|
|
|
عدم صدق النائم ونحوه عليه تعالى وبين كون الكلام أمراً نفسياً وراء الكلام اللفظي .
هذا كلّه مضافاً إلى أنّه لا إشكال في صحّة إطلاق المتكلّم عليه تعالى بلحاظ كلامه اللفظي ، فلو كان صحّة الإطلاق كاشفة عن قيام المبدأ بالذات قيام الصفة بموصوفها لزم كون الكلام اللفظي أيضاً من صفاته تعالى ، فيلزم كونه محلا للحوادث ، فلا مناص من الالتزام بكون الإطلاق من جهة قيام الكلام به قيام الفعل بفاعله .
وأمّا الوجه الأوّل فيظهر الجواب عنه بما ذكرناه في الأمر السادس(1) من الفرق البيّن بين الصفات الذاتية والصفات الفعليّة ، وأنّ التكلّم من قبيل القسم الثاني كما عرفته ، نعم لو كان المقصود من التكلّم القدرة عليه فهي من الصفات الذاتية ، كما هو في جميع الصفات الفعلية ، فإنّ القدرة على جميعها ذاتية ، هذا أوّلا .
وثانياً : أنّ قدم الكلام كما يستلزم قدم متكلّمه كذلك يستلزم قدم مخاطبه في هذه الموارد ، أي أمثال (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً) إذ المقصود من الكلام فيها هو الكلام القائم بالطرفين ، فعليه يلزم قدم موسى (على نبيّنا وآله وعليه السلام) .
الوجه الثالث : ما ورد من الآيات الدالّة على علمه تعالى بما يكون في النفس وحسابه عليه ، كقوله عزّ من قائل : (إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ)(2) فما يكون مخفياً في النفس وغير ظاهر هو المراد من الكلام النفسي .
ويرد عليه : أنّ المقصود من كلمة (مَا) الموصولة في هذه الآية الشريفة هو نيّة
السوء والحسن ، وأنّ معناها على الظاهر : إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه من
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص17 .
(2) البقرة 2 : 284 .
النيّات الحسنة والقبيحة يحاسبكم به الله ، وهكذا جميع ما ورد بهذا المضمون من الآيات والروايات .
وقد أيّدوا هذا الوجه بقول القائل : إنّ في نفسي كلاماً لا اُريد إبرازه .
وفيه : أنّ المراد منه في أمثال هذه المقامات أنّ المعاني التي رتّبها في النفس لا يريد إبرازها كما كان يبرزها بالكلام فيما لو كان في مقام الإبراز ، هذا مضافاً إلى أنّا لا ننكر وجود الكلام في النفس وجوداً تصوّرياً قبل وجوده الخارجي ، كغيره من الأفعال الاختيارية على ما سيجي بيانه(1)، وإنّما الكلام في وجود أمر آخر غير العلم ونحوه من الاُمور النفسانية مسمّى بالكلام النفسي ، وليس في شيء من الآيات المزبورة والتأييد إشعار بذلك ، فضلا عن الدلالة .
الوجه الرابع : هو أنّ كل متكلّم ولا سيّما لو كان مخاطبه من ذوي المراتب العالية لا يصدر الكلام بالبديهة والصدفة ، بل لابدّ له من التروّي وترتيب الكلمات والجمل وتنظيمها في النفس ثمّ إلقائها إلى المخاطب ، وكثيراً يشاهد هذا في الموارد التي تكون فيها عناية خاصّة بالألفاظ ، كالخطابة والشعر وغيرهما ، فهذا المرتّب والمنظّم في النفس أوّلا هو المقصود من الكلام النفسي .
والجواب عنه : أنّ هذا التروّي والترتيب في النفس لا يختصّ بالكلام ، بل كلّ
فعل صادر من الفاعل المختار الملتفت يتوقّف صدوره منه على تصوّره والعلم به
وترتيبه ، وحينئذ لابدّ للأشعري من الالتزام بأنّ كلّ فعل صادر من الفاعل له
فردان : فرد خارجي وهو ما يصدر عنه في الخارج ، وفرد نفسي وهو تصوّر ذلك الفعل
الخارجي ، فتنقسم الكتابة والمشي والقيام إلى خارجي ونفسي ، ولا نظن أن يلتزم
به الأشعري .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بعد قليل .
ثمّ إنّ الدليل الحاصر المتحصّل من السبر والتقسيم على نفي الكلام النفسي من رأسه هو أن يقال : إنّ ما نجده للكلام اللفظي من الاُمور منحصر في سبعة : الأوّل : ألفاظه المفردة من دون ملاحظة معانيها وهيئتها ، الثاني : معاني تلك الألفاظ ، الثالث : الألفاظ مقيّدة بهيئتها التركيبية ، الرابع : المعنى المتحصّل من الكلام بهيئته ، الخامس : تصوّر تلك الاُمور جميعاً ، السادس : التصديق بثبوت النسبة ، ثبوتية كانت أو سلبية ، السابع : مطابقة النسبة للواقع وعدمها .
والأخيران منها يختصّان بالجملة الخبرية .
وأمّا في الجمل الإنشائية فالاُمور الخمسة المتقدّمة مع أمر سادس ، وهو الصفة
القائمة بالنفس من الاعتبارات الإنشائية ، كالطلب ونحوه .
وليس للكلام أمر وراء هذه الاُمور المذكورة كي نسمّيه بالكلام النفسي المنكشف
بالكلام اللفظي .
أمّا الثلاثة الاُول فليست هي بالكلام النفسي ، إذ ليس اللفظ ولا معناه ولا هيئته التركيبية كلاماً نفسياً حتّى عند الأشعري .
