|
|
|
أدرك كان له الخيار ، فإن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما ولا مهر ، إلاّ أن يكونا قد أدركا ورضيا» . قلت : فإن أدرك أحدهما قبل الآخر ؟ قال : «يجوز عليه ذلك إن هو رضي» . قلت : فإن كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية ورضي النكاح ، ثمّ مات قبل أن تدرك الجارية ، أترثه ؟ قال : «نعم ، يعزل ميراثها منه ، حتى تدرك وتحلف بالله ما دعاها إلى أخذ الميراث إلاّ رضاها بالتزويج ، ثمّ يدفع إليها الميراث ونصف المهر» الحديث (1) .
فإنها صريحة في الكشف ، إذ لولاه لم يكن مجال للحكم بعزل نصيب البنت حتى تدرك ، لأنه وبمجرد موت أحد الطرفين لا يبقى مجال للحكم بالزوجية ، فإنها من الزوجية بين الحي والميت وهو باطل جزماً .
على أنّ القول بالنقل لا يتمّ في العقود المتقيدة بالزمان كالإجارة ونكاح المتعة ، كما لو آجر الفضولي الدار شهراً أو تزوّج من الأمة شهراً ولم يجز المالك إلاّ بعد انقضاء نصفه . فإنه لو كانت الإجازة ناقلة لكانت الملكية أو الزوجية في خصوص النصف الباقي من الشهر ، أي من حين الإجازة إلى انقضاء الشهر ، والحال أن المنشأ إنما هو الملكية والزوجيـة شهراً كاملاً ، فيرد عليه إن ما أنشأ لم يمض وما اُمضي لم ينشأ فكيف يمكن الالتزام بصحته .
والحاصل : إنّ النقل وإن كان ممكناً في نفسه ، إلاّ أن دليل الإمضاء والنفوذ لا يساعد عليه ، باعتبار أن ظاهره إمضاء ما وقع . ومن هنا فلا بدّ من الالتزام بالكشف ، غير أن الأقوال في الكشف لما كانت مختلفة : فمنهم من يقول بالكشف الحقيقي ، ومنهم من يقول بالكشف الانقلابي ، ومنهم من يقول بالكشف الحكمي ، فلا بدّ من تحقيق الحال لمعرفة الصحيح منها . ومن هنا فنقول :
أمّا الكشف الحقيقي فهو وإن كان ممكناً في نفسه بحيث تكون الإجازة شرطاً متأخّراً ، إلاّ أنه لا دليل عليه أيضاً ، فإنّ ظاهر الأدلة إنما هو اعتبار نفس الرضا والإجازة لا اعتبار تعقبهما . وحيث ان من الواضح انهما لم يكونا موجودين حال العقد ولم يكن العقد عن الرضا ، فلا وجه للحكم بالصحّة وإن كان متعقباً بهما ، بل إنّ القول
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل ، ج 26 كتاب الفرائض والمواريث ، أبواب ميراث الأزواج ، ب 11 ح 1 .
به على خلاف ظاهر دليل الجواز ، فإنّ ظاهره إنما هو كون الجواز متفرعاً على الرضا لا أنه إذا أجاز العقد انكشف الجواز السابق ، ومن هنا فلا مجال للالتزام بهذا القول .
وأما الكشف الانقلابي ، بمعنى انقلاب العقد بعد الإجازة وثبوت الجواز من السابق ، فهو ـ مضافاً إلى أنه لا دليل عليه ـ غير معقول في نفسه ، لأن الشيء لا ينقلب عما وقع عليه والزمان المعدوم لا يمكن إيجاده ثانياً ، بلا فرق بين الاُمور التكوينية والاُمور الاعتبارية ، فإنه محال فيهما معاً .
ومن هنا فيتعين القول بالكشف الحكمي ، فيحكم بنفوذ العقد من حينه من الآن .
ولتوضيحه نقول : إنّ الشيء قد يكون موجوداً بالوجود الحقيقي الذي لا يختلف باختلاف الأنظار ، وقد يكون موجوداً بالوجود الاعتباري ، كالأحكام الوضعية والتكليفية . والأوّل ينقسم إلى قسمين : فإن الموجود بالوجود الحقيقي قد يكون موجوداً في الخارج كالأعيان ، وقد يكون موجوداً في النفس خاصة كمتعلق العلم فإنه موجود حقيقة غير إنّ وعاء وجوده إنما هو النفس دون الخارج .
