|
|
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسلام على سيِّدنا محمّد وآله الطيِّبين الطاهرين .
لايخفى أنّ كتاب الحج من «العروة الوثقى» لم يكمله السيِّد الطباطبائي (قدس سره) في نطاق تأليفه لهذا السفر الفقهي الجليل فلم يذكر جميع واجباته وأركانه بل بقي يفقد جوانب عديدة لها أهمّيتها من هذا البحث .
ولتعميم الفائدة وإكمال هذا النقص شرع سيِّدنا الاُستاذ (دام ظلّه) في بحث الحج من تروك الإحرام على الترتيب الّذي رتّب فيه مناسكه .
وحيث إنّ مثل هذه الكتب تعتبر كتباً مصدريّة روعي فيها بحث كلّ مسألة من جميع جوانبها بنحو من التوسعة والتفصيل لذلك يصعب على الكثير ممّن يهمّهم الوقوف على مسائل البحث أن يستوعبوا مثل هذه التفصيلات ... لذلك رغب سيِّدنا الاُستاذ (دام ظلّه) شرح مناسكه بكاملها .
لذا قمت بهذا الواجب وقد حالفني التوفيق ـ والحمد لله ـ أن أشرح مناسك الحج بكاملها شرحاً روعي فيه أمران :
الأوّل : أنّ الشرح كان على ضوء آرائه الّتي استفدتها من درسه (دام ظلّه) لكتاب الحج أصلاً وتكملة .
الثّاني : الاقتصار على بيان مدرك كل مسألة لنحقق رغبة سيِّدنا الاُستاذ (حفظه الله) من إخراج هذا الشرح بنحو من الاختصار غير المخل .
ومن الله سبحانه نسأل القبول والتوفيق لكلّ ما فيه رضاه .
النجف الأشرف
رضا الموسوي الخلخالي
وجوب
الحجّ
يجب الحجّ على كلّ مكلّف جامع للشرائط الآتية ووجوبه ثابت بالكتاب والسنّة القطعيّة .
والحجّ ركن من أركان الدِّين ووجوبه من الضروريّات (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا ينبغي الرّيب والإشكال في أنّ الحجّ من أوضح الواجبات الإلهيّة ، ومن أعظم الشعائر الإسلاميّة ، وهو ركن من أركان الدِّين ، ووجوبه من الضروريّات عند المسلمين ، بل هو المعروف لدى بعض الاُمم السابقة ، أقرّه الإسلام ولكن جعل له أحكاماً خاصّة تختلف عمّا سبق ، وهو من أفضل الطاعات والقربات إلى الله تعالى وأهمّ العبادات ، وقد صرّح الكتاب العزيز بوجوبه فقال عزّ من قائل :
(... وَللهِِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ ا لْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ ا لْعَالَمِينَ)(1).
كما وأنّ الأخبار المتواترة صرّحت بذلك (2) وفي روايات كثيرة مذكورة في كتب الفريقين أنّ الإسلام بني على خمس وعدّ منها الحجّ .
ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «بُني الإسلام على خمسة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) آل عمران 3 : 97 .
(2) الوسائل 11 : 7 / أبواب وجوب الحجّ ب 1 ، 3 ، 6 .
وتركه ـ مع الإعتراف بثبوته ـ معصيّة كبيرة (1) كما أنّ إنكار أصل الفريضة ـ إذا لم يكن مستنداً إلى شبهة ـ كفر (2)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أشياء : على الصّلاة والزّكاة والحجّ والصّوم والولاية» (1) .
وفي صحيح البخاري قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : «بُني الإسلام على خمس : شهادة أنّ لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّداً رسول الله ، وإقام الصّلاة وإيتاء الزّكاة والحجّ وصوم رمضان» (2) ونحوه في صحيح مسلم .
(1) بل من أعظم الكبائر لأ نّه من أهمّ الواجبات الإسلاميّة ، وكما قدّمنا من الدعائم الخمس الّتي بني عليها الإسلام ، فحكم تارك الحجّ عمداً حكم تارك الصّلاة والزّكاة في الإثم واستحقاق العقاب . ويستفاد ذلك أيضاً من بعض النصوص الواردة في عدّ الكبائر (3) . كما وقد صرّحت بعض الأخبار الواردة في تسويف الحجّ «أ نّه من مات ولم يحجّ حجّة الإسلام فليمت يهوديّاً أو نصرانيّاً» (4) .
