ــ[1]ــ

ــ[2]ــ

ــ[3]ــ

بسم الله الرحمن الرحيم


 

رسالة في الأمر بين الأمرين
 

الحمد لله ربّ العالمين ، باعث الأنبياء والمرسلين ، ليهدي بهم الخلق إلى سواء السبيل ، ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة ، وصلّى الله على أشرف أنبيائه ورسله وعلى أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً .

وبعد ، فهذه وجيزة في حلّ غامضة الجبر والتفويض ، المعروفة عند الفلاسفة والمتكلّمين ، المبحوث فيها عن كيفيّة صدور الأفعال من الناس، وقد تعرّض لهذا البحث العظيم سيّد أساتيذنا العظام ، نابغة الزمان ، علاّمة الآفاق ، فريد عصره حامي الشريعة المصطفوية ، وركن الشيعة المرتضوية ، حجّة الحقّ ، آية الله العظمى الحاج السيّد أبو القاسم الخوئي النجفي متّع الله المسلمين بطول بقائه عند البحث في الطلب والإرادة في بحث الاُصول استطراداً ، وفاقاً للمحقّق صاحب الكفاية (قدّس سرّه) .

وما أفاده سيّدنا الاُستاذ (مدّ ظلّه) وإن كان إفادة تامّة مستوفاة ، إلاّ أنّه مع ذلك لا يخلو البحث الاستطرادي من الحاجة إلى التكميل ، ولهذا حاولت الاستقصاء عمّا وقع في المقام من الاستدلال والنقض والإبرام ، وبحثت عمّا كان تكميل المسألة غير مستغن عنه ، بأمر من سيّدي الاُستاذ أدام الله إفاضاته علينا وعلى جميع روّاد العلم والإهداء إلى حضرته الشريفة .

فلابدّ لنا قبل الورود في المسألة من التنبيه على اُمور لا يستغنى عنها في الأبحاث الآتية :

الأوّل : من الغالب على الظنّ أنّ المسألة بعنوانها ليست من المسائل القديمة الملتفت إليها الإنسان من أقدم العصور ، كحديث العلّة والمعلول (العامل والمعمول)

ــ[4]ــ

وقضية أنّ المعلول لابدّ له من علّة ، الساريةُ في جميع النشآت الطبيعية وما وراءها .

ولكن لابدّ من أن يعلم أنّ عدم التعرّض لها قديماً لا يدلّنا على صعوبتها بتوهّم أنّها لو كانت واضحة لالتفت الناس إليها من قديم الأعصار، وذلك لأنّ عدم تعرّضهم لعلّه لكون المسألة بديهية عندهم ، ولم يشكّوا في استناد الفعل إلى فاعله .

غير أنّ التصدّي للبحث عنه ـ على ما يحكى في محلّه ـ ابتدأ من نشوء الفلاسفة الإغريقيين ، فإنّهم قاموا بالبحث عن الحقائق الكونية ، ورتّبوا الأبحاث على منوال اصطلاحات ألزموا أنفسهم على التبعية عنها ، فعندئذ وقعت المسألة في غموض الألفاظ ، وجعل الأكثر يميلون على حسب الصناعة ـ كما سوف تقف عليه ـ إلى انتهاء جميع الذوات والصفات والملكات والأفعال إلى الله تعالى بحسب النظام الجملي ، لكنّهم معترفون بمسؤولية الفاعل عن فعله .

وهكذا مرّت الأزمنة على المسألة إلى أن حدث قوم مشكّكون ـ المصطلح على تسميتهم بالسوفسطيقيين فأوقعوا الشكّ في الأفعال كما هو ديدنهم في جميع نظرياتهم في الموجودات ، ومع ذلك فقد كان أتباع الفلاسفة معرضين عن مثل تلك الشكوك .

وأمّا الملل المقتدية بأنبيائهم في عقائدهم وأعمالهم فهم على ما يظهر من الأدلّة المتقنة ذهبوا إلى إثبات الاختيار ، ومسؤولية الإنسان عن أفعالـه ، ولم يظهر بعد بعثة نبيّنا (صلّى الله عليه وآله) من يخالفهم إلاّ الأشعري ، فإنّه ذهب إلى ما كان يقول السوفسطيقيين على ما سنشرحه(1).

وأمّا الفلاسفة بعد الإسلام ـ أمثال محمّد بن طرخان الفارابي والشيخ الرئيس
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص28 و34 .

ــ[5]ــ

حسين بن عبدالله بن سينا ـ فقد أخذوا عن الفلاسفة السابقين على اختلاف مسالكهم وبياناتهم ، وذهب قليل منهم إلى استقلال العبد فيما يصدر عنه من الأفعال ، وقد اشتهر التعبير عنهم بالمفوّضة .

وأمّا الفلاسفة المتأخّرون من غير المسلمين ، الناظرون في الكون والفساد بغير النظريات القديمة ، فكلماتهم في المقام أيضاً متشتّتة ، ونحن نتعرّض لها ولما يرد على بعضها مع بيان ما هو الحقّ الموافق للعقل والشرع بعونه تعالى وإرشاده .

