ــ[1]ــ

ــ[2]ــ 
 

القول في خيار التأخير

من اشترى شيئاً ولم يتسلّمه ولا سلّم الثمن، فإن جاء بالثمن ما بينه وبين ثلاثة أيّام فهو أحقّ به وإلاّ فللبائع الخيار، وهذا ممّا لا خلاف فيه بينهم .

وإنّما الكلام في مدرك ذلك وهو اُمور منها : الشهرة والاجماعات المدعاة المتعدّدة القائمان على أنّ البائع يتمكّن من فسخ العقد فيما إذا أخّر المشتري تسليم الثمن بأزيد من ثلاثة أيّام .

ومنها : حديث لا ضرر حيث إن صبر البائع ضرر عظيم ، والضرر فيه أشدّ وآكد من الضرر في الغبن ، لأنه من جهات ثلاثة : إحداها صبره عن الثمن وعدم تصرّفه في المبيع لأنه ملك غيره . وثانيها : أنّ تلفه في تلك المدّة عليه ، لأنّ كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه وهو ضرر . وثالثها : أنّه يجب عليه حفظ المبيع في تلك المدّة للمشتري ، وحفظ مال الغير بلا عوض ضرر ، ومقتضى حديث لا ضرر عدم لزوم المعاملة وكون البائع متمكّناً من فسخها .

ومنها : الأخبار الواردة في المقام بلسان « لا بيع له » أو « لا بيع بينهما »(1)هذا .

ويمكن المناقشة في جميع ذلك : أمّا الشهرة والاجماعات فلأنّه لا اعتبار بهما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 21 / أبواب الخيار ب9 .

ــ[3]ــ

وعدم حجّيتهما .

وأمّا حديث لا ضرر فهو أيضاً لا يقتضي الخيار في المقام ، وذلك لأنّ الضرر لم ينشأ عن لزوم المعاملة حتى نرفعه بالحديث ، وإنّما نشأ من صبره عن الثمن ، ولكنّه لا يوجب ارتفاع اللزوم ، بل بمقتضى الحديث نرفع وجوب الصبر عليه ، فله أن يطالب المشتري بالثمن فإن أبى فيرفع أمره إلى الحاكم وإلاّ فيأخذ بالمثمن من باب التقاصّ ، وليس هذا من الفسخ في شيء إذ ربما يجب عليه ردّ ما زاد عن مقدار الثمن إلى المشتري وربما يطالبه بما نقص عن مقداره ، هذه هي الجهة الاُولى من جهات الضرر .

أمّا الجهة الثانية منها فهي أيضاً كذلك ، أمّا أوّلا : فلأنّ كون تلف المبيع قبل قبضه من مال البائع حكم مبني على الضرر ، وما هذا شأنه لا يرتفع بالحديث ، لأنّه لا يختص بالمقام إذ الأمر كذلك في جميع المعاملات الصحيحة ، وكذا في المقام فيما إذا سلّم إليه الثمن ولم يقبضه بعد .

وأمّا ثانياً : فلأنّ كون التلف من البائع لو كان ضررياً فنرفعه بحديث لا ضرر ونحكم بعدم كون تلفه من البائع ، ولا وجه للحكم بجواز المعاملة حينئذ ، لأنّ الحديث إنّما يرفع ما ينشأ من قبله الضرر لا أمر آخر وهو ظاهر .

ومن ذلك يظهر الجواب عن الضرر من الجهة الثالثة ، وذلك لأنّ الحفظ إذا كان ضررياً على البائع فنرفع وجوبه بالحديث ولا وجه لرفع لزوم المعاملة حينئذ هذا .

ومع الاغماض عمّا ذكرناه وتسليم أنّ الحديث يرفع لزوم المعاملة فمن أين يثبت تقييد ذلك بثلاثة أيام فإنه إذا كان ضررياً في اليوم الأول فلابدّ من أن يرفع لزومها من ذلك الوقت فلا وجه لرفعه بعد الثلاثة . فالاستدلال بحديث لا ضرر ممّا لا وجه له في المقام .

