الحاجة إلى علم الرجال.
بماذا تثبت الوثاقة أو الحُسن.
التوثيقات العامّة.
مناقشة سائر التوثيقات العامّة.
نظرة في روايات الكتب الاربعة.
الاصول الرجالية.
نموذج الكتاب بخطّ المؤلف:
خطبة الكتاب
ومزاياه
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه وأفضل بريّته محمّد وعترته الطاهرين، واللّعن الدّائم على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدّين.
وبعد: يقول العبد المفتقر إلى رحمة ربّه أبو القاسم ابن العلاّمة الجليل الحجّة السيّد علي أكبر الموسوي الخوئى، قدّس اللّه أسراره، وحشره مع أجداده الكرام، حجج اللّه على خلقه، وأمناء اللّه على وحيه وسرّه:
إنّ علم الرجال كان من العلوم التي اهتمّ بشأنه علماؤنا الاقدمون، وفقهاؤنا السابقون، ولكن قد أهمل أمره في الاعصار المتأخّرة، حتى كأنّه لا يتوقّف عليه الإجتهاد، واستنباط الاحكام الشرعية.
لاجل ذلك عزمت على تأليف كتاب جامع كاف بمزايا هذا العلم، وطلبت من اللّه سبحانه أن يوفّقني لذلك، فاستجاب بفضله دعوتي ووفّقنى، وله الحمد والشكر لإتمامه كما أردت : على ما أنا عليه من كبر السّن، وضعف الحال، وكثرة الاشغال : ولولا توفيق المولى وتأييده جلّ شأنه لم يتيسّر لي ذلك.
ولا بدّ لي قبل الشروع في المقصود من ذكر مزايا الكتاب وتقديم مقدّمات:
مزايا الكتاب
في هذا الكتاب خصائص ومزايا أساسية دعت الضرورة إلى أخذها في صلب الكتاب. وإلى الباحث البصير تفصيل ذلك: الاولى: كلّ مانقلنا في الكتاب عن أحد، فإنّما نقلناه عن أصل المصدر، وقد يتّفق أنّه لايوجد فيه، أو نحن لم نجده فيه، أو لم نراجعه فننقله عمّن نقله عن المصدر مع التصريح بذلك. ولا ننسب شيئاً إلى أحد اعتماداً على حكاية ذلك في كتب الرجال أو غيرها. فإنّ ذلك يوقع في الإشتباه كثيراً، كما وقع ذلك لغيرنا، ولا سيّما في بعض كتب المتأخّرين.
الثانية: بما أنّ نسخة رجال ابن الغضائري لم توجد لدينا، فكلّ مانقلناه عنه، فانّما نقلناه عن الخلاصة للعلاّمة، أو رجال ابن داود، أو مجمع الرجال للمولى عناية اللّه القهبائى.
الثالثة: قد ذكرنا في ترجمة كلّ شخص جميع رواته ومن روى هو عنهم في الكتب الاربعة، وقد نذكر مافي غيرها أيضاً، ولا سيّما رجال الكشّى، فقد ذكرنا أكثر مافيه من الرواة والمرويّ عنهم، وبذلك يحصل التمييز الكامل بين المشتركات غالباً، كما أنّا تعرّضنا لبيان موارد الروايات في الكتب الاربعة، فإن لم تكن الروايات كثيرة، ولم يوجب التعرّض لبيان مواردها الإخلال بوضع الكتاب، أدرجناه في ذيل الترجمة وإلاّ أخّرناه وذكرنا في آخر كلّ جزء مايناسب ذكره فيه.
ثم إنّا ذكرنا في الكتاب كلّ من له رواية في الكتب الاربعة، سواء أكان مذكوراً في كتب الرجال أم لم يكن، وذكرنا موارد الإختلاف بين الكتب الاربعة في السّند، وكثيراً ما نبيّن ماهو الصّحيح منها وما فيه تحريف أو سقط.
في كتب الرجال أم لم يكن، وذكرنا موارد الإختلاف بين الكتب الاربعة في السّن وكثيراً ما نبيّن ماهو الصّحيح منها وما فيه تحريف أو سقط.
في كتب الرجال أم لم يكن، وذكرنا موارد الإختلاف بين الكتب الاربعة في السّند، وكثيراً ما نبيّن ماهو الصّحيح منها وما فيه تحريف أو سقط.
ثم إنّا ذكرنا في الكتاب كلّ من له في كتب الرجال أم لم يكن، وذكرنا موارد الإختلاف بين الكتب الاربعة في السّند، وكثيراً ما نبيّن ماهو الصّحيح منها وما فيه تحريف أو سقط.
الرابعة: إتّبعنا في الكتاب العناوين المذكورة في كتب الرجال، والعناوين المذكورة في الروايات، فربّما نذكر رجلاً واحداً مرّتين أو مرّات، فمثلاً: نذكر أحمد البرقى، وأحمد بن أبي عبداللّه، وأحمد بن أبي عبداللّه البرقى، وأحمد بن محمد البرقى، وأحمد بن محمد بن خالد، وأحمد بن محمد بن خالد البرقى، وابن البرقى، والبرقى، ونذكر في كلّ من هذه العناوين جميع الرواة عنه بذلك العنوان والمرويّ عنهم، وموارد رواياته، وكذلك نجري في ذكر الراويّ والمرويّ عنه.
هذا بالنسبة إلى الروايات، وأمّا في التراجم، فلا نترجم الرجل في الغالب إلاّ مرّة واحدة وبعنوان واحد، وهو عنوان النجاشي غالباً. ونذكر في ذيله ما ذكره غيره وإن كان بعنوان آخر، ونكرّر ذكره بذلك العنوان في المحل المناسب له من غير ترجمة، مع الإشارة إلى محل ذكره.
الخامسة: لاحظنا في تقديم العناوين وتأخيرها حروف التهجّي في كل إسم وأوصافه حتى الابوّة والبنوّة، فقدّمنا إبراهيم أبا رافع على إبراهيم الاوسى، كما قدّمنا إبراهيم بن هاشم على إبراهيم الجزرى، وهكذا.
السادسة: قدّمنا : في بيان المرويّ عنهم في كلّ مورد : الائمة عليهم السلام مع رعاية الترتيب بينهم، وبعد ذلك ذكرنا الكنى، وبعدها الاسماء على ترتيب حروف التهجّى، وبعدها الالقاب، ثم المرسلات، ثم المضمرات وكذلك في ذكر الرواة، فذكرنا الكنى، ثم الاسماء على الترتيب، ثم الالقاب. وقدّمنا مالم يذكر فيه الراوي إمّا من جهة الإرسال أو التعليق أو من جهة ذكره في المشيخة على ماذكر فيه.
