|
|
|
ولا فرق في الحكم بالإجزاء بين أقسام الحجّ من الإفراد والقِران والتمتّع ، إذا كان المأتي به مطابقاً لوظيفته الواجبة (1) .
مسألة 12 : إذا انعتق العبد قبل المشعر في حجّ التمتّع فهديه عليه ، وإن لم يتمكّن فعليه أن يصوم بدل الهدي على ما يأتي(2) وإن لم ينعتق فمولاه بالخـيار فإن شاء ذبح عنه وإن شاء أمره بالصوم (3)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بل مقتضى إطلاق نصوص المقام أنّ حجّه إلى زمان العتق يحكم عليه بالصحّة ، وأمّا بعد العتق فلا بدّ من الرّجوع إلى الأدلّة العامّة الدالّة على اعتبار الاستطاعة ، فإلغاء شرطيّة الاستطاعة بالمرّة كما صرّح به السيِّد في العروة الوثقى(1) لا وجه له ، كما أنّ القول بإعتبار الاستطاعة من أوّل الأمر لا دليل عليه ، فإنّ الرّوايات تدل على أنّ العبوديّة السابقة غير ضائرة ولو كانت مع عدم الاستطاعة .
(1) لإطلاق النصوص ولا موجب لتقييدها ببعض أقسام الحجّ .
(2) إذ لا موجب لأن يكون على مولاه بعدما صار معتقاً وحرّاً ، فحاله حال سائر الأحرار ، فتجري أحكام حجّة الإسلام على حجّه ، وحينئذ فيجب عليه الهدي ، وإن عجز فعليه الصّوم .
تنبيه : لقد قيّد جمع من الفقهاء في كلماتهم وجوب الهدي على العبد بما إذا انعتق قبل المشعر ، مع أنّ ذلك غير دخيل في كون الهدي على العبد أو على مولاه ، بل الإنعتاق قبل المشعر أو بعده دخيل في إجزاء حجّه عن حجّة الإسلام وعدمه ، وأمّا كون الهدي عليه أو على مولاه فمن آثار الحرّيّة والعبوديّة ، فإنّه متى ما صار حرّاً فهديه عليه ولو صار حرّاً يوم العيد ، ولا مقتضي لكونه على المولى بعدما كان حرّاً عند الذبح .
(3) للإجماع وللنصوص ، منها : صحيحة جميل «عن رجل أمر مملوكه أن يتمتع
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) العروة الوثقى 2 : 226 / 2990 .
الشرط الرّابع : الاستطاعة
ويعتبر فيها اُمور :
الأوّل : السعة في الوقت (1) ومعنى ذلك وجود القدر الكافي من الوقت للذهاب إلى مكّة والقيام بالأعمال الواجبة هناك ، وعليه فلا يجب الحجّ إذا كان حصول المال في وقت لا يسع للذهاب والقيام بالأعمال الواجبة فيها ، أو أ نّه يسع ذلك ولكن بمشقّة شديدة لا تتحمّل عادة(2) وفي مثل ذلك يجب عليه التحفّظ على المال إلى السنة القادمة فإن بقيت الاستطاعة إليها وجب الحجّ فيها وإلاّ لم يجب (3) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال : فمره فليصم ، وإن شئت فاذبح عنه» (1) .
ومنها : صحيحة سعد بن أبي خلف «إن شئت فاذبح عنه وإن شئت فمره فليصم»(2) .
ويعارضهما صحيح محمّد بن مسلم قال : «سألته عن المتمتع المملوك ، فقال : عليه مثل ما على الحر ، إمّا اُضحية وإمّا صوم»(3) حيث يظهر منه أنّ التخيير بين الهدي والصوم على العبد نفسه ، وقد حمله الشيخ على المساواة في الكميّة لئلا يظن أنّ عليه نصف ما على الحر كالظهار ونحوه ، فالمنظور في الرّواية أنّ الاُضحيّة الثابتة في حجّ المملوك أو الصوم كالاُضحيّة الثابتة في حجّ الحر أو الصوم الثابت فيه ، وغير ناظرة إلى أنّ الهدي على المملوك أو على مولاه(4) .
(1) وإلاّ لم يكن متمكّناً من أداء الحجّ فلا يعقل التكليف به حينئذ .
(2) لنفي الحرج في الشريعة المقدّسة .