والفرق بين الوجود الاعتباري والوجود الذهني هو أن الأوّل موجود في الخارج فإنه يتعلق بما هو موجود في الخارج لكن بالوجود الفرضي . في حين أنّ الثاني لا وجود له في الخارج ، بل ينحصر وجوده في الذهن خاصة ، فإنّ العلم لا يتعلق بما هو في الخارج ، وإنما يتعلق بصورته الحاضرة في الذهن ، كما هو واضح .
وأما الفرق بينهما وبين الوجود الخارجي الحقيقي ، فهو كامن في أن الثاني لا ينفك عن الموجود في الخارج إلاّ بالاعتبار ، فإذا كان الوجود موجوداً فالماهية موجودة أيضاً ، كما أنه لو كانت الماهية موجودة كان الوجود موجوداً لا محالة . وهذا بخلاف الوجود الذهني والوجود الاعتباري ، فإنهما من الممكن أن يتعلقا بأمر سابق كموت زيد قبل شهر ، أو بأمر متأخر كطلوع الشمس غداً .
وإن كان التعبير بتعلق الوجود الذهني بالأمر السابق أو اللاحق لا يخلو من مسامحة ، باعتبار أنه إنما يتعلق بالصورة الذهنية وهي موجودة بالفعل، غاية الأمر أن الصورة صورة لأمر متقدِّم أو متأخِّر ، لكنّه مع ذلك يعبر بما تقدّم ، فيقال إنّ العلم متعلِّق بمتقدِّم أو متأخِّر . وهذا بخلاف الاعتبار ، حيث إنه يتعلّق بالمتقدِّم أو المتأخِّر
حقيقة ، فيبيع المالك داره من قبل شهر أو بعد شهر ، من دون أن يكون في تعلقه بهما أي محذور .
نعم ، إنهما غير ممضيين شرعاً ، لعدم جواز التعليق في البيع أو غيره ، غير إنّ ذلك لا يعني عدم صحّة تعلقه بهما .
إذا اتضح ذلك يظهر أنه لا مانع في المقام من تعلق الاعتبار ـ الإجازة ـ بالملكية السابقة من الآن ، فإنه من الاعتبار المتعلِّق بالأمر المتقدم ، وقد عرفت أنه لا مانع منه ، لكن لا على نحو الانقلاب أو الشرط المتأخِّر ، فيحكم بالصحّة حينئذ نظير تعلّقه بالأمر المتأخر ، كما هو الحال في متعلِّق الاعتبار في التدبير والوصيّة ، حيث إن متعلقه إنما هو الحرية والملكية بعد موت المالك .
وبعبارة اُخرى : إنّ الاُمور الاعتبارية قوامها باعتبار من بيده الأمر ، وليس لها واقع سوى الجعل والاعتبار وهو أمر خفيف المؤنة ، فيصح تعلقه بأمر متقدِّم أو متأخِّر على حدّ جواز تعلّقه بأمر موجود بالفعل ، وعليه فإذا اعتبر من بيده الأمر ترتّب عليه آثاره لا محالة .
ومن هنا فإذا كان هذا النوع من الاعتبار ممكناً في نفسه ، كان مقتضى أدلّة صحّة العقد الفضولي والأدلة الخاصة هو صحته ، باعتبار أن الإجازة إذا تعلقت بما اُنشئَ سابقاً استند ذلك المنشأ من حين الإجازة إلى المجيز ، بمعنى أن العقد الواقع قبل سنة مثلاً يستند إليه من حين الإجازة ، وبذلك فتشمله أدلة نفوذ العقد ، ويكون مقتضاها الحكم من الآن بصحّة العقد السابق من حينه .
هذا مضافاً إلى دلالة قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة المتقدِّمة : «وإن أجاز نكاحه فهما على نكاحهما الأوّل» وقوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن وهب المتقدِّمة أيضاً : «اثبت على نكاحك الأوّل» على ذلك ، باعتبار أن ظاهرهما الحكم بصحّة النكاح الأوّل من الآن .
