ــ[1]ــ
 

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد
وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين
واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين
 

ــ[2]ــ

ــ[3]ــ

الكلام في البيع

قال شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) نقلا عن المصباح أنّ البيع في الأصل مبادلة مال بمال(1). نقول : المالية تنتزع عن رغبة العقلاء في شيء وجلبهم له لأجل احتياجاتهم وأغراضهم الشخصية ، إذ الإنسان ليس كالحيوانات التي لا تحتاج في تعيّشها إلى كثير ممّا يحتاج إليه الإنسان من المسكن والملبس وغيرهما ، ولأجل رفع حوائجه يجلب شيئاً أو يرغب فيه فيقال : إنّه مال ، وتنتزع ماليته من جلبه له ورغبته فيه ، وهذا ظاهر .

وإنّما الكلام في منشأ إضافته إلى أحد وأنّه كيف يكون هذا المال مضافاً إلى أحد وذاك المال مضافاً إلى أحد آخر ليقع بينهما المبادلة ، وأنّ منشأ إضافته إليه ماذا في مثل قولنا : هذا مال زيد وذاك مال عمرو بحيث لو أتلفه يكون ضامناً له لصاحبه  ، وأنّ المصحّح لها أي شيء .

فنقول : إنّ إضافة مال إلى شخص على قسمين :

الأوّل : أن تكون الاضافة إليه ذاتية من غير حاجة في إضافته إليه إلى شيء آخر ، ومن دون أن تكون من جهة أمر معدوم قد وُجد ، أو أمر موجود انعدم ، بل هو مضاف إليه بذاته ، وهذا كأعمال الشخص ، فإنّها مضافة إلى نفسه ذاتاً يعني أنّ له

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصباح المنير : 69 .

ــ[4]ــ

سلطنةً على أفعال نفسه ، له أن يوجدها وله أن لا يوجدها ، كما أنّ له أن يملّكها إلى الغير بأن يكون أجيراً له ، وله ألاّ يملّكها للغير ، وهذا المنع كاف في المقام ، ولسنا بصدد إثبات أنّ أعماله ملك له ليرد عليه ما أوردوه في المقام ، بل المراد أنّ له السلطنة على أفعاله ، وهو يكفينا في المقام .

الثاني : أن تكون الاضافة غير ذاتية ، وهذه أيضاً على قسمين :

الأوّل : أن تكون الاضافة ابتدائية .

الثاني : أن تكون الاضافة ثانوية .

والمراد بالابتدائية هو عدم سبق إضافة عليها ، كما أنّ المراد بالثانوية ما سبقتها إضافة اُخرى أو إضافات متعدّدة .

والاضافة الابتدائية إمّا أصلية وإمّا تبعية .

أمّا الاضافة الأصلية فتكون بأحد أمرين على سبيل منع الخلو :

أحدهما : الحيازة ، فإنّ من حاز شيئاً ممّا لا مالك له كما إذا اصطاد سمكةً من الشط أو طيراً من الهواء فإنّه يُضاف حينئذ إليه عند العرف والعقلاء ، وليس لآخر أن يأخذه منه قهراً بدعوى أنّه لي ، فإنّه يعدّ من الظلم والجور ، مضافاً إلى ما ورد من أنّ من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد فهو له(1) وإن لم نكن نحتاج إلى الأخبار لثبوتها بسيرة العقلاء كما لا يخفى .

وثانيهما : الفعل والعمل ، وأمثلته كثيرة لاختلاف مالية المال بحسب الأماكن والأزمنة ، مثلا الماء في الشط ممّا لا مالية له عند العقلاء ، وكذا الأخشاب في الأماكن التي يكثر فيها الخشب ، بل وكذا العود الذي له مالية في أماكننا لا مالية له في محلّه بوجه ، ولكن ينقلها الإنسان إلى الأماكن التي لا ماء أو لا خشب فيها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ورد مضمونه في مستدرك الوسائل 17 : 111 / أبواب إحياء الموات ب1 ح4 .

ــ[5]ــ

فإنّهما في غير مكانهما مال يجلبه العقلاء ، وإذا صارت مالا في تلك الأماكن فهي مضافة إلى ناقلها ، والمنشأ في إضافة المالية إليه هو فعله وعمله الذي هو النقل ، هذا بحسب الأماكن .

وكذا يختلف بحسب الأزمنة ، وذلك كالثلوج فإنّها في أغلب البلاد كبلادنا أذربايجان ممّا لا مالية لها في الشتاء ، بل هي من الفضولات التي يخرجونها من أماكنهم  ، وإذا فرضنا شخصاً جمعها وأبقاها إلى الصيف فإنّها تصير مالا حينئذ ويرغب فيها العقلاء جدّاً ، وهي تضاف إليه ، والمنشأ في إضافة مالية الثلوج إليه هو إبقاؤه لها ، والابقاء فعل من أفعاله كما لا يخفى ، هذا.

وربما تكون الاضافة مستندةً إلى مجموع الحيازة والعمل كما هو مقتضى كونهما على نحو مانعة الخلو ، وذلك كما إذا حاز أخشاباً من الصحاري فعملها سريراً ، أو حاز حديداً فصنعه سكّيناً ، فإنّ مالية السرير حينئذ تضاف إليه لا محالة ، ومنشؤها مجموع حيازة الأخشاب وعمله ، نعم كانت الأخشاب قبل أن يعملها سريراً مالا أيضاً ، وكان يضاف إليه حينئذ إلاّ أنّها بعد جعلها سريراً تكون مالا على حدة لاختلاف الأموال باختلاف صورها النوعية كما ذكرناه في بعض المباحث المتقدّمة(1)، هذا كلّه في الاضافة الابتدائية الأصلية .

