رسالة في الأرث
 

ــ[1]ــ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين

والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين

 ولعنة الله على اعدائهم اجمعين

من الآن إلى قيام يوم الدين

ــ[2]ــ

ــ[3]ــ

 

المقدّمة

الحمد لله ربّ العالمين ، الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذي دانت له السماوات والأرض بالعبودية ، المنفرد بالوحدانية ، ثمّ الصلاة والسلام على أشرف خلقه وأفضل بريّته ، الرسول المسدّد ، والمصطفى الأمجد ، المبعوث رحمة للعالمين محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين ، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا .

وبعد ، فمن فضل الله ولطفه الذي منّ به عليّ أنّي كنت اُدوّن دروسي كلّها ، التي من ضمنها درس سيّدنا الاُستاذ « السيّد الخوئي » (رحمه الله) ، وأعتني بها عناية خاصّة حتّى اليوم الأخير من درسه قدّس الله نفسه الزكية .

فكان ممّا دوّنته كتاب الميراث ، الذي بحثه (رحمه الله) مرتّباً حسب ترتيب مسائل الإرث في رسالته العملية « منهاج الصالحين » وكان ذلك في الظروف الرهيبة والأيّام العصيبة التي مرّت علينا في النجف الأشرف ، على مشرّفه آلاف التحيّة والسلام ، في عهد الظلم والطغيان والوحشية البعثية التي لم تكن الوحشية التترية إلاّ مثالا صغيراً لها ، إلى أن أدّى ذلك إلى استشهاد سيّدنا الاُستاذ المفدّى ، بعد أن فرضت عليه الإقامة الجبرية في منزله في الكوفة إثر انتكاس الانتفاضة الشعبانية عام 1991م التي ذهب ضحيّتها الملايين من الشعب العراقي الغيور .

في الختام اُهدي كتابي هذا إلى روح والدي الشهيد آية الله الفقيه الشيخ محمد تقي الجواهري تغمّده الله برحمته ورضوانه .


محمّد الجواهري       
4 جمادى الثاني 1424هـ

ــ[4]ــ

ــ[5]ــ

 

كتاب الميراث

لا خلاف بين المسلمين ، بل وغيرهم في ثبوت الإرث في الجملة ، وقد نطق به الكتاب الكريم ، والسنّة النبوية .

الكلام في الإرث في فصول :

الفصل الأوّل

وفيه عدّة مباحث :

المبحث الأوّل : في موجبات الإرث ، وهو أحد أمرين :

الأوّل : السبب ، وهو منحصر بالزوجية ، والولاء بأقسامه الثلاثة : ولاء العتق ، وولاء ضمان الجريرة ، وولاء الإمامة .

ومن يرث بسبب الزوجية يرث مع جميع الطبقات ، وأمّا من يرث بسبب الولاء فإرثه مشروط بعدم وجود من يتقرّب إلى الميّت بالنسب وإن كان بعيداً كأبناء العمومة والخؤولة .

الثاني : النسب ، وله ثلاث طبقات :

الطبقة الاُولى : الأبوان المتّصلان دون الأجداد ، والأولاد وإن نزلوا ، وهما صنفان . والمراد من كونهما صنفين أنّه لو لم يكن للميّت أولاد حين الموت قام أولادهم مقامهم ، ولا ينفرد الأبوان بالميراث ، فيشارك أولاد الأولاد أجدادهم أو

ــ[6]ــ

جدّاتهم أو هما معاً في الميراث .

الطبقة الثانية : الإخوة والأخوات وأولادهم وإن نزلوا ، والأجداد والجدّات وإن علوا ، كآبائهم وأجدادهم .

ولا ترث هذه الطبقة مع وجود ولو وارث واحد من الطبقة الاُولى .

وهما صنفان أيضاً ، فلو لم يكن للميّت أخ ولا اُخت حين الموت قام أولادهم مقامهم وشاركوا الأجداد ، أو لم يكن للميّت جدّ أو جدّة حين الموت قام أبو الجدّ والجدّة واُمّهما مقامهم في مقاسمة الإخوة والأخوات .

الطبقة الثالثة : الأعمام والأخوال وإن علوا ـ كأعمام الآباء والاُمّهات وأخوالهم ، أو أعمام الأجداد والجدّات وأخوالهم ـ وأولادهم وإن نزلوا ، كأولاد أولادهم ، أو أولاد أولاد أولادهم ، وهكذا مع صدق القرابة للميّت عرفاً .