الثاني : أنّ المقصود من هذه الأبحاث إنّما هو إثبات أنّ الفعل إنّما يصدر من الإنسان لا على نحو الاستقلال التامّ ، بحيث يكون مستغنياً عن الله تعالى في إصداره كما عليه المفوّضة ، ولا على نحو الاضطرار التامّ لينتهي أمر الفعل إلى الواجب ، فلا يكون لاختيار العبد دخل فيه كما عليه المجبّرة ، ليتبيّن أنّ الحـقّ هو الأمر بين الأمرين ، كما هو المصرّح به فيما هو المأثور من أهل البيت فيما تواتر عنهم (سلام الله عليهم)(1) وأمّا ترتيب الأبحاث فقد ذكرناه في الفهرست ، فلا حاجة إلى إعادته .

الثالث : أنّ ما يقوم بالإنسان من المعاني على قسمين :

الأوّل : ما يكون ناشئاً منه ، ويكون قيامه به قيام صدور ، كالأكل والشرب والضرب والمشي .

الثاني : ما يقوم به قيام حلول ، من باب قيام الوصف بموصوفه .

وكلّ منهما إمّا أن يكون قائماً بالأعضاء والبدن الجسماني ، أو بالنفس . فالأقسام أربعة :

1 ـ فعل الأعضاء ، كالحركات الخارجية القائمة بها .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي 1 : 155 باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ، وبحار الأنوار 5 : 4 / 1 ، 18 ، 27 ، 28 وغيرها ، ويأتي بعضها في ص 94 ـ 95 من هذه الرسالة .

ــ[6]ــ

2 ـ صفة الأعضاء ، كالطول والقصر ، والسواد والبياض ، القائمة بها .

3 ـ فعل النفس ، كالاعتبارات النفسانية ، فإنّ قيامها بالنفس قيام صدور من باب قيام الفعل بفاعله ، وتسمّى هذه في الاصطلاح بأفاعيل النفس .

4 ـ صفة النفس ، كالانقباض والانبساط الحاصل منهما الحزن والفرح .

وسيظهر لك إن شاء الله تعالى أنّ الإرادة والاختيار من القسم الثالث ، ومن أفعال النفس لا من صفاتها .

والضابط في الفرق بين الصفة والفعل وإن كان بحسب العرف في أنّ قيام الصفة بموصوفها قيام حلول ، وقيام الفعل بفاعله قيام صدور ، وكلّ منهما قد يكون اختيارياً وقد يكون غير اختياري ، إلاّ أنّا اصطلحنا على أن نعبّر عن كلّ أمر اختياري بالفعل ، وعن كل أمر قائم بشيء غير اختياري بالصفة ، فإذا قلنا بأنّ الشيء الفلاني من الصفات دون الأفعال أردنا به أنّه لا دخل لاختيار الموصوف وإرادته في وجوده، سواء كان قيامه به قيام صدور أو حلول .

الرابع : لا ينبغي لعاقل أن يشكّ في أنّ العقل يدرك الحسن والقبح ، وأنّ إدراكه هذا بديهي وممّا يستقلّ به ، ونعني بإدراك العقل حسنَ شيء أو قبحَه إدراكَه أنّ الإتيان بفعل ما من وضع الشيء في مورده ، أو من وضعه في غير مورده ، وهذا المعنى معنىً جامع لجميع أفراد الحسن والقبح ، وإن كانت تلك الأفراد مختلفة غايته في الشدّة والضعف بحسب الموارد والأزمنة والأمكنة ، واختلاف الأفراد في ذلك لا ينافي بداهة إدراك الجامع وما هو جهة الاشتراك بين الأفراد حقيقة .

بل أقول : إنّ إنكار إدراك الإنسان الحسن والقبح على حذو إنكار الإنسان وجود نفسه ، وهل يسع الإنسان أن ينكر أنّه هو وأنّه ليس غيره ، ألا وإنّ استقلال العقل بالحسن والقبح هو المبدأ الوحيد الذي به تقوم جميع الشرائع والاجتماعيات .

فلو وجد في الخارج من ينكر الخير والشرّ إن كان مقصوده بذلك اختلاف

ــ[7]ــ

أفرادهما ونسبيّتهما فهو صحيح ، إذ لا جامع مقولي يجمع تلك الاُمور النسبية ، بل يختلف الحسن والقبح باختلاف الموارد والإضافات ، كما أنّ جميع الاُمور النسبيّة كذلك .

وإن أراد به أنّ العقل لا يدرك الحسن والقبح في محالّهما ، فلا يدرك أنّ هذا الفعل حسن وذاك قبيح ، وهذا ظلم وذاك عدل ، فقد عرفت أنّ القول بذلك على حذو إنكار الإنسان وجود نفسه ، وكيف يمكن القول به مع أنّ المسؤوليات الاجتماعية والشرعية كلّها تدور على ذلك، إذن لا ينبغي هذا القول إلاّ من فاقد الشعور ، أو ممّن حذا حذو السوفسطيقي كإنكاره جميع المحسوسات والمعقولات على خلاف بداهة عقله .
فإذا تبيّن ذلك فاعلم أنّه قد ذهب الأشعريون إلى عدم حكم العقل بالحسن والقبح( )، وقد خالفوا بذلك جميع أهل الأديان وغيرهم ، والذي أوقعهم في ذلك أمران :

الأول : أنّه لو كان الكذب مثلا ممّا يحكم العقل بقبحه لم يتغيّر عن ذلك ولو توقّف عليه إنجاء نبي بل مؤمن ، أو إصلاح ذات بين ، ونحو ذلك ، مع أنّ القائلين بإدراك العقل الحسن والقبح لم يتوقّفوا في حسن ذلك عقلا وشرعاً .