وأمّا الابتدائية التبعية فهي كما إذا ملك الدابة أو غيرها ، فإنّ حملها مال مضاف إليه بالاضافة الابتدائية ـ إذ ليس من قبيل الاضافات الثانوية كالارث والمعاملة ـ إلاّ أنّها غير أصلية كما في الأمثلة المتقدّمة ، بل تابعة لاضافة نفس الدابة إليه ، وكذا الدجاجة إذا باضت فإنّ بيضها له ، أو غرس أشجاراً فأثمرت ، وهكذا .

وأمّا الاضافة الثانوية فمنشؤها إمّا من الاُمور الخارجة عن الاختيار وإمّا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقاهة 1 (موسوعة الإمام الخوئي 35) : 234 ، 738 .

ــ[6]ــ

من الاُمور الاختيارية .

فالأوّل كالارث فإنّه موجب لاضافة مال مورّثه إليه وهو أمر قهري غير اختياري ، وكالوصية بناءً على أنّها من الايقاعات ولا تحتاج إلى القبول كما هو المختار وفاقاً للسيّد في العروة(1) وكالأوقاف فإنّ الوقف موجب لمالكية الموقوف عليه لمنافع الوقف بلا اختياره .

والثاني كالبيع وغيره من أبواب المعاملات والعقود التي لأجلها عقدنا الكلام وهذا أيضاً موجب لاضافة المال إليه ، إلاّ أنّها ليست من الاضافات الابتدائية  ، بل إنّما هي بعنوان ثانوي لسبق إضافة فيها لا محالة ، وإلاّ فلا يصحّ بيعه كما لا يخفى  .

والكلام في المقام إنّما هو في القسم الأخير ، أي فيما إذا كانت الاضافة ثانوية وبالاختيار كالبيع ونحوه من المعاملات ، وقد عرفت أنّ البيع عبارة عن مبادلة مال بمال لاختلاف الحاجات والأغراض ، مثلا إذا فرضنا أحداً عنده قرصان من الخبز وآخر عنده وقية من اللحم فيحتاج صاحب اللحم إلى خبز ليشبعه مع اللحم
وصاحب الخبزين إلى لحم ليتلذّذ بما يأكله ، فيتبادلان ويعطي أحد خبزيه إلى الآخر وهو يعطيه نصف ما بيده من اللحم ، فكلاهما يأكلان اللحم مع الخبز وترتفع حاجتهما وبه يحصل غرضهما ، أو يكون من عنده الاُرز محتاجاً إلى اللباس ومن عنده اللباس يحتاج إلى الاُرز فيتبادلان كما هو مرسوم في بعض القرى والبوادي فعلا ، فترى أنّه يدفع إلى الخبّاز أو القصّاب بيض دجاجة أو حنطة فيأخذ منه الخبز أو اللحم .

وكان احتياجهم إلى تبديل أموالهم من لدن زمان آدم إلى يومنا هذا ، فإنّ الحاجات مختلفة والأغراض متشتّةً ، واستمرّت عادتهم على ذلك برهةً من الزمان

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) العروة الوثقى 2 : 659 المسألة 1 ] 3899 [ .

ــ[7]ــ

إلى أن بنى العقلاء في معاملاتهم على أخذ الأشياء بالأثمان فاخترعوا الدرهم والدينار من أجل انضباط مالية الأموال وتسهيل الأمر على الناس حتّى يقاس مالية كلّ مال إلى الدراهم والدنانير ليعلم مقدار ماليته ، إذ قبل اختراعهما كانت مالية الأموال غير منضبطة بل كان مقدارها معلوماً بالمقايسة إلى الاُرز تارةً وإلى شيء آخر تارةً اُخرى ، مثلا كان منّ من الاُرز يسوى بكذا مقدار من الحنطة وبكذا مقدار من الرطب وبكذا مقدار من الألبسة والظروف ، وهذا كما ترى أمر صعب ولا انضباط فيه ، ولأجله اخترعوا الدراهم والدنانير فيقاس مالية كل مال بالاضافة إليهما ، هذا .

ثمّ إنّ العوض والمعوّض ربما يكون كلاهما من قبيل العروض ، واُخرى يكون كلاهما من قبيل الأثمان وثالثةً يكون أحدهما من العروض وثانيهما من الأثمان .

ومثال الأوّل قد ظهر من مطاوي كلماتنا ، بأن يدفع مقداراً من الحنطة ويأخذ مقداراً من اللحم .

والثاني كمعاملات الصرّافين فإنّهم يأخذون الثمن كالريال الايراني ويدفعون في مقابله الثمن أيضاً كالدينار العراقي .

والثالث كما إذا دفع ديناراً أو درهماً وأخذ شيئاً من العروض كالألبسة والأغذية .

وحينئذ يقع الكلام في أنّ البيع يشمل جميع تلك الأقسام أو يختصّ ببعضها دون بعض .

فنقول : قد عرفت أنّ الكلام في المقام إنّما هو في الاضافة الثانوية التي تنشأ عن اُمور اختيارية وهي أبواب المعاملات ، وأمّا ما تنشأ عن اُمور غير اختيارية فبيان أحكامها موكول إلى محلّه .