ولا ترث هذه الطبقة أيضاً مع وجود ولو وارث واحد من الطبقة الثانية .

وهذه الطبقة صنف واحد ، فلو لم يكن للميّت أخوال أو خالات حين الموت كان جميع المال للأعمال والعمّات ، ولا يشاركهم ابن الخال أو ابن الخالة ، وبالعكس .

المبحث الثاني : في أقسام الوارث .

فإنّ الوارث تارةً يرث بالفرض دائماً فقط ، ولا يردّ عليه شيء ، واُخرى يرث بالفرض دائماً ولكن قد يردّ عليه أيضاً ، وثالثة بالقرابة فقط ، ورابعة بالفرض تارةً وبالقرابة اُخرى ، وخامسة لا بالفرض ولا بالقرابة .

والأوّل : منحصر بالزوجة ، فإنّ لها مع الولد الثمنَ ، ومع عدمه الربع ، ولا يردّ عليها شيء . وهذه دائماً إرثها بالفرض ، كان هناك وارث آخر أم لم يكن .

والثاني : كالزوج ، فإنّ له الربعَ مع الولد ، والنصف مع عدمه ، ويردّ عليه إذا لم يكن وارث إلاّ الإمام (عليه السلام) .

وكذا الاُمّ ، فإنّ فرضها مع وجود الولد السدس ، ومع عدمه الثلث إذا لم يكن

ــ[7]ــ

حاجب . وربما يردّ عليها ، كما لو ترك الميّت أباه واُمّه وبنتاً ، أو ترك بنتين واُمّاً ، أو بنتاً واُمّاً .

والثالث : كالولد الذكر ، أو الذكور ، أو الذكور والإناث ، حيث لم يجعل لهم فرض في الكتاب والسنّة ، وإنّما يرثوا ما تركه أبوهم ، للذكر مثل حظّ الاُنثيين ، وإن انفرد أخذ جميع المال .

وكذا الإخوة من الأبوين ، أو من الأب خاصّة ، وكذا الجدّ ، والأعمام والأخوال .

والرابع : كالبنت الواحدة ، فإنّها تارةً ترث بالفرض ، كما لو لم يكن معها ابن ، فإنّ لها النصف . واُخرى بالقرابة ، كما لو كان معها ابن، فللذكر مثل حظّ الاُنثيين .

والأب ، فإنّه يرث بالفرض مع وجود الولد ، وفرضه السدس ، وبالقرابة مع عدمه .

والبنتين فصاعداً ، فإنّهنّ يرثن بالفرض إذا لم يكن معهنّ ابن ، وفرضهنّ الثلثان ، وبالقرابة إذا كان معهنّ ابن .

والاُخت الواحدة من الأبوين أو من الأب خاصّة ، فإنّها مع عدم الأخ ترث بالفرض ، وفرضها النصف ، ومع وجود الأخ ترث بالقرابة .

والاُختين فصاعداً من الأبوين أو من الأب خاصّة ، فإنّهنّ مع عدم الأخ يرثن بالفرض ، وفرضهنّ الثلثان ، ومع الأخ يرثن بالقرابة .

والإخوة والأخوات من الاُمّ خاصّة ، فإنّهم يرثون بالفرض مع عدم وجود الجدّ من طرف الاُمّ ، وفرضهم الثلث ، وبالقرابة مع وجوده .

والخامس : منحصر بالإرث بالولاء ، فإنّه لو لم يكن للميّت وارث نسبي فإرثه للمعتِق ، أو لضامن الجريرة ، أو للإمام (عليه السلام) .

ــ[8]ــ

من يرث بالفرض على نحوين :

الأول : قد لا يزاد على فرضه شيء أبداً ـ سواء وجد قريب أم لا ـ وهو منحصر بالزوجة ، فإنّها ترث مع وجود الولد الثمن ، ومع عدمه الربع . ولا يزاد على ذلك شيء في جميع الفروض ، كما أشرنا إليه .

الثاني : قد يزاد على فرضه شيء ، وموارده كثيرة ، كالبنت الواحدة إذا انفردت ، فإنّ لها النصف بالفرض والباقي بالقرابة ، وكذا لو اجتمعت مع الأبوين فإنّ لها النصف بالفرض وثلاثة أخماس الباقي ـ بعد سدسي الأبوين ـ بالقرابة .

من يزاد على فرضه قد ينقص من فرضه وقد لا ينقص .

