|
|
|
بوجه بل هو على حرّيته وإطلاقه وإنما
اشترط في ضمن المعاملة أمراً على شخص ثالث كما إذا باع شيئاً من مشتر واشترط في
ضمنه على شخص ثالث أن يفعل كذا كما ربما يتّفق ذلك كما سنمثّل إن شاء الله تعالى ،
فهذا له صورتان :
فإحداهما : ما إذا لم يكن الثالث
المشروط عليه حاضراً في مجلس المعاملة ولم يكن ملتزماً به كما لم يلتزم به ولم
يقبله بعد ما سمعه ، ففي هذه الصورة لا يبقى هناك اشتراط أصلا ويبطل لا محالة ،
لأنّ معنى الشرط كما مرّ هو ربط شيء بشيء والمفروض أنّ المعاملة لم تكن مربوطة
بذلك الشرط بل كانت مطلقة ، والثالث أيضاً لم يربطه على نفسه ولم يلتزم به فأين
هناك شرط ، وهذا ظاهر .
والصورة الثانية : ما إذا كان الثالث
حاضراً في المجلس وقد التزم بالشرط أيضاً كما إذا اشترى زيد داراً من أحد في قرب
دار عمرو واشترط عليه البائع زيارة الأمير مدّة كذا في ضمن المعاملة ولم يقبله زيد
وقد قبله عمرو لرغبته في كون زيد جاراً له ، ففي هذه الصورة لا إشكال في تمامية البيع
لأنه علّق على التزام الثالث والمفروض أنه حاصل بالفعل ، وإنما الكلام في أنّ
الثالث هل يجب عليه العمل بما التزم به بعد ذلك أو لا يجب .
وبعبارة اُخرى : الكلام في المقام من
جهتين : إحداهما في ثبوت الخيار للمشروط له البائع على تقدير عدم عمل الثالث بما
التزمه على نفسه ، وهذا ممّا لا إشكال في ثبوته كما قدّمناه وهو في الحقيقة خارج
عن محل الكلام . وثانيتهما : في أنّ الثالث هل يجب عليه الوفاء بما التزم به لأنّ
الشرط في ضمن العقد وهو واجب العمل ، أو أنه لا يكلّف بالوفاء به لأنه من الشرط
الابتدائي فإنه غير مربوط بالمعاملة فلا يجب عليه الوفاء به ، وسيأتي تحقيق هذا
الكلام في الشرط الثامن عند تعرّض الماتن له إن شاء الله تعالى .
تتمّة
قد ذكرنا أنّ الشرط إذا كان فعل نفس
المشروط عليه فلا يعقل التزامه به فيما إذا التفت إلى عدم تمكّنه منه ، ولكنه يمكن
ذلك فيما إذا كان الشارط جاهلا بعدم قدرة المشروط عليه وعدم تمكّنه فباعه شيئاً
واشترط عليه الكتابة مثلا ، والمشروط عليه مع علمه بعدم تمكّنه من الكتابة قد
التزم بالشرط التزاماً صورياً ، لما عرفت من عدم معقولية الالتزام الحقيقي مع
العلم بعدم القدرة على متعلّقه .
ويقع الكلام حينئذ في أنّ المعاملة
صحيحة حينئذ أو باطلة وعلى تقدير صحتها يثبت للبائع الخيار أو لا ؟
فنقول : إن كان الشارط قد علّق إقدامه
بالبيع على التزام المشروط عليه بالشرط التزاماً حقيقياً واقعياً أي قلبياً فلا ينبغي
الإشكال في بطلان المعاملة حينئذ ، لأنّ المفروض عدم حصول المعلّق عليه
، لعدم معقولية الالتزام الحقيقي من المشروط عليه مع علمه بعدم قدرته ، والمفروض
أنّ الشارط إنما اعتبر ملكية خاصة وهي الملكية على تقدير الالتزام الحقيقي من
المشروط عليه وهي غير حاصلة لعدم حصول شرطها ، والملكية المطلقة لم يعتبرها على
الفرض فالمعاملة باطلة .