وأمّا الرابع ـ وهو معنى الهيئة التركيبية ـ فلما عرفته من أنّ الكلام النفسي ليس من مدلول الكلام اللفظي ، بل هو منكشف به .
وأمّا الخامس فلأنّ الكلام النفسي عندهم ليس من قبيل التصوّر والعلم ، ولا غيرهما من الصفات المعروفة .
وأمّا السادس ـ وهو التصديق بثبوت النسبة ـ فلوضوح أنّ المتكلّم ربما يعلم بكذب كلامه وأنّ النسبة ليست بثابتة في الخارج ، مضافاً إلى تصريحهم بأنّه ليس من قبيل التصديق أيضاً .
وأمّا السابع ـ وهو مطابقة النسبة في الخارج وعدمها ـ فليس من الكلام النفسي بالبداهة .
فتلخّص من جميع ما ذكرناه : أنّه وإن لم يقم البرهان العقلي على استحالة الكلام
النفسي ، إلاّ أنّ الوجدان أقوى شاهد على عدمه ، وما ذكروه من الوجوه لإثباته
قد عرفت أنّه لا يصلح شيء منها لذلك .
في أنّ الوجدان من أقوى الأدلّة الضرورية
الثامن : لابدّ في كلّ مطلوب من أن ينتهي إلى إحدى الضروريات الست فإنّها التي يكتسب بها جميع المطالب النظرية ، وهي كما ذكرها الفلاسفة في محلّها(1) منحصرة في الست :
الاُولى : الأوّليات ، وهي التي لا تحتاج في تصديقها إلى أزيد من التفات النفس إليها بعد تصوّر طرفيها ، كالتصديق بأنّ النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان وبأنّ الكلّ أعظم من الجزء .
الثانية : الحسّيات ، كالشمس مضيئة ، والنار حارّة ، وأمثالهما ممّا لا يحتاج في التصديق به إلاّ إلى التفات الحاسّة إليه .
الثالثة : الوجدانيّات ، وهي التي تحضر في النفس بإحدى قواها الباطنية كإدراك أنّ لنا شهوة وغضباً ، وكعلمنا بذواتنا .
والفرق بين الثانية والثالثة أنّ الإدراك في الثانية لا يكون إلاّ بالحواس الظاهرية ، وفي الثالثة بالحواس الباطنية ، وأنّ المدرك في الثانية لا يكون إلاّ من الاُمور الجزئية ، وأمّا في الثالثة فهو قد يكون اُموراً كلّية ، وذلك فيما كانت آلة الحضور عند النفس هي القوّة العقلانية .
الرابعة : الفطريات ، وهي التي يكون الحكم بها مستغنياً عن التفات الحاسّة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الإشارات والتنبيهات 1 : 213 / النهج السادس ، شرح المنظومة (المنطق) 1 :
323 .
إليها ، وقد يعبّر عنها بالتي قياساتها معها ، كانقسام الزوج إلى عددين متساويين .
الخامسة : التجربيّات ، وهي التي تتحصّل من تكرّر المشاهدة ، أو مقارنتها لقياس استثنائي خفي في بدو النظر ، مثل قولنا : لو كانت هذه القضية اتّفاقية لما تكرّرت دائماً ، إلاّ أنّها متكرّرة دائماً فليست باتّفاقية .
والفرق بين التجربيّات والاستقراء الناقص أنّ التجربيّات ممّا تفيد العلم والاستقراء الناقص لا يفيد إلاّ ظنّاً ، وأمّا الاستقراء التامّ فالظاهر أنّه يلحق بالتجربيّات .
السادسة : المتواترات ، وهي ظاهرة لا تحتاج إلى بيان .
وهذا البحث له تفصيلات أعرضنا عن ذكرها لعدم ارتباطها بالمقام ، وإنّما المقصود من ذكر هذه الاُمور الست التنبيه على أنّها هي التي ينقطع السؤال عند انتهاء المطلوب إليها ، وقد أوجبت الغفلة عن تعيين محالّها وتميّزها أن يكون الاستنتاج بها عقيماً ، فربما يدّعي أحد المتخاصمين الوجدان على إثبات مطلوبه وفي الموضوع نفسه يدّعي الآخر الوجدان على نفيه ، وليس هذا إلاّ ناشئاً عن عدم الوصول إلى معنى الوجدان .
فإن قلت : على هذا تخرج القضية الوجدانية عن الضرورية ، وإلاّ فكيف يستدلّ بها الخصمان في موضوع واحد وتكون مدركاً لمطلوبين متناقضين ، وقد وقعت في الحكمة الطبيعية والإلهية مسائل قد ادّعى كلّ واحد من الطرفين البداهة والوجدان على خلاف صاحبه ، وهذا ممّا يوجب الوهن في التمسّك بالوجدان .
قلت : نعم ، ولكن أمثال هذه الموارد التي تعارضوا في ادّعاء الوجدان فيها إنّما كان للمغالبة في المسألة ، أو من جهة خلط مقدّمة ضرورية إلى مقدّمة نظرية كحديث إثبات الهيولى ، حيث كان استدلال كلّ من الطرفين مركّباً من مقدّمتين : نظرية وبديهية ، وهناك موارد اُخرى أوجبت دعوى الوجدان فيها القصور في
الالتفات إليها ولو من ناحية ما ، فلربما لا تلتفت النفس تمام الالتفات إلى أمر وهي تتخيّل حضوره فيها بجميع ما له من الشؤون ، فيدّعى الوجدان مع أنّ الالتفات لو كان تامّاً لكان الوجدان على خلافه ، وما ذلك إلاّ لاختلاف ما هو شرط في دعوى الوجدان .
