ــ[21]ــ

   وبالجملة :  لا يستفاد من الروايتين كراهة استنابة الصرورة ، بل المستفاد من الروايات لزوم كون النائب صرورة إذا كان المنوب عنه رجلاً حيّاً ، كما أن المستفاد من صحيحة معاوية بن عمّار المتقدّمة استحباب كون النائب صرورة إذا كان المنوب عنه ميتاً ، لما عرفت من أن ذلك مقتضى الجمع بينها وبين صحيحة أبي أيوب المتقدّمة فكون النائب صرورة إما واجب أو مستحب فأين الكراهة .

   وربّما يقال بأن صحيحة أبي أيوب المتقدّمة غير ظاهرة في حج الإسلام وكلامنا في حج الإسلام .

   وفيه : أن الصحيحة وإن لم يقع فيها التصريح بكون الحج الموصى به حج الإسلام ولكن يظهر من الذيل أنه حج الإسلام ، لظهور قوله : «وإن كان لها مال فلتحج من مالها» في الاجتزاء بالتبرع ، ولا يكون ذلك إلاّ في مورد حج الإسلام ، لأنّ الايصاء بالحج وإخراجه من الثلث لا يسقط بالتبرع لعدم العمل بالوصية ولو تبرع ألف متبرع ، بخلاف حج الإسلام فإنه يسقط بالتبرع ويوجب فراغ ذمّة الميت المتبرع عنه ، ولا يبقى مجال للعمل بالوصية حينئذ لارتفاع موضوعها . وبعبارة واضحة : الصحيحة صريحة في تفريغ ذمّة الميت بالتبرع عنه مع أن الوصية لا تسقط به فيكشف ذلك عن كون الحج الموصى به هو حج الإسلام .

   ومن جملة الروايات الدالّة على جواز نيابة غير الصرورة عن الميت صحيحة حكم ابن حكيم «إنسان هلك ولم يحج ولم يوص بالحج فأحج عنه بعض أهله رجلاً أو امرأة ـ إلى أن قال ـ إن كان الحاج غير صرورة أجزأ عنهما جميعاً وأجزأ الذي أحجّه» (1) وهي صريحة في الإجزاء مع كون النائب غير صرورة ، ومعنى الإجزاء عنهما الإجزاء عن المنوب عنه وتفريغ ذمّته وترتب الثواب على عمل النائب .

   ومنها : الروايات الدالّة على سقوط الحج والاجتزاء بالتبرع (2) ، ولا يمكن حملها على الصرورة ، لأ نّه إذا كان النائب صرورة ذا مال يجب الحج عن نفسه .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 176 / أبواب النيابة في الحج ب 8 ح 3 .

(2) الوسائل 11 : 196 / أبواب النيابة في الحج ب 25 .

ــ[22]ــ

   [ 3148 ] مسألة 7 : يشترط في صحّة النيابة قصد النيابة وتعيين المنوب عنه في النية ولو بالإجمال(1) ولا يشترط ذكر اسمه وإن كان يستحب ذلك في جميع المواطن والمواقف .

   [ 3149 ] مسألة 8 : كما تصحّ النيابة بالتبرّع وبالإجارة كذا تصحّ بالجعالة (2) ولا تفرغ ذمّة المنـوب عنه إلاّ بإتيـان النائب صحيحاً ولا تفرغ بمجرّد الإجارة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   فظهر من جميع ما تقدّم استحباب كون النائب صرورة وجواز نيابة غير الصرورة كما يجوز التبرّع منه ، فما ذكـروه من كراهة اسـتنابة الصرورة ممّا لا أساس له ، بل استنابة الصرورة إمّا واجبة أو مستحبّة .