وأمّا إذا كان المعلّق عليه في المعاملة
هو الالتزام في مقام المعاقدة أعني إبراز الالتزام كما لعلّه الظاهر من الالتزامات
المعاملية إذ لا يراد منها الالتزام القلبي فالمعاملة صحيحة ، لأنّ المعلّق عليه
حاصل ، إذ المفروض أنّ المشروط عليه قد أبرز التزامه ، نعم لابدّ في ذلك من فرض
عدم علم المتبايعين بعدم قدرة المشروط عليه إذ مع علم كليهما بالحال يقع إبراز الالتزام لغواً ، إذ لا أثر لمجرد اللفظ ،
ويعتبر في المبرز أن يكون كاشفاً نوعياً عمّا يبرز به وهو إنما يتحقّق في صورة عدم
علم البائع بعجز المشروط عليه ، وحينئذ إذا أبرز التزامه بالشرط فلا محالة يكون
كاشفاً عن
واقع الالتزام ، وغاية الأمر أنه لا
منكشف لهذا الكاشف وفرضنا أنه المعلّق عليه في المعاملة فيصح البيع ويثبت للبائع
الخيار لعدم تحقّق الشرط في الخارج ، هذا ما يرجع إلى تتمّة البحث المتقدّم .
الشرط
الثاني
ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أنه
يشترط في صحة الشرط أن يكون سائغاً شرعاً ، ولعلّ غرضه (قدّس سرّه) منه بيان اشتراط كون
الشرط سائغاً حسب ما تقتضيه القاعدة مع قطع النظر عمّا ورد فيه من الأخبار ، ولا
ينبغي الإشكال في أنه إذا اشترط عليه فعل حرام كشرب الخمر ونحوه لا يكون هذا الشرط
نافذاً حسب القاعدة ، إذ لا معنى لايجاب الشارع عليه إتيان الحرام .
وأمّا بلحاظ الأخبار الواردة في ذلك
فهذا الشرط يرجع إلى الشرط الرابع لأنه عام ، وهذا من أحد أفراده وسيأتي هناك أنّ
الشرط المخالف للكتاب والسنّة باطل فلا وجه لعدّه شرطاً مستقلا بهذه الملاحظة أي
بلحاظ ما ورد فيه من الأخبار .
الشرط
الثالث
ذكروا من جملة الشروط كون الشرط ممّا
فيه غرض عقلائي بحيث يعتدّ به عندهم بحسب النوع ، أو يكون غرضاً عقلائياً بالنسبة
إلى شخص الشارط ، فلو اشترط في البيع كيلا خاصاً من أفراد المتعارف أو ميزاناً
كذلك ، أو اشترط وزنه مثقالا فمثقالا بطل ، لأنه ممّا لا غرض فيه يعتدّ به عند
العقلاء ، وذلك من جهة أنّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المكاسب
6 : 19 .
الشارع لا يرى مثله حقّاً للشارط ولا
يرى مخالفته ظلماً عليه ، وليس ترك مثله ممّا يوجب الضرر على الشارط ، ومن هنا
اعتبروا في صحة البيع والاجارة أن يكون المتعلّق مالا عند العقلاء ، فلذا لو باع
الخنفساء وغيره ممّا لا مالية نوعية فيه وليس فيه غرض عقلائي يقع البيع باطلا ،
وكذا الاجارة لأنهما سواء إلاّ في أنّ البيع نقل الأعيان والاجارة نقل المنافع ،
هذا .
ولا يخفى أنّ للمناقشة في هذا الاشتراط
مجالا واسعاً ، وذلك لأنّا لو سلّمنا اعتبار المالية في المبيع وكذا في مورد
الاجارة ، وسلّمنا أنّ بيع الخنفساء والاجارة على حركة الاصبع مثلا باطلان لعدم
ترتّب غرض عقلائي في مثلهما ـ مع أنّا ناقشنا فيه في محلّه(1) وصحّحنا البيع في
غير الأموال أيضاً ـ لم نلتزم بذلك في الشروط ، لأنّها ممّا لا يقابل بالمال كان
فيها غرض عقلائي أم لم يكن ، ولا مانع من التمسك بعموم ما دلّ على جواز الشرط
ونفوذه فيما إذا اشترط أمراً تعلّق عليه غرضه الشخصي كتحريك إصبعه أو كيله مثقالا
مثقالا ، ولو كان ذلك لتصعيب الأمر على البائع ، بل وكذلك الحال فيما إذا لم يكن
غرض الشارط غرضاً عقلائياً حتى بالنسبة إليه كما إذا اشترط شيئاً بلا أثر وكان
سفهائياً فإنّ عمومات نفوذ الشروط كعمومات غيرها من العناوين الثانوية نظير ما دلّ
على وجوب إطاعة السيد على عبده أو وجوب الوفاء بالحلف ، فهل ترى من نفسك أنه إذا
حلف بتحريك إصبعه لما يجب عليه الوفاء به من جهة عدم ترتّب غرض عقلائي عليه ،
والشرط أيضاً كذلك فلا وجه لهذا الاشتراط .
