|
|
الكلام
في المجيز
والكلام فيه يقع في أُمور :
الأول : يشترط في
المجيز أن يكون جائز التصرّف حال الاجازة لا محالة فلو كان مجنوناً أو سفيهاً أو محجوراً عن التصرفات حال الاجازة فلا اعتبار باجازته
كما هو ظاهر، وهذا من دون فرق بين القول بالكشف والنقل ، وذلك لأنّ الكلام في
شرائط المجيز من جهة أنه تصرّف في المال فيعتبر في المتصرف أن يكون جائز التصرف في
المال، وأمّا أنّ أثر الاجازة الصادرة منه ـ بعد الفراغ عن صحّتها ـ
أي شيء هل تؤثّر في الملكية من حين العقد أو من حين الاجازة فهو مطلب آخر لا ربط
له بشرائط المجيز ، وإنّما هو راجع إلى مقدار تأثيرها كما لا يخفى .
الثاني : أنه اشترط
بعضهم في صحة الفضولي وجود مجيز حين العقد واستدلّ عليه العلاّمة (قدّس سرّه)(1) بأنّ
صحّة العقد في حال العقد مع فقد المجيز ممتنعة فإذا امتنع في زمان امتنع دائماً ،
لأنّ المستحيل لا ينقلب إلى الامكان بعد الاستحالة فوجود المجيز بعد العقد ممّا لا أثر له ، هذا أوّلا .
وثانياً : أنّ المشتري يتضرّر حينئذ
لامتناع تصرّفه في العين لاحتمال عدم الاجازة بعد ذلك ، ولا في الثمن لاحتمال صدور
الاجازة من المالك ، ومقتضى شمول
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) القواعد 1 : 124 .
قاعدة لا ضرر له عدم صحّة المعاملة فيما
إذا لم يكن مجيز للعقد حين المعاملة ، هذا .
وعدم المجيز للعقد حين المعاملة يتصوّر
على وجوه :
أحدها : عدم ذات
المجيز وفقد ذات من شأنها الاجازة للعقد ، وهذا غير متحقّق على مسلك الإمامية كما
حكي عن البيضاوي(1) إذ لا يتصوّر ملك بلا مالك يجيز العقد ، لأنّ الإمام (عليه السلام) موجود في
كل عصر وهو الولي على الأموال على الاطلاق ، بل لا يتم ذلك بناء على مسلك الجماعة
أيضاً لأنّهم يرون الخلفاء أولياء على الأموال .
والحاصل أنّ فرض عدم ذات المجيز لا يتم
في الأموال ، وأمّا في غيرها كما في زواج الصغير والصغيرة مع عدم وليّهما أو
جدّهما والبناء على أنه لا ولاية لغير الأب والجدّ في نكاح الصغيرين كما هو أحد
الأقوال في المسألة فلا مانع منه .
ثانيها : عدم
المجيز بوصف التمكّن من الاجازة وإن كانت ذاته متحقّقة إلاّ أنه حين المعاملة غير
حاضر ولا يتمكّن من الوصول إليه كما إذا وقعت المعاملة في بر لا يمكن الوصول فيه
إلى المالك ، أو كان المالك نائماً أو كان بعيداً أو كان وليّه غائباً فلو لم يكن
له مالك أبداً فالإمام (عليه
السلام)
أيضاً لا يمكن الوصول إليه .
وثالثها : عدم
المجيز شرعاً وإن كانت ذاته متحقّقة ويتمكّن من الاجازة أيضاً ، إلاّ
أنّ الشارع منعه عن الاجازة كما إذا باع الفضولي مال اليتيم على خلاف المصلحة فإنّ
الولي لا يمكنه الاجازة حينئذ لأنه على خلاف مصلحة اليتيم كما إذا باعه بنصف قيمته
ونحوه ثمّ حال الاجازة بعد المعاملة صار بيعه على وفق المصلحة لحكم أو قانون حكومي
يقضي بتخريب أمثال تلك الدور من دون دفع ثمن أصلا .
فأمّا الأوّلان فلا ينبغي التكلّم في
اعتبارهما أبداً ، إذ لا دليل على اشتراط
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حكى عنه الشيخ في المكاسب 3 : 432 .