والأوّل : كما لو زادت الحصص على التركة ، كأن ترك الميّت بنتاً واحدة وأبوين وزوجاً ، فللزوج الربع ، وللأبوين السدسان ، وللبنت النصف . ولا يفي المال بجميع الحصص ، ولا يرد النقص على الأبوين ، ولا على الزوج ، وإنّما يرد على البنت فقط ، فتكون حصّتها حينئذ الباقي .

وهنا يتوجّه إشكال وحاصله : أنّ البنت الواحدة إذا نقصت الفريضة عن السهام كان النقص عليها ، وإذا زادت الفريضة على السهام اختصّت الزيادة بها ـ كما لو انفردت ـ أو شاركت غيرها فيه ـ كما لو كانت مع الأبوين ، أو مع أحدهما ـ فلا مورد ترث فيه البنت الواحدة النصف ، بل إمّا أن يزيد أو ينقص ، وقد نصّت الآية المباركة على النصف(1).

والجواب : مضافاً إلى وجود ما ترث فيه البنت الواحدة النصف من دون زيادة ولا نقصان ، كما لو كان أحد أبوي الميّت ـ الوارثين مع بنت الميّت ـ مبعّضاً أي نصفه عبد ونصفه حر ، كما كان كثيراً في زمان المعصومين (عليهم السلام) وزمان
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أي قوله تعالى : (وَإن‘ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) النساء 4 : 11.

ــ[9]ــ

نزول القرآن . فلو ماتت امرأة وتركت والداً حرّاً ، ووالدة مبعّضة ، وبنتاً واحدة وزوجاً . فللزوج الربع ، وللبنت النصف ، وللأب السدس ، وللاُمّ نصف السدس .

إنّ هذا الإشكال مبني على أن يكون التقسيم بالنصف أو الربع أو السدس ونحوها في الآيات المباركة تقسيماً على الإطلاق ، وهو خلاف ظاهر الآيات المباركة ، فإنّ ظاهرها كون التقسيم تقسيماً بالنسبة ، لا على الإطلاق .

ولهذا التقسيم باب في علم الحساب ، ومنه ما نسب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)(1) حينما أوصى رجل له سبعة عشر بعيراً بأن يعطى أحد أولاده نصفاً والآخر ثلثاً ، والثالث تسعاً ، فأضاف (عليه السلام) إليها بعيراً ، فصارت ثمانية عشر ، فقسّمها بينهم ، لصاحب النصف تسعة، ولصاحب الثلث ستّة ، ولصاحب التسع اثنان ، فبقي واحد فأخذه (عليه السلام) . وهذا التقسيم هو التقسيم الصحيح بحسب موازين القسمة بالنسبة .

ولتوضيح الفرق بين التقسيم المطلق والتقسيم بالنسبة يلاحظ أنّ المال الواحد إذا جعل لأشخاص على حسب الحصص المشاعة بينهم ، فكان المال زائداً على حصصهم ، فإمّا أن لا يكون من الأول لهم ، بل لهم الحصص فقط ، وإمّا أن يكون المال من الأول لهم ، ثمّ تبيّن كيفية التقسيم على الحصص المذكورة .

ومثال ذلك في باب الوصية ، فإنّه تارةً يوصي الميّت بأنّ لولده الأكبر نصف الأغنام ، ولولده الأوسط ربعها ، ولولده الأصغر ثمنها ، فيبقى حينئذ ثمن الأغنام خارجاً عن مورد الوصية ، فينتقل إلى الورثة .

واُخرى يوصي أن تكون جميع الأغنام لهم ، ثمّ يبيّن كيفية القسمة ، كما لو قال
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
[راجع قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام) : 121 ، فقد حكى التستري القضية بلفظ الخصومة لا الوصية] .

ــ[10]ــ

ما أتركه من الأغنام كلّها لولْدي الثلاثة ، نصفها للأكبر ، وربعها للأوسط ، وثمنها للأصغر ، فإذا قسّم المال بينهم يزيد ثمناً ، وهذا الثمن أيضاً داخل في الوصية ، فنصفه للأكبر ، وربعه للأوسط ، وثمنه للأصغر ، ويبقى ثمن الثمن أيضاً فيقسّم هكذا ، وهكذا إلى أن تستوفى الفريضة .

ومورد التقسيم بالنسبة إنّما هو الثاني لا الأول ، والمستفاد من آيات الإرث أنّ الوارث هم أُولوا الأرحام والأقربون ، فما تأخذه البنت إذا اجتمعت مع الأبوين ـ أو مع أحدهما ـ النصفُ بالنسبة إلى التركة .

