ــ[1]ــ

ــ[2]ــ

ــ[3]ــ

القول في الشروط

والكلام فيها يقع في جهات :

الجهة الاُولى : في بيان معنى الشرط . ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أنّ للشرط معنيين عرفيين ومعنيين اصطلاحيين .

أمّا المعنيان العرفيان : فأحدهما الإلزام والالتزام بشيء ، وهما بمعنى واحد يختلفان بالاضافة إلى الشارط والمشروط عليه فبالإضافة إلى الأول إلزام وإلى الثاني التزام .

وإن شئت قلت : إنّهما يختلفان بالنسبة الصدورية والوقوعية ففي الاُولى إلزام كما أنّ في الثانية التزام ، وبهذا المعنى يصحّ منه الاشتقاق فيقال شارط ومشروط وشرط ونحوها .

وربما يراد منه أي من الشرط المشروط أعني المصدر بمعنى المفعول نظير الخلق بمعنى المخلوق .

والشرط بهذا المعنى لا يختص بالالتزام في ضمن العقد بل يعمّه والالتزام الابتدائي بصحّة استعماله فيه كما استعمل بهذا المعنى في موارد كثيرة كقوله (عليه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 6 : 11 فما بعدها .

ــ[4]ــ

السلام) في قضية بريرة « إنّ قضاء الله أحقّ وشرطه أوثق والولاء لمن أعتق »(1) فاستعمل الشرط في الحكم الشرعي بمعنى أنّ حكم الله أوثق حيث منع من جعل الولاء في المرتبة الاُولى لغير المعتق . وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) : « شرط الله قبل شرطكم »(2) في قضية اشتراط عدم اتيان الزوج على زوجته سرية أي أمة وهذا أيضاً بمعنى الحكم ، لأنّ الله تعالى رخّص في إتيانه عليها سرية ، وقوله (عليه السلام) : « ما الشرط في الحيوان ؟ قال : ثلاثة أيّام للمشتري »(3) فإنه بمعنى الخيار وغيرها من الموارد التي استعمل فيها الشرط في الالتزام الابتدائي .

نعم ظاهر تعريف القاموس(4) اختصاص الشرط بالالتزام في ضمن العقد لأنه فسّره بالزام الشيء والتزامه في البيع وغيره ، وهو يعطي عدم جواز استعماله في الالتزام الابتدائي حتّى مجازاً ، إذ لو صحّ استعماله فيه عنده لأشار إلى أنه من استعمال اللفظ في معناه الحقيقي أو المجازي مع أنه ساكت عن استعماله فيه كما عرفت وهذا ناش من عدم التفاته إلى موارد الاستعمالات المتقدّمة .

وثانيهما : ما يتوقّف على وجوده وجود شيء آخر الذي لازمه عدم الشيء الثاني عند عدمه ، من دون اعتبار وجوده أي الشيء الثاني عند وجوده ، وهو بهذا المعنى جامع بين الشرط والسبب في الاصطلاح ، لأنّ المشروط عدم عند عدم شرطه في كليهما ، ويختلفان في أنّ السبب ما يلزم من وجوده وجود الشيء الثاني

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كنز العمال 10 : 322 / 29615 ، وأورد بعضه في الوسائل 23 : 64 / كتاب العتق ب37 ح1 ، 2 .

(2) الوسائل 21 : 277 / أبواب المهور ب20 ح6 .

(3) الوسائل 18 : 11 / أبواب الخيار ب3 ح5 .

(4) القاموس المحيط 2 : 368 مادّة « شرط » .

ــ[5]ــ

أيضاً دون الشرط .

