|
|
|
المعاملة والبيع وهو معنى الاسقاط ،
ولعلّه لذلك لم يتعرّض لهذا الخلاف شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في طرف البائع وإنّما
تعرّض له في طرف المشتري ، إذ ليس له خيار فتختلف الآثار بالاضافة إليه بناءً على
الكشف والنقل ، هذا .
ومن الغريب ما صدر عن بعض أجلاّء
المحشين(1) حيث ذكر أنّ النزاع في الكشف والنقل لا يترتّب عليه أثر (أي في طرف
المشتري) وعلّله بما علّلنا به عدم جريان النزاع في طرف البائع من أنّها على تقدير
وقوعها قبل الثلاثة توجب ارتفاع الخيار لارتفاع شرطه ، وعلى تقدير وقوعها بعد
الثلاثة أيضاً ترفع الخيار لأنّها إسقاط له .
وهذا اشتباه ظاهر ، لأنّ المشتري ليس له
الخيار حتى تكون إجازته قبض البائع بعد ثلاثة أيام مسقطة لخياره بخلاف العكس كما
مرّ .
الشرط
الثالث
ومنها : أي من جملة شرائط الخيار أو
البطلان عدم استناد تأخير إقباض المبيع أو قبض الثمن عن ثلاثة أيام إلى اشتراط
التأخير كما إذا اشترط أحدهما على الآخر تأخير تسليم الثمن أو المثمن ، لأنّ
الروايات منصرفة إلى صورة تأخيرهما لا عن حقّ بمعنى أنّها إنّما أثبت الخيار أو
دلّت على البطلان فيما إذا كان الاقباض والقبض في ثلاثة أيام من آثار المعاملة لا
فيما إذا لم يكن من آثارها كما في صورة اشتراط التأخير فإنه لا وجه لتوهم ثبوت
الخيار أو البطلان حينذاك ، لعدم وجوب الاقباض أو القبض حينئذ لأجل الاشتراط
ولعلّه ظاهر .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حاشية
المكاسب (الايرواني) 3 : 188 .
الشرط
الرابع
ومنها : أن يكون المبيع شخصياً أو ما هو
بمنزلته كالكلّي في المعيّن الموجود في الخارج ، وأمّا إذا كان كلّياً فلا يثبت
فيه الخيار ، ذهب إلى ذلك شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) واستشهد عليه
بكلمات الأصحاب ، وربما استظهر منها الاتّفاق على عدم ثبوت هذا الخيار في المبيع
الكلّي ، ثم استشكل في جريان حديث نفي الضرر في المبيع الكلّي وذكر أنه أيضاً يختص
بالمبيع الشخصي بدعوى أنّ الكلّي في الذمّة لا يتصوّر فيه التلف قبل قبضه حتّى
يتضرّر البائع من أجل ضمانه ودركه فلا ضرر عليه من هذه الجهة ، ولا يجري حديث نفي
الضرر في حقّه فيختصّ بالمبيع الشخصي لا محالة ، وأمّا النصوص فهي أيضاً ظاهرة في
الشخصي .
أمّا الروايتان المشتملتان على لفظ «
البيع » أعني رواية علي بن يقطين وابن عمّار حيث اشتملت الاُولى على أنّ الرجل
يبيع البيع ولا يقبضه ، والثانية من اشترى بيعاً الخ ، فلأنّ المراد بالبيع فيهما
هو المبيع ، وإنّما يطلق عليه البيع قبل وقوع المعاملة من جهة معرّضيته للبيع ،
وما يكون معرّضاً للبيع هو العين الشخصية وما يكون موجوداً من الأموال التي يرغب
فيها الناس ، وأمّا الكلّي فلا وجود له في الخارج حتّى يجعل في معرض البيع
والمعاملة .
وأمّا رواية زرارة « الرجل يشتري من
الرجل المتاع ثمّ يدعه عنده » الخ فهي أيضاً ظاهرة في المبيع الشخصي من جهتين :
إحداهما أنّ لفظ المتاع ظاهر في الأموال الموجودة ولا يصح إطلاقه على الكلّي ،
لأنّ المتاع بمعنى ما يتمتّع به وهو يختص بالموجود . وثانيتهما : قول « يدعه عنده
» فإنّ إيداعه وتركه المال عند البائع إنّما يتصوّر في الشخصي وأمّا الكلّي فلا
معنى لتركه عند البائع .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المكاسب
5 : 223 .
