ــ[21]ــ

قبل أن يستأنس منهم الرشد .

   وأمّا بالنسبة إلى نفسه بأن يكون أجيراً لغيره: ففي جوازه كلام وإشكال ، ولا يبعد المنع ، وسيأتي تفصيله في المسألة الثانية.

   وأمّا إجراؤه العقد وكالةً عن غيره : فلا ينبغي الاستشكال فيه ، إذ لم يدلّ دليل على كونه مسلوب العبارة حتى يكون عقده كلا عقد .

   وأمّا الاختيار : فلا شكّ في عدم نفوذ عقد المكره فيما يرجع إلى نفسه من ماله أو عمله ، لحديث الرفع وغيره ممّا هو مذكور في محلّه .

   وأمّا لو كان مكرهاً في إجراء العقـد على مال الغير وكالةً ، فهل يحكم ببطلانه ؟

   الظاهر : لا ، ضرورة عدم ترتّب أيّ أثر على هذا العقد بالنسبة إلى العاقد المكره لكي يدّعى ارتفاعه بحديث الرفع ، وإنّما الأثر مترتّب على من يقع العقد له وهو الأصيل ، وهذا مجرّد آلة محضة والمفروض أنّ الأصيل غير مكره عليه .

   وبعبارة اُخرى : هذا العقد من حيث انتسابه إلى المباشر ليس له أيّ أثر ليرتفع بالإكراه، ومن حيث انتسابه إلى المكره لم يرتفع أثره بعد أن عقد باختياره، ولم يكن مكرهاً ، فالمكرَه ـ بالفتح ـ لا أثر له ، ومن له الأثر لم يكن مكرهاً ، فلا مقتضي للبطلان بوجه .

   وأمّا اعتبار البلوغ الذي هو المهم في المقام : فلا ينبغي التأمّل في عدم نفوذ تصرّفات  الصبي  في أمواله على سبيل الاستقلال بحيث يكون هو البائع أو المؤجّر ونحوهما ولو كان ذلك بإذن الولي فضلاً عن عدم الإذن، لقوله سبحانه: (وَابْتَلُوا ا لْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ)(1) ، دلّت على أنّ دفع المال مشروط بأمرين : البلوغ والرشد ، فلا يدفع لغير البالغ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النساء 4 : 6 .

ــ[22]ــ

ماله وإن كان رشيداً ، كما لا يدفع لغير الرشيد ـ  أي السفيه  ـ وإن كان بالغاً ، ومعلوم أ نّه لا بدّ من اختباره قبل البلوغ ، لإحراز الرشد منه كي لا يمنع عن ماله بعد ما بلغ حتى آناً ما .

   ويستفاد ذلك أيضاً من عدّة أخبار دلّت على أنّ الصبي لا يؤخذ بشيء من أعماله وأقواله ، فإذا لم يكن مؤاخذاً فطبعاً يكون عقده كلا عقد .

   وتدلّ عليه أيضاً رواية عبدالله بن سنان ـ التي أوردها شيخنا الأنصاري (قدس سره) في المكاسب واستدلّ بها (1) ـ عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : سأله أبي ـ وأنا حاضر ـ عن اليتيم ، متى يجوز أمره ؟ قال : «حتى يبلغ أشدّه» قال : وما أشدّه ؟ «قال : احتلامه» (2) .

   وهي واضحة الدلالة على أنّ نفوذ أمره الذي منه عقده متوقّف على البلوغ ، فلا ينفذ قبله وإن أذن الولي بمقتضى الإطلاق .

   وأمّا من حيث السند فقد رواها الصدوق في الخصال بسنده المعتبر ، عن أبي الحسين الخادم بيّاع اللؤلؤ ، عن عبدالله بن سنان ، عن الصادق (عليه السلام) ، وقد سقطت كلمة «عبدالله بن سنان» في نسخة الوسائل .

   هذا ، ولم يعنون أبو الحسين الخادم بيّاع اللؤلؤ بهذا العنوان في كتب الرجال ، فبطبيعة الحال يكون مجهولاً كما قيل .