السابعة: التدقيق في أحوال الرواة والبحث عن وثاقتهم أو حسنهم على وجه علمى.
الثامنة: لم نتعرّض لتوثيقات المتأخّرين فيما إذا كان توثيق من القدماء لعدم ترتّب فائدة على ذلك، نعم تعرّضنا لها في موارد لم نجد فيها توثيقاً من القدماء، فإنّا وإن كنّا لا نعتمد على توثيقات المتأخّرين، إلاّ أنّ جماعة يعتمدون عليها، فلا مناص من التعرّض لها.
التاسعة: تعرّضنا : في ترجمة كلّ شخص كان للصدوق أو الشيخ قدّس سرّهما طريق إليه : للطريق وبيان صحته وعدمها، وذلك لانّ المراجع قد يراجع الرواية فيرى أنّ جميع رواتها ثقات، فيحكم بصحّتها، ولكنّه يغفل عن أنّ طريق الصدوق أو الشيخ إليه ضعيف، والرواية ضعيفة.
مثال ذلك: أنّ الصدوق روى عن محمد بن مسلم وبريد بن معاوية عن أبي جعفر وأبي عبداللّه عليهما السلام، قالا: (إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات، فصلّها مالم تتخوّف أن يذهب وقت الفريضة...)(1).
وقد عبّر عنها صاحب الحدائق : رحمه اللّه : ومن تأخّر عنه بصحيحة محمد ابن مسلم وبريد بن معاوية اغتراراً بجلالتها، وغفلة عن أنّ طريق الصدوق إلى بريد مجهول، وإلى محمد بن مسلم ضعيف، والرواية ضعيفة.
مثال ذلك: أنّ الصدوق روى عن محمد بن مسل عبداللّه عليهما السلام، قالا: (إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات، فصلّها مالم تتخوّف أن يذهب وقت الفريضة...)(1).
وقد عبّر عنها صاحب الحدائق : رحمه اللّه : ومن تأخّر عنه بصحيحة محمد ابن ثم إنّ الصحّة والضعف : متى أطلقا في هذا الكتاب : فليس المراد بهما الصحّة والضعف باصطلاح المتأخّرين، بل المراد بهما الإعتبار وعدمه، فإذا قلنا إنّ الحديث أو الطريق صحيح، فمعناه أنّه معتبر وحجّة، وإن كان بعض رواته حسناً أو موثقاً. وإن قلنا إنّه ضعيف فمعناه أنّه ليس بحجّة، ولو لاجل أنّ بعض رواته مهمل أو مجهول.
العاشرة: بما أنّ المذكورين في الفهرست ورجالي الشيخ والكشّي مرقّمون بالارقام الهندسية، فلذلك نذكر الارقام عند ذكرهم تسهيلاً على المراجعين.
الحادية عشرة: عند ذكر موارد الروايات من الفقيه والتهذيب والاستبصار نذكر عنوان الباب، ورقم الجزء، ورقم الحديث المذكور فيه في النسخ المطبوعة حديثاً من الكتب المذكورة، ولكن كتاب الكافي حيث أنّ أرقام رواياته في غير الروضة ليست بمتسلسلة، فنذكر عند ذكر مورد الرواية فيه عنوان الباب ورقم الجزء، ورقم الباب، ورقم الكتاب، ورقم الحديث من ذاك الباب، فنقول مثلاً: (الكافي: الجزء 2، الكتاب 1، باب المؤمن وعلاماته وصفاته 99، الحديث 18) يعني الحديث الثامن عشر من الباب التاسع والتسعين من الكتاب الاول من الجزء الثاني. وسنبيّن بعد هذا ماتشتمل عليه أجزاء الكافي من الكتب. وأمّا الروضة فنقتصر فيها على ذكر رقم الحديث فقط.
هذا كلّه في نفس الكتاب، وأمّا مانؤخّره إلى آخر كلّ جزء، فلا نذكر فيه عنوان الباب، بل نقتصر على بقيّة ماذكرناه.
الثانية عشرة: عندما نريد تعيين موارد رواية شخص مع رعاية الراويّ والمرويّ عنه، كرواية إبراهيم بن هاشم عن ابن أبي عمير التي رواها عنه ابنه على، فنذكر أوّلاً مافي الكافي على ترتيب مجلّداته، ثم نذكر مافي الفقيه، ثم مافي التهذيب، وكلّ ماكان من روايات التهذيب موجوداً في الاستبصار، فنشير إليه بعد ذكره عن التهذيب.
المقدّمة الاولى
إستعراض سلسلة من المقدّمات تفضي إلى ضرورة الرجوع إلى علم الرجال.
زيف الآراء القائمة على إنكار الحاجة إليه.
تفنيد المذهب القائل: إنّ الكتب الاربعة قطعيّة الصدور.
الحاجة إلى علم الرجال
قد ثبت بالادلّة الاربعة حرمة العمل بالظنّ، وأنّه لا يجوز نسبة حكم إلى اللّه سبحانه مالم يثبت ذلك بدليل قطعى، أو بما ينتهي إلى الدّليل القطعى، وناهيك في ذلك قوله سبحانه: (أللّه أذن لكم أم على اللّه تفترون).
دلّت الآية المباركة على أنّ كلّ ما لم يثبت فيه إذن من اللّه تعالى، فنسبته إليه افتراء عليه سبحانه، كما ثبت بتلك الادلّة أنّ الظنّ بنفسه لا يكون منجزاً للواقع، ولا معذّرا عن مخالفته في ما تنجّز بمنجز، ويكفي في ذلك قوله تعالى: (ولا تقف ماليس لك به علم)، وقوله تعالى: (وما يتّبع أكثرهم إلاّ ظنّاً إنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً).
وأمّا الروايات الناهية عن العمل بغير العلم: فهي فوق حدّ الإحصاء، ففي صحيح أبي بصير: (قال: قلت لابي عبداللّه عليه السلام: ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب اللّه ولا سنّةٍ فننظر فيها؟ فقال: لا، أما أنّك إن أصبت لم تؤجر، وإن أخطأت كذّبت على اللّه)(1).
