|
|
|
الاُمور التي لا قوام لها إلاّ بالانشاء
، وانشاؤها وإبرازها كما يكون بالاشارة أو الفعل أو سائر الألفاظ كذلك يمكن بنفس
الألفاظ الموضوعة لها كأذنت وأمرت ، إذ لا ينبغي الإشكال في أنّه يعقل انشاء الاذن
بلفظ أذنت لك والأمر بلفظ أمرتك .
والبيع أيضاً من هذا القبيل فإنّه وإن
كان تحقّقه وقوامه بنفس الانشاء لأنّه من الاُمور الانشائية ، إلاّ أنّه يمكن
إنشاؤه بنفس لفظه بأن يقال : بعتك ، فقد أبرز البيع وأنشأه بلفظه ، ومن هذا القبيل
الإسلام فإنّه لا يتحقّق بمجرّد عقد القلب ما دام لم ينشئ الإسلام ولم يبرزه
باللفظ كالشهادتين ، مع أنّه يعقل ابرازه بنفس لفظ الإسلام بأن يقول : أسلمت لربّ
العالمين ، وكذلك التعظيم فإنّه من الاُمور الانشائية مع أنّه يمكن انشاؤه بلفظ
التعظيم بأن يقول : إنّي اُعظّمك أو عظّمتك على نحو الانشاء دون الاخبار .
فتحصّل : أنّه لا مانع من إنشاء الاُمور
الانشائية بالألفاظ الموضوعة لها .
وأمّا الحلّ : فبأنّ الألفاظ الموضوعة
للاُمور الانشائية إنّما وضعت لمفاهيم تلك الاُمور دون وجوداتها الخارجية ، فمعنى
الأمر مفهوم الطلب ومعنى البيع هو مفهوم إنشاء تبديل عين بمال ، سواء كان موجوداً
في الخارج أم لم يكن ، فمعنى بعت أنشأت مفهوم البيع . وبالجملة لا نظر لتلك
الألفاظ إلى وجود معانيها خارجاً وعدمه وعليه فإذا تكلّم بلفظ بعت أوجد المفهوم في
ضمن ذلك الفرد ، فإنّ للبيع المفهومي أفراداً قد أوجده بذلك الفرد منه ولا محذور
في إيجاد المفهوم بفرده كما هو واضح .
فتحصّل : أنّ ما أورده شيخنا الأنصاري
على ذلك التعريف بأنّه إن اُريد بالصيغة خصوص بعت لزم الدور وإلاّ فلابدّ من
الاكتفاء بخصوص التمليك والنقل ممّا لا وجه له ، وعليه فالصحيح أن يقال : البيع
عبارة عن التبديل الانشائي لعين في مقابل شيء .
وبعد ذلك نرجع إلى ما كنّا نحن بصدده
فنقول : ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس
سرّه)(1) أنّ المعوّض في البيع يشترط أن يكون عيناً
ولا يعمّ المنافع لأنّه الفارق بين البيع والاجارة على تفصيل تقدّم ، وإن اُطلق في
بعض الأخبار على نقل المنافع إلاّ أنّه من باب المسامحة ، كما أنّ لفظ الاجارة
ربما يطلق على نقل الأعيان وذلك كالثمرة على الشجرة ، هذا .
ولكنّا لم نفهم حقيقة ما أراد بهذا
المثال ، فلذا نتردّد في المراد ونقول :
إنّه إن أراد بذلك أنّ الاجارة تطلق على
نقل الثمرة الموجودة فعلا على الشجرة كنقل التمور الموجودة في البستان على النخيل
، ففيه : أنّ ذلك ممّا لا يطلق عليه الاجارة في شيء من اللغات لا في العربية ولا
في غيرها ، ولم نجد أيضاً من أطلق عليه الاجارة من الفقهاء ، بل قد صرّحوا بأنّ
الصوف الموجود على الغنم ونحوه لا يمكن إجارته بل الاجارة في مثله باطلة ، لأنّها
حينئذ عين في مقابل عين البستان وليست من منافعه . مضافاً إلى أنّه موجب للغرر ،
حيث إنّ الثمرة على الشجرة لا يعلم مقدارها .
وإن أراد بذلك إطلاق الاجارة على نقل
الثمرة غير الموجودة فعلا على الشجرة بأن يستأجر البستان للانتفاع بثماره التي
ستوجد بعداً فهي إجارة حقيقة لأنّ النقل تعلّق بالمنفعة الحاصلة من الشجرة ، غاية
الأمر أنّ هذه المنفعة لو وجدت تكون من الأعيان .
وإن أراد أنّه استأجر البستان للتنزّه
ونحوه بشرط أن تدخل الأثمار الموجودة فيه فعلا في ملكه ، ففي هذا الفرض أيضاً لم
تستعمل الاجارة في نقل العين بل استعملت في نقل المنفعة وهي حيثية التنزّه مثلا
ويكون نقل العين أعني الثمار بالشرط لا بالاجارة .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المكاسب
3 : 7 .
فالمتحصّل من جميع ذلك : أنّا لم نجد
فقيهاً يُطلق الاجارة على نقل الثمرة الموجودة في الشجرة . نعم يصحّ إطلاقها على
إجارة البستان للمنافع المستفادة منه بعد الاجارة ، هذا كلّه في المعوّض .
وقوع
الثمن منفعة
وأمّا العوض فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أنّه
لا مانع من أن يكون منفعة ، ولا يشترط في البيع أن يكون العوض أيضاً كالمعوّض من
الأعيان وأمّا قولهم : إنّ البيع لنقل الأعيان فهو كقولهم : الاجارة لنقل المنافع
في أنّه ناظر إلى المعوّض فيهما ، يعني أنّه لابدّ أن يكون المعوّض في البيع عيناً
كما أنّه لابدّ أن يكون منفعة في الاجارة ، وليس معناه أنّه يشترط في البيع أن
يكون كلا العوضين من الأعيان وفي الاجارة أن يكون كلاهما من المنافع ، لوضوح أنّ
العوض في الاجارات يكون من الأعيان كالدراهم والدنانير غالباً فيؤجر الدار بعوض
الدرهم أو الدينار ، فلابدّ أن يكون إطلاقهم ذلك بلحاظ المعوّض في كلّ واحد من
البابين ، وعليه فلا مانع من أن يجعل العوض في البيع منفعة من المنافع كما إذا باع
داره الصغيرة بسكنى دار وسيعة بمدّة عشر سنوات .