الثاني : أنّه لو قال قائل : لأكذبنّ غداً ، فإن حسن منه الوفاء بالوعد كان الكذب حسناً ، وهو خلف ، وإن كان الكذب قبيحاً فيكون الوفاء بالوعد قبيحاً وهو خلف أيضاً .

والجواب عنهما على ما أفاده المحقّقون من علمائنا (رضوان الله عليهم أجمعين) ومنهم سيّدنا الاُستاذ (مدّ ظلّه) إنّما يتّضح بتنقيح مقدّمة ، وتقريرها أن يقال : إنّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع المواقف 3 : 261 / المقصد الخامس ، وشرح المقاصد 4 : 282 .

ــ[8]ــ

الأفعال الصادرة اختياراً من العباد على أقسام ثلاثة :

القسم الأوّل : ما لا يعقل انفكاكه عن الحسن أو القبح كما لا يعقل انفكاك العلّة التامّة عن معلولها ، وذلك مثل العدل والظلم ، فمتى صدق على فعل أنّه ظلم كان قبيحاً لا محالة ، كما أنّه متى صدق عليه العدل كان حسناً بالضرورة ، وفي مثل ذلك يستحيل ارتفاع الحسن أو القبح إلاّ بارتفاع موضوعه وتغيّره ، فلا يكون عدم الاتّصاف بالحسن أو القبح حينئذ من جهة التخصيص في حكم العقل ، بل من جهة التخصّص وكون سلب الحكم من جهة انتفاء موضوعه ، مثلا إنّ ضرب اليتيم للتشفّي أو الإيذاء ظلم ، وهو قبيح ، لكنّه متى كان بقصد التأديب لا يكون ظلماً ، فلا يكون قبيحاً ، لا أنّه ظلم وليس بقبيح .

ومن ذلك يظهر الحال في العدل والإحسان وإطاعة المولى الحقيقي ، فإنّها لا تنفكّ عن الحسن أبداً ، إلاّ مع تغيّر في عناوينها ، فينتفي الحكم بانتفاء موضوعه .

القسم الثاني : ما يعقل فيه الانفكاك عن الحسن أو القبح بعروض عنوان آخر مغيّر لحكمه مع بقاء العنوان الأوّلي بحاله ، إلاّ أنّ الفعل في ذاته وفي طبعه يكون حسناً أو قبيحاً ، فنسبة الفعل إلى أحدهما كنسبة المقتضي إلى مقتضاه ، وذلك مثل الصدق والكذب ، فإنّهما في نفسهما يتّصفان بالحسن والقبح ، لكنّه لا يمنع العقل من طروء بعض الحالات والاعتبارات الموجب لانقلابهما عمّا كانا عليه .

فالصدق في نفسه وإن كان حسناً ، إلاّ أنّه إذا ترتّب عليه سفك الدماء ونهب الأموال بل أقلّ وأيسر من ذلك ارتفع حسنه ، وكان من القبائح الواضحة التي يدركها كلّ عاقل ، وكذلك الكذب فإنّه في نفسه وإن كان قبيحاً ، إلاّ أنّه إذا ترتّب عليه صيانة النفوس وحراسة الأعراض والأموال لم يكن قبيحاً ، بل كان ممّا استقلّ العقل بحسنه وندب الشرع إليه .

وإن شئت قلت : إنّ العقل لم يستقلّ بحسن كلّ صدق ولا بقبح كلّ كذب ، بل

ــ[9]ــ

إنّما استقلّ بحسن الصدق الذي لا تترتّب عليه مفسدة ، وبقبح الكذب الذي لم يعرض عليه عنوان حسن عقلا وشرعاً .

القسم الثالث : ما لا يكون في نفسه متّصفاً بالحسن ولا بالقبح ، وإنّما يكون اتّصافه بواحد منهما بتبع عروض عنوان آخر ، كالمشي بلا غرض يوجبه ، ونحوه من الأفعال المباحة عقلا وشرعاً ، فإنّها في نفسها لا تكون قبيحة ولا حسنة ، كما أنّه إذا كانت لغاية قبيحة أو حسنة كانت قبيحة أو حسنة ، ومع قطع النظر عن عروض العنوان الخارجي لا يتّصف بشيء منهما ، والعقلاء لا يمدحون فاعله بفعله هذا ، ولا يذمّونه .

