ــ[21]ــ

الوفاء والعمل على طبق العقد لازم وأنّ نقض ذلك حرام على نحو الاطلاق ، بمعنى أنّ نقضه حرام قبل الفسخ وبعده وفي هذا الزمان وذاك الزمان ، لأن الاطلاق يشمل جميع الأزمان فتدلّ الآية على حرمة التصرف في المال بعد الفسخ وقبله ، وبالدلالة الالتزامية تدلّ على أنّ البيع لازم ولايرتفع بالفسخ ، إذ لو جاز فسخه لما كان لحرمة نقضه على نحو الاطلاق مجال ـ لأنه ملكه حينئذ والتصرف في ملك نفسه جائز ـ فالآية الكريمة دالّة على الحكم التكليفي والوضعي معاً ، أو أنّها تدلّ على الحكم التكليفي فقط وينتزع منه الحكم الوضعي على مسلكه (قدّس سرّه) ، هذا .

وربما يورد على الاستدلال بالآية الكريمة : بأنّها تدلّ على وجوب الالتزام بالعقد ما دام العقد موجوداً ـ لأنّ للمعاقدة بقاءً عرفياً ـ فما دام موجوداً يجب الالتزام به ويحرم نقضه دون ما إذا كان معدوماً أو مشكوك الوجود كما هو الحال في جميع الأحكام المجعولة على نحو القضية الحقيقية ، فإنّ ما دلّ على حرمة الخمر إنّما يقتضي حرمته ما دام موجوداً ، وأمّا إذا انقلب إلى الخل وانعدم فلا يمكن التمسّك باطلاق ما دلّ على حرمة الخمر لاثبات حرمته كما هو ظاهر .

ومن الواضح أنّ العقد بعد فسخ أحدهما غير معلوم الوجود لاحتمال ارتفاعه ، ومع الشك في وجود الموضوع لا معنى للتمسك بالاطلاق لاثبات وجوب الالتزام على طبقه ، فالاستدلال بالآية الكريمة على اللزوم في المعاقدات عند الشك في بقائها وارتفاعها ممّا لا وجه له ، اللهمّ إلاّ أن يستصحب وجود العقد وعدم ارتفاعه بعد الفسخ ، إلاّ أنه تمسك واستدلال بالاستصحاب في إثبات اللزوم لا بالآية .

وفيه : أنّ الكلام ليس في الملكية الحاصلة بالعقد حتى يقال بأنّ الملكية بعد الفسخ ورجوع أحدهما مشكوكة ، فلا يصح الاستدلال بالآية على عدم جواز نقضه ، بل الكلام في أنّ الآية تدلّ على وجوب الالتزام بالعقد وعدم جواز نقضه

ــ[22]ــ

والعقد ليس له بقاء عرفي بل هو أمر يوجد وينعدم وهو بحدوثه يكون موضوعاً لوجوب الالتزام بمتعلّقه إلى الأبد . والآية باطلاقها تدلّ على وجوب الالتزام بالعقد بمجرد حدوثه وعدم جواز رفع اليد عن متعلّقه إلى الأبد باطلاقها ، وهذا كما هو الحال في النذر فانّه بحدوثه يكون موضوعاً لوجوب الوفاء بمتعلّقه إلى الأبد ، وعليه فلا ربط للاشكال بالمقام ولا يرد عليه بوجه .

نعم ، يرد على ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) اعتراضان آخران :

أحدهما : أنّ الآية إنّما دلّت على وجوب الالتزام بالملتزم به وحرمة نقضه فان كان الملتزم به هو العمل الخارجي كما في النذر فيما إذا نذر الاتيان بعمل خارجي فيجب عليه الالتزام به ويحرم عليه تركه لأنه نقض له ، وإذا كان الملتزم به من الاُمور الاعتبارية كالملكية في البيع مثلا فتدلّ على وجوب الالتزام بذلك الأمر الاعتباري وحرمة نقضه . وأمّا التصرّف في المال حينئذ فلا تستفاد حرمته من الآية المباركة لأنه ليس نقضاً للملتزم به ، لما عرفت من أنّ الملتزم به هو الملكية وهي أمر اعتباري ، والمتصرف لا ينقض اعتبار الملكية ، بل يعترف بأنه ملكه ولكنّه يتصرّف فيه خارجاً ، فالآية لا دلالة لها على حرمة العمل الخارجي وهو التصرف في المال في المقام مع قطع النظر عمّا دلّ على حرمة التصرف في مال الغير من دون رضاه .