ــ[8]ــ

ومن جملة تلك الاضافات الثانوية التي تنشأ عن الاُمور الاختيارية هو البيع  ، وكان الأولى أن نتعرّض إلى أحكامه من دون إطالة الكلام في بيان ما قيل في تعريفه من الإشكال والجواب كما هو سيرتنا دائماً حيث لا نتعرّض في المباحث إلى ما لا فائدة فيه ، ومنه التعاريف المذكورة في الكتب فإنّها ممّا لا يترتّب على تحقيقها شيء .

ولكن لمّا كان لخصوص البيع أحكامٌ مختصّة كخيار المجلس ولزوم العلم بالكيل والوزن فيما إذا كان المبيع ممّا يكال أو يوزن ، احتجنا إلى بيان مفهومه وتحقيقه على نحو يمتاز عمّا عداه من المعاملات ، ولأجل ذلك ذكرنا مقدّمةً أنّ العوض والمعوّض في البيع إمّا أن يكون كلاهما من قبيل العروض والأجناس وإمّا أن يكون كلاهما من قبيل الأثمان والدرهم والدينار وإمّا أن يكون أحدهما من الأجناس والعروض وثانيهما من قبيل الأثمان والفلوس كما هو المتعارف بين الناس ، ويقع الكلام حينئذ في أنّ مفهوم البيع شامل لجميع هذه الأقسام أو أنّه يختصّ ببعض دون بعضها الآخر .

فإذا عرفت ذلك فنقول : مفهوم البيع مفهوم عقلائي يعرفه كلّ واحد من الناس لارتكاز معناه في أذهانهم من غير اختصاص ذلك بالعرب ، لأنّه مفهوم دائر بين جميع أفراد الناس عرباً كان أو غيره ، غاية الأمر أنّهما يختلفان في التعبير عنه بحسب اختلاف ألسنتهما ، فيعبّر العربي عن ذلك المفهوم الارتكازي المعلوم بالبيع والعجميّ بفروختن وثالث بلغة اُخرى .

ثمّ إنّه لو شككنا في شيء لا نشكّ في أنّ البيع اسم لما يقابل الاشتراء ، وليس اسماً عند العرف لكلّ من البيع والاشتراء في شيء من اللغات ، فالبيع ويعبّر عنه في الفارسية بـ « فروختن » إنّما هو فعل البائع ويعبّر عن فعل المشتري بـ  «  خريدن  » أي الاشتراء لا أنّ البيع اسم لفعلهما معاً وإلاّ فلا يبقى معنى للاشتراء . والبائع هو من

ــ[9]ــ

يكون نظره إلى حفظ مالية ماله برفع اليد عن خصوصية ما بيده كما هو المشاهد من حال التجّار فإنّ التاجر نظره دائماً إلى أنّ رأس ماله أيّ مقدار ولا نظر له إلى خصوصيات ما في دكّانه من القند والسكّر وغيرهما من الأجناس ، والمشتري على عكس ذلك ، فإنّ غرضه هو خصوصية ما يأخذه بدفع ماليته إلى البائع ولا نظر له إلى مالية ما يأخذه حتّى أنّه لو فرضنا أنّ البائع دفع إليه جنساً آخر يساوي قيمته قيمة ما يطلبه المشتري لا يقبله بوجه ، لعدم كون نظره إلى مالية ماله ، بل نظره إلى خصوصية ما يأخذه ، فلا يقبل الاُرز عوضاً عن الدبس مثلا .

والمدّعى أنّ البيع اسم لفعل البائع فقط يعني عبارة عن رفع اليد عمّا بيده والتحفّظ بمالية ماله ، لا أنّه اسم للأعمّ منه ومن فعل المشتري ، ولذا إذا اشترى عباءً بدينارين مثلا لا يصحّ له أن يقول بعت دينارين بالعباء كما لا يصحّ للبائع أن يقول اشتريت دينارين بالعباء فإنّه ممّا يضحك عليه العرف قطعاً ، بل الصحيح أن يقول اشتريت عباء بكذا ويقول البائع بعت عباءً بدينارين.

وعليه فتعريف صاحب المصباح(1) للبيع بأنّه مبادلة مال بمال لشموله لفعل المشتري أيضاً يحمل على المسامحة والتعريف اللفظي كما هو دأب اللغويين دائماً لأنّهم ليسوا في مقام التعريف الحقيقي ، فلذا تراهم يقولون السعدانة نبت مع أنّه لا اطراد فيه كما لا يخفى .

والمتحصّل : أنّ البيع على ما نشاهده في زماننا هذا إنّما هو عبارة عن فعل البائع فقط ، أعني التحفّظ على مالية ماله ورفع اليد عن خصوصيته ، في مقابل فعل المشتري الذي هو عبارة عن الاشتراء والأخذ بخصوصية المال كما عرفت وباستصحاب عدم النقل إلى زمان المعصومين والنبي (عليهم السلام) والمستعملين

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تقدّم تخريجه في الصفحة3 .

ــ[10]ــ

والواضعين يثبت أنّ البيع موضوع لخصوص فعل البايعين دون المشترين ، وعلى هذا فالبيع شامل بمفهومه لصورة كون أحد العوضين عرضاً والآخر ثمناً ، لأنّ صاحب العرض يتحفّظ على ماليته برفع اليد عن خصوصية العرض في مقابل فعل المشتري وأخذه بالخصوصية ورفع اليد عن المالية ، وقد عرفت أنّ تعريف المصباح للبيع بأنّه مبادلة مال بمال تعريف لفظي ، لأنّه كما عرفت عبارة عن إعطاء العرض والأخذ بماليته كما لا يخفى ، ولعلّه أراد من ذلك أمراً آخر سنشير إليه إن شاء الله تعالى  .

