّ مدّعي الإجماع اشتبه عليه الأمر بين البحثين ، فادّعى الإجماع
القائم في الموت التنزيلي ـ على عدم إرث الوارث الكافر من المرتدّ الفطري
واختصاص إرثه بالورثة المسلمين ، فإن لم يكونوا فإلى الإمام (عليه السلام) ـ
ادّعاه في الموت الحقيقي الذي لا موضوع للإجماع فيه ، لالتزام المشهور بعدم
قابلية ملكية المرتدّ فيه لأي شيء(1) وإن ناقشنا ذلك في كتاب الطهارة وقلنا :
إنّه يملك حتّى حال الارتداد(2).
الفرع السادس : إذا كان في الورثة مسلم وكافر ، فامّا أن يتعدّد المسلم أو يتّحد .
وعلى الأوّل : لا يكون كفر الوارث الآخر مانعاً من الإرث ، فإن أسلم قبل القسمة
شاركهم في الميراث إن كان في طبقتهم ، واختصّ به إن كان مقدّماً عليهم . فلو
كان لميّت أولاد مسلمون وولد كافر ، فأسلم قبل القسمة شاركهم . ولو كان لميّت
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أقول : إنّ الذي يحكم بانتقال ماله إلى ورثته بمجرّد ارتداده إنّما هو
الرجل من المرتدّ الفطري ، وأمّا المرأة فلا ، كما لا يحكم بقتلها . ولا شكّ
أنّ نسبتهنّ إلى الرجال أكثر ، فللإجماع المزبور موضوع . وكون الرجل هو القدر
المتيقّن في المقام ـ كما أجابني به السيّد الاُستاذ ـ كما ترى .
(2) شرح العروة الوثقى 4 : 204 .
إخوة مسلمون وأحفاد كذلك ، فأسلم آبائهم قبل القسمة اختصّوا به دون الحفدة . فالكفر المانع إنّما هو مع بقائه ، لا في أصل حدوثه . وقد دلّت على ذلك عدّة روايات(1).
ولو حصل للتركة نماء بعد الموت وقبل القسمة ، فهل يكون لمن أسلم قبل القسمة أيضاً ، أو يختصّ بغيره ؟
المعروف والمشهور على ما في الجواهر(2) تبعيّة النماء للعين ، وإن لم يكن هذا النماء ملكاً للميّت ، وليس من التركة . خلافاً للإيضاح ، حيث اختار اختصاصه بغيره ، باعتبار أنّه ليس من التركة ، بل هو ملك لغير من أسلم قبل القسمة(3).
والصحيح ما ذهب إليه المشهور ، لأنّ انتقال المال إلى من أسلم قبل القسمة إنّما هو بعنوان الميراث ، لا بعنوان أنّه من الورثة ـ فيكشف ذلك عن انتقاله إليه من الأول ـ والمانع إنّما هو الكفر المستمر ، لا المنقطع قبل القسمة . فلو تصرّف غيره بالنماء قبل ذلك لابدّ له من ردّ حصّته ، لأنّه تصرّف في مال الغير بمقتضى الكشف بالشرط المتأخّر الذي هو الإسلام ، ولا إشكال في عدم اعتبار الإسلام حال موت المورّث في الإرث .
ثمّ إنّ الإسلام إمّا أن يكون قبل القسمة ، أو حالها ، أو بعدها .
لا إشكال في وضوح الحكم في الطرفين بمقتضى الروايات المتقدّمة(4) الدالّة على
أنّ الإسلام قبل القسمة موجب لمشاركة من أسلم لغيره في الميراث ، أو انفراده
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 26 : 20 / أبواب موانع الإرث ب3 ح1 ـ 5 ، وقد تقدّم بعضها في ص25 .
(2) الجواهر 39 : 18 .
(3) لاحظ إيضاح الفوائد 4 : 174 .
(4) في ص25 .
به ، كما لا أثر له بعدها .