ونظير هذا في المطالب المفتقرة إلى الاستدلال ما عن بعض المعاصرين من الفلاسفة ، حيث يقول : إنّ كثيراً ما تكون جميع المقدّمات المرتّبة لتحصيل مطلوب صحيحة تامّة ، ولكن الغفلة عن اشتراط شرط في المقدّمة أو اشتراط عدمه يوجب كون الاستنتاج عقيماً ، وهذا منبّه جيّد .
فما يدور في ألسنة البعض من أنّ الوجدان ليس حاكماً لأنّ الخصم أيضاً يدّعيه ، فهو من القصور وعدم التنبّه لما ذكرناه من أنّ قصوراً ما في شؤون الحكم الوجداني من اكتساب طرفي القضية وغيره يوجب منافرة الحكم عن النفس .
التاسع : لا يعقل وقوع التعارض بين دليلين موجبين للقطع ، ضرورة رجوعه إلى اجتماع النقيضين ، من دون فرق بين كون الدليلين عقليين أو نقليين أو مختلفين ، فإنّ القطع بشيء يستلزم إلغاء احتمال خلافه ، فضلا عن القطع به .
ومن ذلك يتبيّن أنّه لا يجتمع القطع الحاصل من دليل مع الظنّ الحاصل من دليل آخر على خلافه ، كما أفاده شيخنا العلاّمة أعلى الله مقامه في الرسائل بقوله : فليت شعري إذا فرض حكم العقل على وجه القطع بشيء كيف يجوز حصول القطع أو الظنّ من الدليل النقلي على خلافه(1).
ثمّ إنّ مباحث التعارض وإن كانت في نفسها كثيرةً مذكورة في الاُصول ، إلاّ أنّ
الذي يرتبط بمسألتنا منها هو أمران ، الأوّل : معنى التعارض ، الثاني : تعيين
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فرائد الاُصول 1 : 63 / الأمر الثاني .
المرجع بعد تحقّق التعارض بين الدليلين .
أمّا الأمر الأوّل فنقول : التعارض على ما عرّفه جمع من المحقّقين ومنهم شيخنا العلاّمة الأنصاري (قدّس سرّه) هو تنافي الدليلين وتمانعهما مع اتّحاد الموضوع(1) فما لم يتحقّقا في دليلين لا يكونان من المتعارضين ، فعليه ليس بين الدليل المجمل والدليل المبيّن والعام والخاص والحاكم والمحكوم تعارض أصلا ، فإنّ الدليل المبيّن يكشف عن مراد المتكلّم من الإجمال ، وكذلك الخاص والحاكم يعيّنان المراد الواقعي من العام والمحكوم .
وأمّا أنّ تقدّم الخاص والحاكم على العام والمحكوم من جهة كون الأوّلين نصّين في مدلولهما أو من جهة كونهما من باب القرينة وذي القرينة فهو بحث خارج عمّا نحن بصدده .
فالمدار في تحقّق التعارض عدم إمكان الجمع بينهما ودفع التمانع عنهما بالطرق التي يبني عليها العقلاء في محاوراتهم ، فما دام يمكن الجمع بينهما ورفع التمانع عنهما لا يكون التعارض محقّقاً .
ولا يخفى أيضاً أنّ التعارض إنّما يكون دائماً في الأدلّة النقلية ، وأمّا الأدلّة العقلية فلا نفهم للتعارض فيها معنى محصّلا ، فإنّ فرض الدليل عقلياً آب عن كونه مشكوكاً ، بل لا يبقى احتمال الخلاف حتّى يعارضه دليل آخر ، إلاّ أن يكون مغالطة في صورة البرهان ، وهو ليس بدليل حتّى يكون تخصيصاً فيما ادّعيناه ، كما ذكرناه في مسألة دليلية الوجدان ، وقد ذكرنا وجه التهافت في بعض الأدلّة العقلية في بعض المسائل الحكمية ، وأنّه ناشئ عن قصور في شرط من شرائط المقدّمات أو ترتيبها .
وأمّا الأمر الثاني : فبعد فرض التعارض وعدم إمكان الجمع بينهما بأحد
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فرائد الاُصول 2 : 750 .
الوجوه المذكورة لابدّ من ملاحظة الترجيح بينهما ، والأخذ بما يقتضيه ، وهو كما ذكروه في محلّه(1) يكون باُمور ، منها الترجيح بجهة الصدور ، وهو الذي يكون الترجيح بها في مسألتنا على الأكثر ، وستعرف إن شاء الله(2) شهرة القول عند العامّة في زمان الأئمّة (عليهم السلام) بعدم اختيار العباد في أفعالهم ، بل لا يخفى أنّ أكثر الروايات الواردة في باب المعارف من أهل بيت العصمة (عليهم السلام) المخالفة للدليل العقلي إنّما صدرت تقيّة وخوفاً من الظالمين .
فهذه هي الاُمور التي رأينا من اللازم تقديمها على المقصود ، لترتّب فوائد
عظيمة عليها .
في بيان المذاهب في أفعال العباد
ونشرع بعد ذلك فيما اشتهر في أفعال العباد من الأقوال ، وهي أربعة :
الأوّل : ما ذهب إليه الأشاعرة(3) من أنّ كلّ ما يصدر عن العبد فهو اضطراري له ، بمعنى أنّه ليس له اختيار أن يفعل وأن لا يفعل ، فالفعل والترك لا يستند شيء منهما إلى اختياره ، وإنّما هو مقهور في كلّ ما يصدر عنه ، زعماً منهم أنّ في القول بذلك التزاماً بالتوحيد وفراراً من الشرك ، وقد غفلوا عمّا يترتّب عليه من التوالي الفاسدة .