ذات المجيز أو المجيز بوصف التمكّن من
الاجازة في صحة المعاملات ، واشتراطهما خال عن الوجه بالكلّية ، بل ما ورد في صحّة
زواج الصغيرين أدلّ دليل على عدم اعتبارهما في صحة الفضولي ، إذ لم يستفصل فيها
بين وجودهما حال العقد وعدمه .
وكذا الحال في الوجه الثالث إذ لا يعتبر
في صحة الفضولي أن يكون له مجيز حال العقد شرعاً بل العبرة بوجود المجيز حال
الاجازة ، والذي يوضّح ذلك ملاحظة عكس المسألة أعني ما إذا كان بيع مال اليتيم على
وفق المصلحة حين العقد ثمّ ترقّت قيمة المال حين الاجازة وكانت إجازة البيع على
خلاف المصلحة فهل للولي إجازة العقد الصادر من الفضولي حينئذ بدعوى أنه كان على
وفق مصلحة اليتيم ، ومن الظاهر أنّ الاجازة حينئذ لغو حيث إنّ استناد البيع للولي
وبيعه المال إنّما هو بالاجازة والمفروض أنه على خلاف المصلحة فلا محالة تبطل
الاجازة في مثلها ، لأنّ اقتراب مال اليتيم إنّما يجوز فيما إذا كان على وفق
المصلحة فقد قال الله تعالى : (وَلاَ
تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(1) وقبل
الاجازة لم يتحقّق بيع للولي حتّى يكون العبرة بزمان العقد ، وإنّما هو يتحقّق حين
الاجازة فالاعتبار بزمانها ، والمفروض أنّ البيع حينها على خلاف المصلحة فتبطل
الاجازة .
ومنه يظهر الحال في المقام وأنّ كون
البيع حين المعاملة على خلاف المصلحة لا يمنع عن صحة الاجازة فيما إذا كان البيع
حين الاجازة على وفقها ، فإنّ العبرة إنّما هي بزمان الاجازة كما لا يخفى ، فوجود
المجيز للعقد حينه على نحو يتمكّن من الاجازة شرعاً غير معتبر في صحة المعاملة كما
هو ظاهر .
فالمتحصّل : أنه لا يعتبر في الفضولي أن
يكون له مجيز حال العقد ، لا بذاته ولا بوصف التمكّن من الاجازة عقلا ولا بوصف
التمكّن منها شرعاً ، بل الأول غير
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الاسراء 17 : 34 .
متصوّر على مسلك الامامية ، والثاني
أيضاً لا دليل على اعتباره بوجه ، بل الغالب أنّ المالك غير متمكّن من الاجازة حين
العقد لعدم علمه أو لنوم ونحوهما وهو ظاهر ، كما أنّ الثالث لا دليل
على اعتباره لما مرّ ، والروايات الواردة في صحة الفضولي لم تستفصل بين وجود
المجيز بذاته أو بوصف الاجازة عقلا أو شرعاً وعدمه ولعلّه ظاهر .
بقي الكلام فيما استدُلّ به(1) للعلاّمة
(قدّس سرّه) على
المدّعى في المقام : أمّا الاستدلال بلزوم الضرر على المشتري فهو ـ بعد انتقاضه
بما إذا تمكّن المالك من الاجازة عقلا وشرعاً ولكنّه لا يجيز العقد ولا يردّه فإنه
لا يلتزم ببطلان المعاملة حينئذ بل يذهب إلى الالتزام بالخيار أو إجبار المالك على
أحدهما فلماذا لا يلتزم بهما في المقام ـ مندفع بأنّ ذلك مبني على لزوم العقد
بالنسبة إلى الأصل في المعاملات الفضولية قبل الاجازة كما ذهب إليه شيخنا
الأنصاري(2) ولكنّك عرفت أنّ العمومات لا تشمله قبل إجازة المالك أبداً ، بل
للأصيل أن يتصرّف في ماله تصرّف الملاّك في ملكهم لاستصحاب عدم الاجازة في الأزمنة
المتأخّرة.