نعم ، ربما يدّعى أنّ أدلّة اعتبار
الشروط كقوله (عليه
السلام)
« المؤمنون عند
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أشار إلى
ذلك في المجلّد الأوّل من هذا اكتاب ص18 .
شروطهم »(1) منصرفة إلى الشروط التي
يتعلّق بها غرض عقلائي ولا تشمل غيرها ، إلاّ أنّ هذه الدعوى تحتاج إلى دليل ، إذ
لا وجه لاختصاصها بما ذكر بعد كون عمومها انحلالياً بحسب الاشخاص ، لأنّ معناها
أنّ كل شخص يجب عليه أن يفي بشرطه نظير قوله تعالى (وَامْسَحُوا
بِرُءُوُسِكُمْ)(2) الخ ، لأنّ معناه
أنّ كل شخص يمسح برأسه ، فلا محالة يشمل جميع الشروط ، هذا كلّه .
مضافاً إلى أنّا لو سلّمنا ورود هذا
الاشتراط في دليل وفرضنا أنه ورد أنّ كل شرط يجب العمل به إلاّ ما خالف كتاب الله
أو لم يكن فيه غرض عقلائي وشككنا في مورد في أنّ هذا الاشتراط المعيّن ممّا يترتّب
عليه غرض عقلائي أو لا ، فلا يمكننا تصحيح ذلك الاشتراط بالتمسّك بعموم أدلّة
الشروط ، لأنه من التمسك بالعام في الشبهات المصداقية ، وعليه فما معنى قول شيخنا
الأنصاري (قدّس
سرّه)
ولو شك في تعلّق غرض صحيح به حمل على الصحيح(3).
مضافاً إلى أنه لا وجه للحمل على الصحة
بمعنى حمله على عدم اللغوية ، لأنّ صدور اللغو من العقلاء والمسلمين في كل يوم
بمثابة من الكثرة لا يمكن عدّه وليس فيه قبح ليحمل على الحسن .
والعجب كلّه أنه (قدّس سرّه) لم يكتف
بذلك بل استشهد عليه بكلام العلاّمة الذي نقله في المتن ، مع أنه لاشهادة في كلام
العلاّمة على حمل المشكوك على الصحيح فراجع لأنه غير متعرّض لصورة الشك ، وإنما
غرض العلاّمة (قدّس
سرّه)
ما ذكرناه من أنه لا دليل على اعتبار ترتّب غرض عقلائي على الشرط حيث ذكر صحة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل
21 : 276 / أبواب المهور ب20 ح4 .
(2) المائدة
5 : 6 .
(3) المكاسب
6 : 20 ـ 21 .
اشتراط أن لا يأكل العبد إلاّ الهريسة
ولا يلبس إلاّ الخزّ ، وعليه فهذا الاشتراط كسابقيه ساقط .
ثم إنه (قدّس سرّه) تعرّض لبعض موارد
الاشتراط لما وقع فيه من الكلام وأفاد أنه لو اشترط كون العبد كافراً ففي صحّته أو لغويته قولان ، أمّا وجه صحته
فهو ترتّب الغرض العقلائي على كون العبد كافراً وهو صحة بيعه من كل من المسلم
والكافر ، بخلاف العبد المسلم لعدم جواز بيعه من الكافر واستغراق أوقاته في الخدمة
، بخلاف المسلم فإنه يصرف مقداراً منها في الصلاة.