ــ[4]ــ

وأمّا الروايات الواردة فقد استشكلوا فيها من حيث دلالتها ، وذلك لأنّ ظاهرها نفي المعاملة بينهما كما في رواية علي بن يقطين أو نفي البيع للمشتري كما في أكثرها ، ومقتضى ذلك هو البطلان لا جواز المعاملة ورفع اليد عن لزومها ، ولا وجه لطرح ظواهر الأخبار أبداً .

والذي قيل في وجه تأويل الروايات وحملها على نفي اللزوم مع ظهورها في بطلان المعاملة اُمور :

الأول : ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) من أنّ الوجه في استفادة نفي اللزوم هو فهم الأصحاب حيث إنّ المشهور فهموا منها نفي اللزوم لا نفي صحّة المعاملة ، وهذا يكشف عن أنّ الروايات ظاهرة في نفي اللزوم ، ولأجل هذا استفاد الأصحاب منها ذلك فإنّهم هم أهل العرف وقد قارنه (قدّس سرّه) بما يظهر منه العلّية حيث قال : وحملة الأخبار ، فإن فهم حملة الأخبار نفي اللزوم أقوى دليل على ظهور الروايات في ذلك ، وإنّما وصلت الأخبار إلينا بواسطة اُولئك الحملة وهم من أهل العرف والعرب العالمين بظواهر الأخبار ، هذا .

ولا يخفى عليك أنّ المشهور إذا استفادوا معنىً من لفظ أو كلام فلا إشكال في كشف ذلك عن ظهوره فيه ، لأنّهم إنّما استفادوه بما هم أهل العرف واللسان ، ولكن هذا غير مسلّم في المقام ، ولا ندري أنّهم استفادوا عدم لزوم المعاملة من ألفاظ الرواية ولعلّهم إنّما استفادوا ذلك من دليل خارجي ولأجل هذا الدليل حملوا الروايات على نفي اللزوم ، مع أنّا لو سألنا آحاد الأصحاب عن ظهورها أجابوا بأنّها ظاهرة في نفي الصحة لا في نفي اللزوم .

الثاني : ما يظهر أيضاً من كلمات شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ فهم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 219 ـ 220 .

ــ[5]ــ

الأصحاب لو لم يفد القطع بظهور الروايات في نفي اللزوم فلا أقل من أنّه يوجب الشك في المراد ، وأنّ الأخبار ظاهرة في نفي اللزوم أو في نفي الصحة ، فتكون الروايات مجملة فنرجع إلى استصحاب آثار الملكية بعد ثلاثة أيام ، ولا مانع من استصحاب صحة المعاملة في المقام ، إذ اللزوم ليس فصلا مقوّماً للصحة حتّى لا نثبت الصحة بلا وصف اللزوم ، وإنّما هو والجواز حكمان يطرءان على البيع الصحيح  .

ويدفعه : أنّ فهم الأصحاب كما لا يوجب انقلاب ظهور الروايات في نفي الصحة إلى الظهور في نفي اللزوم كما أشرنا إليه في الجواب عن الوجه الأول ، كذلك لا يوجب إجمالها ، إذ لو سألنا آحاد الأصحاب عن ظهورها أجابوا بأنّها ظاهرة في نفي الصحة ، لأنّ « لا » لنفي الجنس والبيع بمعنى المبادلة ولعلّه ظاهر ، فلا وجه معه لاجمال الرواية .

الثالث : ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أيضاً : من أنّ تخصيص نفي البيع للمشتري بقوله (عليه السلام) « لا بيع له » أي للمشتري وعدم نفي البيع عن كل منهما قرينة على أنّ المراد منها أنّ المشتري كأنه لم يشتر ، فليس له مطالبة البائع بالمثمن ، وهو معنى جواز المعاملة من طرف البائع دون طرف المشتري ، إذ لو كان مراده (عليه السلام) بطلان المعاملة لما كان لتخصيصه (عليه السلام) نفي البيع بالمشتري وجه .

والجواب عن ذلك أوّلا : أنّ صحيحة علي بن يقطين اشتملت على نفي البيع من كل من البائع والمشتري حيث قال (عليه السلام) « لا بيع بينهما » كما اعترف هو (قدّس سرّه) بذلك .