وأمّا منافع الحرّ وأعماله وأنّها أيضاً
يمكن أن تقع عوضاً في البيع أو لا يمكن فقد استشكل فيه الشيخ (قدّس سرّه) بقوله :
ففيه إشكال ، وذلك لأنّ ظاهر تعريف المصباح أن تكون المبادلة واقعة بين مالين قبل
وقوع المعاوضة عليهما لا ما يكون مالا بالمعاوضة ، وعليه فإن قلنا بأنّ أعمال
الحرّ من الأموال ولو قبل وقوع المعاوضة عليها فلا إشكال . وأمّا إذا قلنا بأنّها
إنّما تكون مالا بعد وقوع المبادلة عليها ففي
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المكاسب
3 : 8 .
جعلها عوضاً إشكال .
أقول : أراد (قدّس الله نفسه) بذلك أنّ
وقوع أعمال الحرّ عوضاً في البيع على قسمين : فتارةً يستأجر أحد شخصاً للبناية أو
الكتابة في مدّة كذا ثمّ يجعل ذلك عوضاً لما يشتريه من الأعيان في المعاملة
البيعية كما إذا أراد شراء عباءة فجعل عوضها عبارة عن البناية أو الكتابة التي
ملكهما من الأجير بالاجارة الواقعة قبل بيع العباءة ، وهذا ممّا لا إشكال في صحّته
فإنّ ما جعله عوضاً في اشتراء العباءة إنّما هو من الأموال حينئذ قبل وقوع معاوضة
العباءة به ، لأنّه ملكه بالاجارة . واُخرى يريد نفس البنّاء أو الكاتب أن يجعل
عمله عوضاً في اشتراء شيء من الأعيان وصحّة البيع حينئذ مبتنية على أنّ أعمال
الحرّ هل هي مال قبل وقوع المعاوضة عليها حتّى يصحّ جعلها عوضاً ، أو أنّها تكون
مالا بعد المعاملة والمعاوضة حتّى لا يصحّ جعلها عوضاً ، لأنّ ظاهر تعريف المصباح
أن يكون العوضان مالا قبل وقوع المعاوضة والمبادلة عليهما لا ما يكون مالا بنفس
المبادلة دون قبلها ، وهذا هو منشأ استشكاله (قدّس سرّه) في المقام .
وربما يقال : بأنّ أعمال الحرّ قبل
المعاوضة عليها ليست من الأموال ، ولذا لو حبس أحدٌ حرّاً لا يكون ضامناً لما يفوت
من أعماله وهذا بخلاف ما لو حبس العبد فإنّه يضمن أعماله حينئذ ، وليس هذا إلاّ من
جهة أنّ أعمال الحرّ ليست من الأموال فعلا لعدم وقوع المعاوضة عليها ، وهذا بخلاف
أعمال العبد فإنّه لمّا كان مملوكاً لمولاه كانت منافعه وأعماله مملوكة له أيضاً
فعلا ، لأنّ المنافع تابعة للأعيان في الملكية فهي فعلا مال لمالك العبد ولو لم
يقع عليها المعاملة ، ومنافعه حينئذ كمنافع داره وبستانه مال له كما هو ظاهر .
وكذا لا يحكم الفقهاء بوجوب الحجّ على من يتمكّن من أن يعمل عملا يسوى ألف دينار
أو أقل أو أكثر بحيث يكون مستطيعاً فلو كانت أعماله ولو قبل وقوع المعاوضة عليها
من الأموال لوجب عليه الحجّ قطعاً ، لصيرورته
مستطيعاً حينئذ ، وهذان الحكمان يكشفان
عن أنّ أعمال الحرّ قبل وقوع المعاوضة عليها ليست من الأموال كما هو واضح ، هذا .
ولا يخفى أنّه لا ينبغي الإشكال في أنّ
أعمال الحرّ من الأموال مطلقاً ، لأنّها ممّا يرغب فيها العقلاء ويبذلون بازائها
المال ، من دون فرق في ذلك بين وقوع المعاوضة عليها وعدمه ، فلا وجه للاستشكال في
أنّها مال قبل وقوع المعاوضة عليها أو ليست بمال .
نعم قبل وقوع المعاوضة عليها لا تكون مضافةً
إلى صاحبها (وهو العامل) بالاضافة الملكية الاعتبارية (بمعنى الواجدية الاعتبارية
لا بمعنى ما يكون اختياره بيده ، فإنّ الملك بهذا المعنى صادق على نفس أعمال الشخص
أيضاً بقدرته عليها) إلاّ أنّ الاضافة الملكية الاعتبارية غير معتبرة في شيء من
العوضين في المعاملة وإنّما يعتبر فيهما بحسب تعريف المصباح أن يكونا مالا ، وأمّا
الاضافة الملكية الاعتبارية فلا ، وإلاّ فلا يصحّ بيع الكلّي في الذمّة أيضاً
لأنّه قبل وقوع المعاوضة عليه ليس ملكاً لأحد ، مع أنّه لا خلاف في صحّته ، ولا
وجه لها إلاّ كونه مالا وكفاية ذلك في صحّة المعاملة .
وبالجملة : أنّ الكلّي في الذمّة كأعمال
الحرّ من جميع الجهات ، فكما أنّها ليست ملكاً لأحد قبل وقوع المعاوضة عليها فكذلك
الكلّي بعينه ، وكما أنّ الكلّي مال قبل المعاملة فكذلك أعمال الحرّ بلا فرق
بينهما ، فإن صحّت المعاملة في أحدهما صحّت في الآخر أيضاً ، وإن لم تصح ففي
كليهما كذلك .