وربما يعبّر عن الأشاعرة بالقدرية ، باعتبار إسنادهم جميع ما يصدر عن العبد إلى
القضاء والقدر .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مصباح الاُصول 3 (موسوعة الإمام الخوئي 48) : 495 وما بعدها .
(2) في ص101 ـ 102 .
(3) راجع شرح المواقف 8 : 145 ـ 146 / المقصد الأوّل من المرصد السادس .
الثاني : مذهب المفوّضة(1)، وهو يقابل المذهب الأوّل مقابلة تامّة ، حيث يرى الذاهبون إليه عدم استناد الأعمال والأفعال إلى الله تبارك وتعالى بوجه من الوجوه ، وأنّ العبد هو الفاعل التامّ المستقلّ في جميع شؤونه ، وليس لله عزّ سلطانه أيّ مدخلية في وجود الفعل غير إحداث القدرة ، نعم له تعالى أن يمنع عن نفوذ إرادة العبد .
وربما يسمّون هذه الطائفة أيضاً بالقدرية ، لأنّهم يسندون الأفعال إلى قدرة العبد لا غير .
وهذه الطائفة أرادوا أن يتحفّظوا على عدل الله جلّ شأنه فسلبوا عنه سلطانه ، كما أنّ الطائفة الاُولى أرادوا التحفّظ على سلطانه فسلبوا عنه عدله ، فهم بين إفراط وتفريط .
الثالث : ما يظهر من كلمات الفلاسفة ، أعني بهم من كان قبل القرون الوسطى ، ومن يميل إلى مبانيهم من فلاسفة المسلمين ، كالفارابي وابن سينا وابن رشد والشيخ المقتول وغيرهم ، وخلاصة ما يظهر منهم أنّ صدور الأفعال وإن كان مستنداً إلى العباد وأنّهم الفاعلون لها ، إلاّ أنّ فاعليّتهم بالواسطة ، أي أنّ إرادتهم من علل الأفعال الطولية الواقعة في النظام الجملي ، وأنّ كلّها مستند إلى الإرادة الأزلية .
وبين هذا القول وقول الأشاعرة فرق واضح ، لأنّ إسنادهم الأفعال إلى الله
عزّوجلّ إسناد بغير توسيط إرادة العبد واختياره ، فلا قدرة له على الفعل والترك
أبداً ، وأمّا الفلاسفة فالفعل عندهم صادر بقدرة العبد وإرادته واختياره وإن
كان جميع ذلك منتهياً إلى إرادة الله الأزلية ، ونتيجة ذلك أنّ العبد مختار في
فعله ومضطرّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع شرح المواقف 8 : 146 / المقصد الأوّل من المرصد السادس .
في اختياره وإرادته ، كما يشير إليه بقوله في البيت : وباختياره اختيار ما بدا .
وهذا القول وإن كان دون القول الأوّل في وضوح فساده ، إلاّ أنّه يشترك معه في أصل الفساد ، وفي ترتّب التوالي الفاسدة عليه .
وهناك عقائد مختلفة ببيانات متشتّتة للفلاسفة المتأخّرين ، فمنهم من يريد إثبات الاختيار بمقدّمات تنتهي إلى الجبر ، ومنهم بالعكس ، وبعضهم يرى منشأ صدور الأفعال هو الأوصاف النفسية التي ليست تحت اختيار الإنسان بوجه من الوجوه ، إمّا من جهة كونها مخلوقة لله تعالى بجميع شؤونها ، أو من جهة انتقالها عن الآباء والاُمّهات بقاعدة الوراثة .
ومن المباني المهمّة عندهم المذهبان المعروفان : قانون العلّة العامّة وقانون الغاية ، فالجبر مقتضى المذهب الأوّل والاختيار مقتضى المذهب الثاني ، ونحن نتكلّم فيهما أيضاً بقدر الحاجة والكفاية إن شاء الله تعالى .
الرابع : مذهب الإمامية العادلة ، وهو المذهب الحقّ الصحيح ، وذهابهم إليهم إنّما هو من نتائج تمسّكهم بأهل بيت العصمة ، الراسخين في العلم ، المطّلعين على الحقائق برمّتها .
وخلاصة مذهبهم في الأفعال : أنّ القدرة على الفعل والسبيل إليه إنّما هو من الله عزّوجلّ ، وأمّا إعمال القدرة والسلطنة فمن العبد ، فالعبد هو فاعل الفعل وموجده حقيقة ، فعليه تكون لكلّ ما يصدر من العبد جهتان وإضافتان : إضافة إلى الله تعالى لأنّه معطي القدرة ، وإضافة إلى العبد لأنّه أعملها وأخرجها إلى الفعل .
وهذا هو معنى ما تواتر عنهم (سلام الله عليهم) في باب الأفعال ، المعبّر عنه في
ألسنتهم (سلام الله عليهم)(1) بالأمر بين الأمرين ، والمنزلة بين المنزلتين ،
ولطف من ربّك
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع الكافي 1 : 160 / باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ح13 ، البحار 5
: 22 / 30 ، 91 ، المصدر المتقدّم من الكافي ح8 .
بين ذلك . فإذا عرفت هذا المذهب بحقيقته فقد تحفّظت على التوحيد ، ولا تلزمك التوالي الفاسدة .
وإن شئت التعبير عن خلاصة مذهبهم بعبارة لطيفة فقل : بحول الله وقوّته أقوم وأقعد .