وكذا رواية أبي بكر « من اشترى شيئاً »
فإنّ الشيء وإن كان يشمل الشخصي والكلّي إلاّ أنّ شموله للشخصي وظهوره فيه لا
يحتاج إلى قرينة وهو نظير المجاز المشهور والمطلق المنصرف إلى بعض أفراده في عدم
احتياج إرادة المعنى الحقيقي أو المطلق إلى القرينة ، وإرادة الشخصي من الشيء لا
يحتاج إلى قرينة ودلالة ، فلا يمكن دفع احتمال إرادة الشخصي منه بأصالة
عدم القرينة لما عرفت من أنّ إرادته منه لا يحتاج إلى قرينة حتّى تدفع بالأصل ،
هذه خلاصة ما أفاده (قدّس
سرّه)
في المقام .
وللمناقشة في جميع ذلك مجال ، أمّا ما
استشهد به من كلمات الأصحاب واستظهاره الاتّفاق ففيه : أنّ ظهور جملة من كلمات
الفقهاء في اختصاص الخيار بالمبيع الشخصي وإن كان لا يقبل الانكار ، إلاّ أنّ في
مقابلها كلمات اُخرى ظاهرة في التعميم وعدم الاختصاص ، ويكفي في ذلك ما يظهر من
الشهيد (قدّس
سرّه)(1)حيث
أسند القول بالاختصاص إلى الشيخ (قدّس
سرّه)
فإنّ ظاهره أنّ الشهيد لا يلتزم بذلك ، بل يمكن استظهار أنّ غير الشيخ لا يقول
بالاختصاص ، والشهيد (قدّس
سرّه)
ممّا يعتنى بنقله لاشتهاره في ذلك وتخصّصه في فهم كلمات الفقهاء (قدّس سرّهم) وكيف كان
فلا يمكننا تحصيل الاتّفاق المفيد للقطع برأي الإمام (عليه السلام) من كلمات الأصحاب في
المقام .
وأمّا ما أفاده من اختصاص حديث نفي
الضرر بالمبيع الشخصي فيدفعه أوّلا : أنّ الحديث لا يثبت الخيار في المقام ولا يصح
الاستدلال به عليه كما أسلفناه سابقاً . وثانياً : لو اعتمدنا عليه في إثبات
الخيار فلا مانع من جريانه في بيع الكلّي أيضاً ، لأنّ الضرر المتوجّه إلى البائع
متعدّد ، منها أنّ ضمانه ودركه عليه فيما إذا تلف
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الدروس 3
: 273 .
قبل قبضه ، ومنها صبره عن الثمن وعدم
تصرّفه فيه ، ومنها وجوب حفظ مال الغير ، فهب أنّ الضرر من الناحية
الاُولى والثالثة لا يتصوّر في المبيع الكلّي وأمّا الضرر من الناحية الثانية فهو
جار في كل من الكلّي والشخصي ، لأنّ عدم تصرّفه في الثمن ضرر عليه فلا مانع من جريان
الحديث من تلك الجهة .
ودعوى أنّ صبره وعدم تصرّفه من قبيل عدم
النفع وليس من باب الضرر كما ادّعي في المقام واضحة الدفع ، لأنّ الصبر إنما يكون
من قبيل عدم النفع بالاضافة إلى مال الغير ، وأمّا في مال نفسه وهو الثمن فلا
محالة يكون صبره وعدم تصرّفه فيه ضرراً وموجباً لفوات منافعه .
وأمّا النصوص فلا يستفاد منها الاختصاص
أيضاً ، أمّا روايتا علي بن يقطين وابن عمّار المشتملتان على لفظ « البيع » فهما
وإن كانتا ظاهرتين في إرادة المبيع من البيع بقرينة قوله « ولا يقبّضه » وقوله «
من اشترى بيعاً » فإن الاقباض والاشتراء لا يتصوّران في البيع ، إذ لا معنى لاقباض
البيع أو اشترائه ، فيتعيّن أن يكون المراد منه المبيع ، وليس المقام من قبيل
قولنا زرت زيارة الأربعين أو ضربت ضرباً كذا في كون المصدر مفعولا مطلقاً ، بل
المراد به هو المبيع بالقرينتين المذكورتين ، إلاّ أنّه لم تقم دليل
على أنّ إطلاق البيع على المبيع من أجل معرّضيته للبيع ، بل الظاهر أنّ إطلاق
البيع عليه بعلاقة الأول والمشارفة نظير ما ورد في قولهم من قتل قتيلا فله سلبه أي
من قتل شخصاً سيتّصف بالقتل ومشرف عليه ، وهي وإن لم تكن رواية صحيحة إلاّ أنّه لا
بأس بالاستشهاد بها في المقام ، وقوله تعالى : (إِنِّي
أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً)(1) وهذا
المعنى كما يتحقّق في المبيع الشخصي كذلك يتحقّق في المبيع الكلّي ، لأنّ الكلّي
أيضاً سيتّصف بكونه مبيعاً بعد المعاملة ، هذا أوّلا .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يوسف 12
: 36 .