وثانياً : أنّ وجه تخصيصه (عليه السلام) نفي البيع بالمشتري هو أنّ الروايات إمّا لسؤالها أو كلامه (عليه السلام) ناظرة إلى بيان حكم من اشترى شيئاً ولم يتسلّم المثمن

ــ[6]ــ

ولم يسلّم الثمن ، ومن هنا أجاب (عليه السلام) بأنّه لا بيع له أي للمشتري ، وحيث إنّ البيع هو المبادلة بين المالين وهي يستحيل أن تقوم بواحد ، فنفي المبادلة من المشتري وجعله بمنزلة من لم يشتر أصلا يدلّ بالدلالة الالتزامية على نفيها عن البائع أيضاً .

الرابع : ما ذكره شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)(1) من أنّ الغرض من هذا الحكم في الأخبار والروايات هو الارفاق للبائع حتى لا يتضرّر من جهات متعدّدة ومقتضى الارفاق في حقّه هو نفي اللزوم لا نفي الصحة ، لأنه ربما يكون على خلاف مصلحة البائع كما إذا تنزّلت القيمة بعد ثلاثة أيام ، هذا .

وفيه : أنه لا دليل على أنّ الحكم في الروايات يدور مدار الارفاق للبائع لاطلاق الأخبار ولا ندري أنه من أين استفاد ذلك منها ، نعم لا بأس بكونه حكمة التشريع ، وأمّا كونه عنواناً للموضوع حتى يدور مداره الحكم فلا ، فليكن المقام نظير بيع الصرف فكما أنّ القبض فيه في المجلس شرط في صحة البيع فكذا نقول في المقام بأن قبض المبيع في الثلاثة شرط في صحة المعاملة ولا يلزم منه خلاف إرفاق للبائع أبداً .

فالانصاف أنه لا وجه لرفع اليد عن ظواهر الأخبار ، فلابدّ من الحكم ببطلان المعاملة فيما إذا باع أو اشترى ولم يقبض المبيع إلى ثلاثة أيام فيكون قبض المبيع إلى ثلاثة أيّام من شرائط صحة المعاملة كما ذهب إليه صاحب الحدائق(2)وتردّد فيه المحقّق الأردبيلي(3) وقوّاه بعض آخر ، ولا وجه لرفع اليد عن الأخبار فإنه لا موجب له ، والأمر يدور بين طرح الأخبار برأسها وبين العمل على ظهورها

ــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) منية الطالب 3 : 176 .

(2) الحدائق 19 : 47 .

(3) مجمع الفائدة والبرهان 8 : 405 ـ 406 .

ــ[7]ــ

وهو بطلان المعاملة فيما إذا أخّر القبض أزيد من ثلاثة أيام ، فما تعجّب به صاحب الحدائق عن العلاّمة (قدّس سرّهما) من أنه مع اعترافه بظهور الروايات في نفي صحة المعاملة اختار صحتها معتمداً على أصالة بقاء صحة العقد وحملها على نفي اللزوم تعجب في محلّه .

والمتحصّل : أنّ الروايات الواردة في المقام تدلّ على بطلان البيع فيما إذا لم يأت المشتري بالثمن ما بينه وبين ثلاثة أيام ، وهي من حيث الدلالة ظاهرة ومن حيث السند لا بأس بها ، فلابدّ من أن نأخذ بها ومقتضاها اشتراط صحة البيع بالقبض إلى ثلاثة أيام ، فيكون القبض شرطاً في جميع البيوع إلى ثلاثة أيام ، ولا يبقى في البين حينئذ إلاّ مخالفة المشهور ، إلاّ أنّها تضرّ بالروايات فيما إذا لم يرجع إلى فهمهم من ألفاظ الروايات نفي اللزوم كما هو كذلك على ما تقدّم مفصّلا ، هذا كلّه في أصل المسألة .

وبقي الكلام في الشروط والاُمور المعتبرة فيها :

الشرط الأول : عدم قبض المبيع

فهو شرط في ثبوت الخيار بعد ثلاثة أيام على المشهور ، ومن شروط بطلان المعاملة عندنا إذا لم يحصل القبض إلى ثلاثة أيام ، وكيف كان فهذا الشرط ممّا لا كلام فيه عندهم ، ولا دلالة في الروايات على اعتبار هذا الشرط غير صحيحة علي بن يقطين ، فإنّ عدم قبض المبيع لم يذكر في كلام الإمام (عليه السلام) في الروايات وإنّما وقع في كلام السائل وهو لا يفيد الاشتراط .