   ولكن الظاهر أ نّه هو آدم بن المتوكّل الثقة الذي روى بعنوان آدم بن المتوكّل بيّاع اللؤلؤ عن عبدالله بن سنان في غير هذا الموضع . فالظاهر أنّ الرواية معتبرة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 3 : 277 .

(2) الوسائل 18 : 412 / كتاب الحجر ب 2 ح 5 ، الخصال : 495 / 3 .

ــ[23]ــ

   هذا كلّه في تصرّف الصبي مستقلاًّ .

   وأمّا تصدّيه لمجرّد إجراء الصيغة إمّا في ماله أو في مال الغير وكالةً عنه فليس في الآية ولا الرواية ما يدلّ على عدم نفوذه :

   أمّا الآية المباركة : فهي ناظرة إلى دفع المال إليه وعدمه ، ولا تعرّض فيها لعقده الصادر منه على نحو لا شأن له عدا مجرّد إجراء الصيغة .

   وهكذا الرواية ، إذ السؤال فيها عن نفوذ أمر الغلام الظاهر في الاستقلال ، لا ما إذا كان التصرّف منسوباً إلى الولي والصبي مجر للصيغة فقط .

   ولكنّه مع ذلك قد نسب إلى المشهور عدم الجواز ، تمسّكاً بحديث رفع القلم عن الصبي، وبما ورد في صحيح ابن مسلم من أنّ «عمد الصبي وخطؤه واحد»(1) فكما أنّ أحداً لو تلفّظ خطأً بكلمة «بعت» ـ مثلاً ـ لا يكون نافذاً لعدم القصد ، فكذا الصبي، لأنّ عمده بمنزلة خطأ غيره، فلا أثر لقصده بمقتضى هذه الصحيحة .

   والجواب : أمّا عن الحديث فظاهر ، إذ هو ناظر إلى رفع ما على الصبي من الأحكام التكليفيّة أو الوضعيّة أيضاً كما اخترناه ، فلا يلزم الصبي بشيء من أعماله من كلتا الناحيتين . وأمّا العقد في محلّ البحث فليس فيه أيّ شيء على الصبي من تكليف أو وضع ، ولم يؤاخذ بعبارته بتاتاً لكي يرفع عنه ، وإنّما هو راجع إلى غيره أو إلى الولي ، وهذا مجرّد مجر للصيغة وآلة محضة ، فحديث الرفع أجنبي عن الدلالة على إلغاء إنشاء الصبي وفرضه كأن لم يكن كما لعلّه واضح جدّاً .

   وأمّا الصحيحة : فهي وإن كانت مطلقة في ظاهر النصّ ولم تقيّد بمورد الجناية كما قيّدت به موثّقة إسحاق بن عمّار، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 29 : 400 /  أبواب العاقلة ب 11 ح 2 .

ــ[24]ــ

«أنّ علياً (عليه السلام) كان يقول : عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة» (1) ، ومعلوم أ نّه لا تنافي بين الدليلين ـ بعد كونهما مثبتين ـ لكي يتصدّى لعمليّة الإطلاق والتقييد ، فمن الجائز مساواة عمده مع الخطأ في غير الجنايات أيضاً من العقود والإيقاعات ، ونتيجتها اعتبار البلوغ في العاقد كما يقتضيه إطلاق الصحيحة .

   إلاّ أنّ الظاهر أ نّها في نفسها قاصرة الشمول لمثل ذلك ، فلم ينعقد لها الإطلاق من الأوّل بالإضافة إلى غير مورد الجنايات ، لا أنّ الإطلاق موجود ويقيّد حتى يعترض بعدم المجال للتقييد حسبما عرفت .