وأمّا صورة كون كل واحد من العوضين من قبيل العروض فهي على قسمين :

إذ ربما يكون أحد العرضين عوضاً عن الثمن والمالية كما إذا أراد شراء كتاب بدينار ولم يكن عنده ذلك فدفع العباء عوضاً وبدلا عن الدينار في مقابل الكتاب وهذا في الحقيقة من قبيل الصورة الاُولى ، والمعاوضة إنّما وقعت بين عرض وثمن فدافع الكتاب هو البائع حقيقةً ، لأنّه رفع اليد عن خصوصية ماله وتحفّظ على ماليته التي هي الدينار ، إلاّ أنّه لمّا لم يكن موجوداً فأخذ العباء عوضاً عنه ، لأنّه يسوى ديناراً واحداً مثلا ، كما أنّ دافع العباء هو المشتري لأخذه بالخصوصية على ما عرفت تفصيله آنفاً ، فالبيع بما له من المفهوم شامل لها كما لا يخفى .

واُخرى لا يكون شيء منهما عوضاً عن الثمن بوجه بل يعطي أحدهما باستقلاله ويأخذ بالآخر كذلك ، كما أنّ الثاني يعطي أحدهما ويأخذ بالآخر ، وهذا خارج عن حقيقة البيع ـ والشاهد على ذلك أنّه إذا أبدل شخص داره بدار اُخرى ثمّ سئل : هل بعت دارك ؟ يقول في الجواب : أبدلتها بدار اُخرى ولا يجيب بأنّي بعت داري كما لا يخفى ـ إذ لم يأخذ أحدهما بالمالية ويرفع اليد عن الخصوصية بوجه ليكون ذلك فعلا للبائع في مقابل المشتري ، وقد عرفت أنّ البيع هو عبارة عن فعل البائع وهو غير متحقّق في المفروض بل كلّ واحد منهما أخذ بخصوصية المال وكلّ ما

ــ[11]ــ

صنعه أحدهما صنعه الآخر أيضاً ، فهما على وتيرة واحدة كالأخوين . ولا يمكن أن يقال إنّ هذا بائع وذاك مشتر لأنّه ليس بأولى من عكسه ، والعجب من شيخنا الاُستاذ(1) (قدّس سرّه) حيث إنّه ذكر أنّ أحدهما لا بعينه بائع في هذه الصورة وأحدهما الآخر لا بعينه مشتر ولا تعيّن لشيء منهما في الواقع .

وفيه : أنّا ذكرنا مراراً أنّ أحدهما لا بعينه لا مصداق له خارجاً ، فهو معاملة مستقلّة يمكن تصحيحها بعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(2) و (تِجَارَةً عَنْ تَرَاض)(3) ولا يكون بيعاً ، بل هي التي ينبغي أن يقال إنّها مبادلة مال بمال التي ذكرنا أنّها ليست تعريفاً للبيع حقيقة .

ولعلّ مراد صاحب المصباح بقوله : وهو في الأصل مبادلة مال بمال ، أنّه في الابتداء كان البيع بينهم بمبادلة مال بمال وعرض بعرض لما أشرنا إليه سابقاً من أنّهم كانوا يتبادلون مالا بمال ثمّ بعد ذلك اخترعت النقود ، لا أنّ المراد بالأصل في كلامه هو اللغة كما ذكره بعض المحشّين وإلاّ لكان عليه أن يذكر في كلّ كلمة يفسّرها أنّها في اللغة كذا ، مع أنّه بنفسه من كتب اللغة فلا معنى لأن يقال إنّه في اللغة كذا .

وأمّا الصورة الثالثة ، أعني ما إذا كانت المعاوضة بين ثمنين اللذين هما متمحّضان في المالية ، فهي أيضاً على أقسام فربما تكون المعاوضة بين مثل الأوراق النقدية الايرانية (اسكناس) والأوراق النقدية العراقية في العراق ، فإنّ حكمها حينئذ حكم الصورة الاُولى ، إذ الأوراق الايرانية في مملكة العراق لا تعدّ من الأثمان ، وإنّما هي أثمان في مملكة ايران ، ووزانها في العراق كوزان القند والسكّر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) منية الطالب 1 : 169 .

(2) المائدة 5 : 1 .

(3) النساء 4 : 29 .

ــ[12]ــ

وغيرهما من الأجناس ، فهي بمنزلة العروض ، وإنّما تباع وتشترى بما أنّها من العروض وثمنها هو الأوراق العراقية وهذه الصورة ممّا يشمله البيع بما له من المفهوم .

واُخرى تكون المعاوضة بين مثل دينارين في العراق أو تومانين في إيران ممّا يعدّ كلّ واحد منهما من الأثمان في ذاك المكان كما إذا دفع إلى الصرّاف ورقة دينارية وأخذ ورقة دينارية اُخرى ، لأنّ الاُولى كانت خلِقة والثانية جديدة . وهذه أيضاً خارجة عن البيع مفهوماً ، إذ لم يرفع أحدهما يده عن خصوصية ماله بالتحفّظ على مالية ماله في مقابل أخذ الآخر بالخصوصية ، بل نسبة المعاوضة إلى كلّ واحد منهما على حدّ سواء ، ولا يمكن أن يقال هذا بائع وذاك مشتر ، لعدم أولويته من العكس .