وعلى الجملة : لو خلّينا نحن والآية الكريمة ومع قطع النظر عن حرمة التصرف في مال الغير من دون رضاه لم يمكن أن يستفاد منها حرمة العمل الخارجي وهو التصرف في المبيع أو الثمن ، لعدم كونه نقضاً للملتزم به وهو ظاهر .

والوجه في ذلك : أنّ حرمة التصرف من أحكام الملتزم به وآثاره المترتّبة عليه ، وترك بعض ما يترتّب على الملتزم به لا ينافي الالتزام بذلك الملتزم به ، وهذا نظير ما إذا تزوّج بامرأة والتزم بالزوجية الدائمة وكان بانياً من الابتداء على عدم الانفاق عليها ، فإنه لا إشكال في صحة الزوجية حينئذ ، لأنّ عدم العمل ببعض

ــ[23]ــ

الآثار المترتّبة على الملتزم به لا ينافي التزامه بذاك الأمر الملتزم به .

وعليه فلا دلالة للآية على حرمة التصرف في المال حتى يتمسّك باطلاقها فيما بعد الفسخ ورجوع أحدهما وتدلّ بالدلالة الالتزامية على لزوم المعاملة .

ثانيهما : أنّا إذا سلّمنا دلالة الآية على حرمة التصرف في المال على نحو الاطلاق لأنه نقض للالتزام الثابت بالعقد ، فنقول هل الآية تدلّ على وجوب الالتزام بالعقد في كل آن فآن بأن ينحلّ إلى وجوبات متعدّدة حسب تعدّد الأزمنة والآنات ، فيجب الالتزام في هذا الزمان ويجب الالتزام في الزمان الثاني وهكذا ، أو أنّها تدلّ على وجوب التزام واحد مستمر إلى الأبد ؟

لا ينبغي الاشكال في أنه لا يستفاد منها وجوبات متعدّدة إنحلالية وإنّما هي توجب الالتزام بأمر واحد مستمر ، ومعه فإذا رفع اليد عن هذا الواجب المستمر الواحد ونقض في ساعة ـ مثلا ـ فلا محالة يسقط عند ذلك الالتزام المستمر بالعصيان ونقض الأمر الواحد المستمر ، ومعه فما الدليل على وجوب الالتزام به بعد ذلك أيضاً  ؟

وقد ذكروا نظير ذلك في النذر وأنه إذا نذر الجلوس في مكان راجح كالمسجد ونحوه من أول الصبح إلى الغروب مثلا فيجب عليه أن يفي بنذره ذلك ويجلس فيه من أول الصبح إلى الغروب ، وإذا نقض ذلك الالتزام فقام عنه في ساعة فلا يجب عليه الجلوس فيه بعد ذلك الزمان ، لأنه عصى ونقض الالتزام الواجب في حقه ، ومن المعلوم أنّ شمول الآية للنذر والبيع على حد سواء ، ومعه فلابدّ أن يلتزم في المقام بأنه إذا عصى وتصرف في المال مرّة واحدة فلا يجب أن يردّه بعد ذلك إلى مالكه ولا يحرم عليه التصرف فيه . فالآية لا يستفاد منها لزوم البيع وحرمة التصرف بعد الفسخ .

والصحيح في تقريب الاستدلال بالآية على اللزوم أن يقال ـ كما ذكرناه في

ــ[24]ــ

باب المعاطاة ـ إنّ الوفاء بمعنى التمام والايفاء بمعنى الاتمام ومتعلّقه هو الالتزام والمعنى أنه يجب إنهاء الالتزام وإتمامه وحرمة نقضه وفسخه وأنه لابدّ من الادامة على ما التزم به من البيع والملكية ويحرم نقضه ، وعليه فيكون الفسخ محرّماً لأنه قطع الالتزام ومنع عن الاتمام الواجب .