مثال ذلك: أنّ الصدوق روى عن محمد بن مسل عبداللّه عليهما السلام، قالا: (إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات، فصلّها مالم تتخوّف أن يذهب وقت الفريضة...)(1).
وقد عبّر عنها صاحب الحدائق : رحمه اللّه : ومن تأخّر عنه بصحيحة محمد ابن مسلم وبريد بن معاوية اغتراراً بجلالتها، وغفلة عن أنّ طريق الصدوق إلى بريد مجهول، وإلى محمد بن مسلم ضعيف، والرواية ضعيفة.
مثال ذلك: أنّ الصدوق روى عن محمد عبداللّه عليهما السلام، قالا: (إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات، فصلّها مالم تتخوّف أن يذهب وقت الفريضة...)(1).
وقد عبّر عنها صاحب الحدائق : رحمه اللّه : ومن تأخّر عنه بصحيحة محمد ثم إنّه لا ريب في أنّ العقل لا طريق له إلى إثبات الاحكام الشرعية لعدم إحاطته بالجهات الواقعية الداعية إلى جعل الاحكام الشرعية. نعم يمكن ذلك في موارد قليلة، وهي إدراك العقل الملازمة بين حكم شرعي وحكم آخر، كإدراكه الملازمة بين النّهي عن عبادة: كالصوم يومي العيدين وفساده.
وأمّا الكتاب العزيز: فهو غير متكفّل ببيان جميع الاحكام، ولا بخصوصيات ماتكفّل ببيانه من العبادات، كالصلاة والصوم والحج والزكاة فلم يتعرّض لبيان الاجزاء والشرائط والموانع.
وأمّا الإجماع الكاشف عن قول المعصوم عليه السلام: فهو نادر الوجود. وأمّا غير الكاشف عن قوله عليه السلام، فهو لا يكون حجّة لانّه غير خارج عن حدود الظنّ غير المعتبر.
والمتحصّل: أنّ استنباط الحكم الشرعي في الغالب لا يكون إلاّ من الروايات المأثورة عن أهل بيت العصمة صلوات اللّه عليهم. والإستدلال بها على ثبوت حكم شرعي يتوقّف على إثبات أمرين:
الاوّل: إثبات حجّية خبر الواحد، فإنّا إذا لم نقل بحجّيته، إنتهى الامر إلى الالتزام بانسداد باب العلم والعلمى. ونتيجة ذلك هو التنزّل في مرحلة الإمتثال إلى الإمتثال الظنّى، أو القول بحجّية الظنّ في هذا الحال، على ماذهب إليه بعضهم.
الثاني: إثبات حجّية ظواهر الروايات بالإضافة إلينا أيضاً، فإنّا إذا قلنا باختصاصها بمن قصد بالافهام، وإنّهم المخاطبون فقط، لم يكن الإستدلال بها على ثبوت حكم من الاحكام أصلاً.
وهذان الامران قد أشبعنا الكلام فيهما في مباحثنا الاصولية. ولكن ذكرنا أنّ كلّ خبر عن معصوم لا يكون حجّة، وإنّما الحجّة هو خصوص خبر الثقة أو الحسن. ومن الظاهر أنّ تشخيص ذلك لا يكون إلاّ بمراجعة علم الرجال ومعرفة أحوالهم وتمييز الثقة والحسن عن الضعيف. وكذلك الحال لو قلنا بحجّية خبـر العادل فقط، فإنّ الجزم بعدالة رجل أو الوثوق بها لا يكاد يحصل إلاّ بمراجعته.
هذا، والحاجة إلى معرفة حال الرواة موجودة. حتى لو قلنا بعدم حجّية خبر الواحد، أو قلنا باختصاص حجّية الظهور بمن قصد افهامه، فانتهى الامر إلى القول بحجّية الظنّ الإنسدادي أو لزوم التنزّل إلى الإمتثال الظنّى، فإنّ دخل توثيق علماء الرجال رواة رواية في حصول الظنّ بصدورها غير قابل للإنكار.
ومن الغريب : بعد ذلك : إنكار بعض المتأخّرين الحاجة إلى علم الرجال بتوهّم أنّ كلّ رواية عمل بها المشهور فهي حجّة، وكلّ رواية لم يعمل بها المشهور ليست بحجّة، سواء أكانت رواتها ثقات أم ضعفاء.
بحجّية الظنّ الإنسدادي أو لزوم التنزّل إ علماء الرجال رواة رواية في حصول الظنّ بصدورها غير قابل للإنكار.
ومن الغريب : بعد ذلك : إنكار بعض المتأخّرين الحاجة إلى علم الرجال بتوهّم أنّ كلّ رواية عمل بها المشهور فهي حجّة، وكلّ رواية لم يعمل بها المشهور ليست بحجّة، سواء أكانت رواتها ثقات أم ضعفاء.
فإنّه مع تسليم ماذكره من الكلّيّة : وهي غير مسلّمة وقد أوضحنا بطلانها في مباحثنا الاصولية : فالحاجة إلى علم الرجال باقية بحالها، فإنّ جملة من المسائل لا طريق لنا إلى معرفة فتاوى المشهور فيها، لعدم التعرّض لها في كلماتهم، وجملة منها لا شهرة فيها على أحد الطرفين، فهما متساويان. أو أنّ أحدهما أشهر من الاخر، وليست كلّ مسألة فقهية كان أحد القولين، أو الاقوال فيها مشهوراً، وكان مايقابله شاذّاً.
بل الحال كذلك حتى لو قلنا بأنّ صدور روايات الكتب الاربعة قطعى، فإنّ أدلّة الاحكام الشرعية لا تختصّ بالكتب الاربعة، فنحتاج : في تشخيص الحجّة من الروايات الموجودة في غيرها عن غير الحجّة : إلى علم الرجال.
ومن الضروري التكلّم على هذا القول بما يناسب المقام:
روايات الكتب الاربعة ليست قطعيّة الصدور
ذهب جماعة من المحدّثين إلى أنّ روايات الكتب الاربعة قطعيّة الصدور. وهذا القول باطل من أصله؟ إذ كيف يمكن دعوى القطع بصدور رواية رواها واحد عن واحد. ولا سيّما أنّ في رواة الكتب الاربعة من هو معروف بالكذب والوضع، على ماستقف عليه قريباً وفي موارده إن شاء اللّه تعالى.