فلو ترك الميّت 30 ديناراً كان لها 15 ، ولكلّ واحد من أبويها 5 ، والباقي 5 أيضاً من التركة ، فتأخذ البنت نصفه والأبوان سدسيه ، ويبقى سدس السدس وهكذا إلى أن تستوفى الفريضة .

وكذا لو انفردت البنت ، فلها النصف 15 ونصف النصف الباقي وهو 500/7 ونصف النصف الباقي وهو 750/3 ، إلى أن تستوفى الفريضة ، فلا تتصوّر هنا زيادة أبداً ، لأنّ التقسيم كما هو ظاهر الآيات المباركة تقسيم بالنسبة ، لا على الإطلاق .

وبهـذا يتّضح صحّة ما ذهب إليه فقهاؤنا الأعـلام ، تبعاً لما ورد عن أئمّتنا المعصومين (عليهم السلام) من بطلان التعصيب كما سيأتي أيضاً(1) إذ لا زيادة في البين بل حكم الباقي حكم الأصل ، ففي فم العصبة التراب(2).

الإرث بالنسب إنّما هو مع صدق القرابة والرحم :

ذكر جملة من الفقهاء منهم صاحب الجواهر(3) أنّ الإرث بالنسب لابدّ وأن
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص15 .
(2) الوسائل 26 : 85 / أبواب موجبات الإرث ب8 ح1 ، وفيه : « والعصبة في فيه التراب » .
(3) الجواهر 39 : 8 .

ــ[11]ــ

يكون مع صدق القرابة أو الرحم ، لأنّ الموضوع في الآيات المباركة والروايات الشريفة ذلك ، كما في قوله تعالى : (وَأُولُوا الاَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ)(1) وقوله تعالى : (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالاَْقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالاَْقْرَبُونَ)(2) ونحو ذلك ممّا استفيد منه قاعدة (الأقرب يمنع الأبعد) .

وعلى هذا لا يكفي مجرّد الاتّصال بالنسب إذا كان بعيداً لا يصدق عليه عنوان الرحم أو القريب ، كما هو الحال في السادة مثلا ، فإنّهم كلّهم من أمير المؤمنين (عليه السلام) أو كلّهم من هاشم ـ إذا عمّمنا السيادة لكل من انتسب إليه ـ ولكن ليس كل سيد لسيد رحماً ولا قريباً ، بل هو أجنبي وإن اشتركوا في جدّ واحد .

وقد يشكل على ذلك فيقال : إنّه لا موجب لهذا التقييد ، لإطلاق قوله تعالى : (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُْنثَيَيْنِ ...)(3) والأولاد أعم من الأولاد مع الواسطة أو بدونها ، قريباً أو بعيداً ، ولذلك عمّم الحكم في تحريم النكاح بالولادة للقريب والبعيد ، فليس للجدّ وإن كان بعيداً أن يتزوّج بنات أولاده ، ولا إشكال في ذلك ولا كلام ، ولذا قال (عليه السلام) : «لا يخطب إليّ ولا اُجيبه»(4) لأنّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأنفال 8 : 75 .
(2) النساء 4 : 7 .
(3) النساء 4 : 11 .
(4) فيما روي عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) « أنّه قال للرشيد ـ في حديث ـ ياأمير المؤمنين ، لو أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) نشر فخطب إليك كريمتك هل كنت تجيبه ؟ فقال : ولِمَ لا اُجيبه ؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام) لكنّه لا يخطب إليّ ولا اُجيبه ، قال: ولِمَ ؟ قال : لأنّه ولدني ولم يلدك » الوسائل 20 : 363 / أبواب ما يحرم بالنسب ب2 ح3 ، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1 : 83 [نقل مع اختلاف يسير].

ــ[12]ــ

بنتي بنته ، ومن أولدني أولدها .

إلاّ أنّ كثرة وجود من ينتسب بهذا النحو في العالم ـ كأولاد آدم ـ يوجب عدم إمكان الوصول إليهم لكثرتهم ، فلذا لا يرثون ، ويكون الإرث لغيرهم .

وفيه : أنّك قد عرفت ظهور الآيات المباركة في اختصاص الحكم بالرحم والقريب ، وليست هذه الآيات في مقام تشريع الإرث ، وأنّ كلّ ولد يرث ، قريباً كان أو بعيداً ، وإلاّ لاشترك ولد الولد مع الولد وكان في عرضه ، وهو باطل جزماً بل في مقام بيان كيفية التقسيم ، وأنّ للذكور ضعف الإناث . واستفادة أولوية الوالد من الولد إنّما هو من آيات اُخرى(1).