   (1) لأنّ النيابة عنوان قصدي لا يتحقق إلاّ بالقصد ، والواجب على النائب إتيان العمل عن الغير ، فهو وإن كان يمتثل الأمر المتوجه إلى نفسه إلاّ أن متعلقه العمل للغير فلا بدّ أن يقصده فهو مأمور بالقصد عن الغير ، ولا يتعين العمل للمنوب عنه إلاّ بالقصد عنه ، وهذا نظير إعطاء المال من الأجنبي للدائن من دون قصد تفريغ ذمّة المديون ، فإن ذلك لا يحسب من أداء الدين ولا يوجب سقوط ذمّة المدين إلاّ إذا قصد عند الاعطاء تفريغ ذمّة المدين ولو تبرعاً .

   ثمّ إنه لا بدّ من تعيين المنوب عنه بالقصد ، لاشتراك الفعل بين وجوه لا يتشخص لأحدها إلاّ بالتعيين بالقصد ولو إجمالاً ، كما إذا قصد العمل عن الشخص الذي سجّل اسمه في الدفتر أو يقصد العمل عمن اشتغلت ذمّته له ونحو ذلك .

   وهل يعتبر ذكر اسمه أم لا ؟ في بعض الروايات صرّح بذكر الاسم وفي بعضها جوز الترك (1) ، والجمع بينهما يقتضي الحمل على الاستحباب ، وقد ثبت استحباب التسمية في جميع أفعال الحج وذلك من مخصصاته .

   (2) لإطلاق الأدلّة ، والظاهر أنه لا خلاف بيننا في ذلك .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 187 / أبواب النيابة في الحج ب 16 .

ــ[23]ــ

وما دلّ من الأخبار على كون الأجير ضامناً وكفاية الإجارة في فراغها ((1)) منزّلة على أنّ الله تعالى يعطيه ثواب الحج إذا قصّر النائب في الإتيان ، أو مطروحة لعدم عمل العلماء بها بظاهرها .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ثمّ إنّه قد وقع الكلام في أنه هل تبرأ ذمّة المنوب عنه بمجرّد الاجارة أو أنه لا تفرغ ذمّته إلاّ بعد إتيان النائب العمل صحيحاً ؟

   والحق هو الثاني ، ويكون العمل المستأجر عليه حاله حال الدين في عدم سقوطه إلاّ بعد أداء المال ، وكذلك في المقام لا موجب لسقوط العمل عن ذمّة المنوب عنه بمجرّد الاجارة ما لم يؤد الأجير العمل ، فإذا لم يأت النائب بالعمل فذمّة المنوب عنه مشغولة به كما أن ذمّة النائب مشغولة به أو بمال الاجارة .

   والظاهر أ نّه لا خلاف فيما ذكرنا كما في الجواهر (2) ، ولم يقل أحد بالإجزاء بمجرّد الاجارة إلاّ صاحب الحدائق قال (رحمه الله) : لو مات الأجير قبل الإحرام فإن أمكن استعادة الاُجرة وجب الاستئجار بها ثانياً ، وإن لم يمكن فإنها تجزئ عن الميت ، فإنه لما أوصى بما في ذمّته من الحج انتقل الخطاب إلى الوصي ، والوصي لما نفذ الوصية واستأجر فقد قضى ما عليه وبقي الخطاب على المستأجر ، وحيث إنه لا مال له سقط الاستئجار مرّة اُخرى إلى آخر ما ذكره ، ثمّ قال : إن هذا الحكم وإن لم يوافق قواعد الأصحاب إلاّ أنه مدلول جملة من الأخبار (3) .

   أقول : الأخبار التي استشهد بها قاصرة الدلالة وبعضها قاصر السند أيضاً .

 فمن جملة الأخبار التي استدلّ بها مرسلة ابن أبي عمير «في رجل أخذ من رجل مالاً ولم يحج عنه ومات ولم يخلف شيئاً ، فقال : إن كان حج الأجير اُخذت حجّته ودفعت إلى صاحب المال وإن لم يكن حج كتب لصاحب المال ثواب الحج»(4) ، والرواية

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا دلالة لتلك الأخبار على كفاية الإجارة في فراغ ذمّة المنوب عنه في الفرض .