(3) إذا كان عنده مال بمقدار يكفيه للحج ، ولكن لا يتمكّن من السير لضيق
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 14 : 83 / أبواب الذبح ب 2 ح 1 .
(2) الوسائل 14 : 83 / أبواب الذبح ب 2 ح 2 .
(3) الوسائل 14 : 85 / أبواب الذبح ب 2 ح 5 .
(4) الإستبصار 2 : 262 .
الثّاني : الأمن والسّلامة وذلك بأن لايكون خطراً على النفس أو المال أو العرض ذهاباً وإياباً وعند القيام بالأعمال(1)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوقت فلا يجوز له أن يتصرّف في المال بما يخرجه عن الاستطاعة، بل يجب عليه التحفّظ على المال إلى السنة القادمة ، وذلك لتقبيح العقل تفويت الواجب عليه وتعجيز نفسه عن أدائه بعد تنجزه ووجوبه عليه بشرائطه وحدوده وإن كان الواجب متأخّراً ، فإنّ الميزان في عدم جواز تعجيز نفسه من إتيان الواجب هو تنجّز الوجوب وفعليته، سواء كان الواجب فعليّاً أو استقباليّاً .
نعم ، وقع الكلام في مبدأ هذا الوجوب ، فقد ذكر بعضهم أنّ مبدأه خروج الرفقة فلا يجوز تعجيز نفسه عند خروج الرفقة ، وذكر السيِّد الطباطبائي (قدس سره) في العروة أنّ مبدأه هو التمكّن من المسير ولا عبرة بخروج الرفقة (1) ، وعن بعضهم أنّ مبدأه أشهر الحجّ ، فلا يجوز تفويت الاستطاعة فيها كما عن المحقق النائيني (قدس سره) (2) .
ولكن الظاهر أ نّه لا دليل على شيء من ذلك ، فإنّ مقتضى الآية المباركة والنصوص المفسّرة للاستطاعة تنجز الوجوب عليه بمجرّد حصول الزاد والرّاحلة وتخلية السرب وصحّة البدن ، من دون فرق بين حصول ذلك في أشهر الحجّ أم لا ، أو خروج الرفقة والتمكّن من المسير أم لا ، بل مقتضاها أ نّه متى حصلت الاستطاعة تنجز الوجوب عليه في أيّ وقت كان ، وعليه فلو حصلت له الاستطاعة في هذه السنة لا يجوز له تفويتها فيما لو علم بتمكّنه من الحجّ في السنين اللاّحقة ، ويجب عليه إبقاء المال إلى السنة المقبلة .
(1) أمّا اعتبار الأمن وعدم الخطر في الطريق على نفسه أو بدنه أو عرضه أو ماله
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) العروة الوثقى 2 : 239 / 3020 .
(2) دليل الناسك : 36 .
كما أنّ الحجّ لا يجب مباشرة على مستطيع لا يتمكّن من قطع المسافة لهرم أو مرض أو لعذر آخر ، ولكن تجب عليه الاستنابة على ما سيجيء تفصيله .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المعبّر عنه بالاستطاعة السربيّة ، فتدل عليه نفس الآية الشريفة : (... مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ...)(1) فإنّ الاستطاعة السبيليّة الواردة في الآية لا تصدق إلاّ على ما إذا كان الطريق مأموناً ومخلى سربه ، لا يخاف على نفسه أو عرضه أو ماله .
مضافاً إلى دلالة النصوص المعتبرة على ذلك ، منها : صحيحة هشام بن الحكم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قوله عزّ وجلّ: (وَللهِِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ ا لْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَـبِيلاً) ما يعـني بذلك ؟ قال : من كان صحيحاً في بدنه مخلى سربه له زاد وراحلة» (2) .
ومنها : معتبرة محمّد بن يحيى الخثـعمي قال : «سأل حفص الكناسي أبا عبدالله (عليه السلام) وأنا عنده عن قول الله عزّ وجلّ : (... وَللهِِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ ا لْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ...) ما يعني بذلك ؟ قال : من كان صحيحاً في بدنه مخلى سربه له زاد وراحلة فهو ممّن يستطيع الحجّ ، الحديث» (3) . بل مجرّد الخوف على نفسه أو عرضه أو ماله يكفي في سقوط الحجّ ، لأنّ الخوف بنفسه موضوع مستقل لجواز الترك وقد جرت سيرة العقلاء على الاجتناب عن محتمل الضّرر .