ولو فرض ثبوت عدم الفرق بين القريب والبعيد فلا تصل النوبة إلى الولاء بأقسامه ، لأنّ أي شخص فرض موته لا شكّ أنّ له ابن عم ، أو ابن خال ولو بعيداً غاية الأمر أنّه مجهول ، فيكون داخلا في مجهول المالك ، لا في من لا وارث له .

والكثرة بمجرّدها ليست مانعة من الإرث ، فلو فرض أنّ لرجل ستّين ولداً ـ كما هو متحقّق في عصرنا الحاضر ـ ففي الطبقة الثانية ـ لو فرض أنّ لكلّ ولد عشرة أولاد ـ يكون الأولاد ستمائة ، وفي الثالثة ستّة آلاف ، وفي الرابعة ستّين ألفاً . أفيحتمل أن لا يكون هنا إرث لكثرتهم !؟ نعم الذي لا يكون وارثاً من لا مقتضي له في الإرث لبعده ، لا لكثرته .

وعليه فالصحيح ما ذهب إليه جمع منهم صاحب الجواهر ، من اعتبار أن يكون الوارث قريباً ورحماً ، وإلاّ فلا إرث بينهما ، وإن كان النسب نسباً واحداً .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) منها قوله تعالى : (وَأُولُوا الاَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ) الأنفال 8 : 75 ، الأحزاب 33 : 6 ، وقوله تعالى : (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالاَْقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالاَْقْرَبُونَ) النساء 4 : 7 .

ــ[13]ــ

فائدة : الفرض هو السهم المقدّر في القرآن الكريم ، وهو ستّة أنواع : النصف والربع ، والثمن ، والثلثان ، والثلث ، والسدس .

وأربابها ثلاثة عشر :

فالنصف : 1 ـ للبنت الواحدة ، 2 ـ والاُخت للأبوين أو للأب فقط إذا لم يكن معها أخ ، 3 ـ وللزوج مع عدم الولد للزوجة وإن نزل.
والربع : 4 ـ للزوج مع الولد للزوجة وإن نزل ، 5 ـ وللزوجة مع عدم الولد للزوج وإن نزل ، فإن كانت واحدة اختصّت به ، وإلاّ فهو لهنّ بالسويّة .

والثمن : 6 ـ للزوجة مع الولد للزوج وإن نزل ، فإن كانت واحدة اختصّت به ، وإلاّ فهو لهنّ بالسويّة .

والثلثان : 7 ـ للبنتين فصاعداً مع عدم الابن المساوي ، 8 ـ وللاُختين فصاعداً للأبوين أو للأب فقط مع عدم الأخ .

والثلث : 9 ـ للاُمّ مع عدم الولد وإن نزل ، وعدم الإخوة على تفصيل يأتي(1)، 10 ـ وللأخ والاُخت من الاُمّ مع التعدّد .

والسدس : 11 ـ لكل واحد من الأبوين مع الولد وإن نزل ، 12 ـ وللاُمّ مع الإخوة للأبوين أو للأب على تفصيل يأتي(2)، 13 ـ وللأخ الواحد من الاُمّ والاُخت الواحدة منها .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لم يصل السيد (قدّس سرّه) في بحثه إلى الفرع المذكور .
(2) لم يصل السيد (قدّس سرّه) في بحثه إلى الفرع المذكور .

ــ[14]ــ

المبحث الثالث : التعصيب والعول

إذا تعدّد الوارث ، فامّا أن يكون أ ـ إرث كلّ واحد منهم بالقرابة دون الفرض . ب ـ أو بعضهم بالقرابة وبعضهم بالفرض جـ ـ أو كلّ واحد منهم بالفرض دون القرابة .

أ ـ فإن ورث كلّ واحد منهم بالقرابة فلا إشكال ، كما لو خلّف الميّت ولداً وبنتاً واحدة أو أكثر ، فالمال بينهم ، للذكر مثل حظّ الاُنثيين.

ب ـ وإن ورث بعضهم بالفرض والآخر بالقرابة ، أخذ صاحب الفرض فرضه ، وقسّم الباقي بين غيره على ما ذكره الله تعالى في كتابه.