ولتوضيح كلّ من الأقوال لابدّ من التمثيل باُمور قريبة من الذهن ، فنبدأ أوّلا بمثال الأمر بين الأمرين ، وهو مثالان :
الأوّل : نفرض إنساناً مبتلى بمرض الفالج ، بحيث ليس في استطاعته أن يتحرّك ولو تحرّكاً ما ، ونفرض أنّ طبيباً قد ربط به سلكاً كهربائياً فحرّكته القوّة بسبب إيصال الطبيب السلك إليه ، بحيث لو قطع الطبيب السلك عنه فهو على حالته الأوّلية من الفلج والسكتة ، فلمّا قدر على الحركة قام فمشى فقتل شخصاً ، فهذا القتل الصادر منه له جهتان من الإضافة :
الاُولى : إضافته إلى الطبيب الموصل للقوّة الموجبة لتحرّكه ، بحيث كانت إفاضة القوّة في حين الفعل مستمرّة من الطبيب حقيقة .
والثانية : إضافته إلى نفس الفاعل الذي قد صدر الفعل عن اختياره في أن يفعل وأن لا يفعل ، بمعنى تمكّنه من إعمال القدرة في تركه أو فعل غيره من الأفعال . وهذا أوضح مثال سمعناه من سيّدنا الاُستاذ (مدّ ظلّه) في مجلس درسه .
المثال الثاني : أن نفرض كأسين في مكان عال مملوء أحدهما من السمّ القاتل ، وثانيهما من العسل أو أحد الشرابت الطيّبة ، فرفع أب ابنه معرّفاً للابن ما في الكأسين ومكانهما ، فأخذ الابن السمّ القاتل وشربه ، ففي هذه الحالة للشرب إضافتان :
الاُولى : إضافته إلى الأب ، حيث إنّه رفعه وكان له إلقاء الابن في تلك الحالة .
الثانية : إضافته إلى الابن ، حيث إنّه كان متمكّناً من ترك الشرب من الكأس
المملوء بالسمّ ، واختيار الكأس المملوء بالعسل .
وأمّا المثال على قول المجبّرة فبما إذا فرضنا إنساناً مبتلىً بارتعاش اليدين ، بحيث ليس في استطاعته إسكانهما بالمرّة ، وفرضنا أيضاً أنّا قد شددنا بيده آلة قتل ، وأقعدنا تحت يديه إنساناً بحيث تصل إليه الآلة عند ارتعاش اليدين فقتله بضرب الآلة ، المعلول من ارتعاش اليد الاضطراري ، فإنّه ليس لهذا القتل جهة استناد إلى العبد بوجه من الوجوه ، إذ المفروض أنّه صادر عن ضرب الآلة المشدودة بيده ، المعلول من ارتعاش اليد ووقوع الإنسان تحت يديه ، وكل ذلك اضطراري له ، فالعبد ليس إلاّ آلة محضة .
وأمّا المثال على قول الفلاسفة فبأمرين :
الأوّل : أن تفرض زجاجتان مقعّرتان ، إحداهما مواجهة للشمس بحيث يصل الضوء من الشمس إليها ، وثانيتهما موضوعة مقابل الاُولى بحيث يقع الضوء فيها بمجرّد الانكسار من الاُولى ، فالنور الواقع في الثانية مثل الفعل الصادر عن العبد ، فكما أنّ الزجاجة الثانية تتّصف بنفسها بالنور ، كذلك العبد هو المتّصف بالفاعلية حقيقة ، إلاّ أنّ هذه الفاعلية مسبّبة عن الإرادة المسبّبة عن الإرادة الأزلية ، كمسبّبية نور الزجاجة الثانية عن نور الاُولى ، المسبّب عن ضوء الشمس .
الثاني : عروض الارتعاش للبدن المسبّب عن الخوف ، المعلول من رؤية السبع ، فمَثَل الفعل عندهم مثل الارتعاش المسبّب عن الخوف ، ومَثَل الإرادة المعلولة للإرادة الأزلية مثل الخوف المسبّب عن رؤية الأسد .
وأمّا المثال على قول المفوّضة فباُمور ثلاثة :
الأوّل : لو أعطى الملك سلاحاً لجنده ليقاتل به عدوّه ، فقتل الجند ابن الملك فهذا القتل فعل الجند من دون احتياجه فيه إلى الملك ، لا في بقاء القدرة حين إعمال السلاح ولا في إعمال القدرة واختياره ، فإنّ قاطعية السلاح وكذلك قدرة الجند
في إعماله لم تكن مفتقرة إلى إفاضة من الملك ، فليس له ارتباط بالفعل إلاّ من ناحية إعطائه السلاح إيّاه .
الثاني : الأفعال الصادرة من الوالي المنصوب من قبل السلطان المفوّض إليه اُمور البلد ، فالأفعال الواقعة من الوالي كلّها منتهية إليه وغير مستندة إلى السلطان إلاّ من جهة نصبه والياً .
الثالث : لو أرسلنا أسداً ضارياً من القيد فحمل على إنسان فقتله ، فإنّ القتل حينئذ يصدر من الأسد مستقلا ، ولا يستند إلى المرسِل إلاّ من جهة فكّه عن القيد .
فإذا عرفت الأمثلة لجميع الأقوال تعرف الفرق بينها ، وأنّه في غاية الوضوح ، إلاّ الفرق بين التفويض وبين ما اختاره الإمامية من الأمر بين الأمرين ولذلك نوضّح الفرق بينهما أيضاً ببيان واضح ، وهو يبتني على ذكر مقدّمة وهي أنّه قد وقع الخلاف في محلّه(1) أنّ الموجود هل يحتاج بعد علّته المحدثة إلى العلّة المبقية أم لا .