ودعوى القطع بصدقهم في خصوص روايات الكتب الاربعة : لقرائن دلّت على ذلك : لا أساس لها، فانّها بلا بيّنة وبرهان، فإنّ ماذكروه في المقام : وادّعوا أنّها قرائن تدلّنا على صدور هذه الروايات من المعصوم : عليه السلام : لا يرجع شىء منها إلى محصل.
وأحسن ما قيل في ذلك هو: أنّ اهتمام أصحاب الائمة عليهم السلام وأرباب الاصول والكتب بأمر الحديث إلى زمان المحمدين الثلاثة : قدّس اللّه أسرارهم : يدلّنا على أنّ الروايات التي أثبتوها في كتبهم قد صدرت عن المعصومين عليهم السلام، فإنّ الاهتمام المزبور يوجب : في العادة : العلم بصحّة ماأودعوه في كتبهم، وصدوره من المعصومين عليهم السلام.
ولكن هذه الدعوى فارغة من وجوه:
أوّلاً: إنّ أصحاب الائمة عليهم السلام وإن بذلوا غاية جهدهم واهتمامهم في أمر الحديث وحفظه من الضياع والإندراس حسبما أمرهم به الائمة عليهم السلام، إلاّ أنّهم عاشوا في دور التقيّة، ولم يتمكّنوا من نشر الاحاديث علناً، فكيف بلغت هذه الاحاديث حدّ التواتر أو قريباً منه! وهذا ابن أبي عمير حبس أيام الرشيد، وطلب منه أن يدلّ على مواضع الشيعة وأصحاب موسى بن جعفر عليه السلام، وأنّ أخته دفنت كتبه عندما كان في الحبس فهلكت، أو تركها في غرفته، فسال عليها المطر فهلكت. وهكذا حال سائر أصحاب الائمة عليهم السلام، فإنّ شدّتهم في ماكانوا عليه، وعدم تمكّنهم من نشر الاحاديث علناً ممّا لا شكّ فيه ذو مسكة. مع ذلك كيف يمكن دعوى: أنّها قطعيّة الصدور؟.
ثانياً: إنّ الاهتمام المزبور لو سلّمنا أنّه يورث العلم، فغاية الامر أنّه يورث العلم بصدور هذه الاصول والكتب عن أربابها، فنسلّم أنّها متواترة، ولكنّه مع ذلك لا يحصل لنا العلم بصدور رواياتها عن المعصومين عليهم السلام، وذلك فإنّ أرباب الاصول والكتب لم يكونوا كلّهم ثقات وعدولاً، فيحتمل فيهم الكذب. وإذا كان صاحب الاصل ممّن لا يحتمل الكذب في حقّه، فيحتمل فيه السّهو والإشتباه.
وهذا حذيفة بن منصور قد روى عنه الشيخ بعدّة طرق:
بحجّية الظنّ الإنسدادي أو لزوم التنزّل إ علماء الرجال رواة رواية في حصول الظنّ بصدورها غير قابل للإنكار.
ومن الغريب : بعد ذلك : إنكار بعض المتأخّرين الحاجة إلى علم الرجال بتوهّم أنّ كلّ رواية عمل بها المشهور فهي حجّة، وكلّ رواية لم يعمل بها المشهور ليست بحجّة، سواء أكانت رواتها ثقات أم ضعفاء.
بحجّية الظنّ الإنسدادي أو لزوم ال علماء الرجال رواة رواية في حصول الظنّ بصدورها غير قابل للإنكار.
ومن الغريب : بعد ذلك : إنكار بعض المتأخّرين الحاجة إلى علم الرجال بتوهّم أنّ كلّ رواية عمل بها المشهور فهي حجّة، وكلّ رواية لم يعمل بها المشهور ليست بحجّة، سواء أكانت رواتها ثقات أم ضعفاء.
منها: مارواه بطرقه المعتبرة عن محمد بن أبي عمير عنه رواية: أنّ شهر رمضان لا ينقص عن ثلاثين يوماً(1). ثم قال: (وهذا الخبر لا يصحّ العمل به من وجوه: أحدها أنّ متن هذا الحديث لا يوجد في شىء من الاصول المصنّفة، وإنّما هو موجود في الشواذّ من الاخبار. ومنها: أنّ كتاب حذيفة بن منصور عريّ منه، والكتاب معروف مشهور، ولو كان هذا الحديث صحيحاً عنه لضمّنه كتابه).
إلى آخر ماذكره : قدّس سرّه ؤ.
فنرى أنّ الشيخ : قدّس سرّه : يناقش في صحّة هذا الحديث عن حذيفة مع أنّ في رواتها عنه محمد بن أبي عمير، وقد رواها الشيخ عنه بطرق معتبرة، ولا يكون منشأ ذلك إلاّ احتمال وقوع السّهو والإشتباه من الرواة، فإذا كانت مثل هذه الرواية لايحكم بصحّتها، فما حال الروايات التي يرويها الضعفاء أو المجهولون؟!.
ثالثاً: لو سلّمنا أنّ صاحب الكتاب أو الاصل لم يكذب ولم يشتبه عليه الامر، فمن الممكن أنّ من روى عنه صاحب الكتاب قد كذب عليه في روايته، أو أنّه اشتبه عليه الامر، وهكذا...
ومن هنا قال الشيخ : قدّس سرّه : في كتاب العدّة عند بحثه عن حجّية خبر الواحد:
والذي يدلّ على ذلك: إجماع الفرقة المحقّة على العمل بهذه الاخبار التي رووها في تصانيفهم ودوّنوها في أصولهم لا يتناكرون ذلك، ولا يتدافعونه حتى أنّ واحداً منهم إذا أفتى بشىء لايعرفونه سألوه من أين قلت هذا؟ فإذا أحالهم إلى كتاب معروف أو أصل مشهور، وكان راويه ثقة لاينكر حديثه سكتوا، وسلّموا الامر في ذلك وقبلوا قوله.
فإنّ دلالة هذا الكلام على أنّ روايات الكتب المعروفة والاصول المشهورة لم تكن قطعيّة الصدور، وإنّما يلزم قبولها بشرط أن تكون رواتها ثقات، للإجماع على حجّيتها : حينئذ : واضحة ظاهرة.
