ــ[1]ــ 

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله ربّ العالمين ، والصّلاة والسّلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد وآله الغرّ الميامين

ــ[2]ــ 


كتاب الإجارة
 

ــ[3]ــ 

كتاب الإجارة

   وهي تمليك عمل أو منفعة بعوض (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) هذا التعريف ناظر إلى فعل المؤجّر، فإنّ كلمة الإجارة كغيرها من ألفاظ العقود مثل البيع والنكاح ونحوهما قد تستعمل في العقد المركّب من الإيجاب والقبول فيقال مثلاً : كتاب البيع ، كتاب الإجارة ، ولا يبعد أن يكون منه قوله تعالى : (أَحَلَّ اللهُ ا لْبَيْعَ ) (1) فيراد حلّيّة هذه المعاملة الخاصّة الأعمّ من البيع والشراء لا خصوص فعل البائع .

   وهكذا ما ورد في الأخبار من قوله (صلّى الله عليه وآله): «النكاح سنّتي»(2) ، فإنّه لا يراد خصوص الإيجاب ، بل عقد الزواج القائم بالطرفين .

   وإلى هذا الاستعمال ينظر تعريف العلاّمة ، حيث فسّر الإجارة بأ نّها : عقد ثمرته نقل المنفعة (3) . وهو صحيح بهذا الاعتبار وبالنظر إلى هذا الإطلاق .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة 2 : 275 .

(2) جامع الأخبار : 271 .

(3) قواعد الأحكام 2 : 281 .

ــ[4]ــ

   واُخرى تطلق على خصوص فعل المؤجّر وما يصدر منه من الإيجاب ، وإلى هذا الإطلاق ينظر التعريف المذكور في المتن ، كما هو الحال فيما ذكروه في تعريف البيع من أ نّه : تمليك عين بعوض . يعنون به الفعل الصادر من الموجب فقط .

   وعلى كلّ حال ، فهذا التعريف هو المعروف والمشهور .

   ومن الواضح جدّاً أنّ الإجارة بمفهومها الإجمالي الارتكازي معلوم لدى كلّ أحد حتى الصبيان المميّزين من غير فرق بين المسلمين وغيرهم ، كما هو الحال في سائر المفاهيم المستعملة في مقام المحاورات .

   وإنّما نشأ الإشكال من التدقيق والتحقيق في تحديد المفهوم بعد وضوحه إجمالاً ، كما وقع نظيره في تحقيق المعنى الحرفي ، حيث إنّ الحروف يستعملها كلّ أحد من أيّ لغة على حسب طبعه وارتكازه ، ومع ذلك فقد وقع ذاك الخلاف العظيم في تحديد مفهومه وبيان ماهيّته .

   وكيفما كان ، فالظاهر أنّ ما ذكره المشهور في تعريف الإجارة هو الصحيح ، وإن كان التعريف الآخر أيضاً صحيحاً بذاك الاعتبار حسبما عرفت .

   بيان ذلك : أنّ من كان مالكاً لشيء فكما أ نّه مالك لعينه مالك لمنافعه أيضاً بتبع ملكيّته للعين ، فهناك ملكيّتان مستقلّتان عرضيّتان وإن كانت إحداهما مسبّبة عن الاُخرى وتابعة لها .

   ومن ثمّ لا كلام في ضمان المنافع المستوفاة وإن وقع الخلاف في غير المستوفاة منها ، فلو غصب دابّة وركبها أو داراً فسكنها فكما يجب عليه ردّ العين يجب دفع اُجرة ما استوفاه من المنافع بلا كلام ولا إشكال . فمن هنا يستكشف أنّ هناك ملكيّة اُخرى غير الملكيّة المتعلّقة بذات العين ، وهي ملكيّة المنفعة حسبما عرفت .

   ثمّ إنّه في مقام النقل والتمليك قد تنتقل الملكيّتان معاً كما في البيع والإرث

ــ[5]ــ

ونحوهما من النواقل الاختياريّة وغيرها ، فيقوم المشتري أو الوارث مقام البائع أو المورّث في الاتّصاف بكلتا الملكيّتين .