وممّا يدلّ على أن الملكية ونحوها من الاُمور الاعتبارية ليست من الأعراض الخارجية ولا واقع لها سوى الاعتبار ، أنها تتعلق بالكلي كما هو الحال في موارد بيع الكلي ، مع أنه غير قابل لأن يكون معروضاً لعرض خارجي .
وتتعلق بالمعدوم كما هو الحال في تعاقب الأيدي ، فإن المالك إذا رجع على أحدهم بعد تلف العين كان له الرجوع على من بعده ، وهكذا إلى أن يستقر الضمان على من تلفت العين عنده ، ومن الواضح أن ذلك ليس إلاّ لتملك من رجع عليه المالك للعين التالفة بعد دفع بدلها ، فيكون مالكاً للمعدوم ، ومن هنا يصح له الرجوع على من بعده . بل إن من الممكن إنشاء الملكية للمعدومين وتمليكهم من حين الإنشاء ، كما هو الحال في الوقف الذري والوصيّة بالنسبة إلى البطون المتأخرة وغير الموجودة حين الإنشاء ، فإنّ إنشاء الملكية متحقق من الآن في حين أنّ المالك معدوم .
وبالجملة فليست الملكية عرضاً خارجياً تحتاج في قيامها إلى موضوع خارجي ، بل هي وجود في مقابل الوجودات الخارجية والوجودات الذهنية ، على ما تقدّم بيانه .
إذن فلا محيص بمقتضى ظهورات الأدلة عن الالتزام بما ذكرناه من الكشف الحكمي ، فيقال : إنّ العقد بعد الإجازة يكون صحيحاً من الأوّل ، بمعنى اعتبار المرأة من حين الإجازة زوجة للرجل من حين وقوع العقد .
هذا وقد يورد على ما اخترناه بوجهين :
الأوّل : إنّ العبرة في التضاد لما كانت بزمان المعتبر لا زمان الاعتبار ، لم يعقل أن يكون المبيع في البيع الفضولي ملكاً لمالكه قبل الإجازة وملكاً للمشتري بعدها في زمان واحد ـ وأعني زمان صدور العقد ـ وإن كان الاعتبار في زمانين . وعلى هذا الأساس كان امتناع ثبوت حكمين مختلفين ـ الوجوب والحرمة ـ للخروج من الدار المغصوبة ، فإنه لا يعقل أن يحكم بحرمة ذلك التصرف حال الدخول ثمّ يحكم بوجوبه حين الخروج ، فإن الفعل الواحد لا يتصف بلحاظ زمان واحد إلاّ بأحدهما ، وأما اتصافه بهما معاً فهو ممتنع حتى ولو كان زمان الاعتبارين مختلفاً .
وفيه : إنه إنما يتم في الأحكام الشرعية التكليفية ، باعتبار أنها إنما تنشأ من المصالح أو المفاسد الكامنة في متعلقاتها ، فإنه يمتنع أن يكون الشيء الواحد محبوباً ومبغوضاً في زمان واحد حتى وإن اختلف زمان الحكم . ومن هنا حكمنا بعدم جواز اجتماع الوجوب والحرمة للخروج من الدار المغصوبة ، فإنه لا يمكن أن يكون محبوباً
ومبغوضاً في آن واحد .
وأما بالنسبة إلى الأحكام الوضعية الاعتبارية فلا يتم ما ذكر ، حيث تكون المصلحة في نفس الاعتبار ، فإنه لا مانع من الاعتبارين إذا اختلف زمانهما . فيعتبر في يوم السبت ـ مثلاً ـ ملكية زيد لشيء معين في يوم الاثنين ، ثمّ يعتبر في يوم الأحد ملكية عمرو لذلك الشيء في يوم الاثنين أيضاً ، من دون أي محذور فيه ما دامت المصلحة قائمة في الاعتبار . بل لو لم يكن هناك تناف في الأثر ، لقلنا بجواز اعتبار ملكية شيء واحد لشخصين على نحو الاستقلال في زمان واحد .