فلو خلّف الميّت أبويه وولداً ، أو أبويه وولداً وبنتاً ، أو أبويه وأولاداً وبناتاً أخذ كل واحد من الأبوين سدس التركة ، وقسّم الباقي بين الأولاد للذكر مثل حظّ الاُنثيين ، أو انفرد به الولد الذكر . ولا إشكال في ذلك أيضاً .

جـ ـ وإن ورث الجميع بالفرض ففيه أقسام ثلاثة :

الأوّل : أن تكون الفريضة مساوية للتركة ، كما لو ترك الميّت أبوين وبنتين فلكل من الأبوين سدس ، وللبنتين ثلثان . ولا إشكال في ذلك أيضاً .

الثاني : أن تزيد التركة على الفروض ، كما لو ترك بنتاً واحدة وأبوين فللبنت النصف ، وللأبوين السدسان ، ويزيد سدس لم يذكر له وارث في الآية المباركة .

وكذا لو ترك بنتين وأباً فقط ، أو بنتين واُمّاً فقط ، فيبقى سدس أيضاً لم يذكر له وارث ، فلمن يكون هذا السدس ؟

ــ[15]ــ

المتسالم عليه بين فقهائنا تبعاً لما ورد عن أئمّتنا (عليهم السلام) أن تردّ الزيادة على الورثة بنسبة حصصهم ، فلو كان الوارث بنتاً وأبوين قسّم السدس الزائد أخماساً ، ثلاثة منه للبنت ، والباقي للأبوين . وإذا كان الوارث بنتين وأباً قسّم السدس الزائد أخماساً أيضاً ، أربعة منه للبنتين والخامس للأب ، وإن كان الوارث بنتاً وأحد الأبوين قسّم الثلث الباقي أرباعاً ، ثلاثة منه للبنت والرابع لأحد الأبوين . فحكم الباقي حكم الأصل ، ولا تصل النوبة للعصبة .

وخالفنا في ذلك العامّة(1) فقالوا إنّ الباقي يعطى للعصبة ، وهم الذكور المنتسبون إلى الميّت بلا واسطة كالأخ ، أو مع الواسطة كالعم أو ابن العم أو ابن الأخ . وقد يورّثون الإناث في بعض الفروض ، على ما هو المذكور في كلامهم ، من دون أن يردّوا شيئاً من ذلك إلى الورثة الأصليين(2).

والصحيح ما ذكره فقهاؤنا ، لعدّة وجوه :

الوجه الأول : كون التقسيم في ظاهر الآيات المباركة تقسيماً بالنسبة ، لا تقسيماً على الإطلاق ، على ما تقدّم توضيحه(3) في ردّ الإشكال الوارد على حصّة البنت الواحدة ، وقلنا إنّه لا يتصوّر على هذا في الخارج مورد تكون فيه زيادة على التركة كي يبحث عنه . فما ورد من أنّ في فم العصبة التراب(4) هو الموافق لظاهر الآيات المباركة .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المغنى لابن قدامة 7 : 7 ، 9 . الشرح الكبير 7 : 53 . المجموع 16 : 81 ، 97 . حلية العلماء 6 : 296 .
(2) [في موارد منها : ما لو خلّف الميت بنتين واُخت لأب واُمّ . راجع المغني لابن قدامة 7 : 7 ، 9 ، الشرح الكبير 7 : 53 ، حلية العلماء 6 : 283] .
(3) في ص 8 ـ 9 .
(4) الوسائل 26 : 85 / أبواب موجبات الإرث ب8 ح1 ، وفيه : « والعصبة في فيه التراب » .

ــ[16]ــ

الوجه الثاني : مع الإغماض عن الجواب الأول ، وفرض ظهور الآيات المباركة في التقسيم على الإطلاق ـ لا التقسيم بالنسبة ـ فتتصوّر الزيادة حينئذ كزيادة السدس في مثال البنت والأبوين ، أو البنتين وأحد الأبوين ، أو البنت الواحدة ، فإنّ مقتضى قوله تعالى : (وَأُولُوا الاَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ)(1) إرجاع الزائد عليها أو عليهم بنسبة حصصهم ، فيكون إرث النصف للبنت الواحدة ، أو الثلثين للبنتين بالفرض ، والزائد بالقرابة ، ولا يرث الأبعد مع وجود الأقرب .