وكيف كان ، فالشرط بهذا المعنى من الجوامد وغير قابل للاشتقاق منه ، ولذا لابدّ من التأويل في مثل الشارط والمشروط ، فالأول بمعنى من يوجد الشرط والثاني بمعنى ما جعل له الشرط فيقال الطهارة شرط للصلاة ، فالشارط هو الله تعالى ، لأنه جعل الشرط وأوجده أي أوجد الملازمة فيهما بحيث تنعدم الصلاة عند عدم الطهارة ، والمشروط ليس هو الطهارة كما يقتضيه الاشتقاق بل هو الصلاة وهذا من جهة عدم صحة الاشتقاق منه بهذا المعنى (وإلاّ فالشارط لا يأتي بمعنى موجد الشرط ولا المشروط بمعنى ما جعل له الشرط) وهذا نظير لفظ السبب لعدم الاشتقاق منه فيقال المسبّب بالكسر لمن أوجد السبب والمسبّب بالفتح لما جعل له السبب كالقتل فهو مسبّب ، هذان هما المعنيان العرفيان للشرط .

وأمّا المعنيان الاصطلاحيان ، فأحدهما : ما اصطلح عليه النحّاة من إطلاق لفظ الشرط على الجملة الاُولى كما في قولنا : إذا طلعت الشمس فالنهار موجود فيقال للاُولى الشرط وللثانية الجزاء ، وظاهر أنه غير موافق للمعنى اللغوي وإنّما هو اصطلاح للنحّاة ، ولعلّه من جهة اشتمال الجملة الاُولى على الشرط وهو طلوع الشمس .

وثانيهما : ما اصطلح عليه أهل المعقول حيث أطلقوا الشرط على خصوص ما يلزم من عدمه العدم مقيّداً بأن لا يلزم من وجوده الوجود وإلاّ فهو سبب وجزء أخير من العلّة التامّة ، وبهذا القيد يفترق عن المعنى العرفي الثاني ، لأنه هناك بمعنى جامع بين السبب والشرط أعني ما يلزم من عدمه العدم بلا تقييده بأن لا يلزم من وجوده الوجود .

ثمّ إنه (قدّس سرّه) استشكل في قوله (عليه السلام) « ما الشرط في الحيوان ؟ قال ثلاثة أيام » والوجه في استشكاله ما تقدّم من أنّ الشرط فيه بمعنى الخيار أعني

ــ[6]ــ

تسلّط المشتري على الفسخ وليس الشرط بمعنى ثلاثة أيام كما هو مقتضى حمل ثلاثة أيام عليه ، لأنّ ثلاثة أيّام ظرف الشرط لا أنه هو الشرط ، نعم لا بأس باضافة الشرط إلى ثلاثة أيام وأن يقال شرط ثلاثة أيّام لأنه صحيح كما ورد في بعض الأخبار ، فهو صحيح إلاّ أنّ في حملها عليه كما في الرواية الاُولى ما لا يخفى توقّفه على التوجيه بتقدير كلمة ونحوها ، ومن هنا يعلم أنّ قوله (قدّس سرّه) ولا يخفى توقّفه على التوجيه غير راجع إلى الرواية الثانية أعني ما اُضيف فيها الشرط إلى ثلاثة أيام ، لأنه كما عرفته صحيح وإنّما هو راجع إلى الرواية الاُولى أعني ما حمل فيها ثلاثة أيام على الشرط ، إذ قد عرفت أنّ الشرط لا معنى لأن يكون زمان ثلاثة أيام ، فلا وجه لما صدر عن بعض المحشّين(1) حيث أرجع قوله « ولا يخفى توقّفه الخ  » إلى الرواية الثانية ، هذا ملخّص ما أفاده في المقام .

والذي تحصّل لنا من تتبّع موارد الاستعمالات والمراجعة إلى ما ارتكز في الأذهان من معنى الشرط ـ بعد الاذعان بعدم إمكان تحديد مفاهيم الألفاظ على وجه لا يشذّ عنها مورد ، لأنه غير ممكن في شيء من الألفاظ ، وإنّما الممكن بيان مفاهيمها على ما ارتكز في الأذهان والاشارة إليها على نحو الاجمال وإن لم يكن بحيث لا يشذّ عنها شيء ـ هو أنّ الشرط بمعنى الربط ويقال لارتباط شيء بشيء الشرط ، فهو ليس له معان مختلفة بحسب العرف أو الاصطلاح بل هو بمعنى واحد وهو الربط ، ولعلّ منه الشريط المتعارف وإنّما يطلق عليه ذلك لربط أحد الطرفين بالآخر وهذا هو معناه على نحو الكلّية .