وأمّا الإسلام حال القسمة فهل حكمه حكم الإسلام قبلها ، أو بعدها ؟
ذكر صاحب الجواهر(1) «أنّ لما دلّ على أنّ من أسلم على ميراث قبل أن يقسّم فهو له ومن أسلم بعد ما قسّم فلا ميراث له»(2) أو «من أسلم على ميراث قبل أن يقسّم فله ميراثه وإن أسلم وقد قسّم فلا ميراث له»(3) مفهومين ، الأول : أنّه لا يرث لو أسلم حال القسمة. الثاني : أنّه لا يرث لو أسلم بعد القسمة . فيتعارضان حال القسمة ـ لأنّ مقتضى الأول عدم الارث حال القسمة ، ومقتضى الثاني الإرث حالها ـ فيتساقطان ، ويجب حينئذ الرجوع إلى مانعية الكفر ، والحكم بعدم إرث من أسلم حال القسمة .
أقول : ما ذكره وإن كان صحيحاً ، إلاّ أنّه غير صحيح من جهة الدليل ، إذ ليس للشرطية الثانية مفهوم يعارض مفهوم الشرطية الاُولى ، بل هو بيان لها ، فإنّ مفهوم (من أسلم قبل القسمة يرث) أنّه إذا لم يسلم قبل القسمة لا يرث ، فإسلامه حال القسمة لا أثر له .
وأمّا قوله : (وإن أسلم بعد القسمة فلا يرث) فلا مفهوم له جديد ، بل هو بيان لمفهوم الشرطية الاُولى ، وليس مفهومه أنّه إذا أسلم قبل القسمة ـ الشامل لحال القسمة ـ يرث حتّى يتعارضا ، لوضوح أنّ الإسلام المتأخّر عن القسمة لا يقتضي الإرث ، لا أنّه مانع منه .
فتكفي الشرطية الاُولى للدلالة على عدم الإرث لمن أسلم حال القسمة ، وبه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الجواهر 39 : 19 .
(2) الوسائل 26 : 21 / أبواب موانع الإرث ب3 ح3 .
(3) الوسائل 26 : 21 / أبواب موانع الإرث ب3 ح2 .
يقيّد إطلاق ما في بعض الروايات التي فيها : إن قسّم المال فلا يرث ، وإن لم يقسّم يرث(1) فإنّه ليس بين التقسيم وعدمه فاصلة ، بل هما وجود وعدم . و (لم يقسّم) يشمل حال القسمة أيضاً .
فمقتضى هذا الإطلاق أنّه يرث لو أسلم حال القسمة ، لصدق أنّه أسلم ولم يقسّم المال ، فيقيّد هذا الإطلاق بقوله (عليه السلام) : إن أسلم قبل أن يقسّم المال . وينحصر الحكم بالإرث بما إذا كان الإسلام مقدّماً على التقسيم .
ومن هنا يعلم حال ما إذا علم التقسيم وإسلام الوارث ، وشكّ في المتقدّم والمتأخّر ، فإنّه يحكم بعدم الإرث ، لأصالة عدم تحقّق الإسلام إلى زمان القسمة . وأمّا استصحاب عدم القسمة إلى زمان الإسلام فلا يثبت تأخّر القسمة عن الإسلام وتقدّمه عليها . فيحكم بعدم الإرث حال الشكّ ، لعدم معارضة الأصلين .
ولو أسلم الوارث بعد قسمة بعض التركة دون بعضها ، فهل إسلامه بعد القسمة باعتبار ما قسّم ، فلا يرث حتّى ممّا لم يقسّم . أو قبلها باعتبار أنّه قبل قسمة المجموع فيرث حتّى ممّا قسّم . أو أنّه إسلام بعد القسمة بالنسبة لما قسّم ، وقبل القسمة بالنسبة لما لم يقسّم ؟
الظاهر الثالث ، لكون القضية قضية حقيقية تنحلّ بحسب ما تركه الميّت فيكون إسلامه بعد تقسيم البعض فلا يرث منه ، ويكون إسلامه قبل تقسيم البعض الآخر فيشارك فيه أو يختصّ به .