ولأجل هذه الأقربية التزمت العامّة(2) بالردّ عليهم لو لم تكن في البين عصبة فأعطوا البنت النصف الثاني أيضاً ولكن بالقرابة ، ولم يدخلوا ذلك في بيت المال . فإذا كانت الأقربية والرحمية موجبة للردّ ، فكيف لا تكون موجبة له مع وجود العصبة ! وأي دليل دلّ على إرث العصبة؟

الوجه الثالث : ومع الإغماض عن ذلك أيضاً ، فقد دلّت الروايات الشريفة(3) والسيرة القطعية في زمان المعصومين (عليهم السلام) على عدم إعطاء العصبة من الإرث شيئاً .

الوجه الرابع : ومع الإغماض عن ذلك أيضاً ، فالقول بالتعصيب باطل وجداناً ، لمخالفته لصريح الآية المباركة (وَأُولُوا الاَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ)(4) بعد وضوح أنّ مقتضاه أن يكون ابن العم مقدّماً في الميراث على الإبن ، وأن
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأنفال 8 : 75 .
(2) راجع فتح الباري 12 : 24 .
(3) الوسائل 26 : 85 / أبواب موجبات الإرث ب8 .
(4) الأنفال 8 : 75 .

ــ[17]ــ

يكون حاجباً لإرث البنات أو البنت ، مع أنّ الولد لا يكون حاجباً فكيف بابن العم . ومعنى ذلك أن يكون ابن العم أعظم مقاماً من الولد ، وهو غير محتمل أبداً .

توضيح ذلك : لو ترك الميّت ستّ بنات وابناً ، وكانت التركة 24 ديناراً فللابن ستة دنانير ، ولكل بنت ثلاثة دنانير . فلو فرض انحصار الورثة بالبنات أخذن على التعصيب ستة عشر ، وأخذ ابن العم ثمانية ، ومعنى ذلك أنّه حجبهنّ عمّا زاد على ستّة عشر إلى ثمانية عشر ، فإنّ حصّة البنات مع الابن أكثر من حصّتهنّ مع ابن العم .

وكلّما ازداد عدد البنات ازداد النقص عليهنّ ، وكانت حصّة ابن العم أكثر من حصّة الابن ، وهو غير محتمل قطعاً مع قوله تعالى : (وَأُولُوا الاَْرْحَامِ ...) . وكفى بهذا شاهداً على بطلان التعصيب ، كان في المقام رواية أم لم تكن .

الثالث : أن تنقص التركة عن الفروض ، كما لو ترك الميّت في الطبقة الاُولى بنتين فصاعداً ، وأبوين ، وزوجاً . فللزوج الربع ، وللأبوين السدسان ، وللبنتين فصاعداً الثلثان ، فتنقص التركة عن الفروض .

وكذا لو كان بدل الزوج زوجة ، فللزوجة الثمن ، وللأبوين السدسان وللبنتين فصاعداً الثلثان ، فتزيد الفروض على التركة .

وكذا لو ترك الميّت في الطبقة الثانية زوجاً واُختاً من الأبوين ـ أو من الأب خاصّة ـ واُختين من الاُم . فللزوج النصف ، وللاُخت من الأبوين النصف وللاُختين من الاُمّ الثلث ، فتنقص التركة عن الفروض .

وهذه هي مسألة العول ، التي تتحقّق بدخول الزوج أو الزوجة ، فما هو الحل في المقام ؟

ــ[18]ــ

ذهب العامّة(1) إلى تقسيم النقص على الجميع بنسبة حصصهم ، وذهب فقهاؤنا إلى اختصاص النقص في الطبقة الاُولى بالبنت أو البنتين فصاعداً في مفروض المثالين ، ولا يرد النقص على أحد الأبوين ، ولا على أحد الزوجين . واختصاص النقص في الطبقة الثانية بالمتقرّب بالأب والاُمّ ـ أو بالأب ـ كالاُخت في مفروض المثال ، ولا يرد على المتقرّب بالاُمّ ولا الزوج نقص أبداً .

استدلّ المخالفون بعدم معقولية الترجيح بلا مرجّح ، فلا وجه لاختصاص ورود النقص على البنت أو البنتين فصاعداً ، دون غيرهم ، بل يرد على الجميع ، كما هو الحال في التقسيم بين الغرماء ـ في الدين ـ بنسبة حقّهم ، وهذا هو ما تقتضيه القاعدة .

فكما أنّ الشخص لو كان مديناً لأحد بـ 10 دنانير ، ولآخر بـ 20 ديناراً ولثالث بـ 30 ديناراً ، ولم يترك المدين إلاّ 30 ديناراً ، كان لصاحب العشرة خمسة ، ولصاحب العشرين عشرة ، ولصاحب الثلاثين خمسة عشر ، فكذلك في المقام .