ولكنّه تارةً يكون شرطاً تكوينياً أي ربطاً بين شيئين بالتكوين وهذا كما في قولنا إنّ شرط صدور الفعل الاختياري من زيد إرادته لذلك الفعل ، فإنّ ربط

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لعلّ المراد به السيد (قدّس سرّه) في حاشيته على المكاسب : 107 مبحث الشروط .

ــ[7]ــ

صدور الفعل الاختياري بالارادة أمر ثبت بالتكوين وهكذا .

واُخرى يكون تشريعياً كما يقال إنّ شرط صحة الصلاة الطهارة ، وكونها شرطاً إنّما ثبت من قبل الشارع ولو بجعل منشأ انتزاعها أعني الأمر بالصلاة مقيّداً بالطهارة ، وإن كان شرطيتها لها بعد جعل الشارع عقلية أيضاً لانتفاء المقيّد بانتفاء قيده عقلا ، ومن هنا أنكرنا انقسام المقدّمة إلى شرعية وعقلية وقلنا إنّها عقلية مطلقاً غاية الأمر أنّ جعل المقدّمة ربما ينسب إلى الشارع ، والشرط في الموردين كما عرفته بمعنى الربط والارتباط أي ربط صحّة الصلاة بالطهارة .

وثالثة يكون أمراً خارجياً ثابتاً بفعل نفس الشخص كما في موارد النذر بل القمار فإنه يلزم على نفسه باعطاء كذا على تقدير فعل كذا أو على تقدير غلبة الآخر فيربط إعطاء الشيء بفعل أو غلبة الآخر ، وبهذا المعنى صحّ استعمال الشرط وإطلاقه على موارد النذر والعهد ونحوهما والوعد كما في بعض أخبار الشرط .

وإذا عرفت ذلك يظهر لك أنّ الشرط بمعنى الربط لا يختصّ بالالتزام في ضمن العقود بل كما يصح إطلاقه عليه يصحّ إطلاقه على الالتزامات الابتدائية كما في الوعد فإنه يربط أمر كذا على نفسه بتقدير كذا ، ولا نضايق من اطلاقه على الابتدائي كما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1).

نعم يمكن المناقشة فيما استدلّ به هو (قدّس سرّه) على عدم الاختصاص من استعماله في الابتدائي في الروايات ، أمّا قوله في قضية بريرة « إنّ شرطه أوثق  » فلاحتمال أنه أطلق الشرط على حكم الله من جهة المقابلة ، لأنّ المفروض أنّ الرجل شرط كون ولائها له في ضمن بيعه الأمه وهو شرط في ضمن البيع ، فهو (صلّى الله عليه وآله) أطلق الشرط على حكمه تعالى لكونه في مقابل هذا الاشتراط في ضمن البيع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 6 : 11 .

ــ[8]ــ

بمعنى أنّ اشتراطه تعالى عدم كون ولائه للرجل في البيع أوثق كما قد استعمل قوله تعالى (لاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ)(1) بهذه المناسبة حيث أضاف إليه تعالى النفس لأجل كونه في مقابل من له النفس .

وهكذا نقول في الرواية الثانية لأنّ الزوجة أو غيرها إنما اشترطت عدم اتيان زوجها عليها سرية في ضمن عقد النكاح وهو شرط بهذا المعنى وقد أطلق (عليه السلام) الشرط على حكم الله تعالى وترخيصه في إتيانه سرية في مقابلة ذلك أي حكمه بجواز إتيانه سرية في عقد النكاح قبل شرطكم .

وأمّا قوله (عليه السلام) « ما الشرط في الحيوان ؟ قال : ثلاثة أيام » فهو بمعنى الخيار وإنما استعمل فيه لأنه أمر قد وقع في ضمن عقد البيع أي في بيع الحيوان شرط كون المشتري مرخّصاً في الفسخ ثلاثة أيام .