ولكن في صحيحة علي بن يقطين غنىً وكفاية ، لأنّها دلّت على أنّ الأجل بينهما ثلاثة ، فإن قبّضه بيعه وإلاّ فلا بيع بينهما ، فيستفاد من قوله (عليه السلام) «  فإن قبّضه » أي البائع للمشتري بيعه أي المبيع فلا خيار للمشتري ، أنّ عدم إقباض

ــ[8]ــ

البائع المبيع للمشتري شرط في ثبوت الخيار للمشتري .

وقد خالف في ذلك صاحب الرياض(1) وتبعه صاحب الجواهر(2) (قدّس سرّهما) فأنكرا هذا الاشتراط في ثبوت الخيار ، وقد وجّه شيخنا الأنصاري(3)إنكارهما لهذا الاشتراط مع دلالة صحيحة علي بن يقطين عليه بوجهين : أحدهما أنّ هذه الفقرة من الصحيحة لعلّها ساقطة عن نسختهما ولأجل ذلك لم يشترطا عدم قبض المبيع في الخيار . وثانيهما : احتمال أنّهما قرءا « قبضه » بالتخفيف و «  بيّعه  » بالتشديد على خلاف ما قرأناه ، وعليه يصير معنى الرواية فإن قَبَضَ بيّعه أي قبض الثمن بائع المبيع فلا خيار للمشتري وإلاّ فهو على خيار ، فتكون هذه الفقرة ممّا دلّ من الروايات على اعتبار عدم قبض الثمن في ثبوت الخيار ، فإنّهم اشترطوا أمرين في هذا الخيار أحدهما عدم قبض المبيع وثانيهما عدم قبض الثمن ، والفقرة دلّت على اعتبار عدم قبض الثمن في ثبوت الخيار ، وكيف كان فلا تدلّ الرواية حينئذ على اشتراط عدم قبض المبيع في ثبوت الخيار .

ثمّ أورد على هذا التوجيه الثاني بقوله : ولا يخفى ضعف هذا الاحتمال وملخّص ما أورده عليه أمران : أحدهما أنّ استعمال لفظ البيّع وإن كان صحيحاً في التثنية كقوله « البيّعان بالخيار » الخ إلاّ أنّ استعماله مفرداً غير صحيح ، لعدم وجوده في شيء من الأخبار والكلمات العربية . وثانيهما : أنّ تشديد بيّعه على خلاف الأصل  ، لأنّ أصالة العدم الأزلي يقتضي عدم التشديد كما ذكر نظير ذلك الشهيد

ــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) رياض المسائل 8 : 307 .

(2) الجواهر 23 : 53 .

(3) المكاسب 5 : 220 .

ــ[9]ــ

(قدّس سرّه)(1) في لفظ البكاء المبطل للصلاة ، فإنّ البكاء مع المدّ معناه خروج الدمع مع الصوت (من باب أنّ كثرة المباني تدلّ على كثرة المعاني) وأمّا بلا مدّ كما إذا كان مقصوراً فمعناه مجرد خروج الدمع بلا صوت ، والشهيد (قدّس سرّه) أجرى أصالة عدم المدّ في البكاء وبه ذهب إلى أنّ القاطع للصلاة مجرد خروج الدمع وإن لم يكن معه صوت ، هذا ما أورده عليهما شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) .

وفي كلا إيراديه نظر ، أمّا فيما أورده أوّلا ، فلأنّ عدم وجدانه (قدّس سرّه) استعمال البيّع مفرداً لا يكشف عن عدم وجوده في الكلمات العربية وأشعارها ، فإنّ غاية ما رآه من كتب العرب هي كتب الأخبار أو هي مع مقدار يسير من غيرها وهذا المقدار لا يكشف عن عدم وجوده ، هذا أوّلا .