إذا عرفت ذلك ظهر لك جواب الأشعري فيما ذكره من الأمرين ، وتوضيح الجواب : أنّ استقلال العقل بقبح الكذب وحسن الصدق ليس على حذو استقلاله بقبح الظلم وحسن العدل لئلاّ يعقل التخلّف في مورد ما ، وإنّما استقلّ بقبح الكذب فيما لم يتعنون بعنوان حسن عقلا وشرعاً ، كما إذا كان موجباً لإنجاء مؤمن أو إصلاح ذات بين ونحو ذلك ، والكذب في أمثال هذه الموارد لم يكن محكوماً بحكم العقل بالقبح من الأوّل ، لا أنّه كان قبيحاً وارتفع قبحه ، فعدم ثبوت الحكم له إنّما هو لعدم دخوله في موضوع القضيّة العقليّة ، لا أنّه خرج عنها بالتخصيص .

وأمّا النقض بالوعد على الكذب فيدفعه أنّ العقل لم يستقل بحسن الوفاء بالوعد مطلقاً ، وإنّما استقلّ به فيما إذا لم يكن الموعود به قبيحاً عقلا وشرعاً ، وإلاّ كان العمل بالوعد قبيحاً لا محالة ، وليس ذلك من باب التخصيص ، بل هو من باب التخصّص وارتفاع الحكم بارتفاع موضوعه .

ثمّ لا يخفى أنّا لم نرد بلفظ الحكم في قولنا : يحكم العقل بقبح الظلم وحسن العدل واللطف على الله تبارك وتعالى ، معناه الاصطلاحي المتبادر إلى الذهن من البعث والإلزام والإيجاب ونحو ذلك كي يقال باستحالته ، إذ كيف يعقل حكومة

ــ[10]ــ

العقل المقهور على خالقه القاهر جلّ شأنه ليلزمه بشيء أو يزجره عنه ، وهو الحاكم على عباده والقاهر عليهم ، بل المراد بذلك هو إدراك الواقع وما هو أمر ثابت في نفس الأمر، وهو على حذو قولنا : إنّ العقل يحكم باستحالة اجتماع النقيضين ، وبأنّ الاثنين مكرّر الواحد ، وأنّ الواحد نصف الاثنين ، فهل يتوهّم عاقل أنّ معنى الحكم في أمثال ذلك هو البعث أو ما يقاربه من المعاني ؟ كلاّ .

وبالجملة : إذا قلنا : يحكم العقل بوجوب فعل ما أو قبحه على الله تعالى أردنا به إدراك العقل استلزام الوجوب الذاتي والغناء المطلق لوجود شيء وعدمه فحكمه هذا من فروع الحكمة النظرية ، لا من قبيل الحكمة العملية .

وبما ذكرنا تندفع شبهة اُخرى للأشاعرة ، حيث منعوا قبح الظلم على الله تعالى ، بتوهّم أنّه تعالى هو الحاكم المطلق في سلطانه ، ولا يحكم أحد عليه بالقبح . وهذه الشبهة إنّما نشأت من الجهل بمعنى الحكم في المقام ، وبعد ما ظهر لك ذلك لا يبقى للشبهة المزبورة وقع علمي أبداً ، إلاّ أنّه مع ذلك سنتعرّض لأصل الشبهة وجوابها تفصيلا فيما بعد إن شاء الله تعالى(1).


في قاعدة أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد

الخامس : في بيان معنى قول الفلاسفة(2): إنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد ، أو إنّ الشيء ما لم يوجد لم يجب . وهذه القاعدة قد ذكرها الفلاسفة في باب لزوم معيّة المعلول ، وهي من الاُصول الموضوعة عندهم في الفلسفة العالية وغيرها من أبواب الفلسفة .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص47 .
(2) راجع الأسفار 1 : 221 ، نهاية الحكمة : 54 .

ــ[11]ــ

قال الشيخ الرئيس في كتاب الشفاء في البحث عن وجوب معيّة المعلول لعلّته ما لفظه : فلا يبعد أن يكون الشيء مهما وجد وجب بالضرورة(1).

وقال صاحب الأسفار في حاشيته على الكتاب : يريد بيان أنّ العلّة ما لم يجب كونها علّة لم تكن علّة بالحقيقة ، وأنّ المعلول ما لم يجب وجوده بالغير لم يكن موجوداً(2).

وقد صرّح بهذه القاعدة كثير منهم في مواضع عديدة ، والمهمّ لنا هو معنى القاعدة وما قصدوا بها عند استدلالاتهم ، وبيان أنّها صحيحة أو فاسدة .

الذي ظهر لنا في معنى أصل القاعدة من كلماتهم : أن تكوّن كلّ شيء وتحصّله في الأعيان أو الأذهان فرع تمامية علّته بما لها من الأجزاء والشرائط وارتفاع الموانع ، وعند ذلك يجب وجود المعلول ، فوجود كلّ شيء مسبوق بضرورة سابقة وتعيّن وجوبي في مرتبة علّته .

ولا يخفى أنّ هذا المعنى من الضروريات الأوّلية في الجملة ، إذ كلّ عاقل يحكم بضرورة عقله بأنّ المعلول لا يتحقّق في موطن وجوده بأدنى إخلال في ناحية علّته بعدم تمامية مقتضيه ، أو بعدم وجود شرطه ، أو من جهة وجود مانعه ، وإنّما الكلام في سعة هذه القاعدة وضيقها .