وأمّا الحكمان اللذان استشهد بهما في
المقام : فمسألة عدم وجوب الحجّ عليه حينئذ ليست من جهة أنّ الأعمال ليست بمال ،
بل إنّما هو من جهة ما استفدناه من الأخبار الواردة في الحجّ من اشتراط أن يكون
عنده مال بمقدار الاستطاعة ، وهذا العنوان لا يصدق في المقام ، فإنّ الأعمال وإن
كانت من الأموال إلاّ أنّه لا يصدق
عرفاً أنّه عنده مال ، نعم لو آجر نفسه
من أحد يكون واجداً للمال ، إلاّ أنّ تحصيل الاستطاعة غير واجب ، وهذا بخلاف أعمال
العبد بالنسبة إلى مالكه فإنّه يصدق عليه أنّه عنده مال ، إذ ليست هما إلاّ كمنافع
بستانه وداره أو سائر أمواله كالفرش وغيرها ، ولا يلزم أن يكون المال من قبيل
الدراهم والدينار كما هو ظاهر ، وأمّا في الحرّ فهو فعلا لا مال عنده عرفاً بوجه
لا من قبيل الدراهم ولا من قبيل غيرها كما لا يخفى .
وأمّا مسألة عدم الضمان في حبس الحرّ
فهي على وجهين : فإنّ الحرّ المحبوس إن كان كسوباً كالبنّاء الذي خرج من داره
للبناية وهو معدّ نفسه لعمل البناية أو غيرها كالنجارة أو التجارة أو غيرهما ، فلا
مانع من أن يكون الحابس ضامناً لما فوّته عليه من عمله يوماً أو أكثر ، إذ يصدق
عليه عرفاً أنّه أتلف عليه ماله .
وأمّا إذا لم يكن كسوباً ولم يكن له شغل
لتحصيل المال كالطلاّب ونحوهم فلا وجه للحكم بالضمان في مثله ، إذ لا وجه للضمان
إلاّ من جهة قاعدة من أتلف ، ولا إتلاف في المقام ، إذ لم يوجب حبسه تفويت عمله
الذي يعطى بازائه المال إذ لو لم يحبسه أيضاً لم يكن يصدر منه عمل بازائه مال .
وكيف كان فلا مقتضي للحكم بالضمان حينئذ ، وليس ذلك من جهة أنّ الأعمال ليست بمال
بل من جهة عدم صدق أنّه ذو مال عرفاً ، فلا يصدق إتلاف مال الغير الذي هو موضوع
الضمان . وتمام الكلام في الفرعين موكول إلى بابي الغصب والحجّ فراجعهما .
الحقّ
وأقسامه
ثمّ قال الشيخ (قدّس الله نفسه) أمّا
الحقوق الاُخر(1) الظاهر أنّ العبارة غير
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المكاسب
3 : 8 .
صحيحة ولعلّ الاشتباه من النسّاخ وحقّ
العبارة أن يكون هكذا : وأمّا الحقوق فإن لم تقبل المعاوضة بالمال فلا إشكال ،
وكذا لو لم تقبل النقل والانتقال كحقّ الشفعة وحقّ الخيار إلى قوله بعد أسطر :
وأمّا الحقوق الاُخر ... وهذا موضع لفظة الاُخر بمعنى أنّ الحقوق التي ليست من
قبيل القسم الأوّل والثاني ولذا وصفها بالاُخر ولكن الناسخ اشتبهت عليه هذه الحقوق
بالحقوق المذكورة في صدر العبارة فوصفها بالاُخر وإلاّ فلا معنى لوصفها بالاُخر
بوجه ، إذ لم يتقدّم حقوق قبل ذلك ليقال وأمّا الحقوق الاُخر .
وأمّا ما عن بعض الأعاظم(1) من أنّ
الوجه في ذلك لعلّه من جهة عدّ العين والمنفعة أيضاً من الحقوق بالمعنى
الأعمّ وحينئذ صح أن يوصف الحقوق بالاُخر ففيه : أنّ العين والمنفعة ليست من
الحقوق وإنّما هي متعلّقات الحقوق فلا وجه لعدّها منها كما هو واضح .
وكيف كان فقد قسّم الشيخ (قدّس سرّه) الحقوق
إلى ثلاثة أقسام :
أحدها : ما لا يقبل المعاوضة بالمال
ومثّل له بحقّ الحضانة والولاية .
ثانيها : ما لا يقبل النقل وإن قبل
الاسقاط بل الانتقال بارث ونحوه ومثّل له بحقّ الشفعة والخيار .
ثالثها : ما يقبل النقل والانتقال كحقّ
التحجير .
وقبل التكلّم في حكم الأقسام لابدّ من
بيان الفارق بين الملك والحقّ والحكم فنقول : الملكية قد تطلق على السلطنة
والاحاطة الحقيقية كملكية الله تعالى بالاضافة إلى المخلوقات . وقد تطلق على
السلطنة الخارجية التكوينية كملكية الإنسان لأفعال نفسه ولما في ذمّته فإنّ
الإنسان يملك تكويناً ذلك وليست ملكيته له
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حاشية
المكاسب (اليزدي) : 55 .
كملكية عمل عبده أو أجيره ، وهذه
الملكية معناها الاختيار بحيث إن شاء فعل وإن شاء ترك ، وهذا هو المراد بقوله
تعالى حكاية عن كليمه (عليه
السلام)
: (لاَ أَمْلِكُ
إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي)(1) أي ليس
تحت اختياري إلاّ نفسي وأخي .
وثالثة تطلق على الملكية الاعتبارية وهي
سلطنة اعتبارية تثبت باعتبار من بيده الاعتبار من الشارع والعقلاء . وهذه الملكية
ليست منتزعة من الأحكام التكليفية ، لثبوتها في موارد عدم ثبوت الحكم التكليفي
كالصبي والمجنون فإنّهما قد يملكان ولا تكليف في حقّهما . وكالكلّي والجهة
المالكين فإنّهما أيضاً مالكان من غير ثبوت تكليف . وقد ينعكس الأمر فيكون التكليف
ثابتاً دون الملكية كما في المكلّف بالنسبة إلى مال الغير فإنّ التكليف موجود في
حقّه من غير أن يكون مالكاً . وقد يجتمعان كالمكلّف بالنسبة إلى أموال نفسه ، فبين
الملكية والتكليف عموم من وجه .