الثاني : إنّ ما ذكر إنما يتمّ في الأحكام المجعولة على نحو القضايا الخارجية ، ولا يتم في الاعتبارات المجعولة بنحو القضايا الحقيقية ، لأن هذه الاعتبارات موجودة بأجمعها في آن واحد هو أوّل الشريعة المقدّسة . وحيث إنّ الاعتبارات الشرعية من هذا القبيل ، فلازم القول بالكشف بالمعنى الذي ذكر ـ أعني اعتبار الملكية للمالك قبل الإجازة واعتبارها للمشتري بعدها من حين صدور العقد ـ هو اجتماع هذين الاعتبارين في زمان واحد هو أوّل الشريعة المقدّسة ، وهو محال .
وفيه : أن الأنشاء في هذه الاعتبارات وإن كان أزلياً وثابتاً مع بدء الشريعة المقدّسة ، إلاّ أن فعليتها إنما تكون بعد تحقّق موضوعاتها في الخارج ، إذ قبله لا يتجاوز الاعتبار مرحلة الإنشاء . ومن هنا فحيث إنّ أحد الاعتبارين كانت فعليته قبل الإجازة ، في حين إنّ فعلية الاعتبار الثاني ـ وهو اعتبار الملكية للمشتري ـ إنشائي محض يتوقف بلوغه مرحلة الفعلية على إجازة المالك ، فلا يكون هناك أي تناف بين هذين الاعتبارين .
ثمّ إنّ الكشف الحكمي بالمعنى الذي اخترناه غير الكشف الحكمي الذي ذهب إليه شيخنا الأعظم (قدس سره) . والفرق بينهما يكمن في أنه (قدس سره) يرى اتحاد زمان الاعتبار والمعتبر، بمعنى كونهما معاً بعد الإجازة، غاية الأمر أنّ الآثار إنما تترتب من حين العقد. في حين إنا نرى اختلاف زمانهما، فإن الاعتبار إنما يكون حين الإجازة، وأما المعتبر فهو متقدم عليه وثابت حين العقد . فإنّ ما ذهب إليه (قدس سره) خلاف ظاهر الأدلة ، ولا دليل يساعد عليه .
ولا يضرّه النهي ، لأنه متعلق بأمر خارج((1)) متّحد (1) . والظاهر اشتراط عدم الردّ منه قبل الإجازة ((2))،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إذن فما اخترناه هو الصحيح الموافق لظاهر الأدلّة والذوق العرفي .
ويترتّب على هذا أنه لو واقعها العبد فأولدها ثمّ أجاز المولى ، لم يحكم بكون المواقعة زناً ولا يحدّ لذلك ، إذ يفرض من الآن أنّ المواقعة إنما كانت مواقعة للزوجة لا للمرأة الاجنبية وإن كانت في وقتها كذلك لا محالة . ويتفرع على ذلك ترتب جميع آثار الوطء الصحيح ـ من التوارث بينهما وما شاكله ـ عليه .
وكذا الحال فيما لو أجاز المالك العقد الفضولي بعد مضي مدة من وقوعه ، فإنه يحكم من الآن بصحّة العقد السابق وتملك المشتري للمبيع من ذلك الحين . ويتفرع عليه جميع آثار الملكية الصحيحة ، ومنها جواز مطالبة المشتري للمالك باُجرة مثل المنافع التي استوفاها من العين في الفترة ما بين العقد والإجازة .
فالمتحصِّل من جميع ما تقدّم أن القول بالكشف الحـكمي لما كان ممكناً في نفسه وكان يساعد عليه دليل نفوذ العقد وبعض الأدلّة الخاصّة ، تعيّن القول به دون سائر الأقوال ، من النقل أو الكشف الحقيقي أو الإنقلابي أو الحكمي ـ بالمعنى الذي ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) ـ لما عرفت من أنها بين ما هو ممتنع في نفسه ، وما لا يساعد عليه الدليل .
(1) لما اختاره (قدس سره) من أن وجوب المقدمة أو حرمتها إنما هو لعنوان المقدمية ، فيكون النهي في المقام متعلقاً بأمر خارج ـ أعني عنوان المقدمية ـ فلا يؤثر شيئاً .
نظير ما التزم به (قدس سره) في باب الوضوء فيما إذا كانت له غايتان إحداهما واجبة والاُخرى مستحبة وكان الوضوء مقدمة لهما ، من ثبوت الحكمين معاً للوضوء
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التعليل ضعيف جدّاً ، والصحيح أن يقال : إنّه على تقدير الحرمة ، فهي في المعاملات لا توجب الفساد .