ثم إنّ المراد بالأمر بالوفاء ليس هو الأمر المولوي حتى يقال إنّ الاتمام واجب تكليفي والفسخ والنقض محرّمان شرعاً ، وذلك للقطع بأنّ البقاء على الالتزام ليس من الواجبات ، وبأنّ الفسخ ليس من أحد المحرّمات الشرعية بحيث يوجب الفسق ويخرج المرتكب له عن العدالة بسببه ، وهذا ممّا تشهد به ضرورة الفقه ، فلابدّ من كون الأمر به في الآية المباركة إرشاداً إلى اللزوم وعدم انفساخ العقد بالفسخ نظير النهي عن صلاة الحائض بقوله « دعي الصلاة أيام أقرائك »(1).

وبعبارة اُخرى : أنّ ظهور الأمر في المولوية عند الشك فيها وإن كان غير قابل للانكار إلاّ أنّ المورد غير قابل للمولوية في محل الكلام ، لبداهة عدم كون الفسخ أحد المحرّمات الشرعية ، فلا محالة يكون الأمر إرشاداً إلى أنّ المعاملة والمعاقدة لا تنفسخان بالفسخ .

وعليه فالآية الكريمة تدلّ بالدلالة المطابقية على اللزوم في العقود فيتمسّك بها عند الشك في الجواز واللزوم ، هذا .

وربما يقال كما قيل إنّ الأمر يدور في المقام بين أمرين :

فامّا أن يتحفّظ على ظهور لفظ العقود في العموم ويبنى على شموله للعقود المتعلّقة بالالتزام كما في البيع ونحوه ـ لأنّ متعلّقه هو الالتزام ـ وللعقود المتعلّقة بالأفعال الخارجية كالنذر واليمين وغيرهما ممّا يتعلّق بالفعل الخارجي ، ونرفع اليد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 2 : 287 / أبواب الحيض ب7 ح2 .

ــ[25]ــ

عن ظهور الأمر في المولوية ونحمله على الارشاد ونقول : إنّ الوجوب ليس بتكليفي بل هو إرشاد إلى الصحة واللزوم ، لما عرفت من أنه لا معنى للوجوب التكليفي في الالتزام ، للقطع بأنّ الالتزام ليس من الواجبات في الشريعة .

وإمّا أن نتحفّظ على ظهور الأمر في المولوية والوجوب ونرفع اليد عن ظهور كلمة العقود في العموم ونحملها على العقود المتعلّقة بالأفعال الخارجية كالنذر ونحوه ، إذ لا يمكن الجمع بين كلا الظهورين وإلاّ فمعناه أنّ الالتزام في العقود المتعلّقة بالالتزامات واجب شرعاً مع القطع بأنّ الالتزام غير واجب .

وعليه فلابدّ من الحكم باجمال الآية أو تقديم ظهور الأمر في الحكم المولوي  ، لأنّه أقوى من ظهور العقود في العموم ، فنبني على أنّ الآية لا دلالة لها على حكم العقود المتعلّقة بالالتزام كالبيع ونحوه ، وإنّما تدلّ على وجوب العمل في مثل النذر ونحوه ، هذا .

ويمكن دفعه : بأنّ ظهور الأمر والنهي في المولوية عند دوران الأمر بينها وبين الارشادية وإن كان أقوى وهو المتعيّن لا محالة ، إلاّ أنّ المراد بالارشادية في المقام إنّما هو في مقابل التكليف لا في مقابل المولوية ، بمعنى أنّ حمل الأمر على الصحة واللزوم المعبّر عنه بالارشاد وحمله على الوجوب والتكليف كلاهما حمل للأمر على المولوية في المقام ، وليس أحدهما مولوياً والآخر إرشادياً بمعناه المصطلح عليه وهو عدم ترتّب شيء عليه نظير الأمر بالاطاعة في قوله تعالى (أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ)(1) الذي يرجع الانشاء فيه إلى الاخبار بوجود المصلحة ونحوه ، لأنّ الحكم باللزوم مولوي لا محالة ويترتّب عليه الأثر فلا ينفسخ بالفسخ وليس الارشاد في مقابل المولوية بل في مقابل التكليف وهو الحكم الوضعي وكلاهما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) آل عمران 3 : 32 .

ــ[26]ــ

مولويان .

وعليه فلا مانع من التحفّظ على كلا الظهورين والبناء على أنّ المراد بالعقود هو العموم الشامل للبيع والنذر كما نبني على أنّ الأمر مولوي ، فلابدّ من الوفاء بهذا المعنى العام في العقود ، إلاّ أنّ الأمر المولوي يختلف أثره باختلاف الموارد ، ففي بعضها يقتضي الوجوب فيجب العمل به خارجاً كما في النذر ، وفي بعضها الآخر يقتضي اللزوم والصحة كما في مثل البيع .