فنقول : لو كان المراد بوجوب الشيء قبل وجوده وجوده الاضطراري الناشئ عن استحالة تخلّف المعلول عن علّته ولزوم معيّته لها في الزمان، بحيث لا يتخلّل بين وجوديهما جزء من الزمان ، وإن كان أحدهما مترتّباً على الآخر ، ومن
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الشفاء (الإلهيات 1) : 165 فصل في المتقدّم والمتأخّر وفي الحدوث [ وفيه : ... وجب ضرورة أن يكون ... ] .
(2) تعليقة صدر المتألّهين على الشفاء : 156 (المقالة الرابعة من الشفاء) .

ــ[12]ــ

ثَمّ يقال : وجدت العلّة فوجد معلولها ، فهو معنى معقول مطابق للبرهان في المعاليل والمسبّبات الصادرة عن عللها وأسبابها من غير إرادة واختيار، وذلك فإنّ الشيء بعد ما فرض ممكناً احتاج في وجوده إمّا إلى إرادة فاعل مختار أو إلى بلوغه مرتبة الوجوب بالغير من جهة علّته ، وإلاّ كان وجوده مع إمكانه ترجّحاً بلا مرجّح ، وهو محال .

وإن اُريد به لزوم وجوب الشيء قبل وجوده ولو فيما كان الوجود مستنداً إلى إرادة الفاعل المختار ، ليرجع محصّل القاعدة إلى استحالة وجود كلّ ممكن اختيارياً كان أو غير اختياري ما لم يصل إلى حدّ الوجوب وضرورة الوجود ، فهو معنى يخالفه الوجدان ، ولم يقم على طبقه برهان .

وإيفاء البحث في هذا المقام بأن يقال : إنّ الممكن بما أنّه ممكن لا يقتضي في نفسه الوجود والعدم ، فهما بالإضافة إليه ككفّتي الميزان ، فلا يعقل أن يوجد في الخارج إلاّ وله موجد ، وإلاّ لزم الترجّح بلا مرجّح ، وهو باطل بضرورة العقل وقد اُشير إليه في قوله تعالى : (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)(1) فالممكن يستحيل أن يوجد من غير موجد ، كما يستحيل أن يكون هو الموجد لنفسه .

ثمّ إن كان الموجد فاعلا بالاضطرار فلابدّ في صدور الممكن منه من وصوله إلى حدّ العلّية التامّة ، الذي يستحيل معه تخلّف المعلول عنه ، إذ قبل ذلك كان الممكن باقياً على إمكانه فيستحيل وجوده ، لأنّه ترجح بلا مرجّح .

وهذا معنى أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد ، بمعنى أنّ الممكن الصادر من الفاعل بغير الاختيار إن لم يصل إلى حدّ الإلجاء والوجوب يستحيل وجوده ، فوجود الممكن مساوق لوجوبه ، كما أنّ عدمه مساوق لامتناعه ، فإنّه لا يكون معدوماً إلاّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الطور 52 : 35 .

ــ[13]ــ

بعدم علّته التامّة ، وفي هذا الفرض كان وجوده محالا ، وإلاّ لزم الترجّح بلا مرجّح .

وبالجملة : أمر الممكن دائر بين الوجوب والامتناع الغيريّين ، فإنّه مع فرض وجود علّته التامّة واجب ومع عدمها ممتنع ، لكن مثل هذا الوجوب والامتناع لا ينافي الإمكان الذاتي الذي هو بمعنى عدم اقتضاء الماهية في نفسها للوجود والعدم وعدم إبائها لشيء منهما .

وأمّا لو كان الفاعل فاعلا بالاختيار فهو وإن كان ممّا لابدّ منه في صدور الفعل وتحقّقه ، لما عرفت من استحالة وجود الممكن بلا موجد له، إلاّ أنّه لا يعتبر فيه وصول الأمر إلى حدّ الإلجاء والاضطرار ، بل لابدّ من أن لا يكون كذلك ، وإلاّ خرج الفعل عن كونه اختيارياً ، وهو خلف .

وبالجملة : فرض كون الفعل اختيارياً يستلزم كون أمره وجوداً وعدماً بيد الفاعل وتحت سلطانه ، فلو فرض وجود جميع المقدّمات التي يتوقّف عليها وجود الفعل ، وكان شوق الإنسان إليه في غاية مرتبة القوّة والشدّة ، لم يكن الفعل مع ذلك خارجاً عن تحت قدرة الإنسان ، بل كان أمره بيده ، فله أن يعمل قدرته في وجوده الذي نعبّر عنه بالاختيار ، وله أن لا يعملها فيه .

فتحصّل : أنّ قاعدة أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد لا تجري في الأفعال الاختيارية ، ومَن أسراها إليها قد التبس عليه الأمر ، فلم يميّز بين الفاعل بالاختيار والعلّة الاضطرارية .

نعم إنّ لنا بحثاً آخر ، وهو أنّ العقل يستقلّ بقبح الترجيح بلا مرجّح فالفاعل بالاختيار إذا كان حكيماً لابدّ في فعله من مرجّح له ، وهذا بحث آخر أجنبي عمّا نحن فيه ، وسيجيء الكلام فيه عن قريب إن شاء الله(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص39 .