(2) فيه إشكال بل منع .
فيلتزم بكونه واجباً ومستحباً بالفعل ، لأنه من اجتماع الحكمين في عنوانين يتحدان خارجاً وهو (قدس سره) ممن يرى جواز ذلك ، بل يرى جواز اجتماع الأمر والنهي إذا تعلقا بعنوانين وإن كانا منطبقين على شيء واحد في الخارج ، فيحكم بكون الوضوء واجباً بما هو مقدمة للواجب ، ومستحباً بما هو مقدمة للمستحب .
ففي المقام يقال : إنّ العقد بما هو تزويج في نفسه فهو مباح ، وبما هو مقدمة للحرام حيث أتى به بقصد التوصل إلى الحرام فهو حرام ، فيكون متعلق النهي أمراً خارجاً عن التزويج ، فيحكم بصحته لا محالة .
غير أنك لما عرفت في باب الوضوء أنّ الصحيح أن عنوان المقدمية إنما هي من العناوين التعليلية لا من الجهات التقييدية ، كانت هذه المسألة أجنبية بالمرّة عن مسألة اجتماع الأمر والنهي بعنوانين ، إذ البحث المعروف في جواز الاجتماع وعدمه إنما هو فيما إذا تعلق الأمر بعنوان وتعلق النهي بعنوان آخر غيره ، وكان بين العنوانين نسبة العموم والخصوص من وجه ، كما هو الحال في مثال الغصب والصلاة ، ولا يجري فيما نحن فيه ، باعتبار أن مفهوم المقدمة بما هو غير متّصف بأي وصف ، والملازمة ـ بناءً على القول بها ـ إنما هي بين الواجب أو الحرام وما هو مقدمة له بالحمل الشائع فيكون عنوان المقدمية وتوقف الواجب أو الحرام على شيء علة لوجوب ذات ذلك الشيء أو حرمته ، لا علة وجوبه أو حرمته بعنوان المقدمية ، وهذا ما يصطلح عليه بالجهة التعليلية لوجوب ذات المقدمة أو حرمتها .
وعلى هذا فيكون الوضوء بعنوان واحد واجباً ومستحباً لعلتين ، فبما أنه مقدّمة للواجب يكون واجباً ، وبما أنه مقدمة للمستحب يكون مستحباً . وهو غير ممكن حتى عند من يرى جواز اجتماع الأمر والنهي ، فإن القائل به إنما يرى ذلك فيما إذا تعدد العنوان ، وأما إذا اتحد العنوان غاية ما هناك أن سبب الوجوب والحرمة كان متعدِّداً فلا قائل بالجواز على الإطلاق .
وعلى هذا الأساس ذكرنا في مسألة الوضوء أنّ ما أفاده الماتن (قدس سره) من الحكم بالوجوب والاستحباب ، غير تامّ في نفسه ولا يمكن المساعدة عليه .
ومن هنا يظهر الحال في المقام . فإنّ عنوان المقدمية لما كان من الجهات التعليلية
كان معروض الحرمة على القول بها انما هو ذات المقـدّمة ـ أعني التزويج ـ لا محالة وعليه فلا يكون النهي متعلّقاً بأمر خارج عنه .
فما أفاده (قدس سره) ضعيف جداً ، ولا مجال للمساعدة عليه .
ثمّ إن لشيخنا المحقق (قدس سره) في المقام كلاماً ، حاصله أن الوجوب أو الحرمة إنما يتعلق بعنوان المقدمة وهو جهة تقييدية ، ولذا يعتبر في اتصاف المقدمة بهما قصد التوصل بها إلى ذي المقدمة .
وقد ذكر (قدس سره) في وجه ذلك أن انقسام الجهة إلى التعليلية والتقييدية إنما يختص بالأحكام الشرعية . فإن الجهة ان كانت في مرحلة سابقة عن الحكم ، وكانت علة لتعلق الحكم بالشيء ، كانت جهة تعليلية . وأما ان كانت في مرحلة متأخرة في الرتبة عن الحكم ، كانت جهة تقييدية .