   وقد تفترق إحداهما عن الاُخرى ، وحينئذ فقد يختصّ الانتقال بالعين مع إبقاء المالك المنفعة لنفسه كما في بيع العين مسلوبة المنفعة سنةً ـ  مثلاً  ـ واُخرى ينعكس فيتحفّظ المالك على مالكيّته للعين وينقل المنفعة خاصّةً بإزاء اُجرة معيّنة ، وهذا هو المعبّر عنه بالإجارة التي هي معاملة دارجة بين عامّة الناس ، ويعرفها بهذه الجهة الفارقة والمميّزة لها عمّا سواها من المعاملات كلّ أحد بحسب طبعه وارتكازه .

   ولكنّه مع ذلك ربّما يستشكل في هذا التعريف من وجوه :

   أحدها :  أنّ الإجارة لا تتعلّق إلاّ بالعين ، فيقال : آجرتك الدار ، ولا يقال : آجرتك منفعة الدار ، مع أنّ مقتضى التعريف المزبور تعلّقها بالمنفعة وصحّة الإطلاق المذكور .

   قال سيّدنا الاُستاذ (دام ظلّه) : وأظنّ أن هذا الإشكال ضعيفٌ غاية الضعف ، بداهة أنّ تمليك المنفعة لا بدّ وأن يتعلّق بالعين ، فإنّا لا ندّعي أنّ مفهوم الإجارة هو التمليك المطلق ، بل حصّة خاصّة منه وهي المتعلّقة بالمنفعـة ، فالتقيّد بها مأخوذ في مدلول الإجارة ومشروب في مفهومها ، وما هذا شأنه لا مناص من تعلّقه بالعين ، ولا معنى لتعلّقه بالمنفعة ، وإلاّ لرجع إلى قولنا : إنّ الإجارة هي تمليك منفعة المنفعة ، ولا محصّل له ، فالتمليك المتعلّق بالمنفعة متعلّق بالعين بطبيعة الحال . فيقال : آجرتك الدار ، لا منفعة الدار .

   وعلى الجملة : فالتمليك وإن كان متعلّقاً بالمنفعة إلاّ أنّ تمليك المنفعة متعلّق بالعين بالضرورة ، فإنّ قولك : آجرتك الدار ، بمنزلة قولك : ملّكتك منفعة الدار ، الذي لا بدّ من تعلّقه بالعين ، فلا ينافي ذلك كون الإجارة بمعنى تمليك المنفعة كما

ــ[6]ــ

هو أوضح من أن يخفى .

   ثانيها : أنّ المنفعة كسكنى الدار عرض قائم بالمستأجر ومن الصفات المتعلّقة به وأجنبيّة عن المالك ، فكيف يملّكها وينقلها إلى المستأجر ؟!

   وهذا الإشكال يتلو سابقه في الضعف ، بداهة أنّ المالك يملّك المستأجر المنفعة القائمة بالعين لا بالمستأجر، فإنّ سكنى الدار تتقوّم بحيثيّتين: المسكونيّة والساكنيّة، والإجارة إنّما تتعلّق بالحيثيّة الاُولى التي لا كلام في كونها من أعراض العين المستأجرة .

   وبعبارة اُخرى : ينقل المالك إلى المستأجر ما كان يملكه فيما لو باع العين مسلوبة المنفعة ، وهو قابليّته للسكنى ، فإنّ هذه المنفعة القائمة بالعين ـ أعني : المسكونيّة ـ هي التي تكون مختصّة بالمالك وليس لأحد غيره أن يستوفيها ، لا سكنى المستأجر والعرض القائم به ، وهذا واضح .

   ويزيدك وضوحاً ملاحظة ما استقرّ عليه النصّ والفتوى ـ بل قام عليه بناء العقلاء ـ من أنّ الغاصب لو تصرّف في العين المغصوبة بركوب أو سكنى ونحوهما ثمّ ردّها إلى المالك كان ضامناً لتلك التصرّفات بلا خلاف ولا إشكال.