ــ[14]ــ

وممّا ذكرنا بطل قول من زعم قدم العالم ، بدعوى أنّه يستحيل تخلّف المعلول عن علّته التامّة ، وأنّ المفروض أنّه لا علّة غيره تعالى ، وهو قديم ، فالعالم يلزم أن يكون قديماً .

والجواب : أن لا علّية في ذلك المقام الشامخ ولا اضطرار فيه إلى إيجاد فعل ما
وإنّما هو تحت إرادته وسلطانه ، فمتى شاء إيجاد فعل حسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية أوجده ، ومتى لم يشأ لم يوجده ، ولعلّنا نتكلّم في ذلك فيما بعد مستوفى(1)، والله الهادي إلى سواء السبيل .
 

البحث عن صفات الله الذاتية والفعلية

السادس : العناوين الاشتقاقية المحمولة على الله تعالى على قسمين :

الأوّل : ما يكون مبدأ العنوان الاشتقاقي متّحداً مع الذات المقدّسة خارجاً
كالعالم والقادر والحي ، فإنّ القدرة والعلم والحياة من الصفات التي هي متّحدة مع الذات المقدّسة ، ولا مغايرة بينها وبين الذات ، بخلاف الذوات الممكنة المتّصفة بها حيث إنّ بينها التغاير خارجاً تغاير الصفة والموصوف والعرض والمعروض ، وأمّا الذات المقدّسة فيستحيل اتّصافها بالعرض ، لاستحالة التركيب فيها ، فعلمه عين قدرته وهما عين ذاته .

الثاني : ما لا يكون مساوقاً للذات ولا اتّحاد بينهما ، بل تكون حادثة ومنتزعة من فعله ، ويسمّى هذا القسم بالصفات الفعلية ، كالرازقية والخالقية وغيرهما ، وسيجيء الفرق بين القسمين من الصفات بعد هذا إن شاء الله( ).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع ص50 ـ 51 .
(2) في ص17 .

ــ[15]ــ

ثمّ إنّ في كون هذه الاُمور المتغايرة من الصفات الذاتية ـ وهي العلم والقدرة والحياة مثلا ـ عين الذات مع أنّها واحدة بسيطة من جميع الجهات غموضاً أوجب إشكالات ثلاثة ، لا بأس بالتعرّض لها والجواب عنها .

الأوّل : أنّ مبادي هذه الصفات لما كانت متّحدة مع الذات فكان حملها عليها من قبيل حمل الشيء على نفسه ، الذي لا فائدة فيه .

والجواب عنه كما ذكره المحقّق صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1) أنّ المدّعى هو اتّحاد الذات مع تلك الصفات خارجاً لا مفهوماً ، والذي يستلزم حمل الشيء على نفسه هو الاتّحاد في المفهوم ، دون الخارج والمصداق .

الثاني : أنّه يعتبر في حمل العنوان الاشتقاقي على شيء مغايرة مبدئه لذلك الشيء ، وإذ قلنا باتّحاد المبادي مع الذات المقدّسة استلزم ذلك القول بمجازية استعمال هذه المشتقّات عند حملها على الله تعالى ، وهو خلاف الأصل ، بل خلاف الوجدان ، لأنّا لا نرى عناية في هذه الاستعمالات أصلا .

وقد أجاب عن ذلك صاحب الكفاية (قدّس سرّه) بما حاصله : أنّ المعتبر هو التغاير المفهومي ، وهو حاصل ، وأمّا التغاير الخارجي فهو غير معتبر أصلا(2).

والصحيح في الجواب : أنّ التغاير لا يعتبر أصلا ، لا في المفهوم ولا في المصداق ، ويشهد لذلك صحّة قولنا : الضوء مضيء ، وغير ذلك ، والمستشكل قد التبس عليه الأمر ، فخلط المغايرة المعتبرة بين الموضوع والمحمول من وجه بالمغايرة بين الذات ومبدأ المشتقّات ، والذي يقتضيه البرهان هو الأول دون الثاني ، ففي
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول : 56 .
(2) كفاية الاُصول : 56 .

ــ[16]ــ

قولنا : الله عالم ، محمول القضية هو لفظ عالم ، وقد حقّقنا في بحث المشتق(1) أنّه دالّ على الذات المقيّدة بثبوت المبدأ لها نحو ثبوت ، ومن الضروري أنّ مفهوم الذات المقيّدة بثبوت العلم لها مغاير لما هو المفهوم من لفظ الجلالة ، فقد حصل التغاير المعتبر في القضية بين الموضوع والمحمول ، وأمّا التغاير بين موضوع القضية ومبدأ الاشتقاق فلم يدلّ على اعتباره دليل .

الثالث : إشكال استحالة انتزاع مفاهيم متعدّدة مختلفة من ذات واحدة بلا اختلاف جهات وحيثيّات ، وقد ذكر صاحب الأسفار(2) بداهة استحالة انتزاع مفهوم واحد من اُمور متعدّدة بلا جهة اشتراك بينها ، فالعكس أيضاً كذلك .