فلو تركت الميتة 12 ديناراً ، وورثها أبواها وزوجها وبنتها ، كان للبنت 6 وللأبوين 4 ، وللزوج 3 ، فيكون المجموع 13 ، إلاّ أنّ التركة كلّها 12 ، فينقص دينار واحد ، وهذا الناقص يقسّم على الجميع ، فيقسّم 13 جزءاً ، ينقص من البنت 6 أجزاء من ثلاثة عشر جزءاً من الدينار ، ومن الأبوين 4 أجزاء من 13 جزءاً من الدينار ، ومن الزوج 3 أجزاء من 13 جزءاً من الدينار .

وفيه : أنّ قياس المقام بالدين واضح البطلان ، لأنّ الكلام في الدين في أداء
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المحلّى 9 : 264 ، المبسوط 29 : 160 ـ 163 ، المغني لابن قدامة 7 : 26 ، الشرح الكبير 7 : 69 ، المجموع 16 : 92 ، المبسوط 29 : 160 ، فقه السنّة 4 : 404 .

ــ[19]ــ

الحقّ بعد ثبوته ، وفي المقام في أصل ثبوت الحقّ ، فإنّ جعل هذا الحقّ بهذا النحو غير معقول .

بل يعدّ هذا الجعل لو كان في كلام واحد متهافتاً ومتناقضاً وموجباً للسقوط ولذا يحكم ببطلان الوصية لو أوصى بأن يعطى نصف داره لزيد وربعها لبكر وثلثها لخالد ، وكذا لا يسمع إقراره لو أقرّ بأنّ داره للمذكورين على النحو المتقدّم إذ لا يكون لمال واحد هذه الأقسام .

ولو كان جعل هذا الحقّ بهذا النحو في كلام متعدّد فهو موجب لتعارض الإطلاقات . وإيراد النقص عليهم كلّهم بالنسبة والالتزام بالعول تقييد لهذه الإطلاقات بلا مقيّد ، ولا دليل لهم على ذلك إلاّ ما ذكروه من القياس ، الذي قد عرفت فساده .

فإن وجد دليل على التقييد اتّبع ، وإلاّ سقطت جميع الإطلاقات المذكورة . والدليل على التقييد في المقام موجود ، وهو عدّة روايات دلّت على عدم ورود النقص على الزوجين ، ولا على الأبوين(1) فيبقى دليل فرضهم المطلق على إطلاقه ويكون ذلك قرينة وموجباً لرفع اليد عن إطلاق ما دلّ على أخذ البنت النصف والبنتين الثلثين ، بعد عدم ورود ما يدلّ على أنّها ـ أنّهما ـ لا ينقص منها شيء .

إذن فيختصّ ورود النقص على البنت أو البنتين فصاعداً . وكذا الكلام في تقييد الإطلاقات في الطبقة الثانية ، وتفصيل الكلام في صور اجتماع هؤلاء يأتي فيما بعد .

على أنّ ما ذكرناه في الوجه الرابع(2) من وجوه بطلان التعصيب جار في
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 26 : 131 / أبواب ميراث الأبوين والأولاد ب18 .
(2) المتقدّم في ص16 .

ــ[20]ــ

 العول أيضاً ، فإنّ لازم العول أن تكون البنت أقرب إلى الميّت من الولد ، مع أنّ الرجال لهم الفضل على النساء ، وأنّهم قوّامون ، ولهم عليهنّ درجة .

توضيح ذلك : لو تركت الميّتة 12 ديناراً ، وورثها أبواها وزوجها وولدها أخذ الأبوان السدسين أربعة ، وأخذ الزوج الربع ثلاثة ، وبقيت خمسة للولد . فلو فرض أنّ بدل الولد بنت ، فتأخذ البنت 6 ، لأنّ لها النصف ، فيكون المجموع 13فتنقص الفريضة ديناراً واحداً .

ولو ورد النقص على الجميع بالنسبة نقصت البنت عن الستة دنانير ستة أجزاء من ثلاثة عشر جزءاً من الدينار ، ومعنى ذلك أنّ حصّتها أكثر من حصّة الولد ، لأنّه أخذ خمسة ، وأخذت خمسة وسبعة أجزاء من ثلاثة عشر جزءاً من الدينار ، وهذا غير محتمل في نفسه ، وباطل جزماً .