وليس ذلك من باب استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى واحد ، لما سلكناه في باب الانشاء من أنه ليس عبارة عن إيجاد المعنى باللفظ بل هو إبراز للأمر النفساني . والأمر النفساني في المقام بالاضافة إلى مثل النذر هو الالتزام بالعمل خارجاً ، وبالاضافة إلى مثل البيع هو الالتزام بالملكية وعدم ارتفاعه بالفسخ وقد اُبرزا في الخارج بذلك الانشاء والابراز .

وعلى الجملة : أنه من باب استعمال الانشاء في معناه إلاّ أنّ معناه يختلف باختلاف الموارد والمقامات ، ونظير ذلك كثير منها : ما ورد(1) في الشرط من أنه لازم أو جائز بين المسلمين ، فإنّ معناه أنّ الشرط ثابت بينهم مع أنّ الشرط تارة يجب العمل به خارجاً كما إذا شرط أحد المتبايعين على الآخر أن يخيط ثوبه ، واُخرى لا يجب العمل به خارجاً بل هو شرط بمعنى أنّ تخلّفه يوجب الخيار ، وهذا كما إذا اشترى شخص حنطة وشرط على البائع أن تكون من جنس معيّن ، فإنّ العمل على طبقه غير واجب وإنّما يوجب تخلّفه الخيار ، مع أنه استعمل في الكلام مرّة واحدة .

وعلى الجملة : لا مانع من استعمال اللفظ في معناه واختلاف المعنى بحسب اختلاف الموارد ، وهذا ظاهر .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المستدرك 15 : 87 / أبواب المهور ب31 .

ــ[27]ــ

الثاني من العمومات : قوله تعالى : (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)(1). وقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2) في تقريب الاستدلال بهذه الآية الكريمة ما يقرب من استدلاله في الآية المتقدّمة وملخّصه : أنّها دلّت على حلّية جميع التصرفات المترتّبة على البيع ، لأنّ ذلك هو معنى تحليل البيع ، وبما أنّها مطلقة وغير مقيّدة بخصوص التصرفات الواقعة قبل فسخ أحد المتبايعين فلا محالة تشمل التصرفات الواقعة بعد رجوع أحدهما ، ومن حلّية التصرفات حينئذ يستكشف أنّ المعاملة لازمة ، إذ لو كانت جائزة وتنفسخ برجوع أحدهما فلا يكون وجه لحلّية التصرفات لأنّه ملك الغير برجوعه في البيع .

واستدلّ (قدّس سرّه) أيضاً بقوله تعالى : (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض مِنْكُمْ)(3) وذكر في وجه الاستدلال ما نقلناه عنه في الآية المتقدّمة وملخّصه : أنّ التجارة سبب لحلية التصرفات مطلقاً ولو كانت بعد رجوع أحد المتبايعين ، ومنه يستكشف أنّ البيع لازم كما ذكرناه في الآية المتقدّمة .

ثم إنّه (قدّس سرّه) أورد على الاستدلال بالآيتين الأخيرتين : بأنّ التمسّك بالاطلاق إنّما يصحّ في القيود والحالات السابقة على الحكم كاحتمال تقيّد الموضوع بقيد العدالة أو بغيرها من القيود ، وأمّا القيود الطارئة على الحكم والمتأخّرة عنه فاطلاقه لا يوجب رفعها لتأخّرها عنه ، ومن الظاهر أنّ الشك في المقام في ارتفاع الحكم برجوع أحد المتعاملين وعدم ارتفاعه ولا يمكن التمسك باطلاق الحكم في إثبات عدم ارتفاع نفسه لتأخّره عنه ـ بمعنى أنّ إطلاق الحكم لا يشمل احتمال عدم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة : 2 : 275 .

(2) المكاسب 5 : 19 .

(3) النساء 4 : 29 .

ــ[28]ــ

نفسه وارتفاعه فلا يمكن أن يقال إنّ الحكم ثابت حتى على تقدير ارتفاعه وعدمه
وهو ظاهر ـ اللهمّ إلاّ أن يتمسّك باستصحاب الحكم بعد فسخ أحدهما وهو تمسك بالأصل لا بالآية .