وهذه الملكية أيضاً ليست من الأعراض
المقولية ، واستدلّ شيخنا المحقّق (قدّس سرّه) على ذلك بوجوه(2):
الأوّل : أنّ الملكية لو كانت من
الأعراض لم تختلف فيها الأنظار مع أنّ الأنظار فيها قد تختلف فقد يكون الشيء
مملوكاً لأحد بنظر دون نظر .
وفيه : أنّ اختلاف الأنظار في الاُمور
الواقعية غير عزيز ، فإنّ الاُمور الواقعية قسمان بديهي واضح وهو لا يختلف فيه
كاستحالة اجتماع النقيضين ، ونظري وهو يقع فيه الاختلاف .
الثاني : أنّ الوجدان أقوى شاهد على
أنّه لا يتغيّر بعد البيع مثلا عرض من أعراض المالك ولا المملوك .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المائدة
5 : 25 .
(2) حاشية
المكاسب (الأصفهاني) 1 : 26 .
وفيه : أنّه مصادرة واضحة ، فإنّ
التغيّر الخارجي وعدمه نفس المدّعى فمدّعي العرضية يثبته ومنكرها ينفيه . وبالجملة
لا إشكال في أنّه يحصل بعد البيع أو موت المورث شيء يسمّى بالملكية وإنّما الكلام
في أنّه أمر متأصّل أو اعتباري ، وليس في هذا الوجه ما يثبت الثاني .
الثالث : أنّ الملكية لو كانت من
الأعراض لاستحال تحقّقها مع عدم تحقّق موضوعها في الخارج ، فإنّ وجود العرض في نفسه
عين وجوده لموضوعه مع أنّ الملكية قد تثبت للمالك الكلّي كما في الزكاة فإنّها ملك
لكلّي الفقير وللمملوك الكلّي كالكلّي في الذمّة ، فثبوتها مع عدم وجود موضوعها من
المالك والمملوك دليل على أنّها ليست من الأعراض وإنّما هي من الاُمور الاعتبارية.
وهذا الوجه صحيح لا بأس به .
فظهر ممّا بيّناه أنّ الملكية مجعول
اعتباري مستقل غير منتزع من الحكم التكليفي كما أنّها ليست من المقولات العرضية ،
فهي قسم من الحكم الوضعي .
وأمّا الحقّ فهو في اللغة بمعنى الثابت
، فيقال هذا مطلب حقّ أي ثابت ، ويطلق عليه تعالى أنّه الحقّ أي الثابت ، إلاّ
أنّه بحسب الاصطلاح يراد به الحكم القابل للاسقاط ، كما أنّ الحكم أيضاً له في
اللغة معنى عام وفي الاصطلاح المقابل للحقّ يراد به الحكم غير القابل للاسقاط .
ومرجع الحقّ الاصطلاحي إلى عدم جواز
مزاحمة من عليه الحقّ لمن له الحقّ في فعل متعلّق الحقّ ، سواء كان من عليه الحقّ
شخصاً خاصاً كمن عليه الخيار في البيع فإنّ من عليه حقّ الفسخ لا يجوز أن يزاحم من
له الحقّ في الفسخ ، أو لم يكن شخصاً خاصّاً كما في حقّ التحجير فإنّه لا يجوز
لسائر المكلّفين مزاحمة من له حقّ التحجير في عمارة مورد التحجير . فيكون في مورد
الحقّ طرفان : من له الحقّ ومن عليه الحقّ ، ولا يجوز لمن عليه الحقّ أن يزاحم من
له الحقّ في متعلّق الحقّ . ومتعلّق
الحقّ يكون فعلا من الأفعال دائماً
كالعمارة في حقّ التحجير والفسخ في حقّ الخيار .
فالصحيح أنّ الحقّ لا يغاير الحكم بل هو
حكم شرعي اختياره بيد من له الحقّ إسقاطاً وإبقاءً . والحاصل أنّ الحقّ بالنسبة
إلى من له الحقّ حكم تكليفي إلزامي أو ترخيصي أو وضعي جوازي أو لزومي ، والمراد
بالحكم الوضعي في المقام خصوص نفوذ التصرّف وهو الجواز وعدم نفوذه وهو اللزوم ، لا
بقية الأحكام الوضعية كالملكية والزوجية .
ويشهد لما ذكرناه من أنّ الحقّ هو الحكم
بعينه أنّا لا نرى فرقاً بين جواز قتل الجاني قصاصاً المعدود من الحقوق وبين جواز
قتل الكافر المعدود من الأحكام سوى أنّ الأوّل قابل للاسقاط دون الثاني ، هذا في
الحكم التكليفي . وكذا لا نرى فرقاً بين جواز الرجوع في البيع الخياري المعبّر عنه
بالحقّ وبين جواز الرجوع في الهبة المعبّر عنه بالحكم سوى قبول الاسقاط وعدمه وهذا
في الحكم الوضعي . فليس في موارد ثبوت الحقّ سوى الحكم الشرعي القائم بالمكلّف
المتعلّق بفعله ، غاية الأمر أنّه قابل للاسقاط دون سائر الأحكام الشرعية .
فالحقّ في الاصطلاح حكم شرعي استفيد من
الدليل قبوله للاسقاط وفي قباله الحكم الذي لا يقبل الاسقاط . والحقّ قد يطلق على
ما لا يقبل الاسقاط من الحكم الشرعي كما في حقّ المارّة فإنّه ليس إلاّ جواز
التصرّف في مال الغير غير القابل للاسقاط ، هذا كلّه بالاضافة إلى من
له الحقّ .
وأمّا من عليه الحقّ فلم يكن بالنسبة
إليه سوى الحكم التكليفي كما في حقّ الزوجة والزوج فإنّ للزوجة على الزوج حقّ
الإنفاق وليس معناه إلاّ وجوب الانفاق على الزوج ، وللزوج على الزوجة حقّ التمكين
وليس معناه إلاّ وجوبه عليها ، وهكذا سائر الحقوق .
وبالجملة الحقّ الشرعي ليس إلاّ الحكم
الشرعي كما أنّ الحقوق العرفية ليست
إلاّ أحكاماً عرفية .
هذا ملخّص الفرق بين الملك والحقّ
والحكم . فالملك الاعتباري هو سلطنة اعتبارية قد تتعلّق بالأعيان كملكية الدار وقد
تتعلّق بالأفعال كملك عمل الأجير . كما أنّها حكم وضعي مستقل وليس منتزعة من الحكم
التكليفي . والحقّ هو الحكم الشرعي القابل للاسقاط ولا يتعلّق إلاّ بالأفعال .