وأمّا وجه لغويته فهو أنّ الإسلام يعلو
ولا يعلى عليه ، واشتراط الكفر موجب لعلوّ الكفر لاستظهار أنّ الشارط أرغب في
الكافر من المسلم ، وأمّا ما ذكرتموه من الفوائد والأغراض فهي أغراض دنيوية لا
تعارض الغرض الاُخروي .
وفيه : أنّ اشتراط الكفر ليس فيه علواً
للكفر وإلاّ لما يصح شراء العبد الكافر ابتداء ، وليس في ترك شراء الكافر غرض
اُخروي كي لا يزاحمه الغرض الدنيوي فلا مانع من اشتراط الكفر في العبد ولا دليل على بطلانه ، وربما يكون ذلك لغرض
هداية العبد إلى الإسلام ، لأنّ العبد في سماع نصيحة المولى أولى من غيره ، وهذا
الغرض أي لأن يهدى بك شخص من المهام وهو أفضل ممّا طلعت عليه الشمس أو ملأ
الخافقين ذهباً كما في بعض الأخبار(1) كما لا دليل على بطلان اشتراط ما ليس فيه
غرض عقلائي ، مع أنّ معنى الإسلام يعلو ولا يعلى عليه هو أنّ حجج الإسلام قوية
وبرهانه عال لا يعلو عليه شيء .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل
15 : 42 / أبواب جهاد العدو ب10 ح1 .
الشرط
الرابع
أن لا يكون مخالفاً للكتاب والسنّة ،
وهذا في الحقيقة أوّل الشروط لعدم اعتبار الشروط السابقة عليه كما عرفت ، وهو
المهم من بين الشروط وقد تظافرت الأخبار على عدم نفوذ الشرط المخالف للكتاب
والسنّة وهي بين صحاح وموثّقة وغيرهما ، وكيف كان فالشرط المخالف للكتاب والسنّة
غير نافذ . وربما يحتمل أمران لابدّ من دفعهما .
أحدهما : احتمال أن
يكون عمومات الوفاء بالشرط مخصّصة للأدلّة الدالّة على حرمة ذلك الشيء من الكتاب
والسنّة بأن يقال : إنّ شرب الخمر مثلا وإن كان محرّماً لعموم ما دلّ على حرمته من
الكتاب أو السنّة إلاّ أنه مخصّص بعمومات وجوب الوفاء بالشرط ، فلا يحرم شرب الخمر
فيما إذا وقع مورداً للاشتراط وهكذا وعليه فلا يكون اشتراط شرب الخمر في العقد
مخالفاً للكتاب ، لأنّ المفروض عدم حرمته عند وقوعه في مورد الاشتراط ، كما وقع
نظير ذلك في التكليفيات والوضعيات .
أمّا في التكليفيات فنظير حرمة الصوم في
السفر وحرمة الإحرام قبل الميقات حيث خصّصت الحرمة فيهما بأدلّة وجوب الوفاء
بالنذر ، فلا يحرم الصوم في السفر عند تعلّق النذر به ، وكذا الإحرام قبل الميقات
، فكونه مورداً للنذر يوجب ارتفاع حرمتهما .
وأمّا في الوضعيات فنظير عدم توارث الزوجين
في المتعة ، لأنه خصّص بأدلّة وجوب الوفاء بالشرط ولذا يتوارثان فيما إذا اشترطا
التوارث بينهما في العقد ، هذا أحد الاحتمالين في المقام .
والثاني : احتمال
تخصيص العمومات الدالّة على عدم جواز الشرط المخالف للكتاب والسنّة ببعض الشروط
بأن نلتزم بجواز بعض الشروط المخالفة للكتاب
والسنّة ، لأنّ العمومات الدالّة على
عدم نفوذ المخالف كسائر العمومات ممّا يحتمل تخصيصه ، هذا .
ويرد على هذا الاحتمال أعني الاحتمال
الثاني : أنه ما المراد بتخصيص العمومات الدالّة على عدم نفوذ الشرط المخالف
للكتاب والسنّة ، فإن اُريد به احتمال أن يكون بعض الشروط مع مخالفته لواقع الكتاب
والسنّة جائزاً ونافذاً فمرجع هذا إلى التناقض لأنّ معنى مخالفته لواقع الكتاب أنّ
الشرط ممّا لم يجوّزه الشارع في الواقع ونفس الأمر ومعنى كونه نافذاً أنه ممّا
جوّزه ورخّصه فهذا تناقض ظاهر .