إلاّ أنّك عرفت أنّ الشرط بمعنى الربط وهو كما يتحقّق في الربط الحاصل في ضمن العقد كذلك يتحقّق في الالتزام الابتدائي .

نعم لابدّ من أن ينبّه في المقام على أمرين : أحدهما أنّ الشرط إذا كان بمعنى الربط كما عرفت ، فالاشتراط في ضمن المعاملات كاشتراط خياطة الثوب في معاملة بأيّ معنى من الربط وأنّ أيّ شيء ربط بأيّ شيء حينذاك .

وثانيهما : أنّ الربط كما هو يتحقّق في الشرط في ضمن العقد كذلك يتحقّق في الالتزامات الابتدائية فهل كلا القسمين ممّا يجب العمل على طبقه أو أنّ الابتدائي منه غير واجب العمل .

أمّا الأمر الأول : فقد أسلفنا تحقيقه في بعض المباحث المتقدّمة وملخّصه : أنه إذا باع شيئاً واشترط على المشتري مثلا أن يخيط له ثوبه فهو يتصوّر على وجهين :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المائدة 5 : 116 .

ــ[9]ــ

لأنّ اشتراط الخياطة عليه والمعاملة تارةً لا يكون بينهما ربط إلاّ في مجرد اجتماعهما في زمان واحد ، فلا ربط بينهما غير المقارنة الزمانية كما إذا أوقع المعاملة في زمان وعده خياطة ثوبه من دون أن يكون بيعه مربوطاً بالخياطة ومعلّقاً عليها ، وهذا ممّا لا ينبغي الإشكال في عدم وجوب العمل على طبقه ، لأنّ مجرد المقارنة الزمانية مع المعاملة لا توجب العمل على طبقه قطعاً ، نعم هو وعد والوفاء به من الكمالات كما وصف إسماعيل النبي بصدق وعده(1) وأمّا الواجب الشرعي فلا .

واُخرى يكون أحدهما مربوطاً بالآخر ومعلّقاً عليه فيبيع داره بشرط كذا وهذا الاشتراط تارةً يكون في الأفعال الاختيارية كما في الخياطة ، واُخرى يكون في الأوصاف كبيع الحنطة بشرط أن تكون من مزرعة كذا أو العبد بشرط أن يكون من طائفة كذا .

فإن كان من قبيل الأفعال فالربط فيها يؤول إلى أمرين :

أحدهما : تعليق أصل بيعه وإقدامه على المعاملة على التزام المشتري فعلا بخياطة ثوبه بعد البيع بحيث لا يقدم على المعاملة إن لم يلتزم المشتري بالخياطة وهذا وإن كان تعليقاً إلاّ أنّ التعليق في العقود على أمر موجود فعلي معلوم ممّا لا يوجب البطلان ، والتزام المشتري حاصل بالفعل وظاهر ، ونتيجة هذا التعليق أنّ البائع يتمكّن من إجبار المشتري بعد ذلك على الخياطة .

وثانيهما : تعليق التزامه بالبيع وإنهاء عقده والقيام على معاملته على نفس الخياطة الخارجية ، لا أنه يعلّق بيعه عليها بل بيعه من جهة وقوع الخياطة وعدمه غير معلّق ، وإنما المعلّق إنهاء بيعه وقيامه على معاملته فإنه معلّق على وقوع الخياطة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في سورة مريم 19 : 54 (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولا نَبِيّاً) .

ــ[10]ــ

في الخارج لا على مجرد التزامه ، ونتيجة هذا التعليق الخيار وتمكّن البائع من فسخ المعاملة على تقدير عدم وقوع الخياطة في الخارج ، سواء استند إلى اختياره أم استند إلى غير اختياره .

والمتحصّل أنّ للشرط في الأفعال أثرين : أحدهما تعليق أصل بيعه على التزام المشتري بالخياطة مثلا وثمرته تمكّن البائع من إلزام المشتري على العمل بالشرط . وثانيهما : تعليق وفائه بالمعاملة على نفس وقوع الخياطة في الخارج وثمرته تمكّن البائع من فسخ المعاملة على تقدير عدم وقوع الخياطة في الخارج ، هذا كلّه في الشرط في الأفعال .