والحكم هو ما لا يقبل الاسقاط .
وأمّا أقسام الحقوق وأحكامها فقد عرفت
أنّ الشيخ (قدّس
سرّه)
قسّمها إلى ثلاثة أقسام :
الأوّل : ما لا
يقبل المعاوضة بالمال وحكم فيه بعدم جواز جعله ثمناً في البيع .
نقول : إن أراد بما لا يقبل المعاوضة
بالمال ما يقبل النقل والاسقاط ولكن مجّاناً من دون أن يقابل بالمال كحقّ القسم
للضرّة على ما قيل فالكبرى ـ أعني عدم جواز جعل مثل هذا الحقّ ثمناً ـ وإن كانت
صحيحة إلاّ أنّه لا دليل على وجود صغرى لهذه الكبرى . وكون حقّ القسم من هذا القسم
لا دليل عليه . وإن أراد به ما لا يقبل النقل والاسقاط مطلقاً أي مع العوض وبلا
عوض كحقّ الولاية والحضانة فالكبرى صحيحة أيضاً إلاّ أنّ مثله ليس حقّاً اصطلاحاً
بل هو حكم ، لأنّ الحقّ كما قلنا ما يكون اختياره إبقاءً وإسقاطاً بيد المكلّف .
الثاني : ما لا
يقبل النقل وإن قبل الاسقاط بل الانتقال بإرث ونحوه كحقّ الشفعة والخيار ، وحكم
فيه بأنّه لا يجوز جعله ثمناً في البيع ، لأنّ البيع تمليك ونقل من الطرفين
والمفروض أنّ هذا لا يقبل النقل .
وناقش فيه صاحب الجواهر (قدّس سرّه)(1)
بانتقاضه ببيع الدَين على من هو عليه ، فإنّ الإنسان لا يملك ما في ذمّته ومقتضاه
عدم جواز بيع الدَين من المديون
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الجواهر
22 : 209 .
بناءً على كون البيع تمليكاً ولكن مع ذلك
يصحّ بيعه منه ويكون أثره سقوط الدَين فليكن حقّ الشفعة والخيار كذلك .
وأجاب عنه الشيخ (قدّس سرّه) بالفرق
بين المقامين ، فإنّه يعقل أن يملك الإنسان ما في ذمّته ، لأنّ الملك نسبة بين
المالك والمملوك ولا يحتاج إلى من يملك عليه حتّى يلزم اتّحاد المالك والمملوك
عليه المستحيل في ملك الإنسان لما في ذمّته . ولكن أثر هذه الملكية
سقوط ما في الذمّة ، وأمّا مثل هذا الحقّ فهو سلطنة فعلية تقوم بمسلّط ومسلّط عليه
فلا يعقل قيام طرفيها بشخص واحد لأنّه لا يعقل أن يتسلّط الإنسان على نفسه .
نقول : ما مثّل الشيخ (قدّس سرّه) به من
حقّي الشفعة والخيار لا يجوز جعلهما ثمناً في البيع ، لكن لا لما ذكره (قدّس سرّه) ، بل لأنّ
حقّ الشفعة حقّ للشريك يستحقّ به تملّك الحصّة المبيعة ليضمّها إلى حصّته ، وهذا
المعنى لا يمكن نقله لا إلى المشتري للحصّة ولا إلى غيره ، أمّا إلى المشتري
فلأنّه مالك لها بالفعل فلا معنى لاستحقاقه لتملّكها ثانياً .
وأمّا إلى غيره فلأنّه ليس شريكاً وحقّ
الشفعة موضوعه الشريك . وأمّا حقّ الخيار فلأنّ مرجعه على ما سيأتي في مبحث
الخيارات إلى تحديد الملكية إلى زمان فسخ من جعل له الخيار ، وهذا المعنى أيضاً لا
يقبل النقل إلى غيره لأنّ فسخه ليس فسخ من جعل له الخيار .
نعم حقّ الشفعة والخيار قابلان للاسقاط
والانتقال إلى الوارث ولكنّه مطلب آخر .
وأمّا ما استدلّ به الشيخ (قدّس سرّه) على المنع
من جعلهما ثمناً من لزوم اتّحاد المسلّط والمسلّط عليه ففيه أوّلا : أنّه أخصّ من
المدّعى ، لاختصاصه بما إذا نقل إلى
من عليه الحقّ وأمّا إذا نقل إلى غيره
فلا يلزم الاتّحاد المزبور .
وثانياً : أنّ الخيار يتعلّق بالعقد ،
لأنّه عبارة عن ملك فسخ العقد ، فالمسلّط عليه هو العقد لا من عليه الخيار ، فلا يلزم
من بيعه على من عليه الخيار اتّحاد المسلّط والمسلّط عليه فضلا عن بيعه من غيره .
وثالثاً : أنّ اجتماع عنواني المسلّط
والمسلّط عليه في شيء واحد ليس محالا فإنّهما وإن كانا متضايفين إلاّ أنّ التضايف
بنفسه لا يقتضي امتناع اجتماع المتضايفين كما في اجتماع عنواني العالم والمعلوم
عليه تعالى وعلى النفس باعتبار علمها بنفسها وكذا المحبّ والمحبوب فإنّ الإنسان
محبّ ومحبوب لنفسه . نعم في مثل عنواني العلّة والمعلول لا يمكن اجتماعهما في شيء
واحد . إذن ما ذكره الشيخ (قدّس
سرّه)
من المحذور في نقل الحقّ غير تامّ . نعم بناءً على ما ذكرنا من رجوع الحقّ إلى عدم
جواز مزاحمة من عليه الحقّ لمن له الحقّ لا يجوز نقل الحقّ إلى من عليه الحقّ لأنّ
المزاحمة تقتضي طرفين مزاحم بالكسر ومزاحم بالفتح ولا يعقل أن يزاحم شخص نفسه .