وأمّا استدلاله عليه بأنّ صحة المعاملة
والحال هذه ممتنعة فإذا امتنع في زمان امتنع دائماً ، فلم نفهم ماذا أراد هذا
الرجل العظيم بهذا الكلام ، فإنّ الامتناع تارةً امتناع ذاتي نظير استحالة اجتماع
النقيضين والتسلسل والدور والخلف الذي مرجعها إلى استحالة اجتماع النقيضين
وارتفاعهما ، ومثله لا إشكال في امتناعه إلى الأبد ، لأنّ المستحيل لا ينقلب عن
امتناعه بمرور الزمان ولا يختلف الحال فيه باختلاف الحالات ، فلا يحتمل إمكان
اجتماع النقيضين في زمان من الأزمنة أبداً
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المستدلّ
هو المحقّق الثاني في جامع المقاصد 4 : 72 .
(2) المكاسب 3 : 414 .
وأُخرى يكون الامتناع امتناعاً بالغير
كامتناع المعلول لعدم علّته أو المشروط لعدم شرطه ، وهذا لا مانع من تبدّله إلى
الوجوب بالغير بعد وجود علّته أو شرطه فضلا عن تبدّله إلى الامكان ، وصحّة البيع
في المقام من هذا القبيل لأنّها إنّما كانت ممتنعة حال العقد لفقد علّتها وشرطها
فبعد ما تحقّقت العلّة فلا مانع من صيرورة الصحّة واجبة بالغير ولعلّه ظاهر .
وبعبارة أُخرى : الامتناع حين المعاملة
إنّما هو من أجل عدم علّتها وهي بيع الولي ، والوجوب بعد الاجازة من جهة وجود
علّته وهي البيع المتحقّق بالاجازة .
فالمتحصّل : أنه لا وجه لاشتراط وجود
ذات المجيز ولا المجيز بوصف الاجازة عقلا ولا بوصف التمكّن منها شرعاً في صحة
المعاملات الفضولية أبداً ولعلّه ظاهر .
الأمر الثالث
:
أنه لا يشترط في المجيز أن يكون جائز التصرف حين البيع وكونه كذلك يتصوّر على وجوه
:
أحدها : أن لا يكون المجيز مالكاً للمال
حال العقد ومن أجل ذلك لم يكن تصرّفه حال العقد جائزاً ، فعدمه مستند إلى عدم
المقتضي للجواز .
وثانيها : أن لا يكون المجيز نافذ
التصرف في المال لفقد شرط من شروط نفوذ تصرّفاته كما إذا كان مجنوناً أو صغيراً أو
سفيهاً ثمّ صار عاقلا أو بالغاً أو رشيداً حال الاجازة للبيع ، فعدم صحة تصرّفاته
من جهة عدم شرطها .
وثالثها : أن لا يجوز له التصرف في
المال حين العقد لأجل مانع كتعلّق حقّ الغير به كما إذا كانت العين مرهونة ثمّ
أخرجها من الرهن حين الاجازة ، فعدم الجواز مستند إلى وجود المانع عنه .
فأمّا الصورة الأُولى : فعدم الملك حين العقد تارةً من جهة عدم الملك واقعاً وظاهراً كما إذا باع مال الغير ثمّ ملكه . وأُخرى من جهة عدم الملك ظاهراً مع كونه
مالكاً له بحسب الواقع كما إذا باع مال
أبيه بظنّ حياته ثمّ انكشف موت الأب وأنه كان ملكه واقعاً . وثالثة من جهة عدم
الملك تخيّلا واعتقاداً مع كونه ملكه واقعاً كما إذا اعتقد أنّ المال ملك شخص آخر
فباعه ثم انكشف أنه ملكه ، وسيأتي تفصيل الكلام في هذه المسألة بجميع صورها عن
قريب إن شاء الله تعالى .