   وحينئذ أفهل ترى ضمانه لعمل نفسه والعرض القائم بشخصه ؟ كلاّ ، بل الضمان إنّما هو باعتبار إتلافه تلك المنفعة القائمة بالعين ـ أعني : حيثيّة المسكونيّة كما عرفت ـ فهذا الذي يترتّب عليه الضمان لو كان المتصرّف غاصباً هو الذي يملّكه المالك للمستأجر .

   ثالثها :  ـ وهو العمدة ـ أنّ الإجارة قد تتحقّق ولم يكن في موردها تمليكٌ للمنفعة أصلاً ، لعدم وجود مالك لها ، كما في استئجار وليّ الوقف أو الزكاة داراً لأن يكون محرزاً للغلّة ، أو مخزناً لادّخار نماء الوقف ، حيث إنّ منفعة الدار لم تكن وقتئذ مملوكة لأحد وإنّما هي تصرف في سبيل صرف الزكاة أو الوقف ،

ــ[7]ــ

فيستكشف من ذلك عدم أخذ تمليك المنفعة في مفهوم الإجارة وأ نّها أوسع من ذلك .

   ويندفع أوّلاً :  بالنقض بالبيع والقرض ، فإنّ الأوّل تمليك عين بعوض ، كما أنّ الثاني تمليك بالضمان ، فقد اُخذ التمليك في كلا الموردين ، ولا ينبغي الشكّ في جواز الشراء أو الاقتراض لنماء الزكاة أو الوقف فيما إذا دعت الحاجة إليهما على ما صرّح به الفقهاء من جواز ذلك لوليّ الأمر لو اقتضته المصلحة ، كأن يشتري دابّة أو يقترض مالاً لمصلحتهما ، فإذا لم تكن ثمّة ملكيّة فلمن يقع الاقتراض أو البيع ، ومن هو المالك للعين ؟!

   وثانياً :  بالحلّ ، وهو أنّ الوقف على ضربين :

   فتارةً :  يتضمّن التمليك كالوقف على البطون والذراري الشخصيّة ، أو الوقف على العناوين العامّة كالعلماء أو الفقراء أو الزوّار ، أو الطلاّب ، ونحو ذلك ممّا يكون المالك عنواناً عامّاً ، بل يمكن جعل الملكيّة لجهة خاصّة وإن لم تكن تلك الجهة من العناوين العامّة على ما هو التحقيق من إمكان فرض الملكيّة للجهة ، لعدم كونها ـ أي الملكيّة ـ من المقولات المتأصّلة والأعراض الخارجيّة لتفتقر إلى موضوع خارجي ، وإنّما هي أمر اعتباري ، والاعتباريّات خفيفة المؤونة يمكن تعلّقها بجهة من الجهات أو هيئة من الهيئات ، بل يمكن تعلّقها بالجوامد كأن تفرض الملكيّة للمسجد .

   واُخرى :  لا يتضمّن التمليك بوجه ، وإنّما هو وقف للصرف في جهة من الجهات ، كما لو وقف مزرعة لأن يصرف غلّتها في سبيل الله ، أو لتعزية سيّد الشهداء (عليه السلام) ، ونحو ذلك ممّا كان الموقوف عليه هو الصرف لا الملك .

   وهكذا الحال في باب الزكاة ، فإنّه قد يلتزم بأ نّها ملك للفقراء ، كما لعلّه المشهور ، ويقتضيه قوله (عليه السلام) : «إنّ الله أشرك بين الأغنياء والفقراء في

ــ[8]ــ

الأموال» إلخ (1) ، كما أنّ الخمس ملك للسادة .

   واُخرى : يلتزم بأ نّها غير مملوكة لأحد ، وإنّما الموارد الثمانية مصارف للزكاة كما تقدّم البحث حول ذلك مستقصىً في كتاب الزكاة (2) .