وثانياً : هب أنّ استعمال البيّع مفرداً غير موجود في الكتب العربية إلاّ أنّه ليس من السماعيات المتوقّفة على الاستعمال والسماع من العرب ، وإنّما هو أمر قياسي ولا مانع لاستعمال البيّع المفرد في القواعد ولا نرى فيه غلطاً .

وأمّا ما أورده ثانياً فيدفعه : أنّ أصالة عدم التشديد في بيعه معارضة بأصالة عدم بيعه بلا تشديد ، إذ الأصل أنّ بيعه بلا تشديد لم يستعمل في كلامه (عليه السلام) ولا يقاس المقام بالمدّ في البكاء فإنّ أصالة العدم فيها بلا معارض لعدم تركّب البكاء من هيئة ومادّة ، بخلاف بيعه فإنّه بلا تشديد غير بيّعه مع الشديد ، وأصالة عدم التشديد يعارض بأصالة عدم بيعه بلا تشديد(2).

وأضف إلى ذلك : أنّا إذا رفعنا اليد عن التشديد في بيعه فلا محالة نلتزم به في قبضه ، فلصاحب الرياض أن يجري أصالة عدم التشديد في قبّضه حتّى يكون

ــــــــــــــــــــــــــــ 

(1) الروضة البهيّة 1 : 234 .

(2) لا يخفى ورود عين هذا الاشكال في البكاء فإنّ الأصل عدم استعمال البكاء بلا مدّ .

ــ[10]ــ

الأصلان متعارضين ، وبالجملة لا مجال لأصالة عدم التشديد في المقام ولا يثبت بها أنّ بيّعه بلا تشديد .

فالصحيح في الجواب عن احتمال قراءة بيّعه بالتشديد أن يقال : إنّ الوجه في عدم قراءته بالتشديد وقراءة قبّضه مع التشديد هو أنّ نقلة الأخبار كذا نقلوهما فإنّ عادتهم كانت جارية على قراءة الروايات عند أساتذتهم وبعد قراءتها كانوا يكتبونها ، ولم يحتمل أحد منهم قراءة بيعه بالتشديد وقراءة قبضه بدون التشديد ومقتضى سكوتهم عن هذا الاحتمال أنّهم نقلوا واحداً عن واحد قبّضه مع التشديد وبيعه بدونه إلى أن يصل إلى الإمام (عليه السلام) ومع نقل الرواة أحدهما بلا تشديد وثانيهما معه لا مجال لرفع اليد عن نقلهم واحتمال عكسه .

فالمتحصّل إلى هنا أنّ اشتراط عدم قبض المبيع في ثبوت الخيار ممّا لا إشكال فيه .

وإنّما الكلام في خصوصيات ذلك ، وقد عرفت أنّ البائع إذا أقبض المبيع للمشتري فلا يثبت له الخيار ، ولو وضعه عند البائع أمانة بعد قبضه منه فلا إشكال في أنّ البائع إذا أقبضه باختياره ينتفي الخيار كما أنّه إذا لم يقبضه لأجل عدم ردّ المشتري ثمنه يثبت له الخيار .

وأمّا إذا لم يقبضه البائع لا لأجل عدم ردّ المشتري الثمن بل عدواناً والمشتري مكّنه من الثمن وأراد أخذ المبيع إلاّ أنّ البائع منعه عن القبض ظلماً وعدواناً فهل يثبت بذلك الخيار للبائع بعد ثلاثة أيام أو لا ، لأنّ عدم قبضه ليس عن حق ومن أجل عدم ردّ الثمن .

ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أنّ ظاهر الأخبار أنّ الخيار إنّما جعل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 221 .

ــ[11]ــ

للبائع إرفاقاً له حتى لا يتضرّر بسبب الحكم الشرعي ، وهذا إنما يتحقق فيما إذا كان عدم إقباض المبيع مستنداً إلى عدم إقباض المشتري وعدم ردّه الثمن ، وأمّا إذا كان عدم إقباضه مستنداً إلى اختياره وعدم قبول الثمن من المشتري فلا يتوجّه عليه ضرر من ناحية الحكم الشرعي حتى يرفعه الشارع إرفاقاً له . ففي هذه الصورة لا يثبت له الخيار ، هذا .