وأمّا الأحكام العقلية فليست فيها جهات تعليلية مغايرة للجهات التقييدية ، وإنّما الجهات التعليلية فيها هي بعينها جهات تقييدية ، سواء في ذلك الأحكام العقلية النظرية والأحكام العقلية العملية . فإذا أدرك العقل بأن وجود زيد ـ مثلاً ـ وعدم وجوده لا يجتمعان باعتبار أن لازمه اجتماع النقيضين ، فهي جهة تعليلية ، بمعنى أن استحالة اجتماع وجود زيد وعدمه معلول لاستحالة اجتماع النقيضين ، لانطباقه على المورد . وكذا الحال في كل قضية ممتنعة بحكم العقل ، فإن استحالة اجتماع النقيضين أساس لها ، لرجوعها إليها لا محالة . ومن هنا فتكون الجهة التعليلية تقييدية بالضرورة .
وهكذا الأمر في الأحكام العملية . فإن حكم العقل بحسن ضرب اليتيم تأديباً ولمصلحته باعتبار أنه إحسان له وعدل في حقه ، إنما يرجع إلى حكم العقل بحسن العدل والإحسان لانطباقه عليه ، فالجهة التعليلية فيه ترجع إلى الجهة التقييدية ، نظراً لرجوع حكم العقل بحسن الضرب والتأديب إلى حكمه بحسن الإحسان والعدل . وكذا الكلام في حكمه بقبح ضرب اليتيم لا للتأديب لكونه ظلماً ، فإنه إنما يرجع إلى حكمه بقبح الظلم ، فتكون الجهة التعليلية في القضية هي بعينها الجهة التقييدية . وهاتان القضيّتان ـ أعني حسن العدل والإحسان وقبح الظلم ـ هما الأساس لكل
مورد يحكم العقل بحسن شيء أو قبحه .
إذن فليست في الأحكام العقلية جهات تعليلية تغاير الجهات التقييدية ، وإنما الجهات التعليلية هي بعينها جهات تقييدية ، كما أن الجهات التقييدية هي بعينها جهات تعليلية .
ومن هنا فبما أن وجوب المقدمة إنما هو بحكم العقل ، كان الوجوب ثابتاً لها بما هي مقدمة ، وعليه فلا بدّ من قصد التوصل ، نظراً إلى أن العنوان هو متعلق الوجوب أو الحرمة .
وما أفاده (قدس سره) وإن كان تاماً وصحيحاً في نفسه ، إذ ليست في الأحكام العقلية جهات تعليلية تغاير الجهات التقييدية ، إلاّ أن تطبيقه لهذا الكلام على المقام مما لا يمكن المساعدة عليه . والسر في ذلك أن وجوب المقدمة ـ على القول به ـ إنما هو شرعي لا عقلي ، وإنما العقل يدرك الملازمة بين الوجوبين ، بمعنى أنه يدرك استحالة انفكاك وجوب ذي المقدمة شرعاً عن وجوب المقدمة كذلك ، وأما نفس الوجوب فهو شرعي محض .
وبعبارة اُخرى : إن العقل إنما يدرك الملازمة واستحالة الانفكاك بين الوجوبين الشرعيين خاصة ، وأما نفس الوجوب فهو شرعي وليس مما يحكم به العقل . ومن هنا فيكون عنوان المقدمية جهة تعليلية للوجوب الشرعي ، بمعنى أن الترتب وتوقف الواجب عليها المعبر عنه بعنوان المقدمة ، علة لإيجاب ذات المقدمة شرعاً .
وعليه فلا يكون هذا من مصاديق ما أفاده (قدس سره) ، من أن الجهات التعليلية هي بعينها جهات تقييدية في الأحكام العقلية .
وكيف كان ، فالصحيح في التعليل أن يقال : إن النهي التكليفي عن المعاملات لا يقتضي فسادها ، إذ لا ملازمة بين حرمة المعاملة وعدم نفوذها ، بل قد تكون محرّمة وفي نفس الحين تكون نافذة ، كما هو الحال في النهي عن البيع وقت النداء فإنّه محرم وصحيح ، باعتبار أن النهي والمبغوضية لا ينافيان الإمضاء لعدم اعتبار القربة فيها كالعبادات ، كي يقال بأن المبغوض لا يصحّ التقرّب به .