   فبناءً على القول بالملكيّة كان حال الزكاة حال القسم الأوّل من الوقف في جواز استئجار الوليّ أو شرائه أو اقتراضه من غير أيّ إشكال بعد فرض تحقّق الملكيّة كما هو واضح، فيستأجر ـ مثلاً ـ بمقتضى ولايته للفقراء أو للموقوف عليهم ، أو يقترض وبعد ذلك يؤدّيه من النماء ، نظير ما لو اقترض الولي أو استأجر للصبي وبعد ذلك يؤدّي القرض من مال الصبي بحسب ولايته .

   وأمّا على القول بعدم الملكيّة في الزكاة ، أو فرضنا الكلام في القسم الثاني من الوقف ـ أي الوقف على الصرف ـ كالصرف في الإطعام أو لتسبيل الماء ونحو ذلك ممّا لا مالك للنماء ، وإنّما له مصرف خاصّ فحسب ، فيمكن دفع الإشكال حينئذ بأنّ الولي هو الذي يشتري أو يستأجر أو يستقرض ، لكن لا بشخصه بحيث لو مات يؤدّى من تركته أو ينتقل إلى ورثته ، بل بعنوان أ نّه ولي ، فيكون المدين أو المالك للعين أو للمنفعة هو الولي بما هو ولي وبوصفه العنواني لا بشخصه وذاته بحيث يكون إرثاً أو يبيعه بعد ذلك لنفسه .

   وعليه ، فيكون التعريف المزبور جامعاً ومنطبقاً على هذا المورد أيضاً ، فلا ينبغي التأمّل في استقامته طرداً وعكساً وسلامته عن الإشكالات المتقدّمة ، بل وموافقته للمرتكزات العرفيّة التي يدركها حتى الصبيان المميّزون ، فإنّهم لا يرتابون في أنّ المالك في مقام الإجارة يُبقي العين لنفسه ويملّك المنفعة .

   وعلى هذا يترتّب ما هو المقرّر عند العقلاء والمتشرّعة من أنّ الغاصب لو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 9 : 215 /  أبواب المستحقين للزكاة ب 2 ح 4 .

(2) شرح العروة (الزكاة 2) : 95 من المخطوط .

ــ[9]ــ

ويمكن أن يقال : إنّ حقيقتها التسليط (1) على عين للانتفاع بها بعوض ، وفيه فصول :

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غصب العين المستأجرة بعد ما قبضها المستأجر ـ الذي يكون بقبضه هذا قابضاً للمنفعة أيضاً ـ كان ضامناً للمنافع للمستأجر لا للمالك ، فهو الذي يطالب الغاصب باُجرة المثل للمنافع المستوفاة في تلك المدّة التي ربّما تزيد على الاُجرة المسمّاة بكثير ، باعتبار تعلّق الغصب بملكه ، فهو المضمون له دون مالك العين ، فلو ردّها إليه لا يضمن له شيئاً بتاتاً . وهذا ممّا يكشف عن صحّة التعريف المزبور الذي عليه المشهور .

   (1) غير خفي أنّ التسليط من آثار الإجارة والأحكام المترتّبة عليها بعد انعقادها ـ حيث يجب على المؤجّر تسليم العين للمستأجر لينتفع بها ـ لا أ نّه مساوق لمفهومها . فهذا التعريف لا يمكن المساعدة عليه بوجه .

   على أ نّه يختصّ بما إذا توقّف استيفاء المنفعة على الاستيلاء على العين والسلطنة عليها دون ما لم يتوقّف ، كما في الإجارة على الأعمال من الخياطة ، أو الصلاة عن الميّت ، ونحو ذلك ممّا كان تسليم العمل بالإتيان به خارجاً من غير أيّ تسليط في البين كما هو واضح .

   وأمّا الإيراد بعدم الاطّراد بالنسبة إلى الإذن في التصرّف بشرط العوض مع ضرورة خروجه عن الإجارة .

   فغير قابل للإصغاء ، لعدم كون الشرط عوضاً واقعاً بإزاء التسليط .

   وهذا نظير النقض على تعريف البيع بالهبة المشروطة بعوض . والجواب هو الجواب .