وإن اُريد بذلك أنّ بعض الشروط المخالفة
لظاهر الكتاب والسنّة لا لواقعهما جائز ونافذ ، فهذا يرجع إلى الاحتمال الأول ،
لأنّ معنى ذلك احتمال عدم كون الشرط مخالفاً للكتاب واقعاً ولو كان مخالفاً لظاهره
، وإذا لم يكن مخالفاً للكتاب والسنّة فينفذ لا محالة ، كما أنّ معنى الاحتمال
الأول هو ذلك بعينه إذ بعد تخصيص الحرمة الثابتة على الشيء من جهة دلالة الكتاب
بوجوب الوفاء بالشرط فلا يبقى حرمة في الشيء المذكور ولا يكون اشتراطه مخالفاً
للكتاب والسنّة فينفذ ، وعليه لا يكون هذا الاحتمال في مقابل الاحتمال الأول ،
وكيف كان فتفصيل الكلام في الشروط يقع في جهات :
منها : أنّ أكثر
الأخبار الواردة في المقام قد اشتملت على لفظة الكتاب كقوله (صلّى الله عليه وآله) « فما كان
من شرط ليس في كتاب الله »(1) و « كل شرط خالف كتاب الله »(2) و « من اشترط شرطاً
مخالفاً لكتاب الله »(3) و « من اشترط شرطاً
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كنز
العمّال 10 : 322 / 29615 .
(2) الوسائل
18 : 16 / أبواب الخيار ب6 ح2 .
(3) الوسائل
18 : 16 / أبواب الخيار ب6 ح1 .
سوى كتاب الله »(1) و « فيما وافق كتاب
الله »(2) وفي بعضها ذكرت لفظة السنّة كما في رواية محمّد بن قيس(3) حيث قال فيها
: « خالفت السنّة » وظاهر الكتاب هو القرآن أعني كتاب الله المعهود ، إلاّ أنّ هذا
الظهور بدوي ولا محيص من رفع اليد عنه
وذلك بقرينة أنّا لا نحتمل خصوصية في مخالفة القرآن ، فإنّ الوجه في عدم نفوذ
الشرط المخالف له ليس إلاّ أنه مخالف لحكم الله تعالى كان موجوداً في القرآن أم
ثبت من السنّة ، وعليه فالمراد بكتاب الله مطلق ما كتبه الله تعالى من أحكامه
وقوانينه كما يستفاد هذا من إطلاق الكتاب عند العرف كما إذا قال أطع والدك إلاّ
فيما خالف الكتاب ، وفي القرآن (كُتِبَ
عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ) الآية(4)
فالمراد بالكتاب مطلق ما كتبه الله . مضافاً إلى ما دلّ على أنّ مخالف السنّة
أيضاً غير نافذ .
مع أنّا لا نحتاج في الخروج عن مخالفة
القرآن والتعدّي إلى مخالفة السنّة ومطلق حكم الله إلى ورود رواية أو دلالة قرينة
، بل لو كنّا نحن وتلك الأخبار الدالّة على أنّ مخالف الكتاب غير نافذ كفانا ذلك
في إلحاق مخالفة السنّة بمخالفة الكتاب ، وذلك لأنه لا يفرق في مخالف الكتاب بين
أن يكون الشرط مخالفاً لما دلّ عليه القرآن بالخصوص وبين كونه مخالفاً لما دلّ
عليه الكتاب بالعموم ، وقد قال الله سبحانه (وَمَا
آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)(5) فإذا
ثبت نهي النبي أو أمره في السنّة وكان الشرط مخالفاً لأمره (صلّى الله عليه وآله) أو نهيه
فلابدّ من
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل
21 : 297 / أبواب المهور ب38 ح2 .
(2) الوسائل
18 : 16 / أبواب الخيار ب6 ح1 (باختلاف يسير) .
(3) الوسائل
21 : 289 / أبواب المهور ب29 ح1 .
(4) البقرة 2
: 183 .
(5) الحشر 59
: 7 .
