|
|
الكلام في الخيار
الخيار اسم
مصدر
لاختار،
والمصدر
هو
الاختيار، وفسّر في اللغة
بالأخذ بما فيه المنفعة والخير والانتقاء والاصطفاء(1) فاختار بمعنى طلب الخير
وأخذ بما يراه صلاحاً وخيراً . فهو عنوان للفعل الخارجي نظير الأكل مثلا فكما أنّه
عنوان للفعل الخارجي فكذلك الاختيار ، لأنّه بمعنى الأخذ بما فيه الخير والصلاح .
فما عن المتكلّمين من أنّه بمعنى القدرة والمشيئة التي هي من الأفعال
النفسانية
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في تاج العروس 3 : 194
ـ 195 خار الشيء : انتقاه واصطفاه ... والخيار الاسم من الاختيار وهو طلب خير
الأمرين إمّا امضاء البيع أو فسخه . وفي الحديث البيّعان بالخيار ... .
وفي لسان العرب 4 : 267
والاختيار : الاصطفاء وكذلك التخيّر . وفي الحديث : البيّعان بالخيار ما لم
يتفرّقا . الخيار : الاسم من الاختيار وهو طلب خير الأمرين : إمّا إمضاء البيع أو
فسخه ... . وفي البستان : تخيّر الشيء : انتقاه واصطفاه . اختاره من القوم :
اصطفاه من بينهم . استخار استخارة : طلب الخيرة ... الخيار بالكسر ... الاسم من
الاختيار . ومنه خيار البيع وغيره عند الفقهاء .
وفي أقرب الموارد 1 : 311 تخيّر الشيء : انتقاه واصطفاه ، بمعنى استبقاه وذخره . اختاره من الرجال اختياراً : انتقاه واصطفاه من بينهم ... استخار استخارة : طلب الخيرة . الخيار بالكسر ... الاسم من الاختيار .
فهو على خلاف المعنى اللغوي ولا وجه له ، اللهمّ إلاّ أن يكون ذلك
اصطلاحاً خاصّاً بينهم فلا مشاحة في الاصطلاح ، أو يكون نظرهم في ذلك إلى مثل صيغة
المختار الذي هو بمعنى مَن فيه اقتضاء الاختيار ، لا أنّ الخيار بمعنى القدرة على
ما يأتي تفصيله إن شاء الله .
ثم إنّ الاختيار بما ذكرنا له من المعنى كما يتعلّق بالأفعال فيقال
إنّه اختار الفعل الفلاني من بين الأفعال بمعنى أخذه له بما هو مشتمل على المصلحة
، كذلك يمكن تعلّقه بالجوامد فيقال إنّه اختار هذا الشخص من بين الأشخاص فيما إذا
أخذه بما أنّ أخذه له مشتمل على المصلحة والخير .
والاختيار بهذا المعنى أيضاً يقابل الاضطرار والالجاء ، وعليه فلا
يطلق على مثل الأشل أنّه مختار في المشي ولا يطلق على مثلنا أنّه مختار في الطيران
لأنّنا غير متمكّنين منه ، والأشل غير متمكّن من المشي ، فلا يصحّ فيهما اختيار
المشي أو الطيران بمعنى أخذه خيراً ومصلحة ، إذ المفروض أنّه لا يتمكّن من الأخذ
حتى يلاحظ أنّه أخذه خيراً أو شرّاً ومن غير مصلحة . فالمتحصّل : أنّ الاختيار
عنوان للفعل الخارجي كغيره من العناوين المتعلّقة بالأفعال الخارجية .
ثم إنّ الظاهر أنّ هذا المعنى الذي ذكرناه هو المراد من لفظ الخيار
الواقع في بعض أخبار خياري المجلس والحيوان ، فإنّ معنى « البيّعان بالخيار »(1)
أنّهما يتمكّنان من الأخذ بما فيه الصلاح من الفسخ وتركه ، وكذلك قوله (عليه السلام) « الخيار
في الحيوان ثلاثة أيّام للمشتري »(2) وكذلك خيار المالك بين الرد والامضاء في بيع
الفضولي فانّه بالمعنى المذكور .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 18 : 5 / أبواب
الخيار ب1 ح1 وغيره .
(2) الوسائل 18 : 10 / أبواب الخيار ب3 .