واُورد عليه : بأنّ هذا الاشكال غير مختص بالآيتين الأخيرتين بل هو جار في الآية الاُولى أيضاً بتقريب أنّ الأمر بالوفاء لا يمكن أن يشمل باطلاقه احتمال عدمه وارتفاعه ، لأنّ الفسخ على تقدير نفوذه يرفع المعاقدة ، وبه ترتفع الآثار المترتّبة عليها التي منها وجوب الوفاء بها ، فإذا شككنا في نفوذ الفسخ وعدمه فقد شككنا في أنّ الأمر بالوفاء باق أو مرتفع ، فلا يمكن التمسك باطلاقه لرفع احتمال ارتفاعه بأن يقال إنّ الوفاء بالعقد وترتيب الأثر عليه واجب حتى في صورة ارتفاعه وعدمه .

ولأجل ذلك تصدّى شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)(1) لبيان الفارق بين الآية الاُولى والآيتين الأخيرتين بعد ما تعرض للاستدلال بالآيتين ولهذه المناقشة بعين ما استشكل به شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) فأفاد في وجه تخصيص الشيخ هذه المناقشة بالآيتين الأخيرتين وعدم تعميمها للآية الاُولى : أنّ الاشكال المذكور لا يرد على الآية الاُولى ، لأنّ الحكم إنّما ثبت فيها للعقد بالمعنى المصدري ـ كما ذكرنا سابقاً وقلنا إنّ العقد بحدوثه موضوع للحكم بوجوب الوفاء ـ والفسخ على تقدير تأثيره لا يرفع العقد بالمعنى المصدري لأنّه حدث ولا يمكن رفعه ، وإنّما يرفع المعاقدة التي هي العقد بمعنى الاسم المصدري ، وبما أنّ العقد لا يمكن رفعه فلا مانع من التمسك باطلاق الحكم الثابت عليه عند الشك في بقائه وارتفاعه . وهذا بخلافه في الآيتين الأخيرتين فإنّ الفسخ على تقدير تأثيره يرفع الحلّية الثابتة للبيع ومع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) منية الطالب 3 : 12 .

ــ[29]ــ

الشك في بقائها لا يمكن التمسك بالاطلاق ، هذا .

ولكن الانصاف أنّ الآيتين الأخيرتين قد لا تكون لهما دلالة على اللزوم وعلى تقدير دلالتهما عليه لا يرد عليهما إشكال شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وعلى تقدير وروده فهو غير مختص بهما بل وارد على الآية الاُولى أيضاً ، فلنا ثلاث دعاوى :

الدعوى الاُولى : أنّ الآيتين قد لا تكون لهما دلالة على اللزوم .

الدعوى الثانية : أنّه على تقدير دلالتهما على اللزوم لا يرد عليهما إشكال شيخنا الأنصاري : (قدّس سرّه) .

الدعوى الثالثة : أنّ إيراده (قدّس سرّه) على تقدير صحّته لا يختصّ بهما بل هو وارد على الآية الاُولى أيضاً .

أمّا الدعوى الاُولى : فالوجه فيها بالنسبة إلى قوله تعالى (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)أنّ الحلّية إنّما رتّبت على نفس البيع ، كما أنّ الحرمة رتّبت على نفس الربا لا على التصرفات ، وعليه فلا يخلو المراد من الحلّية من أحد احتمالات ثلاثة : فإمّا أن يراد منها الحلّية التكليفية وهي الجواز والترخيص . وإمّا أن يراد منها الحلّية الوضعية . وإمّا أن يراد منها الجامع بين الحلّية التكليفية والحلّية الوضعية .

فإن اُريد منها الحلّية التكليفية ، فمعنى الآية أنّ الله سبحانه رخّص في البيع في مقابل الربا حيث حرّمه فمرتكب الربا مرتكب لأمر محرّم دون مرتكب البيع لأنّه أمر رخّص فيه الشارع ولو كان البيع فاسداً أيضاً ، لأنّه ليس من المحرّمات الشرعية  ، ومن المعلوم أنّ الترخيص في البيع وتجويزه لا ربط له بلزوم البيع وعدمه ولا دلالة فيه على أنّ هذا الأمر المرخّص فيه لازم ولا ينفسخ بالفسخ ، وهذا ظاهر .