وأمّا الصورة
الثانية :
أعني ما إذا استند عدم جواز التصرفات حال العقد إلى فقد شرط من شرائط الجواز كما
إذا كان مجنوناً أو سفيهاً أو صبياً ونحوها ، فلا ينبغي الإشكال في أنّ مقتضى
العمومات والاطلاقات صحّة المعاملة الصادرة عن المجنون إذا تمشّى منه قصد المعاملة
والسفيه والصبي وغيرها ، وعدم اشتراط صحتها بكون البائع المالك جائز التصرف في
المال ، غاية الأمر أنها تتوقّف على إجازة الولي كغيرها من المعاملات الفضولية ،
أو على إجازة نفسه فيما إذا بلغ أو صار رشيداً بعد المعاملة ، وذلك لأنّ المعاملة
حينئذ تامّة الأجزاء والشرائط ولا قصور فيها إلاّ من ناحية الاستناد من أجل أنّ
استناد المعاملة إلى المالك المجنون أو السفيه كلا استناد عند الشارع ولا اعتبار
له عنده ، فلابدّ في صحّتها من استنادها إليه على وجه معتبر ، فإذا حصل
الاستناد باجازة الولي أو باجازة نفسه بعد البلوغ والرشد فلا مانع من أن تشملها
العمومات نحو (أَوْفُوا
بِالْعُقُودِ) و (أَحَلَّ
اللهُ الْبَيْعَ) .
نعم لو كان قصور تلك المعاملات من جهة الانشاء لا الاستناد بأن التزمنا بعدم اعتبار إنشاء الصبي أو السفيه أو المجنون وأنه كلا انشاء عند الشارع ولو أجازه الولي أيضاً ، فلا محالة تبطل المعاملة في هذه الصورة لعدم اعتبار إنشاء البايعين في مثل الصبي والمجنون والسفيه ، إلاّ أنّا ذكرنا أنّ إنشاء الصبي باجازة الولي ممّا لا مانع منه ، وعليه فالقصور مستند إلى عدم استناد صحيح وهو يحصل بالاجازة المتأخّرة
كما هو ظاهر ، والذي يوضّح ذلك ما
ورد(1)، في صحّة نكاح الصغيرين من أنّ الزوجة إذا بلغت فأجازت النكاح صحّ وترث من
زوجها لا محالة .
وأمّا الصورة
الثالثة :
وهي ما إذا استند عدم جواز التصرّف حين العقد إلى وجود مانع نظير حقّ الرهانة
ونحوه ، وفي هذا الفرض تارةً يكون البائع هو المرتهن ، فلا إشكال في
صحته إذا أجاز المالك لأنّ بيع المرتهن بنفسه إسقاط لحقّه . وأُخرى يكون البائع
أجنبياً فيحتاج إلى إجازة المرتهن وإجازة المالك معاً كما سيأتي ، وإنّما الكلام
فيما إذا كان البائع هو الراهن ثمّ أدّى دَينه وفكّ الرهن فإنه قد يقال ببطلان
البيع ويستدلّ له : بأنّ العقد مع تماميته من جميع الجهات واستناده إلى المالك لم
يمضه الشارع حين المعاملة ، والمفروض أنه لم يحصل الاستناد ثانياً ، كما أنّ
الشارع لم يمضه مرّة أُخرى ، فلا محالة يقع باطلا لأنّ العقد حين وقوعه ممّا لم
يمضه الشارع مع تحقّق الاستناد فيه ، فكيف يصحّ بعد ذلك مع أنه لم يرد عليه إمضاء
آخر .
ومنه يظهر أنّ المقام لا يشبه المعاملات
الفضولية أبداً ، لأنّ عدم صحّة الفضولي قبل إجازة المالك إنّما هو مستند إلى
فقدان الاستناد فإذا حصلت الاجازة فيتمّ استناد العقد إلى المالك فلا مانع من صحته
بوجه ، وأمّا في المقام ونظائره ممّا يحصل العقد من نفس مَن ينبغي أن يسند إليه
ومع ذلك لا يمضيه الشارع لتعلّق حقّ شخص آخر بالعين كما في نكاح بنت أُخت الزوجة
أو بنت أخيها ، فلا مجال للصحّة فيه أبداً ، لأنه حين العقد لم يتعلّق به الامضاء
مع تحقّق الاستناد وبعد ذلك أيضاً لم يتعلّق به إمضاء آخر فلا محالة يقع باطلا ،
هذا .
ولا يخفى أنّ عدم شمول العمومات لمثل
بيع المرهونة أو نكاح بنت أُخت
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 26 : 219 / أبواب ميراث الأزواج ب11 ح1 وغيره .