   والوجه فيه : أنّ الوارد في الصحيحة لو كان هكذا : عمد الصبي كلا عمد ، لتمّ الاستدلال ، لدلالتها حينئذ على أنّ الفعل الصادر منه عن عمد بمثابة عدم العمد وكأ نّه لم يقصد فلا يترتّب عليه الأثر، لكن المذكور فيها هكذا : «عمد الصبي وخطؤه واحد» فتضمّنت تنزيل العمد منزلة الخطأ لا منزلة عدم العمد . وظاهر هذا التعبير مشاركة هذين العنوانين فيما يترتّب عليهما من الأحكام وأنّ كلّ حكم يترتّب على الخطأ في غير الصبي ، فهو مترتّب على العمد بالإضافة إلى الصبي، إذ التنزيل في مثل ذلك إنّما هو بلحاظ الحكم .

   وهذا يقتضي فرض الكلام في مورد يكون كلّ من عنواني العمد والخطأ بحياله موضوعاً لحكم مستقلّ بإزاء الآخر وهو خاصّ بباب الجنايات ، حيث إنّ في صورة العمد يثبت القصاص أو الدية حسب اختلاف الموارد ، وفي صورة الخطأ تكون الدية على العاقلة . هذا في البالغين ، فيراد من التنزيل المزبور أنّ عمد الصبي بمثابة خطأ البالغ فلا تترتّب عليه إلاّ الدية على العاقلة على ما نطقت به موثّقة إسحاق المتقدّمة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 29 : 400 /  أبواب العاقلة ب 11 ح 3 .

ــ[25]ــ

   وأمّا في غير باب الجنايات كالعقود والإيقاعات فلم يترتّب ثَمّة أيّ أثر على الخطأ ، وإنّما الأثر خاصّ بالعمد ، ومع عدمه يرتفع طبعاً ، لا لأجل الخطأ ، بل لانتفاء موضوع الأثر وهو العمد . فلو أراد بيع داره فتلفّظ خطأً بالفرس بدلاً عن الدار ، لم يقع بيع الفرس ، لعدم القصد إليه وانتفاء العمد ، لا لخصوصيّة في الخطأ ، بل وجوده وعدمه سيّان من هذه الجهة .

   وممّا يرشدك إلى عدم إمكان الأخذ بإطلاق الصحيحة : أنّ لازم ذلك الحكم بعدم بطلان صوم الصبي بالإفطار العمدي ولا صلاته بالتكلّم العمدي . وكلاهما كما ترى . فلا مناص من الاختصاص بباب الجنايات وما يلحق بها ممّا يكون لكلّ من عمده وخطئه حكم مستقلّ كبعض كفّارات الحجّ على ما قيل ، ولا يكاد يشمل مثل العقود والإيقاعات بوجه .

   إذن فالظاهر جواز تصدّي الصبي لإجراء صيغة العقد كآلة لها في ماله أو مال الغير من غير حاجة إلى إجازة الولي .

   وأمّا استقلاله في معاملة لم تتعلّق بماله ، كما لو كان وكيلاً عن شخص آخر في بيع أو شراء له على وجه الاستقلال لا مجرّد آلة في إجراء الصيغة ، كما لعلّ السيرة جارية عليه خارجاً ، حيث إنّ البقّال أو العطّار يجعل مكانه صبيّاً فطناً يبيع له ويشتري في غيابه . فظاهر كلمات الفقهاء على ما نسب إليهم عدم الجواز هنا أيضاً .

   ولكنّه أيضاً غير واضح ، لعدم نهوض دليل يعوّل عليه :

   أمّا الآية الكريمة : فالنظر فيها معطوف إلى مال الصبي نفسه ، ولا تعرّض لها بالإضافة إلى مال الغير بوجه كما هو ظاهر .

   وأمّا صحيحة ابن سنان المتقدّمة : فكذلك ، إذ السؤال فيها عن نفوذ أمر الغلام ، وهذه المعاملة لو تمّت فهي مرتبطة بشخص آخر هو العاقد في الحقيقة

ــ[26]ــ

   الثالث : العوضان ، ويشترط فيها اُمور ((1)) :

   الأوّل : المعلوميّة ، وهي في كلّ شيء بحسبه بحيث لا يكون هناك غرر (1) ، فلو آجره داراً أو حماراً من غير مشاهدة ولا وصف رافع للجهالة بطل ، وكذا لو جعل العوض شيئاً مجهولاً .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ  أعني : الموكّل  ـ ولا علاقة لها بالغلام لتعدّ نفوذاً لأمره .