والجواب : أنّ الذات المقدّسة بما أنّه لا نقص فيها أصلا فالعقل إذا توجّه إلى كماله الذاتي غير المتناهي ينتزع منه مفاهيم عديدة حسب اختلاف اعتباراته وجهات لحاظه ، فإذا لاحظ حضور جميع الموجودات لديه ينتزع من هذا الحضور مفهوم العالم ، وإذا لاحظ كون الممكنات بأجمعها تحت سلطانه ينتزع عنه مفهوم القادر ، فاختلاف الجهات إنّما هو في لحاظ العقل واعتباره ، وهو لا ينافي بساطة الذات على الإطلاق وعدم تركّبه أصلا .

                                        عباراتنا شتّى وحسنك واحد           وكلّ إلى ذاك الجمال يشير

وأمّا الصفات الفعلية التي ليس بينها وبين الذات اتّحاد فإنّها تنتزع من نفس الأفعال ، كالخالق والرازق والمحيي والمميت وغيرها ، فهي حادثة بحدوث الأفعال . ولا يخفى أنّ إرادته ومشيّته تعالى وتقدّس من قبيل القسم الثاني ، ويظهر ذلك بعد إيضاح الفرق بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في اُصول الفقه 1 (موسوعة الإمام الخوئي 43) : 305 .
(2) راجع الأسفار 1 : 133 .

ــ[17]ــ

وما ذكروه من الفرق بينهما اُمور ثلاثة :

الأوّل : عدم جواز اتّصاف الذات المقدّسة بنقيض في الصفات الذاتية ، فيستحيل أن لا تكون الذات عالماً ولا قادراً ولا حيّاً ، بخلاف الصفات الفعلية فإنّها تنفكّ عن الذات وتتّصف بنقيضها ، فيصحّ أن يقال : إنّه تعالى لم يكن خالقاً قبل خلقه ، ولم يكن رازقاً قبل رزقه .

ولا يخفى أنّ الصفات الفعلية على قسمين ، فإنّها تارة تكون من العناوين الأوّلية لنفس الفعل كالخالقية والرازقية ، واُخرى تكون من العناوين المنتزعة منه كالصدق والعدل .

وفي القسم الأوّل يصحّ اتّصاف الذات به وبعدمه ، بخلاف القسم الثاني فإنّ سلبه إنّما هو بسلب منشأ انتزاعه لا بسلب نفسه ، فلا يصدق على الله تعالى أنّه ليس بصادق ، ولكن يصدق أنّه لم يحدث كلاماً كان على تقدير صدوره صدقاً .

الثاني : أنّ الملاك في كون الصفة ذاتية عدم صحّة تعلّق القدرة بها إيجاداً وإعداماً ، فلا يعقل أن يعمل القدرة في سلب العلم والقدرة عن نفسه ، بخلاف الصفات الفعلية فيجوز فيها تعلّق القدرة بالفعل والترك ، كالخلق والرزق ، فإنّه تعالى قادر على أن يخلق ويرزق ، كما أنّه قادر على أن لا يخلق ولا يرزق . وكذلك الأوصاف الفعلية المنتزعة عن الفعل ، كالصدق والعدل على ما عرفت .

الثالث : صحّة تعلّق الإرادة بوجودها وعدمها ، فالصفة إذا كانت من الصفات الذاتية امتنع تعلّق الإرادة بوجودها أو بعدمها ، بخلاف ما إذا كانت من الصفات الفعلية ، فيجوز فيها تعلّق الإرادة بكلّ من وجودها وعدمها .

ولا يخفى أنّ هذا الوجه إن كان مرجعه إلى الوجه الثاني ـ وهو إمكان تعلّق القدرة وعدمه ـ فهو ، وإلاّ فهو ليس بسديد ، لأنّ الإرادة نفسها من الصفات الفعلية على ما نشرحها بعد هذا ، ومع ذلك لا تكون متعلّقة لإرادة اُخرى ، فلا يكون ما

ــ[18]ــ

ذكر ضابطة بين القسمين .

إذا عرفت الفرق بين الصفات الذاتية والفعلية فاعلم أنّه قد وقع الخلاف بين المتكلّمين في بعض الأوصاف ـ كالإرادة ـ في أنّها من أي القسمين ، ومن جميع ما ذكرنا تحصّل أنّها أيضاً من الصفات الفعلية ، نعم القدرة على الإرادة قديمة ومن الصفات الذاتية ، وهذا ليس مختصّاً بها ، بل القدرة على جميع الصفات الفعلية من هذا القبيل ، وأمّا نفس الإرادة والخلق والإحياء والإماتة ـ مثلا ـ فهي من الصفات الفعلية .

وأمّا الاستدلال على كونها من الصفات الفعلية بتعلّقها بالاُمور الجزئية المتغيّرة الموجبة لتغيّر الصفة ، فلو كانت من الصفات الذاتية لزم التغيّر المستحيل في الذات المقدّسة فمحلّ نظر .

والجواب عنه عين الجواب عن إشكال العلم ، فكما أنّ تعلّقه بالاُمور الجزئية المتغيّرة لا يوجب تغيّراً في الذات ، لأنّ المتغيّر من العلم جهة إضافته إلى المعلوم ، لا نفس العلم وحقيقته المساوقة للذات ، وكذلك الإرادة لو كانت من الصفات الذاتية .