وعلى الثاني : وهو ما لو كان المسلم متّحداً ، كما إذا كان للميّت أخوان أحدهما
مسلم والآخر كافر ، أو أخ مسلم وابن كافر ، كان الكفر حينئذ مانعاً من الإرث ،
وموجباً لاختصاص المسلم به ، سواء كان في مرتبة متأخّرة أو مساوية
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 26 : 21 / أبواب موانع الإرث ب3 ح4 .
لأنّ المستثنى ممّا دلّ على عدم إرث الكافر ، خصوص ما إذا أسلم الكافر قبل القسمة ، وهو مختصّ بما إذا كانت هناك قسمة .
ولكن هذا لو كان تمام المال للوارث المسلم ، كما في المثالين المتقدّمين ، وأمّا لو لم يكن تمام المال له ، بل بعضه ، والعبض الآخر لا وارث له ، كما لو كان الوارث زوجة مسلمة لا غير ، فإنّ لها الربع ، والباقي للإمام (عليه السلام) . فلو أسلم هنا وارث للميّت ـ من ابن ، أو عم ، أو خال ـ قبل تقسيم المال بين الزوجة والإمام (عليه السلام) صدق أنّه أسلم قبل القسمة ، فيرث ، ولا تصل النوبة للإمام (عليه السلام) لأنّه وارث من لا وارث له .
وهذا بخلاف الزوج ، فإنّ تمام المال له ، فلا أثر لإسلام الوارث بعد الموت ، إذ لا قسمة فيه .
ثمّ لو كان الوارث المتّحد هو الإمام (عليه السلام) فهل لا ينفع إسلام الوارث الكافر حينئذ ، أو يختص ذلك بالوارث بعنوان الوارث ، وأمّا من يرث بعنوان من لا وارث له فلا يجري فيه هذا الحكم ؟
الظاهر هو الثاني ، للنصّ ـ وإن كان مقتضى القاعدة كونه (عليه السلام) كالوارث الواحد ـ فإنّ صحيحة أبي بصير دالّة بوضوح على عدم كونه كالوارث الواحد ، بل الانتقال إليه فرع أن لا يكون هنا إسلام قبل إرثه وتملّكه ، وإلاّ كان المال لمن أسلم ، كلا أو بعضاً ، قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل مسلم مات وله اُمّ نصرانية ، وله زوجة وولد مسلمون ، فقال : إن أسلمت اُمّه قبل أن يقسّم ميراثه اُعطيت السدس ، قلت : فإن لم يكن له امرأة ولا ولد ، ولا وارث له سهم في الكتاب من المسلمين ، واُمّه نصرانية ، وله قرابة نصارى ممّن له سهم في الكتاب لو كانوا مسلمين ، لمن يكون ميراثه ؟ قال : إن أسلمت اُمّه فإنّ جميع ميراثه لها ، وإن لم تسلم اُمّه وأسلم بعض قرابته ممّن له سهم في الكتاب فإنّ ميراثه له ، وإن
لم يسلم من قرابته أحد فإنّ ميراثه للإمام »(1).
وهل يعتبر أن يعرض الإمام (عليه السلام) الإسلام على الوارث الكافر ؟ احتمل صاحب الجواهر ذلك ، وقال : ولم أعرف أحداً اعتبر ذلك ، نعم عن المصنّف في النكت التنبيه عليه . قيل : ويوافقه الاعتبار(2).
واستدلّ على ذلك بصحيحة أبي ولاّد الحنّاط ، قال : « سألت أبا عبدالله (عليه
السلام) عن رجل مسلم قتل رجلا مسلماً ، فلم يكن للمقتول أولياء من المسلمين
إلاّ أولياء من أهل الذمّة من قرابته ، فقال : على الإمام أن يعرض على قرابته
من أهل بيته الإسلام ، فمن أسلم منهم فهو وليّه يدفع القاتل إليه ، فإن شاء قتل
، وإن شاء عفا ، وإن شاء أخذ الدية ، فإن لم يسلم أحد كان الإمام وليّ أمره ،
فإن شاء قتل
وإن شاء أخذ الديّة فجعلها في بيت مال المسلمين ، لأنّ جناية المقتول كانت على
الإمام ، فكذلك تكون ديته لإمام المسلمين . قلت : فإن عفا عنه الإمام ؟ قال
فقال : إنّما هو حقّ جميع المسلمين ، وإنّما على الإمام أن يقتل أو يأخذ الدية
، وليس له أن يعفو »(3).