   وبعبارة اُخرى : الصحيحة مسوقة سؤالاً وجواباً لبيان النفوذ بالإضافة إلى الصبي لا بالإضافة إلى شخص آخر . ومن الواضح أنّ هذه المعاملة باعـتبار توكيل المالك مضافة إليه ، فهو البائع حقيقةً ، وهذا واسطة في تحقّقه ، فلا يشمله قوله : متى يجوز أمره ، إذ ليس هذا من أمر الغلالم بعد أن لم يكن يلزم بشيء لا تكليفاً ولا وضعاً ، وإنّما هو من أمر شخص آخر هو البائع ، فكأنّ السائل بعد ما يرى أنّ بقيّة الناس يبيعون ويتّجرون يسأل عن أنّ الغلام متى يجوز له ذلك حتى يكون حاله كحالهم، ولم ينقدح في ذهنه السؤال عن معاملته في مال شخص آخر وكالةً عنه ، فهي منصرفة عن مثل ذلك البتّة، وقد عرفت جريان السيرة على ذلك في الكسبة فيقيمون أبناءهم المميّزين مقامهم لدى استئناس الرشد منهم، ويبعد جدّاً أن تكون السيرة مستحدثة، بل الظاهر اتّصالها بزمن المعصومين (عليهم السلام) .

   وعليه ، فالظاهر الصحّة هنا وإن لم يلتزم بها المشهور .

   (1) فلا تضرّ الجهالة إلاّ ما أدّت منها إلى الغرر ، ولا يعتبر الأزيد من ذلك ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بعض هذه الشروط راجع إلى الصحّة وبعضها راجع إلى النفوذ فيتوقّف نفوذ العقد الفاقد للشرط على إجازة من له الإجازة .

ــ[27]ــ

ويختلف حسب اختلاف الموارد كما ذكره (قدس سره) ، فقد يكون ارتفاع الغرر بالكيل ، واُخرى بالوزن ، وثالثة بالعدّ ، ورابعة بالمشاهدة . هذا في الاُجرة . وأمّا المنفعة فبتحديدها بحسب الزمان ونحوه ، وفي العمل ببيان نوعه وهكذا .

   وكيفما كان ، فيستدلّ لهذا الشرط الذي عليه المشهور :

   تارةً :  بما ورد من نهي النبي (صلّى الله عليه وآله) عن بيع الغرر (1) .

   واُخرى : بالنبوي الذي رواه الصدوق من أ نّه (صلّى الله عليه وآله) نهى عن الغرر(2) .

   أمّا الثانية : فلم توجد لا في كتبنا ولا في كتب العامّة ، وقد تتبّعنا وفحصنا عنها في مظانّها فلم نعثر عليها ، فلا أساس لهذه المرسلة التي تفرّد بنقلها الصدوق ، ومعه لا يحتمل استناد المشهور إليها ليدّعى الانجبار .

   وأمّا الاُولى : فهي وإن رويت بعدّة طرق وقد رواها الصدوق بأسانيد متعدّدة، إلاّ أ نّها بأجمعها ضعاف ، غير أ نّها منجبرة بعمل المشهور ـ لو سلّمنا كبرى الانجبار ـ فيمكن القول بذلك في البيع خاصّة ، إلاّ أن يدّعى القطع بعدم الفرق .

   هذا ، ولا يبعد أن يقال : إنّ أساس المعاملات العقلائيّة من البيع والإجارة ونحوهما مبني على التحفّظ على اُصول الأموال والتبدّل في أنواعها ، فلدى التصدّي لتبديل عين أو منفعة بعوض يرون التساوي بين ماليّة العوضين كشرط أساسي مرتكز قد بنى عليه العقد بمثابة يغني وضوحه عن التصريح به في متنه . وعلى هذا الشرط الارتكازي يبتني خيار الغبن كما هو موضح في محلّه .