ومن خلال ما ذكرناه ظهر أنّ تفسير الخيار بملك فسخ العقد ونحوه غير
وجيه ، لأنّ معناه كما عرفت عبارة عن طلب الخير وأخذ ما يراه خيراً من الفسخ وتركه
، وأمّا ملكه لذلك فهو خارج عن معناه ، وإنّما يستفاد من اللام في قولنا له الخيار
ـ أي هو مالك لأخذ ما يراه صلاحاً من الفسخ وتركه ـ أو من كلمة صاحب وذي في قولنا
: صاحب الخيار أو ذو الخيار ، أو من هيئة المختار ، لأنّها بمعنى صاحب الاختيار .
ثم إنّ ما ذكره المتكلّمون من تفسير الاختيار بالقدرة يمكن أن يكون
بالنظر إلى مثل صيغة المختار ، توضيح ذلك : أنّ المشتق تارة يستعمل في المتلبّس
بالمبدأ فعلا كما في مثل كلمة عالم ، واُخرى يستعمل في القابلية والاقتضاء وأنّ
الموضوع يتلبّس به بعد ذلك لا أنّه متلبّس به فعلا كما يقال : سيف قاطع مع أنّه في
غمده ، أو سمّ قاتل مع أنّه لم يشربه أحد ، فانّ معناه أنّ السيف فيه قابلية القطع
واقتضائه ، وأنّ السمّ قابل ومقتض للقتل عند الشرب نظير القضايا الشرطية بمعنى
أنّه على تقدير الشرب يقتل ، وأنّ السيف على تقدير الضرب به يقطع .
ومن هذا القبيل صيغة المختار فإنّها بمعنى أنّه إذا أراد أن يختار
الترك فيترك وإذا أراد أن يختار الفعل فيفعل لا أنّه يختار فعلا . وبعبارة اُخرى :
أنّه قادر على اختيار الفعل والترك ، فما ذكره المتكلّمون من أنّ الاختيار بمعنى
القدرة نظرهم إلى مثل صيغة المختار الذي معناه أنّ فيه اقتضاء الاختيار أي قابل
وقادر على الاختيار لا أنّ الخيار بمعنى القدرة .
فاتّضح أنّ معنى الخيار شيء واحد بالاتّفاق ـ وهو طلب الخير وأخذ ما
يراه خيراً ـ في اللغة والفقه وعند المتكلّمين ، وأنّ ما أفاده شيخنا المحقّق (قدّس سرّه)(1)
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حاشية المكاسب (الاصفهاني) 4 : 10 .
من أنّ الاختيار بمعنى القدرة عند المتكلّمين ممّا لا يمكن المساعدة
عليه ، بل هو بمعنى واحد عند الجميع . نعم ذكر اللغويون(1) أنّ الخيار عبارة عن
الانتقاء والاصطفاء ومعناه ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر ، وهذا التعبير أولى من التعبير بأنّه
الأخذ بما يراه خيراً ، وقد عرّفه المتكلّمون بذلك أيضاً ، وهذا المعنى موجود في
جميع موارد استعمال الخيار .
ثمّ إنّه ليس المراد من الخيار في المقام معناه الوسيع الشامل لمثل
اختيار الأكل ونحوه من الاُمور الخارجية ، بل الظاهر أنّ المراد منه ما كان
متعلّقه الفسخ وتركه ولازم ذلك أن يتحقّق عقد قبل الخيار حتى يصحّ أن يقال إنه متمكّن ومالك للفسخ
وتركه ، لوضوح أنه مع عدمه لا معنى للفسخ وتركه .
ومنه يتّضح أنّ إطلاق الخيار في بيع الفضولي وفي نكاح بنت اُخت
الزوجة أو بنت أخيها ، وفي نكاح الأمة من العبد بعد ما صارت حرّة ليس بمعناه
المصطلح عليه ، لأنّ المالك في بيع الفضولي إنّما يسند العقد إلى نفسه ويصحّحه
باجازته ، أو يلغي العقد عن قابلية الاستناد إليه بردّه ، فلا عقد صحيح قبل
الاجازة حتى يملك فسخه أو ترك فسخه . نعم هو مختار ومالك للرد والقبول ـ أي
الامضاء وعدمه ـ إلاّ أنه أمر آخر غير ملك الفسخ وتركه .