ــ[10]ــ 


فصل

في أركانها

   وهي ثلاثة :

   الأوّل : الإيجاب والقبول ، ويكفي فيهما كلّ لفظ دالّ على المعنى المذكور ، والصريح منه: آجرتك أو أكريتك الدار ـ مثلاً ـ فيقول: قبلت، أو استأجرت أو استكريت . ويجري فيها المعاطاة كسائر العقود (1) . ويجوز أن يكون الإيجاب بالقول والقبول بالفعل ،

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) الكلام في جريان المعاطاة في الإجارة هو الكلام في جريانها في البيع ، إذ لا خصوصيّة فيه ، فإنّ البحث المذكور هناك سار في كافّة المعاملات من العقود والإيقاعات بمناط واحد .

   وملخّصه : أ نّه إن ثبت في مورد بدليل خاصّ اعتبار اللفظ أو اللفظ الخاصّ في تحقّق الإنشاء ـ كما في الطلاق حيث يعتبر فيها لفظ «طالق» بعد ذكر المرأة اسماً أو وصفاً ، وكما في النذر والعهد واليمين حيث يعتبر فيها ذكر لفظ الجلالة ، وكما في الزواج الذي تسالم الفقهاء على اعتبار لفظ ما وإلاّ خرج عن النكاح إلى السفاح ـ فهو المتّبع ، ولا سبيل معه إلى جريان المعاطاة فيه بوجه .

   وأمّا ما لم يثبت فيه ذلك فمقتضى الإطلاقات العامّة كوجوب الوفاء بالعقود

ــ[11]ــ

وكذا إطلاقات نفوذ البيع مثل قوله تعالى : (أَحَلَّ اللهُ ا لْبَيْعَ) (1) وغيره من أدلة العقود من الإجارة وغيرها هو الحكم بالصحّة وإن لم يتحقّق العقد باللفظ بل بالفعل المعبّر عنه بالمعاطاة .

   وليس بإزاء ذلك ما عدا الشهرة الفتوائيّة المتيقّنة القائمة على أنّ المعاطاة لا يترتّب عليها إلاّ الإباحة دون الملك وإن حمل المحقّق الثاني الإباحة المذكورة في كلماتهم على الملكيّة (2) .

   وكيفما كان ، فالشهرة بعد عدم حجّيّتها لا يعوّل عليها في إثبات أيّ حكم شرعي ، فلا تقاوم الأدلّة الخالية عن التقييد ، ولا تنهض لتقييد المطلقات .

   وقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدس سره) في كتاب البيع من المكاسب أنّ مخالفة المشهور مشكل ومخالفة الأدلّة أشكل(3) .

   ولا ينبغي التأمّل في أ نّه لدى الدوران بين ترجيح الشهرة على الأدلّة أو العكس كان المتعيّن هو الثاني .

   وليس في البين أيّة رواية تدلّ على اعتبار اللفظ إلاّ ما قيل من دلالة قوله (عليه السلام) : «إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام» أو : «إنّما يحلّ الكلام ويحرّم الكلام» (4) عليه .

   وهذه الجملة ـ أعني : «إنّما يحرّم الكلام» خاصّة ـ خالية عن تلك الضميمة قد وردت في عدّة روايات من روايات باب المزارعة لا بأس بأسنادها ، بل بعضها صحيحة السند كصحيحة الحلبي ، قال : سئل أبو عبدالله (عليه السلام)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة 2 : 275 .

(2) جامع المقاصد 4 : 58 .

(3) المكاسب 3 : 50 ـ 51 .

(4) الوسائل 18 : 50 /  أبواب أحكام العقود ب 8 ح 4 .

ــ[12]ــ

عن الرجل يزرع الأرض فيشترط للبذر ثلثاً ، وللبقر ثلثاً «قال : لا ينبغي أن يسمّي شيئاً ، فإنّما يحرّم الكلام» (1) ، ونحوها ممّا دلّ على أنّ الاشتراط في المزارعة بنحو الثلث والثلثين لا مانع منه ، وإنّما الممنوع تسمية البذر والبقر وأنّ ثلثاً لهذا وثلثاً لذاك ، فإنّ النتيجة وإن كانت واحدة إلاّ أنّ خصوص هذا التعبير ممنوع وأ نّه إنّما يحرّم الكلام .