رابعاً: إنّ الاصول والكتب المعتبرة لو سلّمنا أنّها كانت مشهورة ومعروفة إلاّ أنّها كانت كذلك على إجمالها، وإلاّ فمن الضروري أنّ كلّ نسخة منها لم تكن معروفة ومشهورة، وإنّما ينقلها واحد إلى آخر قراءة أو سماعاً، أو مناولة مع الاجازة في روايتها، فالواصل إلى المحمدين الثلاثة إنّما وصل إليهم عن طريق الآحاد، ولذلك ترى أنّ الشيخ الصدوق بعدما ذكر في خطبة كتابه من لا يحضره الفقيه أنّ: جميع ما أورده فيه مستخرج من كتب مشهورة معروفة أشار إلى طريقه إليها، وقال: (وطرقي إليها معروفة في فهرس الكتب التي رويتها عن مشايخي وأسلافي رضى اللّه عنهم). فإنّه يظهر من ذلك أنّه : قدّس سرّه : كان قد ألّف فهرساً ذكر فيه طرقه إلى الكتب التي رواها عن مشايخه وأسلافه، فهو إنّما يروي الكتب بتلك الطرق المعروفة في ذلك الفهرس، ولكنّه لم يصل إلينا، فلا نعرف من طرقه غير ماذكره في المشيخة من طرقه إلى من روى عنهم في كتابه.
وأمّا طرقه إلى أرباب الكتب فهي مجهولة عندنا، ولا ندري أنّ أيّاً منها كان صحيحاً، وأيّاً منها غير صحيح. ومع ذلك كيف يمكن دعوى العلم بصدور جميع هذه الروايات من المعصومين عليهم السلام.
وعلى الجملة: إنّ دعوى القطع بصدور جميع روايات الكتب الاربعة من المعصومين عليهم السلام واضحة البطلان. ويؤكّد ذلك أنّ أرباب هذه الكتب بأنفسهم لم يكونوا يعتقدون ذلك.
وهذا محمد بن يعقوب : قدّس اللّه تعالى سرّه : بعدما ذكر أنّه طلب منه تأليف كتاب كاف يجمع فيه من جميع فنون علم الدين مايكتفي به المتعلّم ويرجع إليه المسترشد، ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل بالآثار الصحيحة عن الصادقين عليهما السلام، قال بعد كلام له:
(فاعلم يا أخي أرشدك اللّه أنّه لا يسع أحداً تمييز شىء ممّا اختلف الرواية فيه عن العلماء : عليهم السلام : برأيه إلاّ على ما أطلقه العالم بقوله عليه السلام: أعرضوها على كتاب اللّه فما وافق كتاب اللّه عزّ وجلّ فخذوه، وما خالف كتاب اللّه فردّوه. وقوله: دعوا ما وافق القوم فإنّ الرشد في خلافهم. وقوله عليه السلام: خذوا بالمجمع عليه، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه. ونحن لانعرف من جميع ذلك إلاّ أقلّه، ولا نجد شيئاً أحوط ولا أوسع من ردّ علم ذلك كلّه إلى العالم عليه السلام، وقبول ما وسع من الامر فيه بقوله: بأيّما أخذتم من باب التسليم وسعكم. وقد يسّر اللّه : وللّه الحمد : تأليف ما سألت، وأرجو أن يكون بحيث توخّيت).
وهذا الكلام ظاهر في أنّ محمد بن يعقوب لم يكن يعتقد صدور روايات كتابه عن المعصومين عليهم السلام جزماً، وإلاّ لم يكن مجال للاستشهاد بالرواية على لزوم الاخذ بالمشهور من الروايتين عند التعارض، فانّ هذا لايجتمع مع الجزم بصدور كلتيهما، فإنّ الشهرة إنّما تكون مرجّحة لتمييز الصادر عن غيره، ولا مجال للترجيح بها مع الجزم بالصدور.
وأمّا الشيخ الصدوق : قدّس سرّه : فقد قال في خطبة كتابه:
(ولم أقصد فيه قصد المصنّفين من إيراد جميع مارووه، بل قصدت إلى إيراد ماأفتي به وأحكم بصحّته وأعتقد أنّه حجّة فيما بيني وبين ربّى).
فإنّ هذا الكلام ظاهر في أنّ كتاب الكافي في اعتقاد الصدوق كان مشتملاً على الصحيح وغير الصحيح كسائر المصنّفات، فكيف يمكن أن يدّعى أنّ جميع رواياته قطعيّة الصدور؟.
وأيضاً، فإنّ الشيخ الصدوق إنّما كتب كتابه: من لا يحضره الفقيه، إجابة لطلب السيّد الشريف أبي عبداللّه المعروف بـ (نعمة اللّه) فإنّه قد طلب من الشيخ الصدوق أن يصنّف له كتاباً في الفقه ليكون إليه مرجعه، وعليه معتمده، ويكون شافياً في معناه مثل ما صنّفه محمد بن زكريّا الرازي وترجمه بكتاب: من لا يحضره الطبيب.
ولا شكّ أنّ كتاب الكافي أوسع وأشمل من كتاب من لا يحضره الفقيه، فلو كانت جميع روايات الكافي صحيحة عند الشيخ الصدوق : قدّس سرّه : فضلاً عن أن تكون قطعيّة الصدور لم تكن حاجة إلى كتابة كتاب: من لا يحضره الفقيه، بل كان على الشيخ الصدوق أن يرجع السيّد الشريف إلى كتاب الكافي، ويقول له: إنّ كتاب الكافي في : بابه : ككتاب من لا يحضره الطبيب في بابه في أنّه شاف في معناه.
الآحاد، ولذلك ترى أنّ الشيخ الصدوق بعدما أنّ: جميع ما أورده فيه مستخرج من كتب مشهورة معروفة أشار إلى طريقه إليها، وقال: (وطرقي إليها معروفة في فهرس الكتب التي رويتها عن مشايخي وأسلافي رضى اللّه عنهم). فإنّه يظهر من ذلك أنّه : قدّس سرّه : كان قد ألّف فهرساً ذكر فيه طرقه إلى الكتب التي رواها عن مشايخه وأسلافه، فهو إنّما يروي الكتب بتلك الطرق المعروفة في ذلك الفهرس، ولكنّه لم يصل إلينا، فلا نعرف من طرقه غير ماذكره في المشيخة من طرقه إلى من روى عنهم في كتابه.
وأمّا طرقه إلى أرباب الكتب فهي مجهولة عندنا، ولا ندري أنّ أيّاً منها كان صحيحاً، وأيّاً منها غير صحيح. ومع ذلك كيف يمكن دعوى العلم بصدور جميع هذه الروايات من المعصومين عليهم السلام.