وأمّا اعتبار الاستطاعة البدنيّة فتدل عليه أيضاً الرّوايات المفسّرة للآية الكريمة كصحيحة هشام ومعتبرة الخثعمي المتقدّمتين ، وأمّا وجوب الاستنابة فيما إذا لم يتمكّن من المباشرة فسيأتي تفصيله في المسألة 63 .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) آل عمران 3 : 97 .
(2) الوسائل 11 : 35 / أبواب وجوب الحجّ ب 8 ح 7 .
(3) الوسائل 11 : 34 / أبواب وجوب الحجّ ب 8 ح 4 .
مسألة 13 : إذا كان للحج طريقان أحدهما مأمون والآخر غير مأمون ، لم يسقط وجوب الحجّ بل وجب الذهاب من الطريق المأمون وإن كان أبعد (1) .
مسألة 14 : إذا كان له في بلده مال معتد به ، وكان ذهابه إلى الحجّ مستلزماً لتلفه لم يجب عليه الحجّ (2) . وكذلك إذا كان هناك ما يمنعه عن الذهاب شرعاً ، كما إذا استلزم حجّه ترك واجب أهم من الحجّ كإنقاذ غريق أو حريق أو توقف حجّه على ارتكاب محرم ، كان الإجتناب عنه أهم من الحجّ (3) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لعدم اختصاص الوجوب بأقرب الطرق بل العبرة بالإستطاعة والقدرة على الحجّ .
(2) لحديث نفي الضرر الحاكم على جميع الأحكام الأوّليّة .
وربما يقال بعدم جريان قاعدة لا ضرر في المقام ، لأنّ دليل وجوب الحجّ مخصّص لدليل نفي الضرر ، نظير التكليف بالجهاد والزّكاة ووجوب الإنفاق على الرحم من الأحكام الضرريّة المبتنية على الضرر ، فلا مجال لإجراء قاعدة نفي الضرر في أمثال هذه الموارد .
والجواب عنه : أنّ الحجّ وإن كان حكماً ضرريّاً في نفسه ويستوجب صرف المال ولكن القاعدة تجري بالنسبة إلى الزائد عمّا يقتضيه طبع الحجّ .
(3) جميع ذلك من موارد التزاحم فتلاحظ الأهميّة ، فإنّ دليل وجوب الحجّ ودليل الواجب أو الحرام مطلقان ولا يمكن الجمع بينهما في مقام الإمتثال فيقع التزاحم بينهما فاللازم تقديم الأهم وترجيحه على غيره والتخيير في المتساويين ، كما أنّ الأمر كذلك في سائر التكاليف الإلهيّة المتزاحمة . هذا بناءً على المختار من أنّ الاستطاعة المعتبرة ليست إلاّ العقليّة ، غاية الأمر أ نّها استطاعة خاصّة مفسّرة باُمور معيّنة في الرّوايات ولم يؤخذ في موضوع الحجّ عدم المانع الشرعي ، وأمّا بناءً على مسلك المشهور من اعتبار القدرة الشرعيّة والتمكّن الشرعي في وجوب الحجّ ، بحيث اُخذ في موضوع الحجّ عدم المانع الشرعي ، فيمكن القول بعدم وجوب الحجّ إذا استلزم مانعاً شرعيّاً
مسألة 15 : إذا حجّ مع استلزام حجّه ترك واجب أهم أو ارتكاب محرم كذلك ، فهو وإن كان عاصياً من جهة ترك الواجب أو فعل الحرام إلاّ أنّ الظاهر أ نّه يجزئ عن حجّة الإسلام إذا كان واجداً لسائر الشرائط (1) ولا فرق في ذلك بين من كان الحجّ مستقرّاً عليه ومن كان أوّل سنة استطاعته .
مسألة 16 : إذا كان في الطريق عدوّ لا يمكن دفعه إلاّ ببذل مال معتد به ، لم يجب بذله ويسقط وجوب الحجّ (2)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من ترك واجب أو ارتكاب محرم وإن لم يكن أهم ، لعدم تحقّق الاستطاعة الشرعيّة حينئذ ، ولكن قد حققنا في محلِّه أ نّه لا وجه ولا أساس لما ذكره المشهور أصلاً (1) .
(1) لجريان الترتب حتّى في باب الحجّ ، وعليه فلا فرق بين الحجّ الفعلي والمستقر فإنّه بناءً على وجود الأمر بالحج ولو بالترتب فلا مانع من الإجزاء في القسمين .