   وعليه ، فالمعاملة على المجهول المتضمّنة للغرر ، كبيع جسم أصفر مردّد بين

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مسند أحمد 2 : 144 .

(2) الوسائل 17 : 358 / أبواب عقد البيع وشروطه ب12 ح13، معاني الأخبار : 278 .

ــ[28]ــ

الذهب وغيره، أو جعله اُجرة، خارج عن حدود المعاملات الدارجة بين العقلاء ، وما هذا شأنه لا يكون مشمولاً لدليل النفوذ والإمضاء من وجوب الوفاء بالعقود وحلّيّة البيع ونحو ذلك ، فإنّ دعوى انصراف هذه الأدلّة عن مثل ذلك غير بعيدة كما لا يخفى .

   وكيفما كان، فإن تمّت هذه الدعوى ـ والظاهر أ نّها تامّة ـ عمّ مناطها الإجارة ، إذ لا فرق بينها وبين البيع إلاّ في كون أحد طرفي المعاوضة فيها هي المنفعة وقد تكون كليهما، وهذا لايستوجب فرقاً من الجهة المزبورة بالضرورة ، وإلاّ فيكفينا الاتّفاق والتسالم على اعتبار هذا الشرط في الإجارة والبيع معاً ، المعتضد بما ورد في البيع من اعتبار الكيل والوزن بعد وضوح أ نّه لا خصوصيّة لهما وإنّما اعتبرا بمناط رفع الجهالة والضرر .

   ويمكن الاستدلال على ذلك في خصوص الإجارة بما رواه الشيخ بإسناده عن أبي الربيع الشامي عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سألته عن أرض يريد رجل أن يتقبّلها، فأيّ وجوه القبالة أحل؟ «قال : يتقبّل الأرض من أربابها بشيء معلوم إلى سنين مسمّاة فيعمّر ويؤدّي الخراج» إلخ (1) .

   فإنّ قوله : «بشيء معلوم» قرينة على إرادة الإجارة من القبالة ، دون المزارعة ، إذ لا معلوميّة فيها ، وإنّما يكون تقبّل الأرض فيها بإزاء الكسر المشاع من النماء ، وقد دلّت على اعتبار معلوميّة المدّة كمعلوميّة الاُجرة ، فهي واضحة الدلالة على اعتبار العلم بهما في صحّة الاجارة .

   وإنّما الكلام في السند، والظاهر أ نّه معتبر، إذ ليس فيه من يغمز فيه عدا الراوي الأخير ـ أعني: أبا الربيع الشامي ـ حيث إنّه لم يوثّق في كتب الرجال ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 19 : 60 / كتاب المزارعة ب 18 ح 5 ، التهذيب 7 : 201 / 887 .

ــ[29]ــ

إلاّ أ نّه مذكور في إسناد تفسير علي بن إبراهيم ، وقد بنينا على وثاقة كلّ من وقع في هذا السند .

   نعم ، المذكور فيه أبو الربيع من غير تقييد بالشامي ، ولأجله قد يحتمل أنّ المراد به شخص آخر .

   ولكنّه يندفع بأ نّه لم يذكر في شيء من الروايات الواردة في الكتب الأربعة من يكون معروفاً بهذه الكنية ما عدا الشامي المزبور الذي هو معروف مشهور له روايات كثيرة ، وله كتاب ذكره النجاشي (1) وغيره ، ولم يوجد مكنّى بهذه الكنية غيره إلاّ في رواية واحدة أوردها في الكافي بعنوان أبي الربيع القزّاز (2) ، فإن كان هو هذا الشخص فلا كلام ، وإلاّ فهو رجل مجهول غير معروف ، ولا شكّ أنّ اللفظ ينصرف عند الإطلاق إلى المعروف الذي له كتاب وروايات كثيرة .

   وممّا يؤكّد ذلك ويدلّ عليه : أنّ الصدوق حينما يذكر طريقه إليه في المشيخة بعنوان أبي الربيع الشامي (3) ـ وهو طريق صحيح ـ تراه قد أطلقه في الفقيه ولم يقيّده بالشامي ، فقد روى عنه في موارد ومنها مواضع ثلاثة متتالية من كتاب الإجارة (4) ولم يقيّده به . وهذا دليل قاطع على الانصراف الذي ذكرناه .