وإن اُريد منها الحلّية الوضعية ، فمعنى الآية أنّ البيع نافذ وصحيح في مقابل الربا فانّه باطل وفاسد ، ولا دلالة فيها على أنّ البيع لازم أو غير لازم وإنّما تقتضي

ــ[30]ــ

الحكم بصحّته ونفوذه ، وأمّا أنّه بعد صحّته وتأثيره لا يرتفع بالفسخ أو يرتفع فهو ممّا لا يستفاد من الآية الشريفة .

وإن اُريد منها الجامع بين الحلّيتين كما هو ليس ببعيد ، لأنّ تقسيم الحلّية إلى الوضعية والتكليفية إنّما حدث بين الفقهاء والاُصوليين وإلاّ فالحلّية إنّما هي في مقابل العقدة ، فالبيع حلال أي أنه مفتوح السبيل وليس بمغلق الباب . وهذا المعنى يشمل الترخيص بحسب التكليف والوضع ، بمعنى أنّ التصرف في البيع بايجاده وترتيب الأثر عليه مفتوح السبيل ولا مانع منه في مقابل الربا الذي هو مغلق الباب وممنوع منه بجميع أنحاء التصرف فيه بايجاده أو بترتيب الأثر عليه ، وعلى ذلك أيضاً لا يستفاد منها اللزوم بعد الانعقاد والصحة .

وأمّا بالنسبة إلى قوله تعالى (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض مِنْكُمْ) فلأنّ الآية المذكورة تدلّ على أنّ أكل أموال الناس بالأسباب الباطلة حرام ، وأمّا أكلها بسبب التجارة عن تراض فهو جائز وغير محرّم ، ومن المعلوم أنّ المراد بالأكل ليس هو الازدراد والأكل في مقابل الشرب وإلاّ لاختصّت الآية بقليل من كثير من الأموال لأنّ نسبة المأكول من الأموال إلى غير المأكول منها كنسبة القطرة إلى البحر كالأراضي والأملاك والألبسة والحيوانات غير مأكولة اللحم ، بل إنّما المراد بالأكل هو التصرف في المال كما هو شائع في الاستعمال حيث يقال إنّ فلاناً أكل مالي أو داري ، وعليه فالتصرف في الأموال بسبب التجارة عن تراض جائز وهذا أيّ ربط له بلزوم المعاملة والبيع وعدم انفساخها ، وهذا ظاهر .

وأمّا الدعوى الثانية : وهي عدم تمامية إشكال شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) على الآيتين الأخيرتين ، فالوجه فيها أنّ التمسك باطلاق الحكم حتى في رفع احتمال عدمه والقول بأنّ الحكم ثابت حتى على تقدير ارتفاعه وعدمه وإن كان أمراً غير معقول ولا معنى للتمسك بالاطلاق عند الشك في ارتفاعه وإنّما يتمسك

ــ[31]ــ

بالاطلاق عند الشك في قيد من قيود الموضوع ، إلاّ أنّ الغرض في المقام ليس هو التمسك بالاطلاق كذلك ، وإنّما يراد التمسك باطلاق الحكم بالحلّية عند الشك في بقائها بعد صدور فعل من الأفعال الخارجية من المشتري أو البائع وهو الفسخ والرجوع ، بمعنى أنّا نشك في أنّ الله تعالى هل جعل الحلّية إلى أن يفسخ أحدهما أو أنه جعلها إلى يوم القيامة ولو مع فسخ أحدهما ، وهذا شك في إطلاق الحكم من حيث فعل المتبايعين ، ولا مانع من التمسك بالاطلاق بالاضافة إليه كما لا مانع من تقييد الحكم به بأن يقال إنّما يحلّ البيع أو التصرفات إلى أن يصدر الفسخ من أحدهما ولا يترتّب عليه أيّ محذور ، فكما لا مانع من تقييده به فلا مانع من إطلاقه بالاضافة إليه وجعل الحلّية إلى الأبد ولو مع صدور هذا الفعل من أحدهما ، فهذه المناقشة غير واردة من أساسها .