(2) اختلف الفقهاء في هذه المسألة إلى أقوال ثلاثة :
الأوّل : عدم وجوب بذل المال وسقوط وجوب الحجّ كما عن الشيخ(2) وجماعة .
الثّاني : وجوب بذل المال كما عن المحقق(3) والمدارك (4) .
الثّالث : التفصيل بين المضر بحاله والمجحف به وعدمه ، فيجب في الثّاني دون الأوّل.
والصحيح أن يقال : إن كان بذل المال حرجيّاً عليه ـ وهو المعبّر عنه بالمضر بحاله والمجحف به ـ يرتفع وجوبه لنفي الحرج ، وإن لم يكن حرجياً ومشقّة عليه فلا بدّ من التفصيل بين ما إذا كان الضرر والنقص الحاصل في ماله معتدّاً به وإن لم يكن مضرّاً بحاله ومجحفاً به فلا يجب بذله لحديث نفي الضرر ، وقد عرفت قريباً أنّ قاعدة نفي الضرر تجري في الحجّ ونحوه من الأحكام الضرريّة إذا كان الضرر اللاّزم أكثر ممّا
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع شرح العروة 26 : 56 .
(2) المبسوط 1 : 301 .
(3) الشرائع 1 : 255 .
(4) المدارك 7 : 62 .
مسألة 17 : لو انحصر الطريق بالبحر لم يسقط وجوب الحجّ(1) إلاّ مع خوف الغرق أو المرض(2) ولو حجّ مع الخوف صحّ حجّه على الأظهر (3) .
الثّالث : الزاد والرّاحلة ومعنى الزاد هو وجود ما يتقوّت به في الطريق من المأكول والمشروب وسائر ما يحتاج إليه في سفره ، أو وجود مقدار من المال ـ النقود وغيرها ـ يصرفه في سبيل ذلك ذهاباً وإيّاباً (4) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقتضيه طبع الواجب ، وبين ما إذا كان الضرر يسيراً فلا يسقط وجوب الحجّ لصدق تخلية السرب على ذلك ، وعلى سبيل المثال فربّما لا يعد البذل في بعض الفروض من الضرر عرفاً كبذل عشرة دنانير بالنسبة إلى ألف دينار الّذي يصرفه في الحجّ وشؤونه ونظير ذلك بذل المال لأخذ جواز السفر ونحوه .
(1) لأنّ العبرة بالوصول إلى بيت الله الحرام لأداء فريضة الحجّ والقدرة على السفر برّاً كان أو بحراً أو جوّاً ، ولا موجب لاختصاص الوجوب بأحدها .
(2) لا يختص ذلك بالسفر بحراً ، بل لو خاف على نفسه من الهلاك والمرض إذا سافر بطريق البر يسقط وجوب الحجّ أيضاً للحرج ، فإنّ الملاك في سقوط وجوب الحجّ بلوغ الخوف إلى حد يكون السفر حرجيّاً عليه ، وإن كان منشأ الخوف أمراً غير عقلائي ، من غير نظر إلى نوعيّة السفر .
(3) لأنّ ذلك في المقدّمة وهي المشي إلى الميقات، ولا يضر ذلك في صدق الاستطاعة.
(4) وتدل على اعتبارهما ـ مضافاً إلى عدم تحقق الاستطاعة عرفاً بدونهما غالباً ـ عدّة من النصوص المعتبرة المفسّرة للاستطاعة المذكورة في الآية الشريفة ، منها : معتبرة محمّد بن يحيى الخثعمي ، قال : «سأل حفص الكناسي أبا عبدالله (عليه السلام) وأنا عنده عن قول الله عزّ وجلّ : (... وَللهِِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ ا لْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ...) ما يعني بذلك ؟ قال : من كان صحيحاً في بدنه مخلى سربه له زاد وراحلة فهو ممّن يستطيع الحجّ ، أو قال : ممّن كان له مال ، فقال له حفص الكناسي : فإذا كان صحيحاً في بدنه مخلى في سربه له زاد وراحلة فلم يحجّ فهو ممّن يستطيع الحجّ ؟ قال :
ومعنى الرّاحلة هو وجود وسيلة يتمكّن بها من قطع المسافة ذهاباً وإيّاباً (1) ويلزم في الزاد والرّاحلة أن يكونا ممّا يليق بحال المكلّف (2) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نعم» (1) ونحوها صحيحة هشام(2) ومعتبرة السكوني(3) .