وثالثة تقع المعاوضة بين مثل ورقة دينارية وبين أربعة أوراق أرباعية ، كما إذا دفع إلى الصرّاف ديناراً فدفع إليه أربعة أرباع ، فإنّها أيضاً كسابقتها دفع للمال في مقابل المال والثمن في مقابل الثمن غاية الأمر أنّ أحدهما ورقة مالية انضمامية وثانيهما أوراق مالية تفصيلية مجزّاة ، ونسبة المعاملة حينئذ أيضاً إلى كلّ واحد منهما على حدّ سواء ، وهذه كلّها خارجة عن البيع بما له من المفهوم ، هذا كلّه في شمول مفهوم البيع للأقسام الثلاثة وعدمه .

اختصاص المبيع بالأعيان

وأمّا الكلام في متعلّق البيع ـ أي المبيع ـ هل يختصّ بالأعيان أو يعمّها والمنافع فملخّصه : أنّ المبيع لا إشكال في اختصاصه بما إذا وجد في الخارج كان من الأجسام شاغلا للحيّز بمقداره وشاملا للأبعاد الثلاثة ، أعني العرض والطول والعمق كما هو معنى الجسم ، وهذا هو المراد من الأعيان ، لا الموجود الخارجي فعلا كما هو واضح . ولا يتعلّق البيع بالمنافع وإنّما يتعلّق بها الاجارة وهو المايز بينهما كما لا يخفى .

ــ[13]ــ

ثمّ إنّ المراد بتعلّق البيع بالأعيان وتعلّق الاجارة بالمنافع ليس هو تعلّقهما بهما في صيغتي الاجارة والبيع حتّى يورد كما اُورد بأنّ الاجارة أيضاً تتعلّق بالأعيان فكما نقول بعتك هذه الدار كذلك نقول آجرتك هذه الدار ولا يتعلّق الاجارة بالمنافع ولا يصحّ أن يقال آجرتك منفعة هذه الدار ، إذ المنافع لا تتعلّق الاجارة بها بوجه بل المراد من تعلّق البيع بالأعيان وتعلّق الاجارة بالمنافع أنّ مفهوم البيع هو تمليك الأعيان كما أنّ مفهوم الاجارة عبارة عن تمليك المنافع فالتمليك في البيع يتعلّق بالأعيان ، وفي الاجارة يتعلّق بالمنافع ، فالبيع والتمليك نظير الأمر والطلب ، فإنّ الأمر يتعلّق بالماهية والطلب يتعلّق بإيجاد الماهية لأنّ الايجاد مأخوذ في مفهوم الأمر ، إذ معناه طلب الايجاد فلا معنى لتعلّقه بالايجاد .

كما أنّ المراد بالمنافع ليس هو فعل المستأجر كسكناه وركوبه ونحوهما حتّى يقال كما قيل إنّ أفعال المستأجر مملوكة له بحسب طبيعته وليست ممّا يدخل في ملك المؤجر ليملّكها للمستأجر بالاجارة ، ولا معنى لتمليك المؤجر للمستأجر ما هو مملوك له بنفسه ، فأيّ معنى لتمليكنا سكنى المستأجر له أو ركوب دابّته ونحوهما ، إذ أفعال الغير خارجة عن تحت ملكيّة المؤجر فكيف يملّكه ما لا يملكه هو بنفسه ، ولا معنى لاعطائه ما هو فاقد له كما هو واضح .

بل المراد أنّ الأعيان كما أنّها مملوكة لمالكها كذا جهاتها وحيثيّاتها داخلة تحت ملك مالكها ، ومن جملة جهات الدار وحيثياتها سكناها ، وجهات الدابة ركوبها ، لأنّ الركوب والسكنى كما يتعلّقان بالساكن والراكب (أعني المستأجر) كذلك لهما تعلّق بالمركوب والدار ولهما إضافة إليهما ، وهذا التعلّق والاضافة من متعلّقات العين ومن إضافاتها ، وقد ذكرنا أنّ الأعيان كما هي داخلة تحت ملك ملاّكها كذلك إضافاتها وجهاتها وحيثياتها داخلة تحت ملك ملاّك الأعيان على ما عرفت ، فلصاحب العين أن يملّك المستأجر أو غيره جهة من جهات ماله ، كما أنّ له

ــ[14]ــ

تمليك جميع جهاته .

وبالجملة : أنّ التمليك ربما يكون مقيّداً ببعض الجهات واُخرى مطلقاً ومن جميع الجهات ، فعلى الأوّل لا يفيد إلاّ تمليك تلك الجهة كما أنّه على الثاني يفيد تمليك جميع الجهات ، فلمالك الدار أو الدابّة أن يملّك سكنى داره وركوب دابته بما هما من متعلّقات ملكه ، إذ قد عرفت أنّ للسكنى وللركوب ولغيرهما من انتفاعات الأعيان تعلّقاً بالمستأجر ، وتعلّقاً آخر وإضافة اُخرى بالأعيان وهي ملك لملاّكها ، والغرض من إجارتها وتمليك تلك الجهات والحيثيات للمستأجر أن يقع فعله الراجع إليه ممّا هو مملوك له على النحو الحلال ، وبذلك يرتفع الإشكال كما هو ظاهر .