وإن كان من قبيل الأوصاف فمرجع الشرط فيها إلى أمر واحد وهو تعليق وفائه بمعاملته وإنهاء بيعه على وقوع تلك الصفة خارجاً بحيث يتمكّن من فسخ المعاملة على تقدير عدم تحقّق الصفة في الخارج ، وأمّا تعليق بيعه على التزام المشتري بالصفة فهو لا يأتي في الأوصاف ، إذ لا معنى لالتزام المشتري بما هو خارج عن اختياره ، لأنّ كون الحنطة من المزرعة الفلانية أمر خارج عن اختيار المشتري فكيف يلزمه ، فمرجع الشرط في الأوصاف إلى تعليق الالتزام بالمعاملة على وجود الصفة ، هذا كلّه في الشروط المشترطة في المعاملات القابلة للفسخ والامضاء .

وأمّا معنى الشروط في العقود أو المعاملات التي لا تقبل الفسخ كالنكاح إذا تزوّج وشرط في ضمنه كذا ، فهو عبارة عن تعليق أصل إقدامه على المعاملة على التزام الطرف الآخر بالفعل على الشرط ، لا تعليقه على وقوع الشرط خارجاً ولا تعليق وفائه وإنهائه على وقوعه ، ونتيجته كما عرفت تمكّنه من إجبار الطرف على العمل بالشرط من دون أن يتمكّن من فسخه على تقدير عدم وقوعه في الخارج .

والمتلخّص أنّ الشرط تارةً مجمع لكل من الأمرين أعني الخيار وجواز إلزام

ــ[11]ــ

الطرف على الوفاء بالشرط كما في اشتراط الأفعال في العقود القابلة للفسخ واُخرى يفيد الخيار فقط بحيث له أن يفسخ المعاملة على تقدير عدم تحقّق شرطه من دون جواز إلزمه على الوفاء كما في الشرط في الأوصاف ، وثالثة يفيد جواز الالزام على الوفاء بما التزم من دون حقّ في فسخه كما في شرط الفعل في النكاح .

إلى هنا تحصّل أنّ الشرط في ضمن العقود في جميع الموارد بمعنى واحد وهو ربط أحد الأمرين بالآخر وتعليقه به ، غاية الأمر تارةً يكون الشرط بمعنى ربط أصل المعاملة على التزام المشتري بشيء واُخرى بمعنى ربط الالتزام بالمعاملة وإنهائها على وجود الفعل أو الوصف في الخارج من دون أن يكون أصل المعاملة معلّقة على التزام المشتري بها كما في اشتراط الأوصاف ونحوها ، وثالثة يكون الشرط موجباً لكلا الأمرين أعني تعليق أصل المعاملة بالتزام المشتري وتعليق الالتزام بها على وجود الوصف أو الفعل في الخارج ، ونتيجة الأول جواز إلزام المشتري على إتيان ما التزم به ، ونتيجة الثاني الخيار على تقدير عدم تحقّق الوصف أو الفعل في الخارج .

القول في شروط صحّة الشرط

الجهة الثانية : في شروط صحة الشرط التي منها كونه واقعاً في ضمن عقد وأنّ الشروط الابتدائية ممّا لا يجب الوفاء به على ما سيأتي في كلام الشيخ (قدّس سرّه) إن شاء الله تعالى ، ومنها غير ذلك على ما سيظهر .