فالمتحصل من الرّوايات أنّ المعتبر في الحجّ ليس مجرّد القدرة العقليّة ، بل يشترط فيه قدرة خاصّة ، ومنها أن يكون له زاد وراحلة .
(1) وإنّما يعتبر نفقة الإياب لمن يريد العود إلى وطنه ، وإلاّ فلا يعتبر التمكّن من مصارف الإياب كما سيأتي في مسألة 22 .
(2) وإلاّ لكان حرجياً وهو منفي في الشريعة . نعم ، ربّما يظهر من بعض الرّوايات عدم العبرة بالراحلة ولزوم تحمّل المشقّة بالمشي أو بالرّكوب على حمار أجدع أبتر .
منها : صحيح ابن مسلم في حديث قال : «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) فإن عرض عليه الحجّ فاسـتحيى ؟ قال : هو ممّن يستطيع الحجّ ، ولِمَ يستحيي ؟ ولو على حمار أجدع أبتر ؟ قال : فإن كان يستطيع أن يمشي بعضاً ويركب بعضاً فليفعل»(4) ومثله صحيح الحلبي(5) .
والجواب عن ذلك : مضافاً إلى أ نّه لم يقل أحد بمضمونهما حتّى القائل بعدم اعتبار الرّاحلة ، أنّ هذه الرّوايات وردت في مورد البذل وعرض الحجّ ، وأ نّه لو بذل له الحجّ واستقرّ عليه وصار مستطيعاً بذلك فليس له الإمتناع والحياء بعد عرض الحجّ ، وإذا امتنع من القبول واستحيى يستقر عليه الحجّ ويجب عليه إتيانه ولو كان فيه مشقّة وحرج فالحكم المذكور فيهما أجنبي عن مورد كلامنا ، وهو حصول الاستطاعة الماليّة للمكلّف .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 11 : 34 / أبواب وجوب الحجّ ب 8 ح 4 .
(2) الوسائل 11 : 35 / أبواب وجوب الحجّ ب 8 ح 7 .
(3) الوسائل 11 : 34 / أبواب وجوب الحجّ ب 8 ح 5 .
(4) الوسائل 11 : 39 / أبواب وجوب الحجّ ب 10 ح 1 .
(5) الوسائل 11 : 40 / أبواب وجوب الحجّ ب 10 ح 5 .
ومنها : صحيح معاوية بن عمّار قال : «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل عليه دين أعليه أن يحجّ ؟ قال : نعم ، إنّ حجّة الإسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين ، ولقد كان (أكثر) من حجّ مع النّبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مشاة ولقد مرّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بكراع الغميم فشكوا إليه الجهد والعناء فقال : شدّوا أزركم واستبطنوا ، ففعلوا ذلك فذهب عنهم» (1) فإنّه قد حكم فيه بوجوب الحجّ على من أطاق المشي ، والمراد من «أطاق» إعمال غاية الجهد والمشقّة ومنه قوله تعالى : (... وَعَلَى ا لَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين ...)(2) .
ويجاب عن ذلك أوّلاً بأ نّه لم يعمل أحد من الفقهاء بمضمونه .
وثانياً : أنّ المراد بمن أطاق المشي ، القدرة على المشي في قبال المريض والمسجى الّذي لا يتمكّن من المشي أصلاً حتّى في داره وبلده ، فمن تمكّن من المشي وأطاقه بمعنى أ نّه لم يكن مريضاً ولم يكن مسجى ، يجب عليه الحجّ بالطرق المتعارفة لا مشياً على الأقدام .
ولو سلمنا ظهور هذه الرّوايات في عدم اعتبار الرّاحلة ، فلا ريب أنّ ظهور تلك الرّوايات الدالّة على الإعتبار أقوى من ظهور هذه ، فترفع اليد عن ظهور هذه لأظهريّة تلك الرّوايات .
ويؤكّد ما قلناه : أنّ الحجّ لو كان واجباً على كلّ من تمكّن من المشي وإن لم يكن له راحلة لكان وجوبه حينئذ من الواضحات الّتي لا يمكن خفاؤها لكثرة الإبتلاء بذلك .