فالمتحصّل : أنّ المبيع يختصّ بالأعيان ولا يعمّها والمنافع وإن ورد إطلاق البيع على تمليك المنافع في بعض الأخبار كما نقلها شيخنا الأنصاري(1) (قدّس سرّه) إلاّ أنّها مبنيّة على المسامحة كما هو ظاهر .

ثمّ إنّ المراد بالعين ما يقابل المنفعة وهو كلّ ما يحتاج وجوده إلى حيّز ، فلا يشترط في العين أن تكون موجودة في الخارج ومشخّصة حين البيع ، بل كما يتعلّق البيع بالموجود المشخّص الخارجي كذلك يتعلّق بالكلّي في المعيّن كبيع صاع من صبرة موجودة في الخارج ، وبالكلّي في الذمّة ، وهذا أيضاً ربما يكون في ذمّة نفسه بأن يبيع له عشرة أمنان من الحنطة ، واُخرى يكون في ذمّة الغير كما إذا كان له دَين في ذمّة الغير كمنّ من الحنطة فباعه من عمرو ، والفرق بينه وبين الأوّل أنّ المبيع في الثاني ملك له في ذمّة الغير وفي الأوّل ليس ملكاً له وإنّما له السلطنة عليه كسلطنته على أفعاله .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 3 : 7 .

ــ[15]ــ

وأمّا ما في بعض الحواشي(1) تبعاً للنراقي في عوائده(2) من أنّ الملكية من الأعراض وهي إنّما تتحقّق وتقوم بالاُمور الوجودية المتحقّقة في الخارج ولا معنى لقيامها بما لا وجود له خارجاً ، فمندفع بما ذكرناه في الاُصول من أنّ الملكيّة من الاُمور الاعتبارية المحضة وليست من قبيل المقولات العرضية بوجه ولا ممّا هو فوق المقولات كملك الله تعالى للعالم ، بل إنّما هي أمر اعتباري محض ، فهي كما يمكن اعتبارها في الموجود الخارجي كذلك يمكن اعتبارها في المعدوم خارجاً كالكلّي ، كما يمكن اعتبارها فيما إذا كان المالك معدوماً خارجاً كما إذا كان كلّياً كالفقراء في باب الزكاة وكلّي السادة في سهم السادة فإنّهما ملك كلّي الفقراء والسادة ، أو كالبطون في الأوقاف مع أنّها غير موجودة خارجاً ، هذا .

ونزيد ذلك توضيحاً فنقول : الملكيّة على ثلاثة أقسام :

إحداها : الملكية الواقعية والسلطة الحقيقية والاحاطة التامّة المعبّر عنها بالاضافة الاشراقية ، وهي مختصّة به (تعالى) ولا تتحقّق في غيره ، لأنّه محيط بجميع ما في العالم إحاطة تامّة لا يشذّ عنها شيء ، وجميعها في قبضته ولا يمكن الفرار من حكومته وهو موجدها وخالقها ، وهذه الملكية هي الاضافة القيّومية في الحقيقة لقيام غيره به (تعالى) حدوثاً وبقاءً بحيث لو انقطعت تلك الاضافة آناً ما لانعدمت الموجودات الخارجية بأسرها وكأنّها لم تكن شيئاً مذكوراً ، حيث إنّ تلك الموجودات بأنفسها وبذاتها متدلّيات به (جلّت عظمته) ، وبانقطاع الفيض الايجادي منعدمة محضة كما هي مقتضى ذاتها .

ومَثَل تلك الملكية والاضافة مثل النفس بالنسبة إلى صورها ، فإنّها تقوم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حاشية المكاسب (الاصفهاني) 1 : 12 .

(2) عوائد الأيّام : 38 .

ــ[16]ــ

بالنفس واختيارها بيدها حدوثاً وبقاءً بحيث لو غفلت عنها في زمان ولو بآن لم يبق من الصور أثر ، وهذه شبيهة من جهة للإضافة الاشراقية وتقريب لها توضيحاً وإلاّ فبينهما بون بعيد ولا يمكن قياسها بها .

ثمّ إنّ هذه الملكية الاشراقية شاملة لجميع الملاّك والأملاك والأشياء والسموات والأرضين وغيرها كما هو ظاهر ، وهي خارجة عن مقولة الجواهر والأعراض أي المقولات الحقيقية ، لأنّها كما عرفت إيجاده تعالى ، والوجود والايجاد خارجان عن الجواهر والمقولات كما لا يخفى ، مضافاً إلى أنّه (تعالى) لا يمكن أن يقع معروضاً لشيء من الأعراض وهذا واضح .

وثانيتها : الملكية المقوليّة المعبّر عنها بالجدة وهي إحدى المقولات العرضية وعبارة عن الهيئة الحاصلة من إحاطة جسم بجسم كالتلبّس والتعمّم والتنعّل وغيرها ، فإنّ للعاري هيئة وللمتلبّس هيئة اُخرى وللمتعمّم هيئة ثالثة وهكذا وهذه من الأعراض كما أشرنا إليه آنفاً .