الزوجة إنّما هو من جهة ما دلّ على
اعتبار رضا المرتهن أو الزوجة أو غيرهما ولولاه لما كان من شمول العمومات لها مانع أبداً ، فهذا الدليل كالمخصّص والمقيّد
لتلك العمومات ، فإذن لابدّ من ملاحظة مقدار دلالة ذلك الدليل وأنه دلّ على اعتبار
رضا المرتهن أو الزوجة أو غيرهما إلى أي مقدار ، ولا إشكال في أنه دلّ على خروجها
عن عموم (أَوْفُوا
بِالْعُقُودِ) ونحوه في حال عدم رضا
من يعتبر إجازته ورضاه ، فإذا لحقه الرضا ممّن يعتبر إجازته أو سقط حقّه فلا محالة
يتمّ العقد فيشمله العمومات .
وبالجملة : أنّ هذا الدليل ليس من قبيل
المخصّص الفردي الذي يخرج الفرد عن تحت العمومات الشاملة له حتّى نحتاج في دخوله
تحتها إلى دليل ، بل هو مخصّص زماني للفرد في بعض الحالات وهو حال عدم الرضا ،
فإذا ارتفع فالعمومات تشمله في سائر الحالات من الابتداء ولا نحتاج في شمولها له
إلى دليل آخر عليه ، وهذه من صغريات الكبرى المعروفة وهي أنّ المتعيّن عند دوران
الأمر بين التقييد والتخصيص هو التقييد ، لأنه المقدار المتيقّن في البين ، وفي
المقام الأمر يدور بين تخصيص العمومات بهذا الفرد من البيع حتّى يقع فاسداً وبين
تقييد العمومات بحالة عدم كون الملك طلقاً لأجل الرهانة وعدم رضا من له الحقّ ،
فإذا ارتفعت الحالة المانعة عن شمولها فلا مانع من شمول الاطلاقات والعمومات بوجه
ولعلّه ظاهر فالبيع في المقام وإن لم تشمله العمومات بحسب الحدوث إلاّ أنّها تشمله بحسب البقاء
بعد ارتفاع الحالة المانعة كما لا يخفى .
والذي يدلّ على ذلك ما ورد(1) في صحة
نكاح العبد فيما إذا أجازه سيده معلّلا بأنه لم يعص الله وإنّما عصى سيده فإذا
أجاز جاز ، فإنه يدلّ على أنّ العقد
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 21 : 114 / أبواب نكاح العبيد والاماء ب24 ح1 ، 2 .
المتوقّف على إجازة الغير إنّما يقع
صحيحاً فيما إذا أجازه الغير ، وبيع المرهونة في المقام من هذا القبيل فإنه يحتاج
إلى إجازة المرتهن ما دام حقّ الرهانة باقياً أو إلى إجازته وإجازة المالك معاً
فيما إذا باعها الأجنبي مثلا ، وأمّا بعد سقوط حقّ الرهانة فتشمله العمومات ،
وعليه فلا وجه لما استدلّ به على بطلان بيع العين المرهونة بوجه . ومنه
يتّضح صحّة نكاح بنت أُخت الزوجة أو أخيها فيما إذا رضيت به زوجته .
بقي الكلام في أمرين
ثانيهما عمدتهما ، الأول : أنّ المعاملة بعد ما خرجت العين عن الرهانة وفكّت عن
حقّ المرتهن وصارت طلقاً هل تحتاج إلى إجازة المالك أو لا ؟ والثاني في أنّ
الاجازة على تقدير لزومها في المقام يجري فيها نزاع الكشف والنقل أو أنّها ناقلة
في المقام وإن قلنا بالكشف في غيره .
أمّا المقام الأول : فالظاهر أنه لا
حاجة إلى إجازة المالك بعد صيرورة الملك طلقاً بفكّ المال عن الرهانة ، لأنّ
المعاملة مستندة إلى المالك على الفرض وإنّما كان المانع من صحّتها حقّ المرتهن
وقد سقط حقّه .