الشرط الأوّل

أنّهم ذهبوا إلى اشتراط كون الشرط ممّا يقدر عليه المكلّف ، وأنّ الشرط الخارج عن قدرة المشروط عليه فاسد ، وعليه فيدخل في كبرى مسألة أنّ الشرط

ــ[12]ــ

الفاسد مفسد أو لا كما سيأتي الكلام فيها إن شاء الله تعالى ، وقد مثّلوا لذلك بالمثال المعروف أعني اشتراط جعل الزرع سنبلا أو البُسر رطباً أو تمراً لأنّهما أمران خارجان عن قدرة المشروط عليه وهما من أفعال الله تعالى . ومثّلوا أيضاً باشتراط بيع شيء من ثالث لأنّ بيعه منه يحتاج إلى إيجاب وقبول وهو من أفعال ذلك الثالث وليس داخلا تحت قدرة المشروط عليه . ومثّلوا ثالثاً باشتراط كون امرأة زوجة لأحدهما أو كون الزوجة مطلّقة أو غيرهما من الاُمور التي لها أسباب خاصة ولا تتحقّق بمجرد الاشتراط لأنها كذلك خارجة عن تحت قدرة المشروط عليه .

ثم إنّهم استدلّوا على اشتراط القدرة في الشروط بوجوه :

فأوّلا : استدلّوا بأنّ اشتراط أمر غير مقدور أمر غرري ، لأنه أمر قد يكون وقد لا يكون والمعاملة المشتملة على الغرر باطلة .

وثانياً : بأنّ الأمر الخارج عن الاختيار ممّا لا يقدر على تسليمه إلى المشروط له والقدرة على تسليم الشرط شرط في صحة العقد .

وثالثاً : بالاجماع وأنّهم اتّفقوا على لزوم كون الشرط أمراً مقدوراً للمشروط عليه وأنّ اشتراط شيء خارج عن قدرته فاسد .

ورابعاً : بأنّ الشرط لابدّ من أن يكون مملوكاً للمشروط عليه كملكه للعوض أو المعوّض ، لأنّ البيع مع الشرط تسليط للطرف على العوض والشرط وتمليك له فكما لا يعقل تمليك أحد العوضين إلاّ فيما إذا كان مملوكاً له وتحت سلطانه فكذلك الحال في الشرط ، فما دام لم يكن داخلا تحت سلطنته وملكه لا يعقل أن يملّكه للغير ويسلّط الغير عليه ، ومن البديهي أنّ الأمر الخارج عن قدرة المشروط عليه ممّا لا يدخل تحت سلطنته وملكه ومعه كيف يمكنه تسليط الغير عليه ، بل هذا ربما ينافي الفلسفة أيضاً لأنّ فاقد الشيء لا يعقل أن يكون معطياً له ، فمع عدم سلطنة المشروط عليه على الشرط كيف يسلّط الغير عليه وهل هذا إلاّ من قبيل وهب الأمير ما لا

ــ[13]ــ

يملكه ، وهذا هو الذي اعتمد عليه شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)(1).

والذي ينبغي أن يقال(2) في المقام : هو أنّ الشرط تارةً يكون من قبيل شرط الأفعال التي هي تحت قدرة المكلّف واختياره ، وقد عرفت أنّ معنى الشرط فيها أمران : أحدهما التزام المشروط عليه بالشرط . وثانيهما خيار المشروط له على تقدير عدم تحقّق الشرط في الخارج ، وهذا ممّا لا إشكال فيه .

واُخرى يكون الشرط من قبيل شرط الأفعال الخارجة عن تحت قدرة المشروط عليه أعني ما يكون فعل الغير وهذا كاشتراط بيع الثالث مثلا كما إذا اشترى داراً واشترط في ضمنه بيع الجار داره منه ، أو اشترى حصة أحد الشريكين في مال واشترط عليه البائع بيع شريكه حصّته أيضاً بأن باعه حصّته على تقدير أن يبيع شريكه أيضاً حصته ، أو اشترى زرعاً واشترط عليه أن يجعل الله زرعه سنبلا وهكذا ، فإنّ تلك الشروط كلّها من أفعال الغير وهي خارجة عن تحت اختيار المشروط عليه .