وأمّا ما ذكره من أنّه يعقل أن يكون
الإنسان مالكاً لما في ذمّته فيؤثر تمليكه السقوط ، لأنّ الملك نسبة بين المالك
والمملوك ولا يحتاج إلى مملوك عليه حتّى يستحيل اتّحاد المالك والمملوك عليه ،
ففيه : أنّ ملك الإنسان لما في ذمّته إن كان مستحيلا بحسب البقاء ولأجله يسقط فهو
مستحيل بحسب الحدوث أيضاً لأنّ المانع عن البقاء مانع عن الحدوث أيضاً ولا فرق بين
قصر الزمان وطوله ، وإن كان ممكناً حدوثاً فهو ممكن بقاءً أيضاً فلا وجه لسقوطه
بعد الحدوث .
نعم لو كان المانع عن البقاء شرعياً كما
في شراء العمودين نلتزم بحدوث الملكية آناً ما وزوالها بقاءً . والصحيح كما تقدّم
أنّ الإنسان يملك ما في ذمّته لكن بالملكية التكوينية بمعنى الاختيار والسلطنة
التكوينية لا بالملكية الاعتبارية ، لأنّ الاعتبار بعد الثبوت التكويني لغو .
فمرجع شراء الإنسان لما في ذمّته أو أعمال نفسه
إلى كونه مطلق العنان بالنسبة إليها
ومختاراً في التصرّف فيهما كيف ما شاء فيتمكّن من نقله إلى آخر وعدمه .
الثالث من
الحقوق :
ما يقبل النقل والانتقال كحقّ التحجير فإنّه يصحّ نقله ومقابلته بالمال في الصلح
إلاّ أنّه استشكل (قدّس
سرّه)
في جواز جعله ثمناً في البيع من جهة أخذ المال في عوضي البيع والحقّ ليس بمال .
وفيه : أنّه لا إشكال في كون مثل هذا
الحقّ مالا ، لأنّه ممّا يرغب فيه العقلاء ويبذلون بازائه المال فلا إشكال في جعله
ثمناً من هذه الجهة . نعم لا يجوز ذلك من جهة اُخرى وهي أنّ الحقّ إمّا سلطنة
ضعيفة كما هو المشهور أو حكم شرعي كما هو المختار .
فعلى الأوّل لا يجوز جعله ثمناً من جهة
أنّ البيع مبادلة بين المالين في الاضافة أو في الملكية ، فهو مبادلة بين متعلّقي
الاضافة والسلطنة لا بين نفس الاضافة والسلطنة ، وعلى الثاني أعني كون الحقّ حكماً
شرعياً فلأنّ الحكم الشرعي بأقسامه لا تكون له إضافة مالية أو ملكية إلى من يقوم
به الحكم حتّى يقع التبديل فيها ويتحقّق البيع ، نعم لا مانع من جعل إسقاط الحقّ
أو متعلّقه كفسخ العقد في الخيار ثمناً في البيع لأنّهما فعل المكلّف وقد عرفت
وقوع عمل الحرّ ثمناً ، ولكنّه خارج عن محلّ الكلام .
وشيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)(1) منع عن
وقوع الحقّ القابل للنقل وكذا سقوطه وإسقاطه ثمناً في البيع ، لكن لا من جهة عدم
مالية الحقّ بل من جهة أنّه يعتبر في البيع عنده أن يدخل كلّ من العوضين في ملك
مالك الآخر ويحلّ محلّ العوض الآخر في تعلّق ملك الآخر به ، وهذا المعنى لا يجري
في الحقّ لأنّ الحقّ مباين سنخاً
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) منية
الطالب 1 : 110 .
للملك فلا يصلح لأن يقع طرفاً ومتعلّقاً
له ، هذا في الحقّ .
وأمّا إسقاطه وسقوطه فلأنّهما أيضاً لا
يصلحان للدخول في ملك مالك المعوّض لأنّ الاسقاط والسقوط بدون ملاحظة ما اُضيفا
إليه من الحقّ لا مالية لهما فلا يصلحان لأن يدخلا في ملك البائع ويقعا طرفاً
للاضافة الملكية ، ومع ملاحظة ما اُضيفا إليه وإن كانا مالين إلاّ أنّ المضاف إليه
وهو الحقّ الذي جاءت من قبله المالية لا يصلح لأن يدخل في ملك البائع كما عرفت .
فلا يقاس الاسقاط بسائر الأعمال كالخياطة فإنّها في نفسها مال تصلح لأن تقع طرفاً
للاضافة الملكية ، بخلاف الاسقاط كما عرفت .
وفيه : أنّ ما ذكره في الحقّ إن أراد به
ما ذكرنا فهو حقّ .
وأمّا ما ذكره في الاسقاط والسقوط ففيه
: أنّهما بعد إضافتهما إلى الحقّ يصيران بنفسهما مالين لا أنّ المال هو الحقّ ويسند
إلى الاسقاط والسقوط مجازاً فالاضافة إلى الحقّ واسطة في ثبوت المالية لهما لا
واسطة في العروض . وعليه فهما بعد الاضافة يكونان مالين كالخياطة ونحوها فيصلحان
لوقوعهما ثمناً بناءً على اعتبار المالية في العوضين ، هذا حكم وقوع الحقّ ثمناً .
ثمّ إذا شكّ في قابلية حكم للاسقاط أو
النقل أو الانتقال فما هو مقتضى القاعدة ؟
نقول : أمّا إذا شكّ في قبوله للاسقاط
فإن كان لدليله إطلاق يعمّ ثبوته فيما بعد الاسقاط جاز التمسّك به كما إذا شككنا
في جواز أكل المارة بعد إسقاطه فإنّه يتمسّك باطلاق دليله .