ثم لو سلّمنا أنّ إطلاقه عليه بعلاقة
المعرّضية للبيع فهذا لا يمنع عن شموله للكلّي ، فإنّ الشخصي كما يمكن أن يكون
معرّضاً للبيع كذلك الكلّي قابل لأن يكون معرّضاً للمعاملة كما هو المشاهد في
التجّار فإنّهم دائماً يبيعون الكلّي في الذمّة فالكلّيات عندهم في معرض البيع
ولعلّه ظاهر .
وأمّا رواية زرارة فلا دلالة فيها أيضاً
على الاختصاص ، أمّا من جهة لفظ المتاع ، فلأنّ المتاع كالماء وغيره ممّا وضع
للطبيعي فهو كما يشمل الموجود الشخصي كذلك يشمل الكلّي في الذمّة كالماء بعينه ولا
اختصاص فيه بالموجود الشخصي
وأمّا من جهة قوله « ثمّ يدعه عنده » فلأن يدع بمعنى يترك والترك مقابل الأخذ
والقبض ، والترك كما يطلق على عدم أخذ المبيع الشخصي كذلك يصح إطلاقه على عدم أخذ
المبيع الكلّي ، والذي يدلّنا على ذلك صحّة إطلاق ذلك على عدم أخذ الثمن الكلّي من
المشتري ، لأنّا إذا بعنا متاعنا من تاجر وأراد التاجر ردّ ثمنه فلم نأخذه منه
لعدم حاجتنا إليه أفلا يصح حينئذ أن نقول تركنا الثمن عند المشتري ، أو يقول غيرنا
أنّ فلاناً ترك الثمن عند المشتري مع أنّ الثمن كلّي كما هو الحال في أغلب
المعاملات ، هذا .
وعلى تقدير تسليم عدم دلالة الرواية على
التعميم وعدم استفادة جريان الخيار منها في المبيع الكلّي فهو لا يمنع من دلالة
الروايتين المتقدّمتين على التعميم لأنّ لفظ « يدعه عنده » إنّما وقع في كلام
السائل ولم يقع في كلام الإمام (عليه
السلام) حتّى
يمكن الاستدلال به ، على أنّ ظاهره المبيع الشخصي فغاية ما في الباب أنّ هذه
الرواية دلّت على ثبوت الخيار في خصوص المبيع الشخصي فلا يمنع عن دلالة سائر
الأخبار على التعميم لعدم دلالة الرواية على الاختصاص (حتى تقع المعارضة بينهما) .
وأمّا رواية أبي بكر فربما يقال بأنّ
الشيء فيها ظاهر في المبيع الشخصي ولا
مانع من أن يشمل الكلّي أيضاً ، إلاّ
أنّ انصرافه إلى الموجود الشخصي نظير انصراف المطلق إلى بعض أفراده وهذا هو مدّعى
شيخنا الأنصاري (قدّس
سرّه) واُخرى يقال باختصاص الشيء بالموجود الخارجي وعدم صحة إطلاقه على
الكلّي ، وذلك من جهة أنّ الشيء بمعنى المشيء وجوده ، فالشيء معناه
الموجود فكل ما هو موجود فهو شيء وما لا يكون موجوداً فهو ليس بشيء ، فلا يطلق على
الاُمور العدمية لفظ الشيء .