وهكذا الحال في إجازة العمّة والخالة والأمة المزوّجة من حرّ بعد ما
صارت حرّة ، فإنّ الاجازة فيها تصحّح العقد السابق ، ولا عقد صحيح سابقاً حتى
تتمكّن العمّة أو الخالة أو الأمة من فسخه وتركه . نعم لا مانع من الامضاء والرد
إلاّ أنه أمر آخر غير الخيار المصطلح عليه ، وهو التمكّن من فسخ العقد وتركه .
فجميع موارد الحاجة إلى الاجازة خارجة عن الخيار بالمعنى المصطلح عليه .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مرّ تخريجه في الصفحة 3 .
ثم إنّ الفرق بين الخيار في العقود اللازمة وبينه في العقود الجائزة
كما في الهبة مع أنّ المتعاملين في كلا النحوين متمكّنان من فسخ العقد وتركه ، هو أنّ من له
الخيار في العقود اللازمة كما له سلطنة على فسخ العقد وتركه كذلك له سلطنة اُخرى
على إزالة التمكّن من الفسخ وعدمه ، فله سلطنة على السلطنة المتعلّقة بالفسخ وتركه وهذا بخلافه في العقود الجائزة ، فإنّ من له الخيار ـ كالواهب في
الهبة ـ إنّما يتمكّن من فسخ العقد وتركه ولا سلطنة ثانية له على إزالة
تلك السلطنة المتعلّقة بالفسخ وتركه عن نفسه ، بل لو قال مراراً إنّي أسقطت الخيار
فلا يسمع منه وتكون سلطنته على الفسخ وتركه باقية على حالها ، وبذلك خرجت العقود
الجائزة عن الخيار بمعناه المصطلح عليه .
وبهذا يتبيّن أنّ الخيار بمعناه المصطلح عليه يعتبر فيه قيدان مضافان
على معناه اللغوي أحدهما : كون متعلّقه هو الفسخ وتركه . وثانيهما : كون من له
الخيار متمكّناً على إزالة تمكّنه من الفسخ وتركه وتكون له سلطنة اُخرى على سلطنته
المتعلّقة بالفسخ وتركه .
والملخّص : أنّ المعنى الذي ذكرناه للخيار ـ وهو ترجيح أحد طرفي الممكن ـ موجود في جميع موارد العقود اللازمة والجائزة وموارد الاحتياج إلى الاجازة ـ كما في بيع الفضولي ـ وذلك لأنّه تارةً يسند إلى الأفعال والاُمور الخارجية فيقال إنه مختار في الأكل ونحوه ، واُخرى يسند إلى الامضاء والرد كما في بيع الفضولي ، وثالثة يسند إلى الفسخ وتركه ، كما في كل واحد من العقود اللازمة والجائزة ، لأنه مختار في كليهما بالاضافة إلى الفسخ وتركه ، وتفترق العقود اللازمة عن العقود الجائزة بأنّ في موارد العقود اللازمة خيارين أحدهما : متعلّق بالفسخ وتركه ، وثانيهما : متعلّق بازالة السلطنة على الفسخ وابقائها ، والخيار الأول ممتاز عن الثاني ، وأمّا في موارد العقود الجائزة فالموجود فيها خيار واحد متعلّق بالفسخ وتركه .
ومن خلال هذا العرض يتّضح أنّ تعريف الخيار بأنّه ملك إقرار العقد
وإزالته ـ كما حكي عن القدماء ـ هو الصحيح ، وذلك لما عرفت من أنّ في موارد الخيار
المصطلح عليه سلطنتين إحداهما : السلطنة على الفسخ وعدمه ، وهي المعبّر عنها في
التعريف بالازالة بمعنى أنّ له إزالة العقد وعدمها ـ أي فسخه وعدمه ـ وثانيتهما :
السلطنة على جعل العقد لازماً باسقاط الخيار وإزالة التمكّن من الفسخ وعدمه بحيث
يسقط العقد بعد ذلك عن قابلية الفسخ وعدمه .
وبكلمة اُخرى : عبّروا عن مجموع هذين الخيارين في العقود اللازمة
بملك إقرار العقد وإزالته بمعنى أنّه مالك لفسخ العقد ولعدمه ومالك لابقاء سلطنته
على الفسخ وإزالتها .