وإن لم يكن لدليله إطلاق كما إذا ثبت
بالاجماع ونحوه ، فإن قلنا بجريان الاستصحاب في الأحكام الكلّية كما هو المشهور
فلا مانع من التمسّك به وإثبات الحكم بعد إسقاطه أيضاً ، ويكون نتيجته نتيجة عدم
قابلية الحكم للاسقاط ، هذا إذا
كان الحكم تكليفياً ، وإن كان وضعياً
فجريان الاستصحاب يتوقّف مضافاً إلى ذلك على القول بجريانه في الأحكام التعليقية ،
وأمّا إذا قلنا بعدم جريان الاستصحاب في الأحكام كما هو المختار ولم يكن لدليل
ثبوته إطلاق كما هو المفروض ، فلا محيص من الرجوع إلى سائر الاُصول لفظية كانت أو
عملية وهي تختلف حسب اختلاف الموارد ولكن النتيجة نتيجة السقوط وأنّ الحكم المشكوك
قابليته للاسقاط وعدمه قابل له ، ففي مثل ما إذا شككنا في أنّ حقّ القصاص هل يقبل
الاسقاط أو لا يقبل الاسقاط ، فبعد عدم إطلاق الدليل المثبت له وعدم جريان
الاستصحاب على الفرض فلابدّ من الرجوع إلى سائر الاُصول اللفظية والعملية ومقتضاها
في المقام عدم جواز قتل أحد في الإسلام ، وإنّما جعل الاقتصاص للوارث على خلاف
مقتضى القاعدة ، والمتيقّن من ذلك الحكم المخالف للقاعدة هو ما إذا لم يسقط الوارث
حقّه فإنّه لا يجوز مزاحمة أحد له في قتل قاتل أبيه ، وأمّا بعد إسقاطه فمقتضى
القاعدة أن لا يجوز له قتله ويجوز للآخر مزاحمة الوارث في قتل القاتل لحرمة دم
المسلم في الإسلام ، وله أن يمتنع من القتل ولا يمكن للآخر إلزامه به بوجه .
وكذا الحال فيما إذا شككنا في سقوط
الخيار باسقاطه بعد فرض عدم الاطلاق في دليله وعدم جريان الاستصحاب فيرجع إلى عموم
قوله : (لاَ
تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً
عَنْ تَرَاض)(1) فإنّه بعد ما أسقط
حقّه لا يمكنه أخذ المبيع من المشتري لأنّه ماله ، والفسخ بعد الاسقاط لم يدلّ
دليل على صحّته وليس بتجارة عن تراض ، فيكون أخذه من أكل المال بالباطل ونتيجته
أنّه يسقط بالاسقاط ، والسرّ في ذلك أنّ تلك الأحكام المجعولة إنّما هي على خلاف
القاعدة فيقتصر فيها على المتيقّن وهو ما قبل الاسقاط وبعد إسقاطها فالمرجع هو
العمومات
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النساء 4
: 29 .
اللفظية والعملية ومقتضاها عدم ثبوت تلك
الأحكام كما لا يخفى ، هذا كلّه فيما إذا شككنا في قابليته للاسقاط .
وأمّا إذا شككنا في أنّه قابل للانتقال
فينتقل من المورّث إلى وارثه أم لا فالصحيح فيه الحكم بعدم الانتقال ، لأنّ ما
ينتقل إلى الوارث هو ما تركه الميت والمراد به بحسب الفهم العرفي ما يبقى بعد ذهاب
الميت ولا يكون قائماً بشخصه ، فإنّ ما يكون قائماً بشخص الميت يذهب بذهابه ولا
يصدق عليه عنوان ما تركه الميت فإذا شككنا في قابلية الحكم للانتقال وعدمها يشكّ
في شمول ما تركه الميت له والأصل عدم انتقاله إليه .
وبما ذكرنا ظهر أنّ القابلية للانتقال
من شؤون قابلية الشيء للنقل ، فإنّه على فرض قبوله للنقل يدخل في جملة ما ترك ،
لأنّه يكشف عن أنّه ليس حكماً شخصيّاً ليذهب بذهابه ، وعليه فالمهمّ صرف عنان
الكلام إلى بيان أنّه يقبل النقل إلى الغير أو لا يقبل النقل .
فنقول : أمّا إذا شككنا في أنّه هل يقبل
النقل إلى الغير أو لا يقبله ، فالنتيجة نتيجة عدم القبول والتحاقه بالأحكام
المحضة ، وذلك لما عرفت من أنّ تلك الأحكام المجعولة إنّما هي على خلاف القاعدة ولابدّ
من الاقتصار فيها على مواردها المتيقّنة وهي ثبوتها لنفس الشخص الذي يريد نقلها
إلى الغير ، وأمّا ثبوتها في حقّ ذلك الغير بنقلها إليه فهو غير معلوم ، مثلا
المتيقّن من عدم جواز المزاحمة في حقّ التحجير هو عدم جوازها في حقّ نفس المحجّر
للأرض ، وأمّا عدم جواز المزاحمة للمشتري من المحجّر فلا ، فيجوز مزاحمته ما لم
يقم دليل على عدمه ، وكذلك حقّ الخيار فإنّ الثابت منه على خلاف القاعدة ثبوته في
حقّ نفس البائع ، وأمّا المشتري منه ذلك الحقّ فلا ، وكذلك حقّ القصاص فلا يحرم
مزاحمة غير الوارث في القصاص من القاتل كما لا يحرم مزاحمة غير البائع في فسخ
المعاملة ، ونتيجة ذلك عدم قبول
المشكوك للنقل ، على خلاف الشكّ في
الاسقاط فإنّ النتيجة فيه قبوله الاسقاط كما عرفت .
وبالجملة : أنّ مقتضى القاعدة الاقتصار
على الموارد المتيقّنة وعدم ثبوت تلك الأحكام في حقّ غير من ثبت في حقّه أوّلا .
ودعوى أنّ مقتضى عمومات (أَحَلَّ
اللهُ الْبَيْعَ)(1) و (أَوْفُوا
بِالْعُقُودِ)(2)و (تِجَارَةً
عَنْ تَرَاض)(3) وغيرها من أدلّة
التجارة ونحوها صحّة نقل الحكم إلى الغير وثبوت آثاره في حقّ المشتري ، مدفوعة
بأنّ هذه العمومات لم ترد في مقام تشريع أنحاء السلطنة كالسلطنة على النقل ، بل هي
ناظرة إلى نفوذ أسباب النقل في موارد ثبوت السلطنة التامّة لكلّ من المتعاقدين على
ماله ولو عند العرف والعقلاء ولذا لو فرضنا أحداً آجر نفسه للغناء أو جعل فعله هذا
عوضاً في البيع ونفرض أنّا نشكّ في حرمة الغناء وكونه تحت سلطنته وضعاً ـ فإنّ
الحرام لا يجوز جعله عوضاً ولا تقع المعاملة عليه ـ لا يمكننا التمسّك بعموم (أَوْفُوا
بِالْعُقُودِ) والحكم بدلالته
بالالتزام على صحّة العقد وجواز الغناء تكليفاً ، وليس هذا إلاّ لما ذكرناه من أنّ
هذه العمومات لا تثبت السلطنة على أصل النقل ، بل هي ناظرة إلى أسبابه .