ثمّ إنّ ظاهر الرواية أن يكون المبيع
شيئاً أي موجوداً قبل وقوع البيع عليه كما هو ظاهر قوله من اشترى شيئاً ، وعليه
فيختصّ بالبيع الشخصي لأنّ الكلّي بعد وقوع المعاملة عليه وإن صحّ إطلاق الشيء
عليه إلاّ أنّه قبل وقوع المعاملة عليه ليس بشيء ولا وجود له ، ومن هنا لا تشمله
الرواية لظهورها في كون المبيع موجوداً قبل وقوع البيع عليه ، ومقتضى الدعوى
الاُولى أنّ الشيء أعم إلاّ أنّه ظاهر في خصوص الموجود الشخصي ، ومقتضى الدعوى
الثانية ، هو اختصاص الشيء بالمقيّد بالوجود وعدم صحة إطلاقه على الكلّي .
وكلتا الدعويين ساقطتان ، وذلك لأنّ
الشيء في اصطلاح الفلاسفة وإن كان يختص بالاُمور الوجودية وما لا وجود له فهو ليس
بشيء عندهم ، إلاّ أنّه بحسب العرف واللغة مفهوم عام يشمل الواجب والممتنع والممكن
بجميع أقسامه ويشمل الاُمور الموجودة والمعدومة ، ومن هنا ذكرنا في بعض مباحث
الاُصول(1) أنّ وصف الشيء بالعدم ليس فيه مناقضة فيصح أن يقال هذا شيء معدوم أو
يقال المعدوم شيء والموجود شيء آخر ، فإنّه لا مناقضة في ذلك عرفاً ولغة ، فإنّ
وزان الشيء وزان الأمر الذي يصح إطلاقه على المعدوم والموجود ، فكما يصح إطلاق
الشيء
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات
في اُصول الفقه 1 (موسوعة الإمام الخوئي 43) : 310 ـ 311 .
على الموجود الخارجي كذلك يصح إطلاقه
على الموجود الذهني والكلّي ، فلا وجه لدعوى تقييده بخصوص الموجود الشخصي أو
انصرافه إليه ويوضّح ذلك : ما إذا ورد أنّ وقت أذان الجمعة يحرم بيع شيء ،
أفيتفوّه عاقل باختصاص ذلك بالشخصي ولا يشمل الكلّي فيبيع ويشتري الكلّي بدعوى
أنّه ليس بشيء . وبالجملة فما دام التعهّد الوضعي باقياً لا يمكن رفع اليد عن
معناه ، اللهمّ إلاّ أن يرفع اليد عن تعهّده ووضعه ، هذا .
على أنّا لو سلّمنا اختصاص الشيء
بالموجود الشخصي وعدم استفادة التعميم من هذه الرواية ففي روايتي علي بن يقطين
وابن عمّار كفاية ، وعلى هذا فلا يختص هذا الخيار أو البطلان بخصوص المبيع الشخصي
بل يجري فيه وفي المبيع الكلّي في الذمّة ، بلا فرق بينهما .
ثمّ إنّ هنا اُموراً قيل باعتبارها في
هذا الخيار :
منها : ما ذكره
العلاّمة (قدّس
سرّه)
في التحرير(1) وابن إدريس في السرائر(2) وهو أن لا يكون لهما أو لأحدهما خيار ،
وقيّده في السرائر بخصوص شرط الخيار وأنّهما إذا اشترطا لنفسهما الخيار أو اشترطه
أحدهما فلا نثبت فيه خيار التأخير للبائع . وأمّا التحرير فظاهره الاطلاق وأنّ
مطلق الخيار لأحدهما أو لهما يمنع عن ثبوت خيار التأخير .
وكيف كان فيقع الكلام في مدرك هذا
الاشتراط ، وقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(3) أنّ المدرك في ذلك مجموع أمرين :
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التحرير
2 : 289 .
(2) السرائر
2 : 277 .
(3) المكاسب
5 : 229 .
أحدهما : أنّ ظاهر الروايات الدالّة على
خيار التأخير أنّ عدم القبض والاقباض إنّما يوجب خيار التأخير فيما إذا لم يكن عن
حقّ كما إذا لم يقبض المشتري الثمن عداوناً ومماطلة ولأجله لم يقبضه البائع المثمن
، وأمّا إذا كان تأخير المشتري على وجه الحق ولم يكن من باب المماطلة فهو لا يوجب
الخيار للبائع ، إذ الأخبار منصرفة عن صورة تأخير المشتري عن حق ، وظاهرها ما ذكرناه
من كون عدم القبض لا على وجه الحق ، كما أنّ ظاهرها كون عدم إقباض البائع لعدم قبض
الثمن لا من جهة ثبوت حق له في عدم الاقباض ولو مع قبض الثمن .