والعمدة في الفرق هو ما ذكرناه من صحّة تعلّق القدرة بها وعدمها .
 

في الردّ على ما استدلّوا به للكلام النفسي

السابع : ذهبت الأشاعرة إلى أنّ التكلّم من الصفات الذاتية لله تعالى القائمة بالذات ، وسمّوه بالكلام النفسي(1)، فلابدّ قبل تحقيق ذلك من بيان مرادهم من الكلام النفسي .

فنقول : قد حكي عنهم أنّ للكلام ـ غير ألفاظه ومفاهيمه وغير التصديق
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح المواقف 8 : 91 ، شرح المقاصد 4 : 143 .

ــ[19]ــ

بثبوت النسبة في الخارج وعدمه في الأخبار ، وإيجاد النسبة من الطلب والتمنّي والترجّي وغيرها في الإنشاء ـ أمراً يسمّى بالكلام النفسي، قائماً بالنفس وراء العلم والإرادة وغيرهما من الصفات النفسية المعروفة ، وهو مدلول الكلام اللفظي .

ولكن لا يخفى ما في هذه الحكاية ، فإنّ ظاهر كلماتهم كما يشهد عليه النظر فيها هو أنّ هناك أمراً قائماً بالنفس يكشف عنه الكلام اللفظي ، وهو فرد من نوع الكلام ، لا أنّه من مداليل الكلام اللفظي كي يستشهد عليه بقول القائل :

                                           إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما        جعل اللسان على الفؤاد دليلا

فعليه تكون نسبة الكلام اللفظي إلى الكلام النفسي نسبة الكاشف إلى المنكشف ، نظير كشفه عن حياة المتكلّم وعقله وشعوره ، لا نسبة الدالّ إلى المدلول .

ثمّ إنّهم استدلّوا على إثبات الكلام النفسي بوجوه أربعة :

الأوّل : ما ورد في القرآن الكريم من الآيات الدالّة على ثبوت التكلّم له تعالى ، كقوله عزّوجلّ : (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً)(1) وحيث كان الكلام اللفظي مركّباً من الحروف المتعاقبة المتدرّجة المتصرّمة ، فلو كان هو المقصود في هذه الآيات لزم أن تكون الذات المقدّسة محلا للحوادث ، وهو يخالف القدم والبساطة بخلاف ما لو كان المراد منه الكلام النفسي ، حيث إنّه ليس من مقولة الألفاظ ، فلا يلزم المحذور .

الثاني : أنّ لازم صدق المتكلّم عليه تعالى هو أن يكون قيام التكلّم به قيام الصفة بالموصوف ، إذ لو كان من باب قيام الفعل بالفاعل لما صحّ هذا الصدق ، ومن ثمّ لا يصحّ إطلاق النائم والقائم والذائق عليه تعالى مع أنّه خالقها ، وذلك ليس إلاّ من جهة أنّ قيام مثل هذه المبادي بالذات من باب قيام الفعل بالفاعل ، لا الصفة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النساء 4 : 164 .

ــ[20]ــ

بالموصوف .

ولا يخفى أنّ عدّ هذا وجهاً مستقلا لا يخلو عن مناقشة ، إذ هو كما تراه أصل موضوعي لتتميم الوجه الأوّل ، لأنّ إثبات اللازم الفاسد في الفرض الأوّل بعد إثبات أنّ قيام التكلّم بالذات قيام الصفة بالموصوف ، والمتكفّل لإثباته هو هذا الوجه .

والجواب عنه : هو أنّ المراد من المبدأ في المتكلّم لا يخلو عن أحد أمرين : إمّا نفس الكلام الذي هو الكيف المسموع المتحصّل من تموّج الهواء واصطكاكه ، أو التكلّم .

وعلى الأوّل فلا يصحّ اتّصاف أيّ شخص به اتّصاف الموصوف بصفته ، من دون فرق بين الله تعالى وغيره ، ضرورة أنّ المتكيّف بهذا الكيف والمتّصف به هو الهواء ، لا الشخص المتكلّم به .

وعلى الثاني فالواجب أو الممكن وإن كان متّصفاً به ، إلاّ أنّ من الظاهر كونه من قبيل الأفعال دون الأوصاف ، فيكون معنى قولنا : الله متكلّم ، أنّه موجد للكلام(1)، وعليه يكون المقصود من الكلام المأخوذ مبدأً هو الكلام اللفظي بلا استلزام المحذور .

وبما ذكرناه من كون المبدأ هو التكلّم دون الكلام بطل النقض بعدم صدق النائم أو الذائق عليه تعالى مع أنّ مباديها مخلوقة له تعالى ، على أنّ المبدأ لو فرض كونه الكلام أيضاً لم يكن النقض وارداً ، إذ لا اطّراد في صدق ما كان على زنة فاعل كغيره من الأوزان ، فقد يكون ذلك فيما كان المبدأ من الأوصاف كالأمثلة المزبورة وقد يكون المبدأ من الأفعال كالخالق والرازق والباسط والقابض ، فلا ملازمة بين
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا يخفى أنّ المناسب : للتكلّم .