وفيه : أنّ الروايات إنّما جعلت الخيار أو دلّت على البطلان عند عدم قبض المبيع إلى ثلاثة أيام ، بلا تقييد بكون عدم القبض مستنداً إلى اختياره أو إلى عدم دفع المشتري الثمن ، ولم تدلّ الروايات على أنّ جعل الخيار للبائع من جهة الارفاق حتى يدور مداره الحكم ، بل الأخبار مطلقة وقد دلّت على اشتراط صحة البيع بالقبض إلى ثلاثة أيام كما دلّت الروايات على اشتراط صحة بيع الصرف بالقبض في المجلس بلا فرق في ذلك بين استناد عدم القبض إلى اختياره أو إلى عدم ردّ المشتري الثمن ، كما لا يفرق الحال بذلك في الصرف فإنه يبطل إذا لم يحصل القبض في المجلس  ، كان مستنداً إلى اختياره أو إلى شيء آخر .

وعليه فالصحيح ثبوت الخيار في هذه الصورة للبائع على المشهور ، وبطلان البيع عندنا وهذا ظاهر ، هذا كلّه في هذا الفرع .

الفرع الثاني والثالث : ما إذا مكّن البائع المشتري من القبض ولكنّه لم يأخذه المشتري ، أو أنّ المشتري قد أخذ المبيع بلا إذن من البائع بدعوى أنه ملكه فهل يصدق القبض بتمكين البائع المشتري من القبض أو بأخذ المشتري المبيع بنفسه فلا يثبت للبائع الخيار ، أو أنّهما كلا قبض والبائع له الخيار بعد ثلاثة أيام .

فقد بناهما شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) على أنّ مثل هذين الأمرين هل يكفي في دفع الضمان عن البائع في مسألة كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه فإذا مكّنه البائع من القبض أو أخذه المشتري بنفسه هل يكفي ذلك في سقوط الضمان

ــ[12]ــ

عن البائع حينئذ أو لا ، فإن قلنا بكفايتهما في رفع الضمان في هذه المسألة فنقول بكفايتهما في المقام ونحكم بعدم الخيار للبائع حينئذ ، وإن لم نقل بكفايتهما في رفع الضمان في تلك المسألة فلا نلتزم بكفايتهما في المقام ، وذلك لأنّا إنما حكمنا بثبوت الخيار للبائع إرفاقاً له حتّى لا يتضرّر من جهة كون تلف المبيع عليه حينئذ ، ومن جهة وجوب حفظ المبيع لمالكه ، ومن أجل عدم وصول ثمنه إليه ، فإذا كان تمكين البائع إيّاه من القبض أو أخذ المشتري المبيع بنفسه كافياً في سقوط الضمان عن البائع فنلتزم بكفايتهما في المقام وعدم ثبوت الخيار للبائع حينئذ ، لعدم تضرّره من جهة كونه ضامناً له ، وإذا ارتفع ضرره من هذه الجهة فارتفاع ضرره من الجهتين الباقيتين سهل ، لأنّه يأخذ المبيع من باب التقاص فيتصرّف فيه فلا يجب عليه حفظه لامكان أن يردّه إلى الحاكم ، ولا يجب عليه الصبر لجواز تصرفه فيه مقاصّة ، وأمّا إذا لم يكف هذان الأمران في سقوط الضمان عن البائع في الجهة الاُولى فلا نلتزم بكفايتهما في المقام أيضاً ، لأنه يستلزم الضرر عليه من تلك الناحية ، هذا .

ولا يخفى أنّ ما أفاده على تقدير صحته إنما يتم بناءً على أنّ المدرك في ثبوت الخيار للبائع حديث لا ضرر ، وأمّا بناءً على أنّ المدرك هو الأخبار لعدم تمامية الحديث سيّما بلحاظ تقييده بثلاثة أيام ، فلا وجه لما أفاده (قدّس سرّه) بل لابدّ من المراجعة إلى الروايات لنرى أنّ الأمرين المتقدّمين يكفيان في المقام أو لا .