أقول : الصحيحة أجنبية عن محل الكلام ، لأنّها من جهة حقّ القصاص
فإنّها دالّة على أنّ ليس للإمام (عليه السلام) أن يقتص أو يأخذ الديّة قبل أن
يعرض الإسلام على قرابته ، باعتبار أنّ ذلك حقّ لهم ، فإن قبلوا الإسلام كان
هذا الحقّ ثابتاً لهم ، وإلاّ فإلى الإمام (عليه السلام) . وهو صحيح ونقول به ،
إلاّ أنّ التعدّي
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 26 : 20 / أبواب موانع الإرث ب3 ح1 نقلا عن الكافي 7 : 144 / 2 مع
نحو تغيير .
(2) الجواهر 39 : 20 .
(3) الوسائل 29 : 124 / أبواب القصاص في النفس ب60 ح1 .
منه إلى محل الكلام لا وجه له ، فلا يعتبر عرض الإسلام على الورثة في الإرث .
ثمّ استثنى المشهور من المتقدّمين على ما نسب إليهم(1) من عدم تأثير الإسلام بعد القسمة في الإرث مورداً ، وهو ما إذا مات نصراني وكان له ولد صغار وابن أخ مسلم ، وابن اُخت مسلم ، فلابن الأخ الثلثان ، ولابن الاُخت الثلث وعليهما الإنفاق بنسبة إرثهما على الأولاد الصغار إلى أن يكبروا فينقطع الإنفاق . وإن أسلم الصغار قبل البلوغ كانت التركة لهم ، فتبقى عند الإمام (عليه السلام) فإن بقوا على الإسلام بعد البلوغ اُعطي المال لهم ، وإلاّ فإلى ابن الأخ وابن الاُخت .
وذلك لما روي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « سألته عن نصراني مات
وله ابن أخ مسلم ، وابن اُخت مسلم ، وله أولاد وزوجة نصارى ، فقال : أرى أن
يعطى ابن أخيه المسلم ثلثي ما تركه ، ويعطى ابن اُخته المسلم ثلث ما ترك إن لم
يكن له ولد صغار ، فإن كان له ولد صغار فإنّ على الوارثين أن ينفقا على الصغار
ممّا ورثا عن أبيهم حتّى يدركوا ، قيل له : كيف ينفقان على الصغار ؟ فقال :
يخرج وارث الثلثين ثلثي النفقة ، ويخرج وارث الثلث ثلث النفقة ، فإن أدركوا
قطعوا النفقة عنهم . قيل له : فإن أسلم أولاده وهم صغار ؟ فقال : يدفع ما ترك
أبوهم إلى الإمام حتّى يدركوا ، فإن أتمّوا « بقوا خل » على الإسلام إذا أدركوا
دفع الإمام ميراثه إليهم
وإن لم يتمّوا «لم يبقوا خل» على الإسلام إذا أدركوا دفع الإمام ميراثه إلى
ابن أخيه وابن اُخته المسلمين ، يدفع إلى ابن أخيه ثلثي ما ترك ، ويدفع إلى ابن
اُخته ثلث ما ترك»(2).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كما في المسالك 13 : 30 .
(2) الوسائل 26 : 18 / أبواب موانع الإرث ب2 ح1 .
وقد وصف العلاّمة والشهيد على ما في الجواهر(1) الرواية بالصحّة .