طرحه ، لأنّ قبوله طرح لقول الرسول وترك
للانتهاء عمّا نهى عنه .
والمتحصّل : أنّ المراد من مخالفة
الكتاب مخالفة مطلق أحكام الله تعالى كما دلّت عليه الروايات ، بل لا نحتاج في طرح
مخالف الكتاب إلى رواية أصلا كما سيأتي ومرّت إليه الاشارة .
ومنها : أنّ
المناط في عدم نفوذ الشرط هل هو مخالفة الشرط للكتاب كما عبّر بها في بعض الأخبار
، أو أنّ المناط عدم موافقته للكتاب كما وقع في بعض الروايات الاُخر ؟
ولا يخفى أنّ الفرق بينهما إنما يظهر
فيما إذا حملنا الكتاب على خصوص القرآن كما تكلّمنا في ذلك فيما ورد في أخبار
الآحاد(1) حيث دلّ بعضها على أنّ مخالف الكتاب يضرب على الجدار ، وبعضها الآخر دلّ
على طرح ما لم يوافق الكتاب
وذلك لأنّ المراد بالكتاب في أخبار الآحاد هو خصوص القرآن وخصوص ألفاظه وإلاّ فمن
أين يعلم حكم الله الواقعي حيث يكون هو المناط في مخالفة الأخبار معه وموافقتها .
وأمّا في المقام فقد عرفت أنّ المراد
بالكتاب مطلق أحكام الله تعالى ، وعليه فلا فرق بين عنوان المخالفة وعنوان عدم
الموافقة ، ولا واسطة بينهما لأنّ الله تعالى قد بيّن أحكام جميع أفعال العباد من
محرّماتها ومحلّلاتها ، وعليه فكلّ شرط لم يوجد في مطلق أحكام الله أي لم يوافقه
فلا محالة يكون مخالفاً لأحكامه تعالى ، فلا فرق بين هذين العنوانين في المقام .
ومنها : أنّ الشرط
المخالف للكتاب على ثلاثة أقسام ، فتارةً يكون من قبيل الأفعال التكوينية كاشتراط
شرب الخمر أو الكذب أو القتل وغيرها من الأفعال
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل
27 : 110 / أبواب صفات القاضي ب9 .
المحرّمة ، واُخرى يكون من قبيل
الاعتبارات النفسانية كاشتراط الزوجية والملكية أو ثبوت الولاء للبائع في بيع
الأمة أو الارث لغير الوارث ونحوها ، وثالثة يكون من قبيل الأحكام الشرعية كاشتراط
أن يكون المحرّم الفلاني حلالا في الشريعة المقدّسة أو كون الواجب جائزاً في حكم
الله تعالى ، ولم نجد قسماً رابعاً للشرط المخالف وهذا القسم الثالث من قبيل اشتراط فعل الغير لأنه راجع إلى اشتراط فعل الشارع وقد
عرفت أنه خارج عن قدرة المشروط عليه فلا معنى لتعليق أصل العقد على الالتزام به.
وعليه فيدور الأمر في الشرط بين أن يكون
راجعاً إلى تعليق أصل المعاملة على الفعل المشروط والتعليق في العقود مبطل ، ولو
قلنا بعدم بطلانه أيضاً لا محيص عن الالتزام به في المقام لعدم حصول المعلّق عليه
حسب الفرض ، لأنّ الحرام لم يحكم عليه بالحلّية في الشرع الذي هو الشرط .
وإمّا أن يكون راجعاً إلى تعليق
الالتزام بالمعاملة عليه ، وعليه فيثبت للمشروط له أي الشارط الخيار لعدم تحقّق
الشرط في الخارج ، وعليه لابدّ من التكلّم في كل واحد من الأقسام .
فنقول : قد ورد في الصحيح عن أبي
عبدالله (عليه
السلام)
« من اشترط شرطاً سوى كتاب الله فلا يجوز ذلك له ولا عليه »(1) وفي صحيحة اُخرى «
كل شرط خالف كتاب الله فهو ردّ »(2) وفي صحيحة ثالثة « من اشترط شرطاً مخالفاً
لكتاب الله (عزّوجلّ) فلا يجوز على الذي اشترط عليه والمسلمون عند شروطهم فيما
وافق
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل
21 : 297 / أبواب المهور ب38 ح2 .