وأمّا الدعوى الثالثة : وهي أنّ الايراد على تقدير تماميته يرد على الآية الاُولى أيضاً ، فالوجه فيها ظاهر لأنّا إذا أغمضنا النظر عمّا ذكرناه في وجه الدعوى الثانية وبنينا على أنّ التمسّك بالاطلاق عند الشك في الفسخ أيضاً غير صحيح ، فهذا يأتي في التمسك باطلاق الأمر بالوفاء بالعقود أيضاً ، لأنّ الحكم وإن رتّب فيها على العقد بمعناه المصدري ، والفسخ إنّما يتعلّق بالعقدة الحاصلة من المصدر إلاّ أنّ العقدة إذا فسخت فلا محالة يرتفع وجوب الوفاء بالعقد ولو بمعناه المصدري ، إذ لا معنى لوجوب الوفاء بالعقد بعد فسخ المعاملة .

وعليه فالشك في نفوذ الفسخ يرجع إلى الشك في وجوب الوفاء بالعقد وترتيب الآثار عليه ، وقد بنينا على أنّ التمسك باطلاق الحكم بالوفاء حتى على تقدير ارتفاعه وشموله لصورة عدم نفسه غير معقول ، هذا .

ويمكن الاستدلال بالآيتين على اللزوم بوجه آخر : وهو أنّ البيع عبارة عن الالتزام بملكية المثمن للمشتري وملكية الثمن للبائع ، وهذا الالتزام لو لم يقيّد بالخيار

ــ[32]ــ

مطلق بالاضافة إلى الزمان ، لأنه قد التزم بالملكية إلى يوم القيامة لا إلى زمان دون زمان ، كما أنّه مطلق بالاضافة إلى الزماني وهو الفسخ ، ومعناه أنّي التزمت بالملكية مطلقاً سواء رجعت عن التزامي وهو الفسخ أم لم أرجع ، وأنّ الالتزام غير مقيّد بعدم الرجوع فيه وغير موقت إلى زمان الرجوع . كما أنّ معنى جعل الخيار في البيع أنّ الالتزام بالملكية والبيع مقيّد بعدم الرجوع فإذا رجعت فالملك لي ، ولا معنى للخيار إلاّ ذلك ، ولا محذور فيه إلاّ أخذ الحكم في موضوع نفسه ، وقد تقدّم الجواب عنه في بحث أخذ قصد القربة في موضوع الحكم .

وعلى الجملة : لا محذور في الالتزام بالملكية مطلقاً سواء رجع عن التزامه أم لم يرجع فيه ، فيكون جعل الخيار في البيع موجباً لتضييق دائرة الالتزام ، لأنّه على تقدير عدم جعله يلتزم بالبيع والملكية سواء رجع عن التزامه بعد ذلك أم لم يرجع نظير من أودع عند أحد مالا وأوصاه بعدم ردّه إليه ولو مع مطالبته المال بنفسه .

وإذا اتّضح هذا فنقول : إنّ مقتضى الآيتين كما عرفت عبارة عن إمضاء المعاملة وما تعاقدا عليه ، فإن كان العقد وما تعاقدا عليه التزاماً مقيّداً بعدم رجوعه عن التزامه فيمضيها الشارع على نحو الجواز ، وإن لم تكن المعاملة والالتزام مقيّداً بذلك بل مطلقاً من حيث رجوعه وعدمه فلا محالة يمضيها الشارع على نحو الاطلاق وأنه ملك للمشتري أو البائع مطلقاً ، سواء رجع أحدهما عن التزامه أم لم يرجع وبعد ذلك ـ أي بعد التزامه على نحو الاطلاق ـ إذا رجع فلا يمكن للشارع إمضاء ذلك الفسخ لأنه يؤدّي إلى التناقض كما هو ظاهر ، لأنّ المفروض أنّه أمضاها على نحو الاطلاق ، ومعناه أنّ المثمن ملك للمشتري سواء رجع البائع عن التزامه أم لم يرجع ومعه فلا يعقل أن يمضي الشارع فسخ البائع ، لأنّ معناه أنه ملك للبائع عند الرجوع ، وهذان لا يجتمعان .

وبالجملة : أنّ الآيتين تدلاّن على أنّ الشارع يمضي المعاملة حسبما أوقعها

ــ[33]ــ

المتعاقدان ، والمفروض أنّهما أوقعاها على نحو يكون الالتزام مطلقاً ولا يحصل الانفساخ بالفسخ و