   ومعلوم أنّ هذا المطلب أجنبي عمّا نحن بصدده بالكلّية ولا مساس له باعتبار اللفظ في مقام الإنشاء بتاتاً ، وإنّما النظر معطوف على كيفيّة الإبراز وأنّه لا يجوز بخصوص هذا التعبير ، وقد حملها جماعة ـ منهم الماتن في كتاب المزارعة (2) ـ على الكراهة ، وحينئذ فكونها أجنبيّة عن بحث المعاطاة أظهر .

   وأمّا هذه الجملة مقرونة بتلك الضميمة ـ أعني: مجموع قوله: «إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام» ـ فلم ترد إلاّ في رواية واحدة ، وهي ما رواه الكليني والشيخ بسندهما عن ابن أبي عمير ، عن يحيى بن الحجّاج ـ وهو ثقة ـ عن خالد بن نجيح على ما في الكافي ، وخالد بن الحجّاج على ما في التهذيب ، وقد كتب الأوّل على بعض نسخ الثاني والثاني على بعض نسخ الأوّل على سبيل : بدل النسخة. وما في الوسائل من جعل : يحيى بن نجيح، بدلاً عن نسخة : يحيى ابن الحجّاج، غلط(3)، وصحيحه ما عرفت .

   قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : الرجل يجيء فيقول : اشتر هذا الثوب وأربحك كذا وكذا «قال : أليس إن شاء ترك وإن شاء أخذ ؟ » قلت : بلى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 19 : 41 /  أحكام المزارعة والمساقاة ب 8 ح 4 .

(2) العروة الوثقى 2 : 505 .

(3) في الوسائل المحقّق حديثاً لم ترد الإشارة إلى نسخة بدل ، انظر ج 18: 50 / أبواب أحكام العقود ب 8 ح 4 .

ــ[13]ــ

«قال : لا بأس به ، إنّما يحلّ الكلام ويحرّم الكلام» كذا في التهذيب ، وفي الكافي ذكر بدل «يحلّ» : «يحلّل» (1) .

   ولكنّها مخدوشة سنداً ودلالةً :

   أمّا السند : فلعدم ثبوت وثاقة الراوي ، سواء أكان هو خالد بن نجيح أم خالد بن الحجاج . نعم ، قيل بوثاقة الأوّل ، لوجوه مزيّفة كرواية صفوان عنه ، أو أنّ للشيخ الصدوق طريقاً إليه ، ونحو ذلك ممّا لا يرجع إلى محصّل . على أ نّها لو تمّت لا تكاد تنفع ، لما عرفت من التردّد بينه وبين ابن الحجّاج الذي لم تثبت وثاقته جزماً .

   وأمّا الدلالة : فلوضوح عدم كونها في مقام بيان حصر المحلّل والمحرّم في الكلام لتدلّ على اعتبار اللفظ في تحقّق الإنشاء وعدم الاجتزاء بالمعاطاة ، إذ مضافاً إلى أنّ هذا أجنبي عن السؤال كما لا يخفى مقطوع البطلان ، لعدم إنحصار المحلّلات والمحرّمات في الشريعة المقدّسة بباب الألفاظ بالضرورة ، بل الحصر المزبور مسوق لبيان أنّ جميع الكلمات لم تكن على حدّ سواء ، بل هي مختلفة ، فإنّ الكلام الصادر من الرجل من قول : اشتر هذا الثوب وأربحك كذا وكذا ، إن كان بعنوان الوعد بحيث لم يكن ملزماً بالوفاء فلا بأس به ، وإن كان بعنوان البيع ولا يمكنه التخلّف منه حرم ، لاندراجه حينئذ في كبرى بيع شيء قبل أن يملكه ، فلا يكون الكلّ على نسق واحد . وأمّا أنّ المحلّل منحصر في الكلام ولا يقع بالفعل الخارجي فالرواية أجنبيّة عن إفادة ذلك .