ومن هذا يظهر أنّ ما ذكره شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)(1)
من أنّ المراد باقرار العقد هو ترك الفسخ الذي هو أحد طرفي الخيار المتعلّق بالفسخ
وتركه ، وأنه في الحقيقة إعمال لأحد طرفي الخيار غير تامّ ، لما عرفت من وجود
خيارين أحدهما متعلّق بالفسخ وتركه وثانيهما متعلّق بابقاء السلطنة وإزالتها ،
فاقرار العقد عبارة عن إزالة السلطنة على الفسخ وتركه الراجعة إلى إسقاط الخيار
كما عرفت ، وليس إقرار العقد هو إعمال أحد طرفي الخيار الأول .
نعم ، يرد على التعريف المذكور : أنّ الملك غير داخل في معنى الخيار
، وإنّما يستفاد من الهيئة كما في المختار أو من كلمة ذي أو له ونحو ذلك ،
فالتعريف المذكور من غير هذه الجهة لا إشكال فيه ، وهو الموافق لما أثبتناه من السلطنتين
في موارد الخيار المصطلح عليه ، هذا .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) منية الطالب 3 : 6 .
وقد أورد شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) على
التعريف المذكور بما ملخّصه بتوضيح منّا : أن ذكر إقرار العقد أي إثباته وجعله
لازماً إمّا مستدرك وإمّا موجب للدور ، لأنّ المراد من إقرار العقد إن كان ابقاءه
بحاله وترك فسخه فذكره مستدرك لغو ولا حاجة إليه ، لأنّ القدرة على إزالته قدرة
على عدم الازالة وترك العقد بحاله لأنّ القدرة لا تتعلّق إلاّ بطرفين ، وإن اُريد من إقرار العقد إزالة الخيار وجعل
العقد لازماً فهو دور ظاهر ، لأخذ الخيار في تعريف نفسه ، إذ مرجعه إلى أنّ الخيار
عبارة عن ملك إزالة الخيار والفسخ .
ويرد عليه :
أنّ في المقام سلطنتين إحداهما : السلطنة على فسخ العقد وتركه وثانيتهما : السلطنة على إسقاط الخيار وجعل العقد لازماً ، ومعه فنختار الشق الثاني
من الترديد ولا يرد عليه محذور الدور ، لأنّ التعريف إنّما هو للخيار بمعنى
السلطنة على الفسخ وتركه ، فلا مانع أن يؤخذ في تعريفه الخيار بالمعنى الثاني
ـ وهو السلطنة على جعل العقد لازماً ـ ويلزم من ذلك أنّه اُخذ في تعريف
الخيار بالمعنى الأول الخيار بالمعنى الثاني ، ولا يلزم من ذلك أخذ الخيار بالمعنى
الأول في تعريف نفسه حتى يلزم الدور ، وذلك ظاهر .
ثم إنّه (قدّس سرّه) أورد عليه ثانياً : بأنّ هذا
التعريف لو تمّ فإنّما يتمّ فيما إذا كان الخيار في العقد من جانب واحد ، فإنّ من
له الخيار يتمكّن من جعل العقد لازماً حينئذ باسقاط خياره ، إلاّ أنّه لا يتمّ
فيما إذا كان الخيار من جانبين ، لأنّ العقد لا يصير لازماً حينئذ باسقاط أحدهما
خياره ، فلا يصدق هذا التعريف على الخيار المشترك لعدم إمكان جعل العقد لازماً
باسقاط خياره ، لوضوح أنّ اللزوم حينئذ يتوقّف على إسقاط الخيار من جانبين ولا
يكفي فيه إسقاطه من أحدهما . وبالجملة :
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المكاسب 5 : 12 .
التعريف ينتقض بالخيارات المشتركة كما في خيار المجلس الثابت لكلّ
واحد من البائع والمشتري .