(2) لأ نّه يستلزم حينئذ إنكار النّبيّ (صلّى الله عليه وآله) وتكذيبه ، وأمّا إذا كان إنكاره مستنداً إلى شبهة بحيث لا يوجب إنكار النّبيّ (صلّى الله عليه وآله) فلا يوجب الكفر ، لما ذكرنا في كتاب الطّهارة أنّ إنكار الضروري بنفسه ما لم يرجع إنكاره إلى إنكار النّبيّ (صلّى الله عليه وآله) لا يوجب الكفر ، وقد قلنا هناك إنّ الإسلام متقوم باُمور ثلاثة بها يمتاز المسلم عن الكافر ، وهي الشهادة بالوحدانيّة والشهادة بالرسالة والإعتقاد بالمعاد ، وليس إنكار الضروري منها (5) .
وقد يستدل على كفر منكر الحجّ بوجهين :
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 1 : 13 / أبواب مقدّمة العبادات ب 1 ح 2 .
(2) صحيح البخاري 1 : 8 / كتاب الإيمان ، صحيح مسلم 1 : 72 / كتاب الإيمان ب 5 ح 19 .
(3) الوسائل 15 : 318 / أبواب جهاد النفس ب 46 ح 2 .
(4) الوسائل 11 : 29 / أبواب وجوب الحجّ ب 7 ح 1 .
(5) راجع شرح العروة 3 : 53 .
قال الله تعالى في كتابه المجيد : (... وَللهِِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ ا لْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ ا لْعَالَمِينَ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوجه الأوّل : التمسّك بذيل آية الحجّ في قوله تعالى : (... وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ ا لْعَالَمِينَ)(1) فإنّ التعبير عن الترك بالكفر كاشف من أنّ منكره كافر .
والجواب عنه أوّلاً : أنّ الآية الشريفة غير دالّة على أنّ منشأ الكفر هو إنكار الحجّ بل الظاهر من الآية الكريمة أن من كفر بسبب من أسبابه فيكون كفره منشأً لترك الحجّ طبعاً ، ونظير ذلك قوله تعالى : (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ ا لْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ا لْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ا لْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ)(2) فإنّ الآيات لا تدلّ على أنّ تارك الصّلاة أو مانع الزّكاة كافر ، بل تدلّ على أنّ الكفر الحاصل بتكذيب يوم القيامة يكون منشأ لترك الصّلاة وترك الزّكاة .
وثانياً : أنّ الكفر في الآية فسّر بالترك في صحيح معاوية بن عمار «وعن قول الله عزّ وجلّ : ومن كفر يعني من ترك»(3) .
وثالثاً : لا يبعد أن يكون المراد بالكفر في المقام الكفر المقابل للشكر لا الكفر المقابل للإيمان ، فيكون المعنى حينئذ من كفر بالنعمة ولم يشكر ما رزقه الله من نعمة الهداية ولم يعمل بوظيفته ولم يأت بالحج فإنّ الله غني عن العالمين .
الوجه الثّاني : صـحيح علي بن جعفر ـ على طريق الشـيخ ـ عن أخيه موسى (عليه السلام) قال : «إنّ الله عزّ وجلّ فرض الحجّ على أهل الجدة في كلّ عام وذلك قوله عزّ وجلّ: ( ... وَللهِِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ ا لْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ ا لْعَالَمِينَ ) قال : قلت : فمن لم يحجّ منّا فقد كفر ؟ قال : لا ، ولكن من قال
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) آل عمران 3 : 97 .
(2) المدثر 74 : 42 ـ 46 .
(3) الوسائل 11 : 31 / أبواب وجوب الحجّ ب 7 ح 2 .
وروى الشيخ الكليني ـ بطريق معتبر ـ عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : «من مات ولم يحجّ حجّة الإسلام ولم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا يطيق معه الحجّ أو سلطان يمنعه فليمت يهوديّاً أو نصرانيّاً» وهناك روايات كثيرة تدل على وجوب الحجّ والإهتمام به لم نتعرّض لها طلباً للإختصار ، وفي ما ذكرناه من الآية الكريمة والرّواية كفاية للمراد .
واعلم أنّ الحجّ الواجب على المكلّف في أصل الشرع إنّما هو لمرّة واحدة ويسمّى ذلك بحجّة الإسلام (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليس هذا هكذا فقد كفر»(1) بدعوى: أنّ قوله: «ليس هذا هكذا» راجع إلى إنكار الحجّ.
وفيه : أنّ الظاهر رجوع ذلك إلى إنكار القرآن ، يعني من قال : إنّ هذه الآية ليست من القرآن وإنّ القرآن ليس هكذا فقد كفر ، فإنّه (عليه السلام) استشهد أوّلاً بالآية ثمّ بعد ذلك سأل السائل فمن لم يحجّ فقد كفر فقال (عليه السلام) : لا ، ولكن من قال : إنّ هذا ليس من القرآن فقد كفر لرجوع ذلك إلى تكذيب النّبيّ (صلّى الله عليه وآله) .