وأمّا الثاني فالاجازة على تقدير لزومها
في المقام تتمحّض في الناقلية دون الكشف وفاقاً للمحقّق الثاني ومن تبعه حيث إنه
مع إصراره على الكشف في الاجازة(1) التزم بالنقل في المقام ، والوجه في ذلك أنّ
نزاع الكشف والنقل إنّما يجري فيما إذا كان العقد تامّاً من جميع الجهات وكان
متوقّفاً على الاستناد إلى المالك فقط فعند حصول الاستناد إليه بالاجازة يمكننا الالتزام بأنّ هذا الاستناد الفعلي تعلّق
بالعقد المتقدّم ، فتكون الاجازة من الآن متعلّقة بالملكية من حال العقد وهو ممّا
لا ضير فيه كما تقدّم سابقاً .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جامع المقاصد 4 : 74 .
وأمّا إذا كانت صحة العقد متوقّفة على
أمر آخر مضافاً إلى توقّفها على الاجازة ففي مثله لا يمكن الالتزام بأنّ الاجازة
تكشف عن الملكية من حال العقد كيف وهي تتوقّف على أمر آخر حسب الفرض . نعم لا مانع
من الالتزام بالكشف في المقدار الممكن وهو زمان حصول ذلك الأمر الآخر ، مثلا إذا
عقد الفضولي بيع الصرف يوم السبت وقبضه يوم الأحد وأجازه المالك يوم الاثنين
فالاجازة لا معنى لأن تكون كاشفة عن الملكية يوم السبت ، لأنّها تتوقّف على القبض
وهو مفقود في ذلك اليوم ، نعم لا مانع من الالتزام بالكشف عن الملكية يوم الأحد
لحصول القبض والاقباض حينئذ ، فالعقد تام والاستناد قد حصل يوم الاثنين وتعلّق
بذلك العقد الواقع سابقاً فتؤثّر في الملكية في زمان يمكن فيه الملك كما عرفت وفي المقام لمّا كانت صحّة العقد الواقع على العين المرهونة متوقّفة على فكّ
الرهانة أو إجازة المرتهن والمفروض أنّ الاجازة منتفية والفكّ إنّما حصل بعد الفقد
بزمان أوجبت الاجازة المتأخّرة انتقال الملك من حين الانفكاك والطلاقة دون حين
العقد والمعاملة ، وهذا هو معنى النقل الذي نلتزم به في المقام في مقابل الكشف عن
الملكية من حين العقد ، هذا كلّه فيما إذا كان عدم جواز التصرف حال العقد مستنداً
إلى فقدان الشرط أو وجود المانع عنه .
وأمّا فيما إذا كان مستنداً إلى عدم
المقتضي وهو الملك فقد قسّمه شيخنا الأنصاري إلى أقسام : لأنه تارة يبيع لنفسه ثمّ
يملكه بسبب اختياري كالاشتراء أو غير اختياري كالارث . وأُخرى يبيعه للغير ثمّ
يملكه . وثالثة يبيعه بتخيّل أنه ملك الغير أو بعنوان كونه للغير ظاهراً ثمّ ينكشف
أنه ملكه .
والكلام فعلا يقع في :
المسألة
الأُولى
وهي ما لو باع شيئاً لنفسه ثمّ ملكه ،
ولنفرض الكلام فيما إذا أجازه بعد الملك ثمّ نتكلّم فيما إذا ردّه بعد ذلك ، فقد
نسب إلى الشيخ الطوسي (قدّس
سرّه)(1)
القول بالصحة في المسألة ، لأنه (قدّس
سرّه)
ذهب إلى أنّ المالك فيما إذا باع مالا زكوياً قبل إخراج الزكاة منه ثمّ أدّى عوضه
بشيء آخر يقع البيع صحيحاً ، وهذه المسألة بعينها مسألة من باع شيئاً ثمّ ملك بناء
على أنّ حقّ الفقراء في الزكاة متعلّق بالمال وأنّهم شركاء للمالك في المال الزكوي
، فإذا باعه بتمامه فقد باع حصّة الفقراء فضولا ثمّ ملكها بأداء عوضه خارجاً ،
فلذا أورد عليه المحقّق في المعتبر(2) وغيره في غيره بأنّ ذلك من الشيخ مبني على
جواز بيع مال الغير فيما إذا ملكه بعد ذلك مع أنه باطل لأنه حين العقد لم يكن مالكاً وحين الملك لم يتحقّق البيع .