ذهبت المفوّضة إلى الثاني ، وأنّ ما يحتاج إليه الموجود منحصر في العلّة المحدثة ، بمعنى أنّ سدّ جميع أبواب العدم وما يكون مانعاً عن دخول الممكن في دار الوجود لا يفتقر إلى أزيد من مرجّح ابتدائي ليخرجه من العدم إلى الوجود ، وأمّا بعد وجوده فلا يحتاج بقاؤه إلى العلّة والمؤثّر .
وأمّا الإمامية وكثير من الفلاسفة فبرهنوا على أنّ الممكن كما يفتقر في حدوثه
إلى العلّة ، لأنّه غير مقتض للوجود ولا للعدم في حدّ ذاته ، فكذلك يحتاج في
بقائه واستمرار وجوده إلى العلّة المبقية ، فمع قطع النظر عن إفاضة الوجود من
الفيّاض المطلق يكون حاله في البقاء كحاله في الحدوث ، من جهة عدم الاقتضاء له
في نفسه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأسفار الأربعة 1 : 219 ، بداية الحكمة : 53 ، نهاية الحكمة : 83 ، كشف
المراد : 81 .
ولا سيّما بناءً على الحركة الجوهرية التي صارت في يومنا من البديهيّات . وتفصيل الكلام في محلّه وقد تعرّضنا لها نحن أيضاً في «التعليم»(1).
فإذا عرفت المقدّمة يتّضح الفرق الواضح بين الرأيين ، حيث إنّ بقاء القدرة والتمكّن من الفعل والترك يحتاج إلى الله المفيض ، بحيث لو انقطعت الإفاضة من الفيّاض لم يكن في العبد مقتض للفعل أصلا ، كما كان مفتقراً إليه في حدوثه ، هذا .
وأمّا بناءً على رأي المفوّضة فالممكن لا يحتاج في استمرار وجوده ـ المعبّر عنه ببقائه ـ إلى العلّة ، بل تكفي العلّة الاُولى المحدثة ، نعم له قطع الاستمرار والبقاء . وعليه يكون الفعل حال صدوره أجنبياً عن الله تعالى بالكلّية ، فإنّه من جهة إفاضة القدرة عليه وغيرها من المبادي غير الاختيارية مستغن عن المؤثّر بقاءً على الفرض ، ومن جهة إعمال القدرة فيه مستند إلى العبد فقط ، فهو الفاعل بالاستقلال والمتصرّف في سلطان الله تعالى بغير قضائه وإرادته على هذا الرأي الفاسد ، أعاذنا الله منه ومن أمثاله .
ثمّ إنّه بعد ما ظهر لك الفرق بين الأقوال بذكر الأمثلة لها لابدّ لنا من الشروع في ذكر أدلّة كلّ من الأقوال الأربعة ، مع بيان ما هو الحقّ منها ، ونقدّم البحث عن مذهب الجبرية ونذكر أدلّتهم العقلية والنقلية(2) مع الجواب عنها .
أمّا الأدلّة العقلية فهي اُمور :
الأوّل : هو أنّه لا شكّ ولا ريب في أنّ المؤثّر الوحيد في الوجود بجميع شؤونه
وأحواله هو الله الواحد ، إذ هو مقتضى سلطنته المطلقة وفاعليته التامّة ،
وعبّروا عن هذا المعنى بعبارة معروفة في الكتب الكلامية والفلسفية : «لا مؤثّر
في الوجود إلاّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لم نعثر عليه ، نعم ذكر المقرّر ذلك في كتاب جبر واختيار : 267 ، 15
(باللغة الفارسية) .
(2) وسيأتي البحث عنها في ص82 .
الله» فليس غيره مؤثّراً ومتصرّفاً في الكون والفساد ، وكيف يكون العبد مؤثّراً مع أنّه محتاج في جميع شؤونه وأطواره إلى الله تعالى ، بل قد تحقّق في محلّه(1) أنّ الممكن في ذاته نفس الافتقار ، لا أنّه ذات ثبت لها الافتقار ، هذا .
مع أنّه لو كان غيره تعالى مؤثّراً في الوجود وخالقاً لشيء لزم الشرك وتعدّد الخالق . هذا ملخّص ما بيّنوه من الأمر الأوّل .
ونقول في الجواب : إنّ إطلاق المؤثّر والخالق على من يكون الفعل ناشئاً عنه ليس على معنى واحد ، وقد بيّن في محلّه(2) أنّ هذا الإطلاق يقع على أنحاء كثيرة ولابدّ لنا من بيان أقسام ثلاثة منها توطئة للجواب :
الأوّل : المؤثّر الحقيقي القائم بنفسه ، المستغني في فعله عمّا سواه ، وهو منحصر في الله الواحد إذ هو القائم بنفسه ، المستغني في فعله حتّى عن الرويّة والآلة .
الثاني : ما يصدر منه الفعل ويتّصف بالمؤثّرية ، ولكن ليس له أيّ قدرة واختيار في فعله وتركه ، وشأنه شأن الآلة التابعة للإرادة الفاعلة ، كالأدوات الصناعية .
وهذا القسم وإن كان اتّصافه بالفعل صحيحاً كاتّصاف السيف بالقاطعية ، إلاّ أنّ استناد التأثير إليه تابع لصدور الفعل عن الفاعل ، ولضعف الاستناد إليه يوشك أن يصحّ سلبه عنه .
الثالث : ما يكون وسطاً بين القسمين ، وذلك بأن كان اتّصافه بالفاعلية اتّصافاً
بالحقيقة بلا عناية ، إلاّ أنّ كونه قادراً على الفاعلية تابع لإرادة الغير
وإفاضته ، وهذا كالإنسان المختار ، فإنّ القدرة على اختياره ـ كجميع أطوار
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع الأسفار 3 : 253 ، نهاية الحكمة : 301 .