ويزيد ذلك وضوحاً: أنّ الشيخ الصدوق قال في باب الوصيّ يمنع الوارث: (ماوجدت هذا الحديث إلاّ في كتاب محمد بن يعقوب، ولارويته إلاّ من طريقه) فلو كانت روايات الكافي كلّها قطعيّة الصدور، فكيف يصحّ ذلك القول من الشيخ الصدوق : قدّس سرّه ؤ.
بقي هنا شىء، وهو: أنّه قد يتوهّم أنّ شهادة الشيخ الصدوق بصحّة جميع روايات كتابه شهادة منه بصدور جميعها عن المعصومين عليهم السلام، فإنّ الصحيح عند القدماء هو ما علم صدوره من المعصوم عليه السلام، فهو وإن لم يكن يرى صحّة جميع روايات الكافي، إلاّ أنّه كان معتقداً بصحّة جميع مااشتمل عليه كتابه من الروايات.
ولكن هذا توهّم صرف، فإنّ الصدوق إنّما يريد بالصحيح ماهو حجّة بينه وبين اللّه، أي ماأحرز صدوره من المعصوم عليه السلام ولو بالتعبّد، ولم يرد بذلك قطعي الصدور وما لايحتمل فيه الكذب أو الخطأ، كما سيجىء منه : قدّس سرّه : عند البحث عن صحّة جميع أخبار الكتب الاربعة وعدمها: تصريحه بأنّه يتبع في التصحيح وعدمه شيخه ابن الوليد، فيصحّح ماصحّحه، ولا يصحّح مالم يصحّحه.
أفهل يمكن أن يقال: إنّه كان يتّبع شيخه في القطع بالصدور وعدم القطع به؟ فكلّ ماكان مقطوع الصدور لابن الوليد كان مقطوع الصدور للشيخ الصدوق وإلاّ فلا.
فالمتلخّص : أنّه لم يظهر من الشيخ الصدوق إلاّ أنّه كان يعتقد حجّية جميع روايات كتابه ولم يكن يرى ذلك بالاضافة إلى الكافي وغيره من المصنّفات.
وأما الشيخ : قدّس سرّه : فلا شكّ في أنّه لم يكن يعتقد صدور جميع روايات كتابيه ولا سائر الكتب والاصول عن المعصومين عليهم السلام. ومن ثم ذكر في آخر كتابه أنّه يذكر طرقه إلى أرباب الكتب الذين روى عنهم في كتابه، لتخرج الروايات بذلك عن الإرسال إلى الاسناد، فانّ هذا الكلام صريح في أنّ مارواه في كتابه أخبار آحاد محتملة الصدق والكذب، فإن كان الطريق إليها معلوماً كانت من الروايات المسندة، وإلاّ فهي مرسلات وغير قابلة للاعتماد عليها.
وبعبارة أخرى: إنّ الشيخ إنّما التزم بذكر الطريق، لئلاّ تسقط روايات كتابه عن الحجّية لاجل الارسال، فلو كانت تلك الروايات قطعيّة الصدور، وكان ذكر الطريق لمجرّد التيمّن والتبرّك، لم يكن الامر كذلك مع أنّه خلاف ماصرّح به : قدّس سرّه ؤ، وأيضاً فإنّه قد تقدّم منه أنّ جواز العمل بما في الكتب المعروفة والاصول المشهورة مشروط بوثاقة الراوى. وهذا ظاهر في أنّه لم يكن يرى صحّة جميع روايات تلك الكتب، فضلاً عن القطع بصدورها.
وأيضاً إنّه : قدّس سرّه : قد ناقش في غير مورد من كتابه في صحّة رواية رواها عن الكافي أو أنّه لم يروها عنه، ولكنّها موجودة في الكافي، أو فيه وفي من لايحضره الفقيه أيضاً، ومع ذلك قد حكم بضعفها، فلو كانت تلك الروايات صحيحة ومقطوعة الصدور من المعصومين عليهم السلام فكيف ساغ للشيخ أن يناقش فيها بضعف السند. ومن تلك الموارد:
1: مارواه عن محمد بن يعقوب بسنده عن أبي سعيد الخدرى، قال: (أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بلالاً أن ينادى...)(1) فإنّه قال بعد رواية الحديث:
لمجرّد التيمّن والتبرّك، لم يكن الامر كذ سرّه ؤ، وأيضاً فإنّه قد تقدّم منه أنّ جواز العمل بما في الكتب المعروفة والاصول المشهورة مشروط بوثاقة الراوى. وهذا ظاهر في أنّه لم يكن يرى صحّة جميع روايات تلك الكتب، فضلاً عن القطع بصدورها.
وأيضاً إنّه : قدّس سرّه : قد ناقش في غير مورد من كتابه في صحّة رواية رواها عن الكافي أو أنّه لم يروها عنه، ولكنّها موجودة في الكافي، أو فيه وفي من لايحضره الفقيه أيضاً، ومع ذلك قد حكم بضعفها، فلو كانت تلك الروايات صحيحة ومقطوعة الصدور من المعصومين عليهم السلام فكيف ساغ للشيخ أن يناقش فيها بضعف السند. ومن تلك الموارد:
1: مارواه عن محمد بن يعقوب بسنده عن أبي سعيد الخدرى، قال: (أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بلالاً أن ينادى...)(1) فإنّه قال بعد رواية الحديث:
قال محمد بن الحسن: فما تضمّن هذا الحديث من تحريم لحم الحمار الاهلي موافق للعامّة، والرجال الذين رووا هذا الخبر أكثرهم عامّة، ومايختصّون بنقله لايلتفت إليه.
وهذا تصريح منه بأنّ روايات الكافي ليست كلّها بصحيحة، فضلاً عن كونها مقطوعة الصدور.
2: مارواه عنه بسنده عن عمران الزعفرانى، قال: (قلت لابي عبداللّه عليه السلام: إنّ السّماء تطبق علينا...)، وما رواه عنه بسنده عن عمران الزعفراني أيضاً، قال: (قلت لابي عبداللّه عليه السلام: إنّا نمكث في الشتاء...)(1). فإنّه قال بعد روايتهما:
(إنّهما خبر واحد لايوجبان علماً ولا عملاً، ولانّ راويهما عمران الزعفرانى، وهو مجهول، وفي إسناد الحديثين قوم ضعفاء لا نعمل بما يختصّون بروايته).
وهذا تصريح من الشيخ بأنّ كلّ رواية في الكافي أو غيره إذا كان في سندها ضعفاء لايعمل بها فيما إذا اختصّوا بروايتها.