إلاّ أنّ الايراد المذكور غير وارد بناءً على ما ذكرناه آنفاً ،
لأنّك عرفت أنّ في المقام سلطنتين وخيارين : أحدهما متعلّق بالفسخ وتركه ،
وثانيهما : متعلّق بجعل العقد لازماً وعدمه ، والذي لا يقبل التبعيض إنّما هو
الفسخ المتعلّق للخيار الأول لأنّ معنى فسخ العقد رجوع المالين إلى مالكهما فلا يصحّ في مثله أن يكون الفسخ
متبعّضاً وأن يفسخه أحدهما ولا يفسخه الآخر ، بل إذا فسخ أحدهما لا يبقى للآخر
مجال ، أمّا إسقاط الخيار بالمعنى الثاني وجعل العقد لازماً فهو أمر قابل للتبعيض
فيمكن أن يسقط أحدهما الخيار ويجعل العقد لازماً من قبله بحيث لا يتمكّن من فسخه وتركه
ولا يسقط الآخر خياره بهذا المعنى ولا يجعل العقد لازماً من قبل نفسه ولا يزيل
سلطنته ، وهذا أمر لا يقبل الانكار ، بل لا معنى أصلا لاسقاط أحد المتبايعين
السلطنة الثابتة للآخر ، لأنّه إنّما يملك سلطنة نفسه لا سلطنة شخص
آخر .
وعليه فالمراد من إقرار العقد هو إقراره من قبل نفسه وإزالة سلطنته
لا إقراره من طرف شخص آخر وإزالة سلطنة الآخر ، وبعبارة اُخرى : المراد من جعله
لازماً إنّما هو جعله لازماً من طرف نفسه ، وهذا أمر متحقّق في جميع الموارد .
هذا فيما إذا كان الخيار ثابتاً لكل واحد من المتعاملين .
وأمّا إذا اشترك اثنان أو أكثر في خيار واحد ، بأن يكون الخيار الواحد متعلّقاً بالمجموع لا أن يكون هناك خياران أحدهما متعلّق بهذا والآخر بذاك بل ثبت خيار واحد للمجموع ، وهذا كما في الخيار المنتقل إلى الورثة فيما إذا كان الوارث أكثر من واحد ، فإنّ القول بثبوت الخيار لمجموع الورثة الذي هو أحد الأقوال في المسألة هو الأقوى ، فهو لا يقبل التبعيض أيضاً ، إلاّ أنّه ليس مراد شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) قطعاً ، لأنّ الخيار كما لا يسقط فيه باسقاط أحدهم كذلك لا
ينفسخ العقد بفسخ بعضهم ، بل لابدّ في كل واحد من طرفي الخيار من
اتّفاق الورثة بأجمعهم .
وبالجملة : أنّ تعريف الخيار بملك إقرار العقد وإزالته تام ولا يرد
عليه ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) .
نعم ، يرد عليه ما ذكرناه من أنّ الملك غير مأخوذ في مفهوم الخيار ،
ولعلّ الوجه في تعبيرهم بالقدرة والملك ـ حيث ذكروا أنّ الخيار عبارة عن القدرة
على إزالة العقد وأنه ملك فسخ العقد ، مع أنّ معنى الخيار كما عرفت هو ترجيح أحد
طرفي العقد على الآخر الذي هو من الأفعال الخارجية من دون أن يؤخذ فيه القدرة ـ هو
أنّ سائر الأفعال الخارجية كالأكل والنوم والضرب كما تتحقّق مسبوقة بالقدرة كذلك
تتحقّق من دون السبق بالقدرة كما إذا اضطر إلى شيء من الأفعال فأكل من دون قدرة .
وهذا بخلافه في الترجيح فانّه يمتاز عن غيره من الأفعال الخارجية
باختصاصه بسبق القدرة ، ولا يتحقّق فيما إذا لم تكن قدرة ، إذ الترجيح إنّما يعقل
مع القدرة على طرفي الشيء ، وأمّا مع عدم القدرة على أحدهما فلا معنى للترجيح كما
هو ظاهر .
ولعلّ هذا هو الوجه في أخذ القدرة في الخيار حيث قالوا إنّه عبارة عن القدرة على فسخ العقد مع أنّه عبارة عن ترجيح أحد طرفي العقد مع القدرة لا القدرة على ترجيح أحدهما فلا تغفل . هذا كلّه في اُولى المقدّمتين اللتين ذكرهما شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في المقام .
أصل
اللزوم في البيع
ذكر غير واحد من الفقهاء أنّ الأصل في البيع اللزوم وأنّ الجواز فيه
يحتاج إلى دليل . وقد ذكره العلاّمة (قدّس سرّه) في
كتبه(1) وعلّله بأنّ الغرض من المعاملة أن يتصرّف كلّ واحد من المتعاقدين فيما
انتقل إليه ، وهذا إنّما يتمّ فيما إذا قلنا باللزوم حتى يأمن من فسخ صاحبه . وذكر
(قدّس
سرّه) أيضاً أنّه يُخرج من هذا الأصل بأمرين : ثبوت خيار أو ظهور عيب .