   ثمّ إنّ الصدوق رواها بطريق آخر صحيح عن خالد بن جرير عن أبي عبدالله (عليه السلام) بلا واسطة (5) ، وعليه تكون الرواية صحيحة بلا إشكال ، لكنّها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رجال النجاشي : 455 / 1233 .

(2) الكافي 1 : 340 / 4 .

(3) الفقيه 4 : 98 .

(4) لاحظ الفقيه 3 : 156 ، 157 / 687 ـ 689 .

(5) الفقيه 3 : 156 / 687 .

ــ[30]ــ

لم تثبت ، فإنّ طريق الصدوق يشترك مع طريق الشيخ في روايتهما عن ابن محبوب عن خالد بن جرير ، وإنّما يفترقان في أنّ الشيخ ذكر السائل الذي هو الواسطة بينه وبين الإمام (عليه السلام) ، والصدوق لم يذكره ، بل اقتصر على قوله : سُئل . ولا يحتمل أنّ ابن جرير سمع الجواب عن الإمام مرّة بلا وساطة ابن أبي الربيع واُخرى بواسطته ونقله بالنحوين لابن محبوب فهو موجود في سند الحديث لا محالة ، ولا أقلّ من الاحتمال المسقط لها عن درجة الاعتبار وصلاحيّة الاستدلال لولا ثبوت وثاقة أبي الربيع الشامي .

   وكيفما كان ، فالمسألة ممّا لا إشكال فيها .

   نعم ، إنّ المقدار الثابت من هذه الرواية المعتبرة وممّا عرفت من الاتّفاق والتسالم هو ما ذكره في المتن من اعتبار المعلوميّة بمقدار يرتفع به الغرر الذي قد يتوقّف على الكيل أو الوزن أو العدّ ، سـيّما في مثل الذهب المبني أمره على التدقيق ، واُخرى يكتفى بمجرّد المشاهدة حسب اختلاف الموارد ، فلا دليل على اعتبار المعلوميّة بعد اندفاع الغرر بشيء من ذلك وإن كان مقتضى الجمود على ظاهر المعتبرة هو ذلك كما لا يخفى .

   ثمّ إنّ هناك جملة من الروايات قد يستفاد منها جواز الإجارة مع الجهالة ، وهي ما وردت في قبالة الأرض بخراجها الذي ربّما يزيد وربّما ينقص ، حيث حكم (عليه السلام) بالجواز الكاشف عن عدم اعتبار معلوميّة الاُجرة .

   ويندفع بأ نّها على طائفتين :

   إحداهما : ما وردت في تقبيل الأرض بإزاء شيء معيّن كمائتي درهم في السنة مشروطاً بأداء الخراج ، كصحـيحة داود بن سرحان عن أبي عبدالله (عليه السلام) : في الرجل تكون له الأرض عليها خراج معلوم وربّما زاد وربّما نقص ، فيدفعها إلى رجل على أن يكفيه خراجها ويعطيه مائتي درهم في السنة

ــ[31]ــ

«قال : لا بأس» (1) .

   وهذه ـ كما ترى ـ لا دلالة فيها على ما ذكر بوجه ، لوضوح أنّ جعل الخراج على المستأجر إنّما هو من باب الشرط ، وأمّا الاُجرة فهي المبلغ المعيّن ـ  أعني : مائتي درهم  ـ ولا ضير في زيادة هذا الشرط ـ أي الخراج ـ ونقيصته أحياناً بعد أن كانت له كمّيّة متعارفة مضبوطة غالباً . وهذا نظير إجارة الدار باُجرة معيّنة مشروطاً بأن تكون الضريبة التي لها حدّ متعارف على المستأجر وإن كانت قد تزيد عليه بشيء وقد تنقص ، فإنّ هذه الجهالة غير العائدة إلى الاُجرة غير قادحة في شيء من الموردين كما لا يخفى .