فنقول : ظاهر قوله في صحيحة علي بن يقطين « فإن قبّضه بيعه » الخ أنّ القبض المانع عن الخيار أو عن البطلان هو خصوص القبض المستند إلى البائع كما هو مقتضى قراءة « قبّضه » بالتشديد ، فمجرد أخذ المشتري المبيع لا يكفي في القبض كما أنّ تمكين البائع لا يكون إقباضاً له ، فيثبت له الخيار في هذين الفرعين بعد ثلاثة أيام ، سواء قلنا بكفايتهما في رفع الضمان في مسألة تلف المبيع قبل قبضه أم لم نقل فإنّها مسألة اُخرى غير ما نحن بصدده ، نعم لو استندنا في المقام إلى حديث نفي

ــ[13]ــ

الضرر لكان لما أفاده وجه ، ولكن العمدة هي الأخبار وقد عرفت أنّ مقتضاها عدم كفاية أخذ المشتري المبيع من دون إقباض البائع كما أنّ تمكين البائع لا يكون إقباضاً  ، وقد تقدّم في المسألة السابقة أنّ الأخبار مطلقة ومقتضاها أنّ عدم إقباض المبيع يستلزم الخيار أو البطلان ، كان عدم الاقباض مستنداً إلى حقّه ومن أجل عدم إقباض المشتري ثمنه ، أو كان مستنداً إلى ظلمه وعدوانه ولو مع مجيء المشتري بالثمن ، هذا .

وربما يتوهم التنافي بين الأخبار من جهة أنّ مقتضى غير صحيحة علي بن يقطين أنّ الخيار إنّما يثبت فيما إذا لم يجئ المشتري بالثمن ما بينه وبين ثلاثة أيام ولازم ذلك عدم الخيار فيما إذا جاء بالثمن خلال ثلاثة أيام ، وفي مفروض المقام المشتري جاء بالثمن وإنّما لم يقبله البائع ولم يقبضه المبيع عدواناً ، فمقتضى تلك الروايات عدم الخيار للبائع حينئذ ، كما أنّ مقتضى الصحيحة المتقدّمة أنّ المناط في ترتّب الخيار عدم إقباض المبيع ولازمه ثبوت الخيار في المقام لعدم إقباض البائع إيّاه ، فالروايات متنافية .

ولا يخفى عدم المنافاة بين الأخبار ، والوجه في ذلك أنّ ما دلّ على عدم البيع للمشتري فيما إذا لم يجئ بالثمن خلال ثلاثة أيام وثبوت البيع له فيما إذا جاءه في المدة المذكورة إنما يقتضي ثبوت البيع له أي استحقاقه مطالبة المبيع من البائع من ناحية تمامية هذا الشرط وهو مجيؤه بالثمن ، أو عدم استحقاقه المطالبة منه من جهة عدم تمامية ذلك الشرط ، وهذا لا ينافي عدم استحقاقه المطالبة من البائع وعدم ثبوت البيع له من ناحية فقدان سائر الشروط كما إذا كان البيع غررياً مثلا ، فعدم إقباض المبيع كالغرر موجب لعدم ثبوت البيع للمشتري ، ولا يلزم من تمامية البيع من ناحية مجيئه بالثمن تماميته من جميع الجهات ، ففي المقام وإن كان له مطالبة البائع بالثمن من ناحية مجيئه بالثمن إلاّ أنّه لا يتمكّن من مطالبته من أجل عدم إقباض البائع

ــ[14]ــ

والمفروض أنّ البائع في صورة عدم إقباض المبيع متمكّن من فسخ البيع ولا يمكن التزامه .

وكيف كان فلا تنافي بين الأخبار ، وقد تقدّم أنّ الخيار في المقام لا يدور مدار الارفاق للبائع ، إذ لا دليل على اعتبار الارفاق وكونه هو المناط في ثبوت الخيار وعليه فالصحيح في المسألة ثبوت الخيار للبائع لأجل عدم إقباض المبيع ، كان ذلك مستنداً إلى حقه واختياره أو إلى ظلمه وعدوانه .

الفرع الرابع : ما إذا أقبض بعض المبيع كما إذا وقعت المعاملة على عدّة أشياء وباعها دفعة من المشتري وأقبضه بعضها وبقي بعضها الآخر ، وقد احتمل شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) في المسألة احتمالات :

أحدها : أن يكون قبض البعض كلا قبض في ثبوت الخيار أو البطلان .