وفي هذه الصورة لا معنى للشرط بالمعنى الأول أعني تعليق أصل المعاملة على التزام المشتري مثلا بالشروط ، وذلك لأنّ العاقل الملتفت الشاعر لا يلتزم بأمر غير مقدور ، كما لا يعقل التزامه أيضاً فإنّ الالتزام بنفسه يقتضي أن يكون متعلّقه أمراً مقدوراً وفي غير المقدور لا يتحقّق حقيقة الالتزام ، إذ أيّ معنى للالتزام بما لا يدخل تحت قدرته .

نعم يمكن أن يشترط شيئاً بمعنى أن يلتزم به بحسبان أنه مقدور ولكنّه بحسب الواقع لا يكون مقدوراً له كما إذا التزم بزيارة الحسين (عليه السلام) ماشياً أو حافياً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) منية الطالب 3 : 192 .

(2) ستأتي إعادة هذا المطلب بتغيير يسير في الصفحة 16 .

ــ[14]ــ

وقد مرض في الطريق أو مات أو نحوهما ، وهذا داخل في مسألة تعذّر الشرط وسيأتي فيه الكلام إن شاء الله تعالى ، ولا أظن أن يلتزم أحد فيه بالبطلان بدعوى أنّ عجزه عنه يكشف عن بطلانه ، لأنه يكشف عن عدم قدرته عليه من الابتداء . فالشرط بالمعنى الأول أعني الالتزام غير معقول في الاُمور الخارجة عن الاختيار .

وأمّا الشرط بالمعنى الثاني أعني جعل الخيار على تقدير عدم تحقّق الأمر غير الاختياري في الخارج أي تعليق الالتزام بالمعاملة على تحقّق الشرط في الخارج فالظاهر أنه أمر سائغ صحيح ولا أرى مانعاً منه بوجه .

وأمّا الوجوه الأربعة التي استدلّوا بها على بطلان الشرط فيما إذا كان خارجاً عن الاختيار فشيء منها لا يأتي في المقام ، أعني الشرط بمعنى الخيار دون التزام المشروط عليه .

أمّا الاجماع ، فلأنّا لا نظن بتحقّقه فضلا عن القطع به سيّما مع استدلالهم عليه بتلك الوجوه الثلاثة ومعه لا يبقى اطمئنان بكون الاجماع تعبّدياً . مضافاً إلى أنّ المسألة خلافية وكفى في ذلك ما ذكره الشيخ(1) والقاضي(2) (قدّس سرهما) من الحكم بلزوم العقد مع تحقّق الشرط وثبوت الخيار للمشروط له إذا لم يتحقّق في أمثال المقام كما إذا باع أمة أو حيواناً واشترط عليه أن تحمل في المستقبل فإنّهما ذهبا في مثله إلى لزوم المعاملة مع تحقّق الحمل، وثبوت الخيار للمشروط له فيما إذا لم تحمل الأمة أو الحيوان في المستقبل على ما نسبه إليهما شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(3) وهذا عين ما ندّعيه في المقام .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المبسوط 2 : 156 .

(2) جواهر الفقه : 60 المسألة 220 .

(3) المكاسب 6 : 18 .

ــ[15]ــ

وأمّا مسألة الغرر فتندفع أوّلا : بأنّا نفرض الكلام فيما إذا اطمأنّ المتبايعان على حصول الشرط أعني فعل الغير أو عدمه بحيث لم يبق لهما تردّد في ذلك ، إذ مع الاطمئنان لا معنى للغرر .

وثانياً : لا معنى للغرر في أمثال المقام ، لأنّا كما فسّرناه في محلّه بمعنى احتمال الخطر وذهاب ماله بلا عوض ، ومع جعل الخيار لنفسه على تقدير عدم تحقّق الشرط لا يحتمل خطراً ولا يحتمل أن يذهب ماله هدراً ، لأنه إن كان واجداً لما اشترطه أخذه ، وإن كان فاقداً له فله أن يفسخ المعاملة فأين هناك احتمال الخطر .

وثالثاً : أنّ اشتراط فعل غير مقدور في المعاملة كما في المقام إذا كان غررياً موجباً للبطلان فما الفارق حينئذ بين اشتراط فعل غير مقدور واشتراط صفة خار