3: مارواه بسنده عن القاسم بن محمد الزيّات، قال: (قلت لابي الحسن الرضا عليه السلام: إنّي ظاهرت من امرأتى...)، وما رواه عن محمد بن يعقوب بسنده عن ابن بكير عن رجل: (قال: قلت لابي الحسن عليه السلام: إنّي قلت لإمرأتى...)، وما رواه بطريقه عن ابن فضّال عمّن أخبره عن أبي عبداللّه : عليه السلام : قال: (لايكون الظهار إلاّ على مثل موضع الطلاق)(2).
والاولى من هذه الروايات الثلاث رواها محمد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن القاسم بن محمد الزيّات(1). كما إنّ الثالثة منها رواها الشيخ الصدوق : قدّس سرّه : مرسلة عن الصادق عليه السلام(2).
قال الشيخ بعد ذكر هذه الروايات: (أوّل مافي هذه الاخبار أنّ الخبرين منهما وهما الاخيران مرسلان، والمراسيل لايعترض بها على الاخبار المسندة لما بيّناه في غير موضع. وأمّا الخبر الاوّل فراويه أبو سعيد الآدمي : سهل بن زياد : وهو ضعيف جداً عند نقّاد الاخبار، وقد استثناه أبو جعفر بن بابويه في رجال نوادر الحكمة).
أقول: لو كان الشيخ يعتقد أنّ جميع روايات الكافي والفقيه قطعيّة الصدور أو أنّها صحيحة، وإن لم تكن قطعيّة الصدور لم يكن يعترض على هذه الروايات بضعف السّند أو بالإرسال، ولا سيّما أنّ المرسل ابن بكير وهو من أصحاب الإجماع، وابن فضّال المعروف بالوثاقة.
4: الروايات التي دلّت على أنّ شهر رمضان لاينقص عن ثلاثين يوماً أبداً فإنّ هذه الروايات مع أنّ جملة منها مذكورة في الكافي والفقيه قد ناقش فيها الشيخ ومن قبله الشيخ المفيد، وحكما بعدم صحّتها، وبأنّها من شواذّ الاخبار.
وبيان ذلك: أنّ محمد بن يعقوب قد عقد باباً ذكر فيه ثلاث روايات دلّت على أنّ شهر رمضان لاينقص أبداً، الاولى: مارواه حذيفة بن منصور عن أبي عبداللّه عليه السلام. الثانية: مارواه محمد بن إسماعيل عن بعض أصحابه عن أبي عبداللّه عليه السلام. الثالثة: مارواه حذيفه بن منصور عن معاذ بن كثير عن أبي عبداللّه عليه السلام(1).
على هذه الروايات بضعف السند أو بالإرسال، ولا سيّما أنّ المرسل ابن بك من أصحاب الإجماع، وابن فضّال المعروف بالوثاقة.
4: الروايات التي دلّت على أنّ شهر رمضان لا ينقص عن ثلاثين يوماً أبداً فإنّ هذه الروايات مع أنّ جملة منها مذكورة في الكافي والفقيه قد ناقش فيها الشيخ ومن قبله الشيخ المفيد، وحكما بعدم صحّتها، وبأنّها من شواذّ الاخبار.
وهذه الروايات ذكرها الصدوق، إلاّ أنّه روى الثانية عن محمد بن إسماعيل ابن بزيع، عن محمد بن يعقوب بن شعيب، عن أبيه، عن أبي عبداللّه عليه السلام. وزاد رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام، ورواية ياسر الخادم عن الرضا عليه السلام(2).
قال الصدوق بعد ذكر هذه الروايات:
(قال مصنّف هذا الكتاب رضي اللّه عنه: من خالف هذه الاخبار، وذهب إلى الاخبار الموافقة للعامّة في ضدّها، أتّقيّ كما يتّقي العامّة ولا يكلّم إلاّ بالتقيّة كائناً من كان، إلاّ أن يكون مسترشداً فيرشد ويبيّن له، فإنّ البدعة إنّما تمات وتبطل بترك ذكرها ولا قوّة إلاّ باللّه).
(أقول): هذه الروايات التي ذكرها محمد بن يعقوب، وصحّحها الصدوق، وبالغ في تصحيحها ولزوم العمل بها قد تعرّض لها الشيخ المفيد : قدّس سرّه : في رسالته المعروفة بالرسالة العددية، وناقش في إسنادها، وذكر أنّها روايات شاذّة لايمكن الاستدلال بها. قال المفيد:
(وأمّا ما تعلّق به أصحاب العدد من أنّ شهر رمضان لا يكون أقلّ من ثلاثين يوماً، فهي أحاديث شاذّة قد طعن نقلة الآثار من الشيعة في سندها، وهي مثبّتة في كتب الصيام، في أبواب النوادر، والنوادر هي التي لا عمل عليها. وأنا أذكر جملة ماجاءت به الاحاديث الشاذّة وأبيّن عن خللها وفساد التعلّق بها في خلاف الكافّة إن شاء اللّه.
فمن ذلك حديث رواه محمد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن محمد بن سنان، عن حذيفة بن منصور، عن أبي عبداللّه عليه السلام، قال: شهر رمضان ثلاثون يوماً لا ينقص أبداً. وهذا حديث شاذّ نادر غير معتمد عليه. في طريقه محمد بن سنان، وهو مطعون فيه، لاتختلف العصابة في تهمته وضعفه، وما كان هذا سبيله لم يعمل عليه في الدين.