فلا تنفع الإجازة بعد الرد (1) . وهل يشترط في تأثيرها عدم سبق النهي من المولى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا والذي يهون الخطب أننا لم نلتزم بالحرمة في المقام أصلاً ، وقد عرفت أنه من مصاديق التجرُّؤ وهو غير محرم .
اذن فلا مجال للبحث في حرمة المقدّمة ، سواء أقصد بها التوصّل إلى إمضاء المولى أم قصد ترتيب الأثر عليه ، سواء أذن المولى أم لم يأذن .
(1) على ما هو المعروف والمشهور بين الأصحاب ، بل ادعى الشيخ الأنصاري (قدس سره) الإجماع عليه (1) . وقد عللوا ذلك بأنه كرد البائع وعدوله الفاصل بين إيجابه وقبول المشتري ، حيث يمنع من تأثير قبول المشتري بلا كلام .
إلاّ أن ما ذكروه لا يخلو من الإشكال ، بل المنع . وذلك فلأن من غير المحتمل أن يكون الإجماع في المقام إجماعاً تعبدياً يكشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) ، بل من الواضح أن مستنده إنما هو استظهار كون المقام من قبيل رجوع البائع قبل قبول المشتري. وحيث إنّ بين المسألتين بوناً بعيداً ، فلا مجال للالتزام بما ذكروه .
والوجه فيه أنّ الموجب إذا رجع عن إيجابه قبل القبول لم يتحقق مفهوم العقد ، لأنه عبارة عن ضمّ التزام إلى التزام وربط تعهّد بآخر . فإذا فرض ارتفاع التزام البائع بالرجوع أو الموت أو الجنون لم يكن للقبول أثر ، باعتبار أنه ليس هناك التزام آخر يضم هذا الالتزام إليه ويربط بينهما ، فلا يتم مفهوم العقد . وأين هذا من المقام الذي ليس هناك أي التزام من المولى وانتساب للعقد إليه قبل الرد وبعده ، كي يقال إن الردّ قد أبطل أثره ; بل الرد وعدمه في المقام سيان حيث لا أثر له بالمرة ، فإن العقد لم يكن منتسباً إليه قبل الرد وكذا الحال بعده ، كما أنه لم يكن قبل الرد التزام من المولى وكذلك الحال بعده .
بل وكذا الحال لو اعتبرنا رضا المشتري بالمعاملة حين الإيجاب أيضاً ، على ما ذهب إليه الشيخ (قدس سره) ، وإن لم نرتضه في محله . وذلك لأن المفروض أن العقد
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتاب النكاح (طبع المؤتمر العالمي للشيخ الأنصاري) 20 : 246 .
فيكون النهي السابق كالردّ بعد العقد ، أو لا ؟ وجهان . أقواهما الثاني (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قد وجد في ظرفه واجداً لجميع الشرائط عدا استناده إلى المولى ، فمتى أجاز استند العقد إليه ، وليس هذا قبولاً وإنما هو إسـناد للعقد الواقع إليه بعد أن لم يكن كذلك ومن هنا فلا يكون الردّ قاطعاً ومانعاً من لحوق الإجازة من المولى .
والحاصل أنّ ما ذكروه ـ مضافاً إلى أنه لا دليل عليه ـ مخالف لإطلاقات النصوص المتقدِّمة والقاعدة المقتضية لصحّة العقد الفضولي ، إذ ليس في المقام مانع من نفوذ العقد غير عدم إذن المولى ومعصية العبد له ، فإذا أجاز المولى ارتفع هذا المانع وجاز ، لعدم المقتضي للبطلان بعد اقتضاء القاعدة للصحّة .
هذا كلّه مضافاً إلى دلالة صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : قضى في وليدة باعها ابن سيِّدها وأبوه غائب فاشتراها رجل فولدت منه غلاماً ثمّ قدم سيِّدها الأوّل فخاصم سيِّدها الأخير فقال : هذه وليدتي باعها ابني بغير إذني فقال : خذ وليدتك وابنها ، فناشده المشتري ، فقال : خذ ابنه ـ يعني الذي باع الوليدة ـ حتى ينفذ لك ما باعك ، فلما أخذ البيع الابن قال أبوه : أرسل ابني ، فقال : لا اُرسل ابنك حتى ترسل ابني ، فلما رأى ذلك سيِّد الوليدة الأوّل أجاز بيع ابنه