فالصحيح أنّ مقتضى الأصل عند الشكّ في
قابلية الحكم للنقل هو العدم .
فالمتحصّل : أنّ مقتضى القاعدة في كلّ
ما شككنا في قابليته للاسقاط هو كونه قابلا للاسقاط ، كما أنّ مقتضى القاعدة في
كلّ ما شككنا في قابليته للنقل عدم قابليته له ، هذا تمام الكلام فيما يتعلّق
بالحقوق .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البقرة :
2 : 275 .
(2) المائدة
5 : 1 .
(3) النساء 4
: 29 .
ثمّ إنّ البيع كما تقدّم عبارة عن إنشاء
تبديل عين بمال فيعتبر أن يكون المعوّض عيناً بخلاف العوض فإنّه كما يصحّ جعله من
الأعيان كذلك يصحّ أن يكون من قبيل المنافع أو الأعمال .
حقيقة
الإنشاء والإخبار
وبعد ذلك كلّه يقع الكلام في حقيقة
الانشاء والفرق بينه وبين الإخبار فنقول : إنّ الانشاء عند المشهور عبارة عن إيجاد
المعنى باللفظ في قبال الإخبار الذي هو عبارة عن حكاية نسبة سلبية أو إيجابية .
ولكنّه ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، إذ
لا يوجد باللفظ شيء من الجواهر والأعراض ولا الاعتباريات في العالم ، لأنّ الجواهر
أو الأعراض يتوقّف تحقّقها على تحقّق عللها ومبادئ وجودها ، لا أنّها توجد باللفظ
وهو ظاهر ، كما أنّ الاُمور الاعتبارية وجودها تابع لاعتبار معتبرها ، والاعتبار
أمر نفساني لا يحتاج إلى اللفظ ، فلا يكون للايجاد باللفظ معنىً محصّلا ، فلا يمكن
أن يكون ذلك حقيقة للانشاء .
وأمّا الاستعمال أعني استعمال اللفظ في
المعنى ، فإنّه أيضاً لا يختصّ بالانشاء إذ الاستعمال عبارة عن إعمال الشيء فيما
وضع له ، فلبس الثوب استعمال له ومطالعة الكتاب استعمال للكتاب ، ومنه استعمال
اللفظ فيما وضع له من المعنى وهو متحقّق في الانشائيات والاخباريات والجملات
والمفردات ، كانت الجملة تامّة أو ناقصة ، فلا يكون شيء من ذلك حقيقة للانشاء .
فلابدّ في بيان حقيقة الانشاء والاخبار
أن يقال : الانشاء هو إبراز الاعتبار النفساني بمبرز ما ، والاخبار إبراز قصد
الحكاية عن ثبوت شيء أو نفيه ، فالفرق بينهما إنّما هو في المبرز (بالفتح) ، فإنّ
المبرز في الانشاء عبارة عن أمر لا تعلّق له
بالخارج والاُمور الواقعية وهو الاعتبار
، فإنّ الاعتبار أمر نفساني لا يحتاج إلى شيء وراء نفسه ولا تعلّق له بالخارج
أبداً ، وبالاستعمال يبرز ذلك الاعتبار القائم بالنفس . وأمّا المبرز في الاخبار
فهو أمر له تعلّق بالخارج وهو عبارة عن قصد حكاية ثبوت شيء لشيء أو نفيه عنه ،
والقصد وإن كان أيضاً من الاُمور القائمة بالنفس إلاّ أنّ له تعلّقاً بالخارج
ولأجل ذلك يتّصف بالصدق والكذب ، لأنّه ربما تكون الحكاية مطابقة للواقع واُخرى
مخالفة له ، وهذا بخلاف الانشاء إذ لا معنى لمطابقة الاعتبار فيه للواقع وعدمه ،
وقصد الحكاية هو الذي يمكن أن يكون مدلولا للجملات الاخبارية ولا يستفاد منها أزيد
من أنّ المتكلّم بصدد الحكاية وقاصد لحكاية ثبوت شيء لشيء أو نفيه عنه . وأمّا نفس
ثبوت القيام لزيد في مثل الاخبار عن قيام زيد فلا يستفاد من الجملة أبداً ، بل
ربما يكون ثابتاً له في الواقع واُخرى منتفياً عنه سواء قصد الحكاية أم لم يقصدها
، وعليه فالبيع عبارة عن إبراز اعتبار كون المعوّض للمشتري أي كونه طرفاً لاضافته
في مقابل العوض ، وقد عرفت أنّه إنّما يتحقّق فيما إذا كان نظر البائع إلى حفظ
مالية ماله ورفع اليد عن خصوصيته في قبال المشتري الذي نظره إلى جلب الخصوصية برفع
اليد عن مالية ماله ، فلو كان نظر كلّ واحد منهما إلى حفظ المالية أو إلى حفظ
الخصوصية فهو خارج عن البيع وداخل تحت العناوين الاُخر ، وبما أشرنا إليه يتميّز
البائع عن المشتري وهو ظاهر .
ثمّ إنّ ما اعتبره البائع من تبديل
متعلّقي الاضافتين ، ربما يكون مورداً لاعتبار الشارع والعقلاء أيضاً ، بمعنى أنّه
يكون ممضى عندهما باعتبارهما له واُخرى لا يكون مورداً لامضاء العقلاء والشارع ولا
يكون معتبراً عندهما ، وكيف كان فاعتبار شخص البائع هو المقوّم للمعاملة البيعيّة
من دون توقّفها على اعتبار العقلاء أو الشارع ونسبته إلى اعتبار العقلاء والشارع
نظير نسبة الموضوع إلى الحكم ، يعني أنّ اعتبار البائع موضوع لاعتبار العقلاء أو
الشارع ، بمعنى أنّ العقلاء
|
|
|