واحتمل شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(3) أن
يكون حكم الشيخ في المسألة مبنياً على عدم تعلّق الزكاة بالعين الخارجية حتّى يكون
المال الزكوي مشتركاً بين المالك والفقير بل تتعلّق بها على نحو تعلّق حقّ الرهانة
بها فيكون من باب وجود المانع لا عدم المقتضي ، هذا .
والتحقيق أنّ ما ذهب إليه الشيخ (قدّس سرّه) في المقام
ليس مبنياً على طبق القاعدة ، وإنّما حكم بما حكم لأجل ما ورد في المسألة من النصّ
وقد نقله السيّد (قدّس
سرّه)
في الحاشية(4) وتعرّض له شيخنا الأنصاري في كتاب الزكاة(5) ولا يلزم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المبسوط
1 : 208 .
(2) المعتبر
2 : 563 .
(3) المكاسب
3 : 436 .
(4) حاشية
المكاسب (اليزدي) : 163 .
(5) كتاب الزكاة : 202 .
في الرواية أن تكون على طبق القاعدة ،
فكلامه وحكمه (قدّس
سرّه)
من جهة النصّ لا من جهة أنّ صحته على طبق القاعدة .
والعجب من المحقّق وشيخنا الأنصاري (قدّس سرّهما) كيف رضيا
بحمل كلامه على احتمالات بعيدة ولم يحتملا أن يكون ذلك منه من جهة النصّ الوارد في
المسألة .
وكيف كان ، فقد ذهب جماعة إلى بطلان
البيع في المقام ومنهم الشيخ أسد الله التستري (قدّس سرّه)(1) واستدلّ عليه
بوجوه ، ومن المعلوم أنّ مقتضى القاعدة والعمومات والاطلاقات صحّة البيع وعدم
اشتراط المعاملة بالملك حال العقد فلننظر إلى ما استدلّ به المانع في المقام فإن تمّ فهو ، وإلاّ فمقتضى القاعدة هو
الصحّة كما عرفت .
الوجه الأوّل
:
ما ذكروه في بطلان بيع الغاصب وهي أُمور :
الأول : أنّ
الغاصب غير قاصد لحقيقة المبادلة ، والمقام أيضاً كذلك حيث إنّ الفضولي باع المال
لنفسه مع علمه بأنه ملك الغير فكيف يتحقّق منه قصد المعاوضة الحقيقية حيث إنّها
تقتضي خروج المال عن كيس مَن دخل المال في كيسه ، وهذا مفقود في المقام فلا محالة
تقع المعاملة فاسدة .
وقد مرّ هذا الإشكال في بيع الغاصب
سابقاً وأُجيب عنه بوجوه يأتي بعضها في المقام ولا يأتي فيه بعضها الآخر ، منها :
أنّ الغاصب قد سرق الاضافة من المالك ونسبها إلى نفسه وادّعى المالكية لنفسه ،
وبهذه الدعوى والتخيّل يراه مال نفسه فلذا لو سألناه عن أنه لمن ، فيجيب بأنه لي
فهو قاصد للمعاوضة الحقيقية غاية الأمر اعتقاداً أو ادّعاء كما هو الحال في
الغاصبين والسارقين ، فهذا الجواب لا يجري في المقام لأنّ البائع لا يدّعي أنه له
بل مع إقراره بأنه ملك الغير واعترافه بأنه للمالك
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مقابس الأنوار : 134 .
يبيعه لنفسه حتّى يشتريه من مالكه فيسلّمه إلى المشتري أو يدفعه إليه بعد موت أبيه ومورّثه كما قد يتّفق ذلك في الآباء الأثرياء الذين لا يعطون لأولادهم شيئاً فأبناؤهم يبيعون أموال مورّثهم بالمعاملات القطعية الرسمية كي يدفعونها إلى المشترين بعد موت المورّثين ، هذا كلّه على تقدير تمامية الجواب المذكور في بيع الغاصب بناء على أنه سرق الاضافة المالكية ونسبها إلى نفسه دون الفضولي ، وأمّا بناء على أنه لا معنى لسرقة الاضافة لأنّ السرقة إنّما هي في المال فكيف يسرق الاضافة