   إذن فليس لدينا ما يدلّ على اعتبار الصيغة لا في البيع ولا في الإجارة ولا غيرهما من أنواع العقود والإيقاعات ، إلاّ ما دلّ الدليل على اعتبار اللفظ ، أو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 50 /  أبواب أحكام العقود ب 8 ح 4 ، الكافي 5 : 201 / 6 ، التهذيب 7 : 50 / 216 .

ــ[14]ــ

اللفظ الخاصّ حسبما عرفت ، ومن ثمّ تجري المعاطاة في الإجارة كغيرها .

   نعم ، خصّها شيخنا الاُستاذ (قدس سره) في تعليقته الأنيقة بإجارة الأموال فكتب ما لفظه : يعني في منافع الأموال لا مطلقاً . فيظهر منه المنع عن الجريان في إجارة الأعمال فيما إذا كان الأجير حرّاً ، من خياطة ، أو بناء دار ، أو الصلاة عن الميّت ، ونحو ذلك ، نظراً إلى أ نّه لا تعاطي من قبل الأجير إلاّ بتسليم نفس العمل الذي هو وفاء بالعقد المترتّب على الإنشاء ، فكيف يكون إنشاءً له لتتحقّق به المعاطاة ؟!

   وغير خفي أنّ هذا لو تمّ فإنّما يتّجه فيما لو اعتبرنا في المعاطاة التعاطي من الطرفين .

   وأمّا بناءً على ما هو الصحيح عندنا وعنده أيضاً من أنّ المعاطاة وإن كانت من باب المفاعلة إلاّ أنّ المراد بها إنشاء العقد بالفعل والعطاء الخارجي ولو كان ذلك من جانب واحد إذا كان بقصد تحقّق المعاملة وإنشائها من بيع أو إجارة ونحوهما ، لوحدة المناط ، المقتضي للصحّة بينه وبين ما إذا كان التعاطي من الجانبين. فلا إشكال حينئذ بوجه، فيعطي المستأجر عين الاُجرة بقصد الاستئجار ويأخذها الأجير بقصد القبول ، وبذلك تتحقّق المعاطاة .

   على انّه لايتمّ في نفسه، لأ نّا لو سلّمنا اعتبار التعاطي من الطرفين فلا ينحصر ذلك بعطاء نفس ما يراد تعلّق العقد به ـ أعني : العمل المستأجر عليه بنفسه ـ بل يكتفي بكلّ فعل يكون مبرزاً لهذا القصد عرفاً ، كالاشتغال بالمقدّمات من الإتيان بلوازم البناية والخياطة بقصد إنشاء الإجارة كما هو المتعارف خارجاً ، ويكون إعطاء الاُجرة بمنزلة القبول ، أو أنّ الأجير يأتي بالدابّة على باب الدار معلناً تهيّؤه لنقل المتاع ونحو ذلك من مقدّمات العمل .

ــ[15]ــ

ولا يصحّ أن يقول في الايجاب : بعتك ((1)) الدار ـ مثلاً ـ وإن قصد الإجارة . نعم، لو قال: بعتك منفعة الدار أو سكنى الدار ـ مثلاً ـ بكذا ، لا يبعد صحّته إذا قصد الاجارة (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) فرّق (قدس سره) بين هذين التعبيرين ، فلم يستبعد الصحّة في الثاني بعد أن حكم ببطلان الأوّل .

   بل قد استشكل فيها أيضاً شيخنا الاُستاذ (قدس سره) في تعليقته الأنيقة ، بل مال إلى البطلان فقال ما لفظه : صحّة هذا وأشباهه مبني على جواز التجوّز في صيغ العقود وصحّة إنشاء كلّ واحد منها بلفظ الآخر ، وهو في غاية الإشكال ، بل لا يبعد بطلانه (2) .

   وينبغي التكلّم تارةً في الصغرى وأنّ المقام هل هو من مصاديق إنشاء عقد بلفظ العقد الآخر أو لا ؟ واُخرى في الكبرى وأنّ الإنشاء المزبو