(1) بلا خلاف بين المسلمين ، بل الحكم بذلك يكاد أن يكون من الضروريّات . مضافاً إلى ذلك قيام السيرة القطعيّة على أ نّه لو كان واجباً على أهل الثروة أكثر من مرّة واحدة لظهر وبان ولم يكن خفياً على المسلمين . وتدل على ذلك أيضاً النصوص فيها الصحيح وغيره ، منها معتبرة البرقي في حديث «وكلّفهم حجّة واحدة وهم يطيقون أكثر من ذلك»(2) .
وبازائها ما يدلّ على وجوب الحجّ في كلّ عام على أهل الجدة والثروة وقد أفتى على طبقها الصدوق(3) ، منها : صحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال : «إنّ الله عزّ وجلّ فرض الحجّ على أهل الجدة في كلّ عام ، وذلك قوله عزّ وجلّ :
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 11 : 16 / أبواب وجوب الحجّ ب 2 ح 1 ، التهذيب 5 : 16 / 48 .
(2) الوسائل 11 : 19 / أبواب وجوب الحجّ ب 3 ح 1 ، المحاسن : 296 / 465 .
(3) علل الشرائع 2 : 405 .
(...وَللهِِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ ا لْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ ا لْعَالَمِينَ)»(1). ومن ثمّ وقع الكلام في التوفيق بين الطائفتين المتعارضتين .
ويمكن الجمع بينهما بوجوه :
الأوّل : حمل الطائفة الثّانية على الاستحباب كما عن الشيخ(2) (قدس سره) .
وفيه : أ نّه ينافيه قوله : «فرض الحجّ على أهل الجدة في كلّ عام» خصوصاً مع استشهاده (عليه السلام) بالآية الكريمة .
الوجه الثّاني : حملها على الوجوب البدلي ، بمعنى وجوب الحجّ عليه في العام الأوّل فإن تركه يجب عليه في العام الثّاني وهكذا .
وفيه : أنّ الوجوب البدلي بهذا المعنى ممّا يقتضيه طبع كلّ واجب ولا يحتاج إلى أن يبيّنه الإمام (عليه السلام) فإنّ الواجب يجب الإتيان به متى أمكن ، فإن عصى ولم يأت به في الآن الأوّل يجب امتثاله في الآن الثّاني وهكذا ، والعصيان في الزمان الأوّل لا يوجب سقوط الوجوب ولزوم الإتيان به في الزمان الثّاني .
الوجه الثّالث : ما ذكره صاحب الوسائل من حمل الوجوب على الوجوب الكفائي بمعنى أ نّه يجب الحجّ على كلّ أحد في كلّ عام على نحو الوجوب الكفائي(3) .
والجواب عنه : أ نّه لا يجتمع ذلك مع ظهور الروايات في الوجوب العيني ، مضافاً إلى أنّ الالتزام بالوجوب الكفائي يتوقف على تعطيل الكعبة ، وأمّا إذا فرض عدم تعطيلها ولا أقل من أداء أهل مكّه الحجّ فلا موجب للوجوب الكفائي على سائر المكلّفين .
فالصحيح أن يقال في وجه الجمع : إنّ هذه الطائفة من الروايات ناظرة إلى ما كان يصنعه أهل الجاهليّة ، فإنّهم كانوا لا يحجّون في بعض السنين القمريّة ، وكانوا يعدّون الأشهر بالحساب الشمسي ويؤخِّرون الأشهر عمّا رتّبها الله تعالى ، وإلى ذلك يشير
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 11 : 16 / أبواب وجوب الحجّ ب 2 ح 1 .
(2) الإستبصار 2 : 149 .
(3) الوسائل 11 : 18 / أبواب وجوب الحجّ ب 2 .
مسألة 1 : وجوب الحجّ بعد تحقّق شرائطه فوري فتجب المبادرة إليه في سنة الاستطاعة (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله تعالى : (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي ا لْكُفْرِ ...)(1) فربّما يمرّ عام قمري ولا يحجّون فيه فأنزل الله تعالى آية الحجّ ردّاً عليهم بأنّ الحجّ يجب الإتيان به في كلّ عام قمري ولا يجوز خلوّه من الحجّ ، وأ نّه لا بدّ من الإتيان به في كلّ شهر ذي الحجّة ، فالمنظور في الآية والرّوايات أنّ كلّ سنة قمريّة لها حج يجب الإتيان به ، لا أ نّه يجب الحجّ على كلّ أحد في كلّ عام .