وثانيهما : أنّ البيع الخياري لا يجب
فيه تسليم المثمن على البائع ولا تسليم الثمن على المشتري ، لأنّه ممّا لا إلزام
فيه على الوفاء حتّى أنّه إذا سلّم أحدهما ماله إلى الآخر فلا يجب عليه تسليم
مقابله إليه لخيارية العقد وعدم وجوب الوفاء فيه .
فإذا ضممنا أحد هذين الأمرين إلى الآخر
ينتج أنّ عدم تسليم المشتري الثمن إلى البائع إنّما هو عن حق لعدم وجوب التسليم
عليه حسب الفرض ، كما أنّ عدم إقباض البائع المثمن من جهة ثبوت حق له في ذلك لعدم
وجوب التسليم عليه ، وليس عدم إقباضه مستنداً إلى عدم قبض الثمن ، وقد
فرضنا أنّ الأخبار إنّما تدل على ثبوت الخيار فيما إذا لم يكن عدم مجيء المشتري
بالثمن عن حق وكان عدم إقباض البائع من جهة عدم قبضه الثمن ، وكلا الأمرين منتفيان
في المقام ، إذ المفروض أنّ عدم مجيء المشتري عن حق كما أنّ عدم إقباض البائع
مستند إلى حقّه لا إلى عدم قبضه الثمن ، فلازم هذين الأمرين اعتبار عدم ثبوت
الخيار لهما أو لأحدهما في ثبوت خيار التأخير ، هذا .
وشيخنا الأنصاري بعد إيهام ردّ كلتا
المقدّمتين بقوله : وفيه بعد تسليم الحكم في الخيار وتسليم انصراف الأخبار الخ قد
أورد عليه بنقضين :
أحدهما : أنّ لازم
هاتين المقدّمتين كون مبدأ التأخير في هذا الخيار بعد
انقضاء خيار المجلس وبعد الافتراق لأنه
ثابت في جميع البيوع أو أغلبها ، والمفروض أنّهما في زمان الخيار لا يلتزمان
بالتسليم ، فيكون عدم إقباض كل واحد منهما في زمان خيار المجلس مستنداً إلى حقهما
فلا يثبت حينئذ خيار التأخير لعدم حصول شرطه ، فلابدّ من اعتبار التأخير ثلاثة
أيام بعد انقضاء المجلس حتّى لا يكون عدم الاقباض مستنداً إلى حقّهما أو أحدهما ،
مع أنّ ظهور الروايات بل صراحتها تقتضي الحكم بثبوت هذا الخيار واعتبار ثلاثة أيام
من حين البيع لا من حين الافتراق .
وثانيهما : أنّ لازم
هذين الأمرين عدم ثبوت هذا الخيار في الحيوان ، لأنّ المشتري فيه على الخيار إلى
ثلاثة أيّام ، فعدم تسليمه الثمن حينئذ مستند إلى حقّه والمفروض اشتراط عدم الخيار
لهما أو لأحدهما في ثبوت هذا الخيار ، وحيث إنّ المشتري له الخيار في بيع الحيوان
فلا يثبت فيه خيار التأخير مع أنّهم متّفقون على ثبوت خيار التأخير في جميع أفراد
البيع ولم يخالفهم في ذلك إلاّ الصدوق (رحمه الله)(1) حيث ذهب إلى كون الخيار في خصوص الجارية
بعد شهر لا بعد ثلاثة أيام من جهة وروده في بعض الأخبار كما ستأتي الاشارة إليه إن
شاء الله تعالى .
ودعوى أنّ خيار التأخير إنّما يثبت بعد
انقضاء خيار الحيوان فيحسب ثلاثة أيام بعد انقضاء خيار الحيوان ، فإذا لم يجئ
بالثمن فيها فيثبت للبائع الخيار ، مدفوعة بأنه على خلاف ظهور الأخبار ، لأنّها
كالصريح في أنّ مبدأ الثلاثة في ثبوت خيار التأخير هو زمان وقوع البيع لا زمان
انقضاء خيار الحيوان .
لا يقال : إنّ لازم
عدم جريان الخيار في بيع الحيوان عدم جريانه في كل بيع يثبت فيه خيار المجلس ،
لأنّ ظهور الأخبار في أنّ مبدأه هو حين البيع لا زمان
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المقنع :
365 .