(2) الجواهر 17 : 368 .

(3) الحدائق 14 : 257 ـ 258 .

(4) الوسائل 11 : 194 / أبواب النيابة باب 23 ح 1 .

ــ[24]ــ

ضعيفة سنداً بالارسال وإن كان المرسل ابن أبي عمير ، لما ذكرنا مراراً أنّ مراسيله كسائر المراسيل ، وأمّا ما ذكره الشـيخ من أن ابن أبي عمير لا يروي إلاّ عن ثقة(1) فلم يثبت ، بل الشـيخ بنفسه يضعف أحياناً بعض مراسـيله(2) ، وأمّا ضعف الدلالة فسنذكره بعد ذكر الأخبار .

   ومنها : مرسل الصدوق «الرجل يأخذ الحجة من الرجل فيموت فلا يترك شيئاً فقال : أجزأت عن الميت وإن كان له عند الله حجة اثبتت لصاحبه» (3) ، وهي أيضاً ضعيفة بالارسال .

   ومنها: معتبرة موسى بن عمّار «عن رجل أخذ دراهم رجل (ليحج عنه ـ كما في التهذيب ـ ) فأنفقها ، فلمّا حضر أوان الحج لم يقدر الرجل على شيء قال : يحتال ويحج عن صاحبه كما ضمن ، سئل إن لم يقدر ، قال : إن كانت له عند الله حجّة أخذها منه فجعلها للّذي أخذ منه الحجّة» (4) ، والعمدة هذه الرواية لصحّة سندها .

   وأمّا ضعف دلالتها على كفاية الاجارة في فراغ ذمّة المنوب عنه فلوجوه :

   أحدها : عدم دلالة الروايات على أن الحج المذكور فيها حج الإسلام وكلامنا في حج الإسلام ، بل يظهر منها أن الحج الذي ذكر فيها غير حج الإسلام ، لظهور قوله : «أخذ دراهم رجل» في كون المنوب عنه حيّاً ، والحج عن الحي لا يكون بحج الإسلام إذ لم يفرض فيه العجز والهرم .

   ثانيها : لو سلمنا إطلاق الروايات من حيث حجّ الإسلام وغيره ، فنقيّدها بالروايات الدالّة على أن الحي يجهز رجلاً للحج(5) ، والتجهيز لا يتحقق إلاّ بإرسال شخص للحج ، ومجرّد التوكيل والايجار لا يوجب صدق عنوان التجهيز والارسال .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عدّة الاُصول 1 : 58  السطر 8 .

(2) التهذيب 8 : 257 .

(3) الفقيه 2 : 261 ح 1269 ، الوسائل 11 : 194 / أبواب النيابة ب 23 ح 2 .

(4) الوسائل 11 : 195 / أبواب النيابة ب 23 ح 3 ، التهذيب 5 : 461 ح 1608 .

(5) الوسائل 11 : 66 / أبواب وجوب الحج ب 25 .

ــ[25]ــ

   وثالثها : أنا سنذكر أن الأجير إذا مات في الطريق قبل الإحرام لم يسقط الحج عن ذمّة المنوب عنه فكيف إذا مات قبل خروجه ، وحينئذ فنحمل هذه الروايات على الحج الاستحبابي لا محالة .

   وبالجملة : الروايات المزبورة ضعيفة دلالة مضافاً إلى ضعف إسناد بعضها ، فلا حاجة في عدم الاعتماد عليها إلى التمسك بإعراض الأصحاب عنها ، هذا .