ومن ذلك حديث رواه محمد بن يحيى العطّار، عن سهل بن زياد الآدمى، عن محمد بن إسماعيل، عن بعض أصحابه، عن أبي عبداللّه عليه السلام، قال: إنّ اللّه عزّ وجلّ خلق الدنيا في ستّة أيام، ثم اختزلها من أيام السنة، فالسنة ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوماً، وشعبان لا يتمّ، وشهر رمضان لا ينقص أبداً، ولا تكون فريضة ناقصة، إنّ اللّه تعالى يقول: ولتكملوا العدّة. وهذا الحديث شاذّ مجهول الاسناد، ولو جاء بفعل صدقة أو صيام أو عمل لوجب التوقّف فيه، فكيف إذا جاء بشىء يخالف الكتاب والسنّة وإجماع الامّة، ولا يصحّ على حساب ذمّي ولا ملّي ولا مسلم ولا منجِّم، ومن عوّل على مثل هذا الحديث في فرائض اللّه تعالى فقد ضلّ ضلالاً بعيداً، وبعد: فالكلام الذي فيه بعيد من كلام العلماء فضلاً عن أئمة الهدى عليهم السلام، لانّه قال فيه لا تكون فريضة ناقصة وهذا لا معنى له، لانّ الفريضة بحسب مافرضت، فاذا أدّيت على الثقيل أو الخفيف لم تكن ناقصة، والشهر إذا كان تسعة وعشرين يوماً، ففرض صيامه لا ينسب إلى النقصان في الفرض، كما أنّ صلاة السفر إذا كانت على الشطر من صلاة الحضر لا يقال لها صلاة ناقصة، وقد أجلّ اللّه إمام الهدى عليه السلام عن القول بأنّ الفريضة إذا أدّيت على التخفيف كانت ناقصة. وقد بيّنا أنّ من صام شهرين متتابعين في كفّارة ظهار، فكانا ثمانية وخمسين يوماً لم يكن فرضاً ناقصاً، بل كان فرضاً تامّاً. ثم احتجّ لكون شهر رمضان ثلاثين يوماً لم ينقص عنها بقوله تعالى: ولتكملوا العدّة. وهذا نقد في قضاء الفائت بالمرض والسّفر. ألا ترى إلى قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدّة من أيام أخر يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، ولتكملوا العدّة) أي عدّة صوم شهر رمضان، وما أوجب ذلك أن يكون ثلاثين يوماً إذا كان ناقصاً. وقد بيّنا ذلك في صيام الكفّارة إذا كانا شهرين متتابعين وإن كانا ناقصين أو أحدهما كاملاً والآخر ناقصاً.
قضاء الفائت بالمرض والسّفر. ألا ت على سفر فعدّة من أيام أخر يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، ولتكملوا العدّة) أي عدّة صوم شهر رمضان، وما أوجب ذلك أن يكون ثلاثين يوماً إذا كان ناقصاً. وقد بيّنا ذلك في صيام الكفّارة إذا كانا شهرين متتابعين وإن كانا ناقصين أو أحدهما كاملاً والآخر ناقصاً.
شذوذها، واضطراب سندها وطعن العلماء في رواتها هي التي يعتمد عليها أصح المتعلّقون بالنقل، وقد بيّنا ضعف التعلّق بها ممّا فيه كفاية والحمد للّه).
وتقدّم كلام الشيخ الطوسي في ذلك قريباً.
ولا شكّ في أنّ المفيد والشيخ كانا يعاملان مع روايات الكافي والفقيه وغيرها في الكتب والاصول معاملة الخبر غير القطعيّ .
وليت شعري إذا كان مثل المفيد والشيخ : قدّس سرّهما : ، مع قرب عصرهما، وسعة اطلاعهما لم يحصل لهما القطع بصدور جميع هذه الروايات من المعصومين عليهم السلام، فمن أين حصل القطع لجماعة متأخّرين عنهما زماناً ورتبة؟ أوليس حصول القطع يتوقّف على مقدّمات قطعيّة بديهية أو منتهية إلى البداهة؟.
وقد ذكر صاحب الوسائل لإثبات ماادّعاه من صحّة ماأودعه في كتابه من الاخبار، وصدورها من المعصومين عليهم السلام وجوهاً، سمّاها أدلّة، ولا يرجع شىء منها إلى محصل، ولا يترتّب على التعرّض لها والجواب عنها غير تضييع الوقت، وأحسنها الوجه الاوّل الذي أشرنا اليه وأجبنا عنه، ولا بأس أن نذكر له كلاماً في المقام ليظهر للباحث حال بقية ماذكره دليلاً على مدّعاه. قال في الوجه التاسع ممّا ذكره:
(والعجب أنّ هؤلاء المتقدّمين، بل من تأخّر عنهم كالمحقّق والعلاّمة والشهيدين وغيرهم إذا نقل واحد منهم قولاً عن أبي حنيفة أو غيره من علماء العامّة أو الخاصّة، أو نقل كلاماً من كتاب معيّن، ورجعنا إلى وجداننا، نرى أنّه قد حصل لنا العلم بصدق دعواه، وصحّة نقله : لا الظنّ : وذلك علم عادى، كما نعلم أنّ الجبل لم ينقلب ذهباً، والبحر لم ينقلب دماً.
فكيف يحصل العلم من نقله عن غير المعصوم، ولا يحصل من نقله عن المعصوم غير الظن، مع أنّه لا يتسامح ولا يتساهل من له أدنى ورع وصلاح في القسم الثاني، وربّما يتساهل في الاوّل)(1).
أقول: ليت شعري كيف خفي على مثل الشيخ الحرّ: الفارق بين الامرين، والمائز بين الموردين؟ فإنّ المحقّق والعلاّمة والشهيدين وأمثالهم إذا نقلوا شيئاً من أبي حنيفة، فإنّما ينقلونه عن حسّ، لمشاهدة ذلك في كتاب جامع لآرائه، وأمّا إذا نقلوا أمراً من معصوم، فإنّما ينقلونه عنه حسبما أدّت إليه آراؤهم وأنظارهم، وكيف يقاس الثاني بالاوّل.
وممايؤكّد أيضاً بطلان دعوى القطع بصدور أخبار الكتب الاربعة عن المعصومين عليهم السلام، اختلاف هذه الكتب في السّند أو المتن. وسنبيّن موارده في ضمن التراجم إن شاء اللّه تعالى.
بل يتّفق : في غير مورد : أنّ الرواية الواحدة تذكر في كتاب واحد مرّتين أو أكثر مع الإختلاف بينهما في السّند أو المتن، وأكثر هذه الكتب اختلافاً كتاب التهذيب حتى أنّه قال في الحدائق(2): (قلّما يخلو حديث فيه من ذلك(1) في متنه أو سنده). وماذكره : قدّس سرّه : وإن كان لا يخلو من نوع من المبالغة، إلاّ أنّه صحيح في الجملة. والخلل في روايات التهذيب كثير، نتعرّض لبيانه من جهة السند ضمن التراجم إن شاء اللّه.
ثم إنّ في الكافي : ولا سيّما في الروضة : روايات لا يسعنا التصديق بصدورها عن المعصوم عليه السلام، ولا بدّ من ردّ علمها إليهم عليهم السلام. والتعرّض لها يوجب الخروج عن وضع الكتاب، لكنّنا نتعرّض لواحدة منها ونحيل الباقي إلى الباحثين.