انتهى .
ولابدّ من البحث فيما يقتضيه الأصل في البيع حتى يرجع إليه في موارد
الشك في اللزوم والجواز ، ولأجل ذلك وقع الكلام في أنّ المراد بالأصل في كلمات
الفقهاء ماذا ، وذكر لذلك عدّة احتمالات :
الاحتمال الأول :
أنّ المراد بالأصل هو الغلبة ، وأنّ الغالب في البيع اللزوم فإذا شككنا في مورد في الجواز واللزوم فنلحقه بالغالب .
ويردّه :
أنّ الغلبة ممنوعة صغرى وكبرى . أمّا بحسب الكبرى ـ وإنّما لم يتعرّض شيخنا
الأنصاري (قدّس سرّه) إلى وجه منع الغلبة بحسب الكبرى
لوضوحه وعدم احتياجه إلى الذكر ـ فلأنّ الغلبة أدون من الحكم بالاستقراء الناقص
بمراتب لأنّ الحكم في موارد الاستقراءات الناقصة مستند إلى مشاهدة فردين أو أفراد من
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) القواعد 2 : 64 .
طبيعة ، وملاحظة أنّ أفراد تلك الطبيعة متّصفة بوصف وبه يحكم على أنّ
سائر الأفراد أيضاً واجدة لتلك الصفة مع الجهل بحالها وعدم ملاحظتها من جهة أنّ
اتّصاف عشرة أفراد من طبيعة واحدة بوصف يكشف عن أنّ هذا الوصف ثابت لنفس الطبيعة
وأنّه ليس من عوارض الفرد وإلاّ لم يوجد في هذه الأفراد الكثيرة بنسق واحد ، وبما
أنّ الوصف ثبت لنفس الطبيعة بملاحظة تلك الأفراد الواجدة للوصف فيحكم بأنّ الطبيعة
أينما سرت تتّصف بهذا الوصف حتى في الأفراد الاُخر التي نجهلها ولم نشاهدها .
وأمّا في الغلبة وملاحظة أنّ الغالب في البيع أو المعاملات هو اللزوم
مع العلم بأنّ بعضها جائز لأجل دليل خارجي ، فلا يمكن فيها دعوى أنّ اللزوم من
أوصاف طبيعة البيع مثلا بملاحظة أنّه بحسب الغالب لازم ، إذ لو كان اللزوم من
أوصاف نفس طبيعة البيع لم ينفك عنها في بعض الموارد مع أنّ المفروض أنّا نعلم أنّ
البيع في بعض الموارد جائز ، فمع عدم استكشاف أنّ الوصف من أوصاف الطبيعة كيف يمكن
الحكم على أنّ سائر الموارد والأفراد أيضاً واجدة لوصف اللزوم .
فظهر أنّ حال الغلبة أدون من الاستقراء الناقص بمراتب ، وبما أنّ
الاستقراء الناقص ليس بحجّة فالغلبة لا تكون حجّة بالأولوية.
وبالجملة : لا وجه للالحاق بالغالب إلاّ دعوى حصول الظنّ بأن المشكوك
من الأعم الأغلب ، مع أنّ الظنّ لا يحصل به في جميع الموارد لوجود بعض قرائن
خاصّة ، وعلى تقدير حصوله لا يمكن الاعتماد عليه لأنّ الظنّ لا يغني من
الحقّ شيئاً .
وأمّا بحسب الصغرى ، فقد أورد عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)
بأنّه ما المراد من الغلبة في المقام ، فإن اُريد منها غلبة اللزوم بحسب الأفراد
ودعوى أنّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المكاسب 5 : 14 .
الغالب في أفراد البيع اللزوم ، ففيه : أنّ البيع غالباً ينعقد
جائزاً لأجل خيار المجلس أو غيره ، فالغلبة في أفراد البيع هي انعقادها بوصف
الجواز وإنّما تصير لازمة باسقاط الخيار ونحوه ، فلا غلبة من هذه الجهة .