(1) ويدل عليه أمران :
الأوّل : حكم العقل بذلك، فإنّ الواجب بعدما تحققت شرائطه وكان المكلّف واجداً لشرائط التكليف فلا بدّ للمكلّف من تفريغ ذمّته بالإتيان بما اُمر به ليأمن العقوبة من مغبّة العصيان، ولا عذر له في التأخير مع احتمال الفوت. نعم، لو اطمأنّ بالبقاء وبالتمكّن من إتيان الواجب ولو في آخر الوقت لا تجب المبادرة حينئد ، ولذا جاز تأخير بعض الواجبات المؤقتة كالصلاة عن أوّل وقتها، لأجل حصول الإطمئنان والوثوق ببقائه والتمكّن من الإتيان بالمأمور به ولو في آخر الوقت، لكون الوقت قصيراً لا يحتمل التلف والفوت في هذه المدّة غالباً، وهذا الإطمئنان والوثوق غير حاصل في الحجّ لأنّ الفصل طويل والطوارئ والموانع كثيرة .
وبالجملة الميزان في جواز التأخير ووجوب المبادرة حصول الإطمئنان بالبقاء وعدمه ، وعليه فربّما نلتزم بالفوريّة حتّى في الصلاة فيما إذا لم يطمئن المكلّف بالبقاء إلى آخر الوقت .
الثّاني : الأخبار الدالّة على المنع عن التسويف وعدم المبادرة .
منها : معتبرة أبي بصير قال : «سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : من مات
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التّوبة 9 : 37 .
وإن تركه فيها عصياناً ، أو لعذر وجب في السنة الثّانية وهكذا (1) ، ولا يبعد أن يكون التأخير من دون عذر من الكبائر (2) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهو صحيح موسر لم يحجّ فهو ممّن قال الله عزّ وجلّ : (... وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ا لْقِيَامَةِ أَعْمَى) قال : قلت : سبحان الله أعمى ؟ قال : نعم ، إنّ الله عزّ وجلّ أعماه عن طريق الحق» (1) . ولو كان التأخير جائزاً لم يكن مستحقاً للعقاب .
ومنها : صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «قال الله تعالى : (... وَللهِِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ ا لْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ...) قال : هذه لمن كان عنده مال وصحّة ، وإن كان سوقة للتجارة فلا يسعه وإن مات على ذلك فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام إذا هو يجد ما يحجّ به» (2) ونحوهما غيرهما .
(1) لعدم سقوط وجوب الواجب بالعصيان ، أو بالترك عن عذر مع بقاء الموضوع ، والعقل الحاكم بوجوب المبادرة في السنة الاُولى يحكم به في السنين الآتية أيضاً .
(2) كما صرّح به جماعة منهم المحـقق في الشرائع ، فإنّه ذكر فيها أنّ التأخير مع الشرائط كبيرة موبقة (3) ، بل ادّعى غير واحد الإجماع على ذلك ، ولكن استفادته من النصوص مشكلة ، فإنّ المستفاد منها أن ترك الحجّ كلية كبيرة مهلكة ، وأمّا تأخير الحجّ وترك المبادرة إليه وإن كان حراماً ـ لأ نّه ترك ما وجب عليه من الفوريّة ـ إلاّ أ نّه لم يثبت كونه كبيرة .
نعم ، لا يبعد دعوى صدق الإستخفاف والتهاون بأمر الحجّ على تأخيره وعدم المبادرة إليه ، فإنّ الإستخفاف به نظير الإستخفاف بالصلاة كما في قوله تعالى : (فَوَيْلٌ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 11 : 27 / أبواب وجوب الحجّ ب 6 ح 7 .
(2) الوسائل 11 : 25 / أبواب وجوب الحجّ ب 6 ح 1 .
(3) الشرائع 1 : 250 .
مسألة 2 : إذا حصلت الاستطاعة وتوقّف الإتيان بالحج على مقدّمات وتهيئة الوسائل وجبت المبادرة إلى تحصيلها (1) ولو تعددت الرفقة ، فإن وثق بالإدراك مع التأخير جاز له ذلك ، وإلاّ وجب الخروج من دون تأخير (2) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لِلْمُصَلِّينَ* ا لَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ)(1) بناءً على أنّ المراد بالسهو الإستخفاف بها والتأخير عن أوقاتها ، والحجّ مثل الصلاة لأ نّه من دعائم الإسلام وممّا بُني عليه فتأمّل . والعمدة دعوى الإجماع .
(1) لوضوح وجوب تحصيل مقدّمات الواجب ـ لأجل إدراك الواجب في وقته ـ بحكم العقل .