أقول : الرواية مشتملة على ثلاثة مطالب :
الأول : أنّ المسلم وإن كان بعيداً في الطبقة يحجب غير المسلم ، فابن الأخ وابن الاُخت المسلمان يحجبان الأولاد الكفّار . وهو على طبق القاعدة المستفادة من الروايات المعتبرة كما تقدّم(2).
الثاني : يجب على الوارث المسلم الإنفاق على الصغار حتّى يكبروا فينقطع الإنفاق . وهذا الحكم على خلاف القاعدة ، إذ لا مقتضي للإنفاق على غير الأبوين والأولاد .
الثالث : أنّ الإسلام بعد القسمة يوجب الإرث بشرط بقائهم عليه إلى البلوغ ، وهو أيضاً خلاف القاعدة المستفادة من الروايات(3) الدالّة على أنّ الإسلام بعد القسمة لا أثر له بالنسبة إلى الميراث .
فإن كانت الرواية صحيحة التزم بالتخصيص في الموردين ، والقول بوجوب الإنفاق ، وتأثير الإسلام في الإرث في خصوص المورد .
ولكن الظاهر أنّ الرواية ضعيفة ، فإنّها ذكرت في الكافي(4) والتهذيب(5)عن مالك
بن أعين ، ولا يبعد أن يكون منصرفاً إلى مالك بن أعين الجهني ، وهو وإن لم
يوثّق ولم يمدح ، إلاّ أنّه ثقة ، لوجوده في أسناد كامل الزيارات(6).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الجواهر 39 : 28 .
(2) في ص24 .
(3) المتقدّمة في ص25 .
(4) الكافي 7 : 143 / 1 .
(5) التهذيب 9 : 368 / 1315 .
(6) هذا كان منه (قدّس سرّه) قبل أن يرجع عن اعتبار كل من روى في أسناد كامل
الزيارات
إلاّ أنّ الشيخ الصدوق روى هذه الرواية بعينها وبعين السند ، ولكن عن مالك بن أعين أو عبدالملك بن أعين على نحو الترديد(1) فكأنّ الصدوق نسي أو اشتبه عليه الأمر في راوي هذه الرواية .
ومن المطمأن به أنّ مالك بن أعين هو أخو زرارة بن أعين ، ولم نتيقّن بوجود رواية له في الكتب الأربعة ، وهو من المخالفين ، وليس بمستقيم ، ولم يرد فيه توثيق أبداً . فالرواية ضعيفة .
وروى هذه الرواية صاحب الوسائل(2) عن الصدوق عن عبدالملك بن أعين ومالك بن أعين جميعاً عن أبي جعفر (عليه السلام) ، ولم يعلم أنّه على أي نسخة من نسخ من لا يحضره الفقيه اعتمد .
وفي الوافي نقلها عن الصدوق(3) كما في الكافي والتهذيب بدون كلمة « أو » .
وعلى كلّ حال ، لم يثبت أنّ راوي الرواية هو مجموع الأخوين . والظاهر أنّ الاشتباه من قلم صاحب الوسائل(4).
وعلى فرض أنّ نسخ
الفقيه متّفقة على ما ذكره صاحب الوسائل فمع ذلك لا تثبت صحّة الرواية ،
لاتّحاد رواتها في طريق الشيخ والكليني والصدوق ، ولا يحتمل
ــــــــــــــــــــــــــــ
ولكن رجع عنه بعد ذلك
باستثناء مشايخ جعفر بن محمد بن قولويه ، وهم من يروي عنهم مباشرة في كامل
الزيارات .
(1) الفقيه 4 : 245 / 788 .
(2) الوسائل 26 : 18 / أبواب موانع الإرث ب2 ح1 .
(3) الوافي 25 : 917 / 21 .
(4) لم يعلّق في الوسائل المطبوعة من قبل مؤسسة آل البيت ـ والتي اعتمدنا عليها
في الاستخراج ـ على كلمة « و » ولا على كلمة « جميعاً » مع أنّ نسخ الفقيه
الموجودة بين أيدينا ليس فيها إلاّ كلمة « أو » .
|
|
|