وإن اُريد منها الغلبة بحسب الزمان ، فهي وإن كانت كذلك لأنه إنّما
يكون جائزاً في مقدار ساعة أو أقل ما دام لم يتفرّقا وأمّا بعده فهو لازم إلى يوم
القيامة فالغلبة بحسب الزمان في اللزوم ، إلاّ أنّ هذه الغلبة إنّما تفيد فيما إذا
شككنا في البيع أنه في زمان المجلس أو في زمان الافتراق . وبعبارة اُخرى شككنا في
أنّ الزمان هل هو من الزمان المحكوم فيه بالجواز الذي هو بمقدار ساعة مثلا ، أو
أنه من الأزمنة المحكوم فيها باللزوم التي هي بعد الساعة الاُولى إلى يوم القيامة
، فيلحق الزمان المشكوك بالأعمّ الأغلب ويحكم عليه بأنّه من الأزمنة المحكومة
باللزوم . وأمّا إذا شككنا في بيع في أول انعقاده وأنه هل انعقد جائزاً أو لازماً
، فلا يمكن إلحاقه بالأزمنة المحكومة باللزوم ، للعلم بأنّ الزمان زمان الحكم
بالجواز وهو أول زمان انعقاد البيع ، بل لابدّ حينئذ من إلحاقه بالجائز ، لأنّ
الغالب في أول زمان انعقاد البيع هو الجواز لأجل خيار المجلس ونحوه ، وإن كان
الغالب بعد زمان انعقاده هو اللزوم إلاّ أنّ الغالب في أول انعقاده لمّا كان هو
الجواز فيلزم إلحاقه به ، لأنّ غلبته تمنع من إلحاقه بغير صنفه الذي هو أول زمان
الانعقاد .
ونظير ذلك ما إذا فرضنا أنّ الغالب في الإنسان هو أن يكون أقل من مترين إلاّ صنف خاص ـ كسادات الكاظمين ، فإنّ الغالب في هذا الصنف أن يكون أزيد من مترين ـ فإذا شككنا في فرد من هذا الصنف الخاص أنه بمقدار مترين أو أكثر فلا محيص من إلحاقه بالغالب في صنفه ، وهو أن يكون أزيد من مترين ، ولا يمكن إلحاقه بغير صنفه الذي يكون الغالب فيه أقل من مترين وذلك ظاهر . وهكذا في
المقام فإنه لابدّ من إلحاق المشكوك الذي هو البيع في أول انعقاده
بالغالب في صنفه وهو الجواز ، لأنّ الغالب فيه في أول انعقاده هو الجواز ، لا
بالغالب في غير صنفه الذي هو في غير زمان الانعقاد ، والغالب فيه اللزوم ، وهذا من
دون فرق بين أن يكون الشك من جهة الشبهة الموضوعية أو من جهة الشبهة الحكمية .
ومن ذلك يظهر أنّ ما ذكره غير واحد من الأعلام من أنّ الغلبة بحسب
الزمان تجدي في إلحاق الفرد المشكوك بالغالب بحسب الزمان ممّا لا يمكن مساعدته ولعلّه من جهة عدم الوصول إلى مراد شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)
.
الاحتمال الثاني :
الاستصحاب ، بأن يقال إنّ مقتضى استصحاب الملكية بعد فسخ أحدهما أو كليهما أنّ
الملكية باقية ولم تزل بذلك .
ويردّه :
أنه مختص بما إذا لم تكن الملكية متّصفة بالجواز سابقاً ، إذ مع اتّصافها بالجواز
لا يبقى لاستصحاب الملكية مجال ، لوجود أصل حاكم عليه ، وهو استصحاب بقاء الجواز
في الملك ، هذا .
مضافاً إلى المناقشة في جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية ، وكيف
كان فالأصل بمعنى الاستصحاب لا يفيد قاعدة كلية .
الاحتمال الثالث :
أنّ مقتضى وضع البيع هو اللزوم ، لأنّ بناءه بحسب الشرع والعرف والعقلاء عليه ـ
ولعلّ هذا هو مراد العلاّمة (قدّس سرّه)(1)، حيث ذكر أنّ الغرض تمكّن
المتعاقدين من التصرّف فيما صار إليهما ، وهذا لا يحصل إلاّ فيما أمن من فسخ صاحبه
، وقد يوجب فسخه نقض الغرض من المعاملة ولا تصل إليه قيمة ماله لكثرتها ـ .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تقدّم تخريجه في الصفحة12 .