وثالثتها : الملكية الاعتبارية التي هي محلّ الكلام في المقام ، وهي ليست من الأعراض والمقولات ليحتاج تحقّقها إلى تحقّق معروضاتها خارجاً ، لأنّ الأعراض تابعة لوجود معروضاتها ، بل إنّما هي أمر فرضي للعقلاء وأمضاه الشارع أيضاً مثلا يفرضون المشتري بعد الايجاب والقبول محيطاً بالمبيع وذا هيئة حاصلة من إحاطته به ، وهذا كما تراه فرض واعتبار وإلاّ فلا شيء خارجاً متحقّقاً بذلك الفرض ، وكيف لا مع أنّ المبيع ربما يكون بعيداً عن المشتري وكيف يكون محيطاً به خارجاً كما إذا كان المشتري في المغرب والمبيع ملكاً في المشرق مثلا ، وبالجملة إنّها أمر اعتباري شرعي ، ويمكن أن يكون طرف إضافتها كليّاً غير موجود في الخارج فعلا كما يمكن اعتبارها مع كون طرفها موجوداً خارجاً ، وطرف إضافتها هو المالك والمملوك ، وقد عرفت أنّ كلّ واحد من المالك والمملوك ربما يكون كلّياً لا وجود له

ــ[17]ــ

خارجاً ، هذا .

ثمّ إنّه يقع الكلام في المراد بالمبادلة في تعريف المصباح ولا يخفى أنّه ليس غرضنا الإشكال على المصباح لأنّ تعريفه تعريف لفظي لا تنبغي المناقشة فيه ، إلاّ أنّا نريد أن نبيّن حقّ الكلام في المقام فنقول : إنّ المراد منها ليس هو مطلق المبادلة وإلاّ لكان مثل تبديل ما في أحد الرفّين من الكتب بما في الآخر بيعاً ، وكذا في مثل تبديل العباء بعباء آخر في اللبس فإنّها أيضاً مبادلة ، بل المراد بالمبادلة هو المبادلة بين المالين في الاضافة ، بأن يصير المال المضاف إلى البائع بأحد أنحاء الاضافة المتقدّمة مضافاً إلى المشتري ، والمال المضاف إلى المشتري مضافاً إلى البائع .

والحاصل أنّ المبادلة ليست من المفاهيم المتأصّلة كالقيام والقعود وغيرهما من الأفعال ، بل إنّما هي من المفاهيم التعلّقية لابدّ من تعلّقها بشيء ، وذلك الشيء ليس هو المكان أو الملكية وإنّما هي عبارة عن طرف الاضافة . وبعبارة اُخرى إنّ ظرف المبادلة وصقعها هو الاضافة لا المكان الخارجي بل ولا الملكية ، فإنّ البيع قد يكون تبديلا في غير الملكية ، وذلك كما إذا اشترينا بسهم سبيل الله جصّاً أو آجراً لتعمير قنطرة أو طريق أو غيرهما ممّا يصدق عليه سبيل الله ، فإنّه لم يكن سبيل الله مالكاً للمال ليقع التبديل في الملكية ويصير السبيل مالكاً للجصّ عوضاً عن المال فلا يعتبر في البيع التمليك ليكون ظرف المبادلة وصقعها هو الملكية وإلاّ فلازمه بطلان المعاملة المشار إليها ، إذ لا ملكية فيها ، والجهة وإن كان تملّكها أمراً معقولا كما في بعض الموارد إلاّ أنّ السهم في المثال ليس راجعاً إلى الجهة بل هو مال مصرفه سبيل الله لا أنّه ملك له ليقال إنّه مالك ومضاف إليه بهذا الاعتبار ، ومثله ما إذا أوصى أحد بصريح كلامه بمال يصرف في سبيل الله من دون أن يصير ملكاً لسبيل الله فإنّ الكلام فيه هو الكلام في المثال المتقدّم .

فالمتحصّل : أنّ التمليك في البيع غير معتبر وإنّما اللازم هو المبادلة بين

ــ[18]ــ

الاضافتين ، ففي المثال يتبادل إضافة المال إلى سبيل الله باضافة الجصّ إلى مالكه فتقع إضافة الجصّ مكان إضافة المال فيصير الجصّ مضافاً إلى سبيل الله كاضافة المال إليه قبل المبادلة ، كما أنّ ظرف المبادلة ليس هو المكان الخارجي ، وقد أجاد صاحب المصباح في تفسيره بقوله هو مبادلة مال بمال ولم يقل مبادلة شيء بشيء وإلاّ لكان شاملا لمبادلة الكتب من رفّ إلى رفّ ، وإنّما عبّر بالمال مشعراً بأنّ المراد بالمبادلة هي المبادلة في الاضافة لأنّها الظاهر من المبادلة بين المالين بعنوان المالية هذا .

ثمّ إنّا ذكرنا سابقاً أنّه لا يعتبر في البيع أن يكون العوضان مالا أي ممّا يرغب فيه العقلاء ، بل لو اشترى شيئاً لغرض شخصه وإن لم يرغب فيه العقلاء كان بيعاً صحيحاً كما إذا اشتاق إلى خطّ جدّه وكان ذلك عند أحد معدوداً من الزبالات واشتراه منه بثمن كذا . ولو قام على اعتبار المالية في العوضين اجماع أو دليل شرعي آخر أيضاً لما كان ذلك موجباً لأخذ المالية في مفهوم البيع عرفاً ، إذ الكلام فعلا في بيان مفهوم البيع عند العرف وهم لا يعتبرون المالية كما عرفت . وكونها مأخوذة في المعاملة شرعاً أمر آخر لا يوجب ذكرها في تعريفه وإلاّ يلزم ذكر جميع ما يعتبر في البيع من الشرائط شرعاً ، لعدم اختصاصها بالمالية فقط .