وأمّا استشهاد الإمام (عليه السلام) بأصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فلم يعلم أنّ حجّهم كان حجّة الإسلام ويحتمل كونه حجّاً ندبيّاً وإن فرض أوّل سنتهم لإستحباب الحجّ للمتسكع ، فلا ريب في اعتبار الزاد والرّاحلة حتّى لمن يتمكّن من المشي .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 11 : 43 / أبواب وجوب الحجّ ب 11 ح 1 .
(2) البقرة 2 : 184 .
مسألة 18 : لا يختص اشتراط وجود الرّاحلة بصورة الحاجة إليها ، بل يشترط مطلقاً ولو مع عدم الحاجة إليها كما إذا كان قادراً على المشي من دون مشقّة ولم يكن منافياً لشرفه (1) .
مسألة 19 : العبرة في الزاد والرّاحلة بوجودهما فعلاً ، فلا يجب على من كان قادراً على تحصيلهما بالاكتساب ونحوه (2) ولا فرق في اشتراط وجود الرّاحلة بين القريب والبعيد (3) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قد عرفت أنّ الاستطاعة المعتبرة في الحجّ فسّرت في الرّوايات باُمور خاصّة منها الزاد والرّاحلة ، ولكن وقع الخلاف في اشتراط الزاد والرّاحلة ، وأ نّهما شرط على الإطلاق أو أ نّهما شرط عند الحاجة إليهما ، فلو كان قادراً على المشي من دون مشقّة لا يعتبر وجود الرّاحلة ، فعن المشهور أ نّهما شرط مطلقاً حتّى في حق من كان متمكّناً من المشي ، فلو حجّ ماشياً من دون وجود الرّاحلة لا يجزي حجّه عن حجّة الإسلام ويظهر من صاحب الوسائل اعتبارهما عند الحاجة ، لأخذ الحاجة في عنوان أخبار المقام (1) .
وقد عرفت بما لا مزيد عليه أنّ المستفاد من الأخبار اعتبار الزاد والرّاحلة مطلقاً حتّى في حق القادر على المشي .
(2) لعدم وجوب تحصيل الشرط .
(3) لإطلاق ما دلّ على اعتبار وجود الرّاحلة حتّى بالنسبة إلى أهل مكّة المكرّمة لقطع المسافة بينها وبين عرفات الّتي تبلغ أربعة فراسخ تقريباً .
وعن المحـقق(2) وغيره عدم اعتبار وجود الرّاحلة للمكّي ، وأجابوا عن إطلاق الرّوايات الدالّة على اشـتراط الرّاحلة بأ نّها وردت في تفسير الآية الشريفة الّتي
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 11 : 33 / أبواب وجوب الحجّ ب 8 .
(2) الشرائع 1 : 252 .
مسألة 20 : الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحجّ إنّما هي الاستطاعة من مكانه لا من بلده(1) فإذا ذهب المكلّف إلى المدينة مثلاً للتجارة أو لغيرها وكان له هناك ما يمكن أن يحجّ به من الزاد والرّاحلة أو ثمنهما وجب عليه الحجّ ، وإن لم يكن مستطيعاً من بلده .
مسألة 21 : إذا كان للمكلّف ملك ولم يوجد من يشتريه بثمن المثل ، وتوقف الحجّ على بيعه بأقل منه بمقدار معتد به لم يجب البيع (2) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
موضوعها السفر إلى البيت والقصد إليه ، فلا تشمل من كان في مكّة ويريد السفر إلى عرفات ، ومن المعلوم أنّ أهل مكّة يحجّون حجّ الإفراد أو القِران ، فيسافرون إلى عرفات لا إلى البيت .
والجواب عنه : أ نّه لا ريب في أنّ البيت الشريف مقصود في جميع الأقسام الثلاثة للحج ، غاية الأمر قد يقصده قبل إتيان بقيّة المناسك كحج التمتّع ، وقد يقصده بعد أداء المناسك كحج القِران أو الإفراد الّذي يكون وظيفة لأهل مكّة ، فلا فرق في اشتراط الرّاحلة بين السفر إلى بيت الله الحرام أوّلاً وبين السفر إلى عرفات أوّلاً ، لأنّ البيت مقصود لا محالة في جميع أنواع الحجّ .
(1) لإطلاق أدلّة اشتراط الاستطاعة ، ولا خصوصيّة لحصولها في بلد دون بلد آخر . وبعبارة اُخرى : متى كان واجداً للشرائط تنطبق عليه الأدلّة ، ولا دليل على لزوم حصول الا