(2) لو تعدّدت الرفقة واختلف زمان الخروج ، فهل يجب الخروج مع الاُولى مطلقاً ، أو يجوز التأخير إلى الاُخرى بمجرّد احتمال الإدراك أو لا يجوز إلاّ مع الوثوق بالإدراك ؟ أقوال ثلاثة .
فعن الشهيد الثّاني وجوب الخروج مع الاُولى مطلقاً ، وإن وثق بأ نّه يدرك الحجّ مع الثّانية (2) ، وعن السيِّد في المدارك جواز التأخير إلى الاُخرى بمجرّد احتمال الإدراك معها وإن لم يثق به(3) ، وعن الشهيد الأوّل عدم جواز التأخير إلاّ مع الوثوق(4) ، وهذا هو الصحيح ، فإنّ القولين الأوّلين لا دليل عليهما ، إذ الميزان هو الوثوق بالوصول وإدراك الحجّ ولا موجب للخروج مع الاُولى إذا كان واثقاً بالوصول مع الثّانية ، كما أ نّه لا وجه للتأخير إلى الثّانية مع عدم الوثوق بالوصول معها .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الماعون 107 : 5 .
(2) الروضة 2 : 161 .
(3) المدارك 7 : 18 .
(4) الدروس 1 : 314 .
مسألة 3 : إذا أمكنه الخروج مع الرفقة الاُولى ولم يخرج معهم لوثوقه بالإدراك مع التأخير ولكن اتّفق أ نّه لم يتمكّن من المسير ، أو أ نّه لم يدرك الحجّ بسبب التأخير ، استقرّ عليه الحجّ وإن كان معذوراً في تأخيره (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لأنّ موضوع استقرار وجوب الحجّ عليه هو مجرّد التمكّن من السير مع القافلة الاُولى ، وإن جاز له التأخير مع الرفقة الثّانية . ولكن الظاهر أ نّه لا موجب للإستقرار مع جواز التأخير كما ذكر سيِّدنا الاُستاذ (دام ظله) في تعليقته على العروة (1) ، إذ لا عبرة بمجرّد التمكّن من الخروج والسير مع القافلة الاُولى ، وإلاّ فلازمه أ نّه لو سافر مع القافلة الاُولى وكان متمكّناً من التأخير مع الثّانية واتّفق عدم الإدراك مع الاُولى لأسباب طارئة بينما أدرك الثّانية ، أنّ الحجّ يستقر عليه في هذا الفرض ، ولا أظن أن أحداً يلتزم بذلك ، والسبب فيه أ نّه قد عمل على طبق وظيفته الشرعيّة ولم يهمل في الإمتثال، وإنّما قدّم أو أخّر بمسوغ شرعي، والعبرة في استقرار الحجّ بالإهمال والتفويت العمدي كما صرّح بذلك المحـقّق حيث أخذ عنوان الإهمال موضوعاً للإسـتقرار(2) والمفروض عدم صدق الإهمال على من عمل بوظيفته الشرعيّة وقدّم أو أخّر السير بعذر شرعي .
وما استدلّ به للإستقرار من أخبار التسويف(3) والأخبار الدالّة على خروج الحجّ من أصل المال(4) لا يعمّ المقام ، وهو من قد عمل بوظيفته الشرعيّة وكان التسويف والتأخير مستنداً إلى عذر شرعي ، فالحكم المذكور في المتن مبني على الإحتياط .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) العروة الوثقى 2 : 221 / 2981 .
(2) الشرائع 1 : 256 .
(3) الوسائل 11 : 25 / أبواب وجوب الحجّ ب 6 .
(4) الوسائل 11 : 66 / أبواب وجوب الحجّ ب 25 .
شرائط وجوب حجّة الإسلام
الشرط الأوّل : البلوغ
فلا يجب على غير البالغ وإن كان مراهقاً (1) . ولو حجّ الصبي لم يجز عن حجّة الإسلام (2) . وإن كان حجّه صحيحاً على الأظهر (3) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شرائط وجوب حجّة الإسلام
(1) لا إشكال ولا خلاف في اعتبار البلوغ في جميع التكاليف الإلهيّة ، وتدل عليه مضافاً إلى حديث جري القلم(1) جملة من الرّوايات الدالّة على أنّ حج الصبي لا يجزي عن حجّة الإسلام ، منها : معتبرة إسحاق بن عمار قال : «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن ابن عشر سنين يحجّ ؟ قال : عليه حجّة الإسلام إذا احتلم ، وكذلك الجارية عليها الحجّ إذا طمثت» (2) فإنّ المستفاد منها أنّ حج¡