انقضاء الخيار فلماذا التزمتم بثبوته
بعد انقضاء خيار المجلس ولم تلتزموا بثبوته بعد انقضاء زمان خيار الحيوان ، فما
وجه الفرق بينهما .
لأنّه يقال : إنّ أغلب
المعاملات والبيوع لولا جميعها مشتمل على خيار المجلس لا محالة إلاّ فيما إذا إذا
أسقطاه وهو نادر ، ولازم عدم جريان خيار التأخير فيما يثبت فيه خيار المجلس إلغاء
خيار التأخير في أغلب البيوع أو جميعها وهو يستلزم لغوية الأخبار الدالّة على
ثبوته أي خيار التأخير وبقاءها بلا مورد ، وهذا بخلاف الالتزام بعدم جريانه في بيع
الحيوان ولعلّه ظاهر ، هذا .
وشيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)(1) ذهب
إلى تمامية المقدّمتين المتقدّمتين والتزم بعدم ثبوت خيار التأخير فيما إذا ثبت
لهما أو لأحدهما الخيار ، وأفاد أنّ ما ذكره العلاّمة في التحرير وابن إدريس في
سرائره هو الصحيح .
أمّا
المقدّمة الاُولى : فلأنّ صراحة الأخبار وانصرافها عمّا إذا كان
تأخير المشتري مستنداً إلى حقّه ممّا لا يقبل الانكار ، هذا . قلت : بل الشيخ (قدّس الله سرّه) اعترف بذلك
في الشرط الثالث من شروط خيار التأخير قبل صحيفة حيث استدلّ على عدم ثبوت الخيار
فيما إذا اشترط المشتري التأخير على البائع بمدّة : بأنّ الروايات منصرفة عن صورة
كون التأخير مستنداً إلى حقّ المشتري ، ومعه كيف يمكنه الانكار في المقام بقوله (قدّس سرّه) وفيه بعد
تسليم الحكم الخ لأنّه يوهم الانكار وإلاّ لما يمكنه إثبات الشرط الثالث بالانصراف
، وهذه المقدّمة كما أفاده ممّا لا كلام فيه وإنّما المهم هو ما أفاده في إثبات
المقدّمة الثانية .
وأمّا
المقدّمة الثانية : فلأنّ العقد إذا لم يكن بنفسه واجب الوفاء ولم
يلزم البائع أو المشتري به فلا محالة تكون آثاره أيضاً غير لازمة الوفاء ، ومن هنا
قلنا إنّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) منية
الطالب 3 : 183 .
الشرط في العقد الخياري بالعرض أو
بالذات لا يجب الوفاء به سواء كان شرطاً صريحاً أو ضمنياً كتسليم الثمن والمثمن ،
وعليه فحيث إنّ العقد خياري في المقام فلا يجب عليهما الوفاء به ولا يجب عليهما
التسليم والتسلّم الثابتان بالاشتراط الضمني ولا غيرهما من لوازم العقد وآثاره ،
وعليه فالمقدّمتان تامّتان ولازمهما عدم ثبوت خيار التأخير فيما إذا ثبت لهما أو
لأحدهما الخيار ، لأنّ التأخير حينئذ مستند إلى حق المشتري كما أنّ عدم إقباض
البائع مستند إلى حقه في التأخير لا إلى عدم قبضه الثمن .
ثم أفاد (قدّس الله نفسه) أنّ الشيخ
(قدّس سرّه) وإن أنكر
عدم وجوب التسليم والتسلّم في المقام إلاّ أنه (قدّس سرّه) اعترف به في أحكام
القبض في الجواب عمّا أورده المحقّق الأردبيلي على مقالة المشهور من أنّ المشتري
إذا لم يدفع الثمن إلى البائع فيجوز له عدم إقباض المبيع .
فأورد عليه الأردبيلي (قدّس سرّه) بأنّ
معصية أحد وظلمه وهو المشتري حيث عصى بعدم دفع الثمن إلى البائع كيف تكون سبباً
ومرخّصاً في معصية الآخر وظلمه ، وكيف يجوز للبائع عدم إقباض المبيع مع أنّه واجب
عليه ، هذا .
فأجاب عن ذلك شيخنا الأنصاري بأنّ عدم
دفع البائع ليس معصية وظلماً بل من جهة حقّه الثابت بالاشتراط الضمني حيث اشترط كل
منهما على الآخر عدم تسليمه ملك الآخر إلاّ فيما إذا سلّمه الآخر ملكه وتخلّفه
يوجب الخيار ، ونتيجة ذلك أنّ التسليم والتسلّم غير واجبين في زمان الخيار .