   الثانية :  ما ورد في التقبيل لا بعنوان الإيجار ، مثل ما رواه الشيخ بإسناده عن أبي بردة بن رجاء ، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن القوم يدفعون أرضهم إلى رجل فيقولون : كلها وأدِّ خراجها «قال : لا بأس به إذا شاءوا أن يأخذوها أخذوها» (2) .

   وعدم الدلالة في هذه أوضح ، فإنّها خارجة عن محلّ الكلام ، لعدم افتراض الإجارة بتاتاً ، وإنّما هي إباحة مشروطة بأداء الخراج ، كما يكشف عنه تذييل نفي البأس بقوله : «إذا شاءوا» إلخ ، الذي هو بمثابة التعليل ، إيعازاً إلى أ نّها إباحة جائزة لا إجارة لازمة فلا تقدح الجهالة .

   وهناك رواية اُخرى رواها الكليني ، وكذا الكشّي في رجاله ، عن الفيض بن المختار ، قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : جعلت فداك ، ما تقول في أرض أتقبّلها من السلطان ثمّ اُؤاجرها اُكرتي على أنّ ما أخرج الله منها من شيء كان

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 19 : 57 / كتاب المزارعة ب 17 ح 1 .

(2) الوسائل 19 : 58 / كتاب المزارعة ب 17 ح 3 ، التهذيب 7 : 209 / 918 .

ــ[32]ــ

   الثاني : أن يكونا مقدوري التسليم (1) ، فلا تصحّ إجارة العبد الآبق ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لي من ذلك النصف أو الثالث بعد حقّ السلطان «قال : لا بأس به ، كذلك اُعامل اُكرتي» (1) .

   فيستفاد منها جواز الجهل بالاُجرة ، لعدم انضباط الكمّيّة التي يخرجها الله من الأرض .

   ولكنّها ـ مضافاً إلى ضعف سندها بـ : أبي نجيح ، فإنّه مجهول ـ قاصرة الدلالة ، لخروجها عن باب الإجارة وإن تضمّنت لفظها ، ضرورة لزوم كون الاُجرة شيئاً مملوكاً بالفعل للمستأجر ليتمكّن من تمليكها للمؤجّر إزاء تملّك المنفعة منه ، وما يستخرجه الله من الأرض لا وجود له الآن ليملكه المستأجر فكيف يملّكه للمؤجّر ويجعله اُجرة ؟! فمن المقطوع به أ نّها ناظرة إلى باب المزارعة وأجنبيّة عن محلّ الكلام ، وقد ورد في أخبار باب المزارعة ما عبّر فيه بالإجارة ، لما بينهما من المشابهة في التسلط على العين والانتفاع منها .

   فتحصّل : أ نّه ليست لدينا رواية تدلّ على عدم قدح الجهالة في باب الإجارة ، بل أنّ معتبرة أبي الربيع دالّة على القدح حسبما عرفت .

   (1) لا إشكال في اعتبار هذا الشرط في باب البيع ، لدلالة النصّ مضافاً إلى الوجوه الاُخر المذكورة في محلّها .

   وأمّا في باب الإجارة فالأمر فيه أوضح بحيث ينبغي الجزم به حتى لو فرضنا إنكاره في البيع ، نظراً إلى أنّ المنفعة ـ كسكنى الدار مثلاً ـ لم تكن من الاُمور القارّة الباقية وإنّما هي أمر تدريجي الحصـول توجد وتنصرم كنفس

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 19 : 52 / كتاب المزارعة ب 15 ح 3 ، الكافي 5 : 269 / 2 ، رجال الكشي : 354 / 663 .

ــ[33]ــ

الزمان ، فهي تتلف شيئاً فشيئاً حسب مرور الزمان ، سواء استوفاها مالكها أم لا .

   وعليه ، فإذا كان المالك مسيطراً عليها صحّ اعتبار ملكيته لها ، وأمّا إذا لم تكن قابلة للاستيفاء خارجاً لإباق أو مرض ونحوهما فهي آناً فآناً تنعدم ، ومعه كيف يكون المالك