ثمّ إنّ ما ذكرناه من أنّ المبادلة لابدّ من أن تقع بين الاضافتين بأن يكون المال المضاف إلى أحدهما مضافاً إلى الآخر وبالعكس ، هو الذي ذكره العلاّمة في بعض كتبه(1) من أنّه لابدّ في البيع من أن يدخل المبيع في كيس من خرج عنه الثمن وبالعكس وإلاّ فلا معنى لخروج الثمن من كيس أحد ودخول المثمن في ملك آخر وهذا أيضاً هو مقتضى الفهم العرفي ، فإنّ العرف لا يرى مثله بيعاً أبداً ، ويشهد له

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ] لم نعثر عليه [ .

ــ[19]ــ

جميع موارد استعمال لفظ البيع والشراء في الكتاب المجيد مثل قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ)(1) لا بأن يكون الجنّة لغيرهم وهذا ظاهر .

ثمّ إنّ ظاهر المبادلة وقوع الفعل من الطرفين وإن استعملت المفاعلة في بعض الموارد في فعل الواحد أيضاً كما في الآيات القرآنية كقوله تعالى : (يُخَادِعُونَ اللهَ)(2) و (يُحَارِبُونَ اللهَ)(3) وهكذا ، إلاّ أنّ ظاهرها وقوع الفعل من اثنين وهو مناف لما ذكرناه في تعريف البيع من أنّه عبارة عن فعل البائع فقط لا فعل مجموع البائع والمشتري ، فهو فعل الواحد لا الاثنين ، حتّى لو فرضنا أنّ فعل المشتري أيضاً من البيع لا يصحّ التعبير عنهما بالمبادلة ، لأنّ البيع يكون حينئذ متعدّداً لا أنّ بيعاً واحداً وقع بينهما كما هو ظاهر المفاعلة ، لأنّ المفاعلة هو فعل واحد للاثنين ، فعليه لو اُبدلت المبادلة في التعريف بالتبديل لكان أولى وأحسن .

فإذا عرفت ذلك فيقع الكلام بعد ذلك في أنّ البيع الذي هو عبارة عن فعل البائع هل هو من مقولة المعاني أو من مقولة الألفاظ ، وقد وقع في المقام خبط في كلمات شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(4) وإن جلّ مقامه عن الخبط إلاّ أنّ الاشتباه من غير المعصوم غير عزيز ، وذلك لأنّه (قدّس سرّه) أورد على من عرّف البيع بأنّه عبارة عن الايجاب والقبول : بأنّ البيع ليس من مقولة الألفاظ وإنّما هو من سنخ المعاني وإلاّ لم يكن إنشاؤه باللفظ ، ثمّ عرّف البيع بأنّه عبارة عن إنشاء تمليك عين

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التوبة 9 : 111 .

(2) البقرة 2 : 9 .

(3) المائدة 5 : 33 .

(4) المكاسب 3 : 10 .

ــ[20]ــ

بعوض ، مع أنّ نفس ذلك الإشكال وارد عليه أيضاً ، حيث إنّ الانشاء غير قابل للانشاء باللفظ كما لا يخفى ، فعلى تقدير أنّ البيع هو الانشاء فلا يعقل أن يتعلّق به الانشاء .

فالتحقيق أن يقال : إنّ البيع وغيره من العقود والايقاعات ليس من قبيل المعاني المجرّدة ولا من قبيل الألفاظ كذلك ، لما نشاهده من أنّ البيع لا يصدق على مجرّد الاعتبار النفساني بتبديل عين بعوض في جهة الاضافة ، وكذا النكاح لا يتحقّق بمجرّد اعتبار الزوجية ولا الطلاق بمجرّد اعتباره ولا الهبة ولا الصلح ولا غير ذلك من الاُمور الانشائية ، فإنّه بمجرّد اعتباره لا يطلق عليه أنّه باع ماله وهذا واضح ، كما أنّه لا يمكن أن يقال إنّ البيع وما يشبهه من قبيل الألفاظ إذ لا يمكن انشاؤه حينئذ.

بل إنّما البيع وغيره من العقود والايقاعات من قبيل المعاني المبرزة بمبرز ما من القول والفعل والاشارة ونحوها كما هو شأن المعاني الانشائية على ما ذكرناه في محلّه كالطلب والأمر ، فما دام لم يبرزها بشيء من المبرزات فلا يصدق عليها شيء من عناوين البيع والصلح وغيرهما كما هو ظاهر ، ولعلّه مراد من فسّره بنقل العين بالصيغة المخصوصة فلا يرد عليه ما ذكره شيخنا الأنصاري من أنّ ذلك لا يقبل الانشاء بالصيغة وإنّما القابل له النقل لا النقل بالصيغة ، وذلك لأمرين : النقض والحلّ  .

أمّا النقض : فبأنّا نرى في الخارج اُموراً قائمة بالانشاء والابراز بحيث لا تحقّق لها بدون الانشاء بوجه ، وهذا كالاذن فإنّه ليس عبارة عن مجرّد طيب النفس بل الطيب المبرز بشيء من المبرزات وبدونه لا يمكن أن يقال إنّه أذن في أمر كذا حتّى يبرزه ويأتي به في مقام الاظهار والابراز . ومنها الأمر فإنّه لا إشكال في كونه من الاُمور الانشائية ولا يصدق بمجرّد الطلب النفساني أنّه أمر بكذا ، وبالجملة أنّها من