(2) راجع نهاية الحكمة 172 ـ 177 .
وجوده ـ وإن كان منه تعالى مع دوام الإفاضة وتجدّدها في جميع الآنات الممتدّة ، إلاّ أنّ اتّصافه بالفاعلية بإعمال قدرته مستند إلى نفسه .
إذا تحقّقت ذلك ظهر لك أنّه لا ملازمة بين الالتزام بصدور الأفعال من العباد على النحو الثالث وبين القول بالشرك وتعدّد الخالق ، نعم القول باستقلال العبد في فعله كما عليه المفوّضة مرتبة من القول بالشرك ، كما اُشير إليه في روايات أهل البيت (عليهم السلام) وسيأتي التعرّض لذلك فيما بعد إن شاء الله(1).
الثاني : هو أنّه تعالى عالم بجميع الموجودات ومنها أفعال العباد ، وذلك يوجب وقوعها منهم في الخارج ، وإلاّ انقلب علمه جهلا ، تعالى الله عن ذلك .
وتوضيحه : أنّ العلم لمّا كان متعلّقاً بالفعل الذي يوجده زيد ـ مثلا ـ لزم وجوده في الخارج ليطابق علمه معلومه ، فلو فرضنا قدرة زيد على الفعل والترك وأنّه لم يفعل باختياره كان العلم المزبور جهلا ، والتالي باطل بالضرورة ، فالمقدّم مثله .
ثمّ إنّ بناء هذه الشبهة يمكن أن يكون على أحد أمرين :
الأوّل : ما فهمه خاتم المحقّقين نصير الدين الطوسي وغيره من المحقّقين(2)(قدّس الله أسرارهم) من أنّ أساس الشبهة على دعوى أنّ العلم الأزلي علّة لصدور الفعل من العبد .
والجواب عنه حينئذ ظاهر ، فإنّ العلم بالأمر المتأخّر وانكشافه لدى العالم به ليس علّة لوجوده ، سواء في ذلك علمه تعالى وعلم غيره .
الثاني : ما يظهر من بعضهم من أنّ أساس الشبهة على دعوى استلزام العلم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص101 و96 .
(2) راجع نقد المحصل : 328 ، الأسفار 6 : 384 ، كشف المراد : 332 ، 246 ـ 247 .
الأزلي وقوع الفعل في الخارج ، وإن لم يكن بينهما علّية ومعلولية .
والجواب عنه : أنّ العلم الأزلي إذا كان متعلّقاً بصدور الفعل من الفاعل باختياره وإرادته فهو لا يستلزم وقوعه على أي نحو وقع في الخارج، بل يستلزم وقوعه عن إرادة واختيار ، والسرّ فيه : أنّ العلم هو انكشاف الواقع على ما هو عليه ، فإذا كان الواقع في نفسه اختيارياً لم يوجب انكشافه لدى العالم به انقلابه إلى كونه اضطرارياً ، بل لو فرض الانقلاب لزم انقلاب العلم جهلا ، إذ المفروض تعلّق العلم به بما هو اختياري ، فكيف يمكن أن يصدر بغير اختيار من الفاعل وإرادته .
وهذا الذي ذكرناه هو المراد بقول من قال : إنّ العلم تابع للمعلوم(1)، دون العكس .
وإن شئت توضيح ذلك فلاحظ المرآة إذا كان في قبالها جسم وقعت صورته فيها ، فهل الواقع فيها يغاير الصورة الخارجية ، أو أنّ الصورة الخارجية على ما هي عليها تنعكس في المرآة ؟ لا سبيل إلى الأوّل بالضرورة ، بل الموجود في الخارج تنعكس صورته فيها على ما هو عليه ، والانكشاف لا يغيّر الواقع ولا يبدّله .
ولا يخفى أنّا لم نرد بهذا التمثيل إلاّ تقريب الذهن ، وبيان أنّ انكشاف شيء لا يغيّر واقعه ، لا التمثيل التامّ كي يقال بأنّ علم الله تعالى بالأفعال حاصل قبل تحقّقها فكيف يقاس ذلك بالمرآة المنكشف فيها صورة الموجود الخارجي بعد وجوده .
ويمكن الجواب عن الشبهة على كلا الأساسين بما عن المحقّق الطوسي(2) بالنقض بعلمه
تعالى بأفعال نفسه ، بتقريب : أنّ العلم بصدور فعل لو كان علّة لصدوره بغير
اختيار أو كان ملازماً له لزم أن يكون الواجب تعالى أيضاً مضطراً في
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع نقد المحصّل : 328 ، كشف المراد : 332 .
(2) نقد المحصّل : 328 ، 340 .
أفعاله ، لأنّها معلومة له قبل وقوعها ، مع أنّ الأشعري لا يلتزم بذلك ، فما هو الجواب في أفعاله سبحانه هو الجواب في أفعال العباد أيضاً.
وبما ذكرناه من الحلّ والنقض يظهر الجواب عمّا ذكره بعضهم في ذيل الشبهة المزبورة بأنّه تعالى قد أخبر في بعض الموارد عمّا يؤول إليه حال العبد ، كقوله تعالى : (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب وَتَبَّ)(1) الخ ، ولابدّ من أن يكون المخبر عنه واقعاً في الخارج وإلاّ لزم الكذب عليه تعالى ، ومن الظاهر أنّ ما لابدّ من وقوعه في الخارج لا يكون اختيارياً ، وجه الظهور : أنّ الإخبار عن شيء كالعلم به لم يتعلّق بمطلق وجوده ، بل بوجوده الاختياري ، فلا يوجب انقلابه عمّا هو عليه ، وإلاّ لزم الكذب ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً .
هذا مع أنّ الإخبار قد يتعلّق بفعل الله سبحانه نفسه من العقاب والثواب أو غير ذلك ، فلو كان مستلزماً لصدور الفعل اضطراراً لزم الالتزام بذلك في فعل الله أيضاً ، والأشعري لا يلتزم به ، وسيجيء التعرّض لذلك مفصّلا عند البحث عن الآيات إن شاء الله تعالى(2).
الثالث : وهو عمدة ما استدلّوا به لإثبات مطلوبهم ، وتقريره كما يظهر من
كلماتهم أخذاً من الفلاسفة(3) أن يقال : إنّ الفعل الصادر عن العبد إمّا أن
يكون على نحو الاضطرار والوجوب فهو المطلوب ، أو يكون مسبوقاً بالاختيار
والإرادة ، بحيث تكون نسبة الفعل والترك إلى الفاعل على السواء ، فيختار أحد
الطرفين ، وعليه فإمّا أن يكون هذا الاختيار بلا مرجّح فهو ترجيح أحد طرفي
الممكن بلا مرجّح
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المسد 111 : 1 ـ 3 .
(2) لاحظ ص82 وما بعدها .
(3) راجع نقد المحصّل : 325 ، كشف المراد 308 ـ 309 .
وهو محال ، أو يكون الصدور بمرجّح فننقل الكلام إليه فنقول : هل كان صدور هذا المرجّح الذي هو من الممكنات بلا مرجّح فعاد المحذور، وإن كان بمرجّح آخر فننقل الكلام إليه ، وكذلك يتكرّر السؤال ، فإمّا أن يتسلسل فيلزم اجتماع العلل غير المتناهية الطولية على معلول واحد، وإمّا أن ينتهي إلى الضرورة والوجوب ، وهو المطلوب .
وبالجملة : الفعل الخارجي بما أنّه من الممكنات لابدّ في وجوده من علّة موجبة سابقة عليه ، وإلاّ فهو على إمكانه ، ومعه يستحيل وجوده ، لأنّه يستلزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجّح ، وهو ممتنع .
والتحقيق في جواب ذلك يظهر بعد الالتفات إلى مقدّمتين :
إحداهما : هي التي أسلفناها(1) في شرح القاعدة (الشيء ما لم يجب لم يوجد) حيث قد بيّنا فيها أنّ سبق الوجوب على الوجود إنّما هو في العلل والمعاليل التكوينية ، وأمّا الأفعال الصادرة عن العباد المسبوقة بالإرادة والاختيار فلا تحتاج إلى سبق الوجوب عليه ، وإنّما تفتقر فيه إلى مرجّح ، وهذا الاحتياج ليس من باب استحالة صدور الفعل بدونه ، بل لإخراج الفعل عن السفهية والعبثية إلى العقلائية كما سيأتي(2).
ثانيهما : أنّ البحث في مسألتنا هذه ـ وهي تحليل كيفية صدور الأفعال من العباد
ـ بحث معنوي ، لا يتغيّر بتغيّر الألفاظ وإلقائه في الاصطلاحات الفنّية
المندمجة ، بل لو فرضنا أنّه لم يوضع لفظ العلّة والمعلول والإرادة والوجوب في
لغة العرب أصلا كان لنا أن نبحث عن حقيقة هذه المسألة الواقعية .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع ص11 وما بعدها .
(2) لعلّه أراد ما سيذكره في ص51 ، وإلاّ فلا يأتي غيره .
وإذا تمهّدت هاتان المقدّمتان فاعلم أنّ ما نجد من المبادي للفعل إلى حين تحقّقه وصدوره في الخارج فهي أربع مراحل ، وبسيرها يكمل وجود الفعل ويتحقّق في الخارج :
الاُولى : تصوّر الفعل وإدراكه إدراكاً مطلقاً ، بمعنى ارتسامه في الذهن ، أو التفات النفس إليه .
الثانية : إدراك ملائمته للفاعل ملائمة روحية أو جسمية .
الثالثة : عدم وجود مزاحم مكافئ لتلك الملائمة من المفسدة .
الرابعة : الاشتياق والميل إليه ، وحينئذ يعقد الفاعل قلبه على الفعل ، فيعمل قدرته فيفعل .
ولا يخفى أنّ عقد القلب الذي ذكرناه في آخر المراحل هو المراد من الإرادة وهو فعل من أفعال النفس ، لا من صفاتها كما تقدّم في المقدّمات(1)، وليس وجوده مسبوقاً بالوجوب المصطلح عليه كما سمعته من مراتبه السابقة ، هذا .
وأمّا سؤال السائل عن المرجّح لإعمال القدرة الذي هو نفس الاختيار المأخوذ عن طلب الخير في شيء ، فيندفع بأنّ إعمال القدرة وإن كان في نفسه فعلا من أفعال النفس إلاّ أنّه ليس ممّا يقصد بنفسه كي يسأل عن مرجّحه ، بل تعلّق القصد به تعلّق تبعي آلي حيث إنّه مقصود لغيره، وسيجي في البحث عن قول الفلاسفة(2) أنّ السؤال عن مرجّح الإرادة بالمعنى الذي ذكرناه عين السؤال عن مرجّح الفعل .
وملخّص الكلام : أنّ أساس الشبهة إنّما هو على طبق القاعدة المعروفة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص16 .
(2) في ص50 ـ 51 .
|
|
|