(2) الوسائل
18 : 267 / أبواب بيع الحيوان ب15 ح1 .
كتاب الله »(1) وفي رواية اُخرى «
المؤمنون عند شروطهم إلاّ كل شرط خالف كتاب الله »(2) وهذه الأخبار دلّت على أنّ
الشرط المخالف للكتاب لا يصحّ .
وحينئذ نقول(3): إنّ الشرط تارةً يتعلّق
بترك أمر مباح أو بفعله ، والمراد من المباح ما هو في مقابل الالزام أعني الأحكام
الثلاثة المستحبّ والمكروه والمباح . ولا ينبغي الإشكال في أنّ مثل هذا الشرط ليس
مخالفاً للكتاب ، إذ لم يدلّ الكتاب على حرمة الالتزام بترك المباح أو بفعله ، بل
غالب موارد الاشتراط لو لم يكن جميعها من هذا القبيل ، فلو منعنا عن جوازه أيضاً
بدعوى أنّ الكتاب دلّ على إباحته والالتزام بتركه أو بفعله مخالف للكتاب لما يبقى
مورد للاشتراط فيلغو ما دلّ على أنّ « المؤمنون عند شروطهم » وغيره ممّا دلّ على صحّة
الاشتراط ، إذ ينحصر الاشتراط حينئذ باشتراط فعل الواجبات واشتراط ترك المحرّمات ،
ومن الظاهر أنّ المستفاد من الشرط عرفاً هو الاشتراط المتعارف عندهم دون خصوص فعل
الواجب وترك الحرام ولعلّ هذا ظاهر .
وهذا ممّا لم يدلّ على خلافه ولا ينافيه
شيء إلاّ ما نقل عن العياشي في تفسيره عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « قضى أمير
المؤمنين (عليه
السلام)
في امرأة تزوّجها رجل وشرط عليها وعلى أهلها إن تزوّج عليها امرأة أو هجرها أو أتى
عليها سرية فإنّها طالق ، فقال (عليه
السلام)
شرط الله قبل شرطكم إن شاء وفى بشرطه وإن شاء
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل
18 : 16 / أبواب الخيار ب6 ح1 (باختلاف يسير) .
(2) الوسائل
18 : 16 / أبواب الخيار ب6 ح2 ولكن فيه بدل المؤمنون « المسلمون » .
(3) هذا شروع
في البحث عن كل واحد من الأقسام المتقدّمة وقد قسّم الأول إلى صورتين إحداهما
تعلّق الشرط على ترك المباح أو فعله وثانيتهما معلّقة على فعل الحرام أو ترك
الواجب فلا تغفل .
أمسك امرأته ونكح عليها وتسرّى عليها
وهجرها إن أتت بسبيل ذلك قال الله تعالى في كتابه (فَانكِحُوا
مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ) وقال (احل لكم ما
ملكت أيمانكم)(1) وقال (وَاللاَّتِي
تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ) الآية
»(2).
فإنّ هذه الرواية دلّت على عدم جواز
اشتراط ترك المباح ، لأنّ التزويج أو إتيان السرية أمر مباح ووصفه بالمخالفة مع
الكتاب وأنّ شرط الله قبل شرطهم .
ورواية اُخرى وصفها الشيخ (قدّس سرّه)(3)
بالموثّقة عن أمير المؤمنين « من شرط لامرأته ـ إلى أن قال ـ إلاّ شرطاً حرّم
حلالا أو أحلّ حراماً »(4) وهذه الرواية أيضاً تدلّ على عدم جواز اشتراط ترك
المباح لأنه من تحريم الحلال .
والجواب أمّا عن الرواية الثانية : فهو
أنّها ضعيفة لعدم توثيق غياث بن كلوب(5) الذي روى عن ابن عمّار ، والشيخ وإن وصفه
بأنّ الأصحاب عملوا برواياته إلاّ أنه لا يوجب التوثيق بعد عدم توثيق الأصحاب له .
وعليه فلا يمكننا الاعتماد عليها ولا يصحّ الحكم على طبقها .
مضافاً إلى ما عرفت من أنّ لازم ذلك الالت&