وأمّا نقضه (قدّس سرّه) بخيار المجلس
والحيوان فيندفع بأنّ ظاهر الروايات هو عدم كون المتبايعين ذوي خيار في زمان مقارن
لخيار التأخير وهو بعد انقضاء ثلاثة أيام من صدور البيع بآن ، لأنه زمان ثبوت خيار
التأخير ، فكون أحدهما أو كلاهما ذا خيار في هذا الزمان يوجب أن يكون التأخير
مستنداً إلى حقّهما
وخيارهما ، وأمّا الخيار قبل انقضاء
ثلاثة أيام كخياري المجلس والحيوان أو بعد ثلاثة أيام بمدة كالخيار بعد شهر من
ثلاثة أيام فهما لا ينافيان خيار التأخير ولا يمنعان عن كون تأخيره عن غير حق في
زمان خيار التأخير لاختلاف زمانهما
والذي يوجب استناد التأخير إلى حقهما هو خيارهما مقارناً لانقضاء ثلاثة أيام الذي
هو ظرف لخيار التأخير ، فإنّ تأخيره حينئذ مستند إلى حقه وخياره ، وعليه فالنقض بخياري
المجلس والحيوان غير وارد لعدم كونهما مقارناً لانقضاء ثلاثة أيام وإنما هي قبل
انقضائها ، فلا يكونان منافيين لخيار التأخير ، نعم لو امتدّ مجلس البيع إلى ثلاثة
أيام وما بعدها يكون منافياً لخيار التأخير إذ لا يجب عليه التسليم حينئذ ويكون
تأخيره عن حق ، ومعه لا يثبت خيار التأخير ، هذه خلاصة ما أفاده شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه) في المقام
.
ولنا في جملة ما أفاده نظرات وتأمّلات :
منها ما أفاده أخيراً من أنّ الشيخ (قدّس سرّه) سلّم عدم وجوب التسليم والتسلّم في زمان
الخيار حيث أجاب عن مناقشة الأردبيلي (قدّس سرّه) في أحكام القبض بأنّ عدم تسليم المشتري ليس
بظلم بل من جهة الاشتراط الضمني حيث شرط كل واحد منهما على الآخر التسليم عند
تسليم الآخر وتمكينه منه ، وهذا الاشتراط يوجب الخيار عند تخلّفه ، وحيث إنّ
البائع لم يسلّم المبيع إلى المشتري فله أن لا يسلّم الثمن إليه ، ومعنى ذلك
أنّهما في زمان الخيار غير محكومين بوجوب التسليم والتسلّم .
ولا يخفى عليك أنّ البابين مختلفان
وأحدهما أجنبي عن الآخر ، وذلك لأنّ عدم وجوب التسليم والتسلّم على المتبائعين عند
اشتراطهما ليس من جهة الخيار بل من جهة الاشتراط ، فإنّ الفرض أنّ كل واحد منهما
اشترط على الآخر التسليم عند تسليمه ، فإذا لم يحصل التسليم منه فلا يجب التسليم
عليه حسب الاشتراط ، كان العقد لازماً أم كان جائزاً ، فليس عدم وجوب التسليم
مستنداً إلى الخيار كما
عرفت ، وأمّا في المقام
فالمدّعى أنّ من آثار الخيار عدم وجوب التسليم والتسلّم من جهة أنّ العقد إذا لم
يكن بنفسه لازم الوفاء فلا يكون آثاره أيضاً واجب الوفاء حتى فيما إذا سلّم أحدهما
إلى الآخر فإنه لا يجب على الآخر ردّ ماله إليه لأنّ العقد خياري وليس لازم الوفاء
، مع أنّ عدم وجوب التسليم لو كان من جهة الاشتراط لوجب على الآخر التسليم لحصول
شرطه.
وكيف كان فالبابان مختلفان ، ولا ينافي القول بعدم وجوب التسليم من جهة الاشتراط القول بأنّ الخيار لا يترتّب عليه عدم وجوب التسليم والتسلّم لتعدّد المسألتين ، وقد عرفت أنّ عدم وجوب التسليم في أحكام القبض من جهة الاشتراط وعدم حصول شرطه لا من جهة الخيار ، فكلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في المقام غير مناقض لما أفاده في أحكام القبض