   وقد يستدل لصاحب الحدائق بمعتبرة إسحاق بن عمّار «عن الرجل يموت فيوصي بحجة فيعطى رجل دراهم يحج بها عنه فيموت قبل أن يحج ، ثمّ اُعطي الدراهم غيره فقال : إن مات في الطريق أو بمكّة قبل أن يقضي مناسكه فإنه يجزئ عن الأوّل ، قلت : فإن ابتلي بشيء يفسد عليه حجّه حتى يصير عليه الحج من قابل أيجزئ عن الأوّل ؟ قال : نعم ، قلت : لأنّ الأجير ضامن للحج ؟ قال : نعم» (1) ، فإن المستفادمنها انتقال الحج من ذمّة المنوب عنه إلى ذمّة الأجير لأنه ضامن .

   وفيه : أن المعتبرة غير دالّة على الإجزاء قبل الخروج وقبل الشروع في السفر كما هو المدعى ، وإنما تدل على الإجزاء إذا مات قبل انقضاء المناسك والانتهاء من الأعمال كما سنوضحه إن شاء الله تعالى في المسألة العاشرة . وأمّا ضمان الأجير للحج فلأجل إفساده الحج، فإن الأجير إذا أفسد حجّه بالجماع يجب عليه الحج ثانياً من قابل، وهذا الحج الذي يأتي به ثانياً أجنبي عن المنوب عنه ، نظير الكفّارة الثابتة على ذمّة الأجير إذا أتى بموجبها .

   والحاصل : الروايات التي استدلّ بها صاحب الحدائق غير ظاهرة فيما ذهب إليه . مضافاً إلى ضعف أسانيد بعضها ، هذا كله في موت النائب في منزله وبلده قبل أن يخرج إلى الحج ، وأمّا إذا مات في الطريق قبل الإحرام أو بعده فسنتعرض إلى ذلك في المسألة العاشرة مفصّلاً فانتظر .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 185 / أبواب النيابة في الحج ب 15 ح 1 .

ــ[26]ــ

   [ 3150 ] مسألة 9 : لا يجوز استئجار المعذور في ترك بعض الأعمال ، بل لو تبرّع المعذور يشكل الاكتفاء به (1) .

   [ 3151 ] مسألة 10 : إذا مات النائب قبل الإتيان بالمناسك فإن كان قبل الإحرام لم يجزئ عن المنوب عنه ، لما مرّ من كون الأصل عدم فراغ ذمّته إلاّ بالإتيان بعد حمل الأخبار الدالّة على ضمان الأجير على ما أشرنا إليه، وإن مات بعد الإحرام ودخول الحرم أجزأ عنه(2)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) قد ذكرنا في باب قضاء الصلاة (1) عدم جواز استنابة المعذور ، بل ذكرنا عدم جواز الاكتفاء بتبرّعه ، وذلك لأنّ الذي يجب على المكلف أوّلاً إنما هو العمل التام الواجد لجميع الأجزاء والشرائط، ولا ينتقل الأمر إلى الفاقد إلاّ بعد العذر عن إتيان الواجد التام ، وهكذا الحال بالنسبة إلى النائب ، فإن الواجب على المكلف استنابة طبيعي النائب ولا يختص بشخص خاص ، فإذا تمكن المكلف من استنابة النائب القادر على إتيان الأعمال التامّة لا يجوز له استنابة العاجز المعذور الذي لا يتمكّن من إتيان العمل التام ، لعدم الدليل على جواز استنابة المعذور وجواز الاكتفاء بالناقص بعد فرض تمكنه من استنابة القادر .

   وبما قلنا يظهر أنّ التبرّع بالناقص لا يوجب فراغ ذمّة المتبرع له ، لأنّ الواجب عليه هو الحج الكامل التام .

   (2) موت النائب قبل الاتيان بالمناسك يتصور على أنحاء :

   الأوّل : ما إذا مات النائب بعد الإحرام وبعد دخول الحرم .

   الثاني : ما إذا مات بعد الإحرام وقبل الدخول في الحرم .

   الثالث : موته في الطريق بعد الخروج من بيته وبعد الشروع في السفر قبل الإحرام ، وأمّا الموت قبل الخروج من منزله فقد عرفت في المسألة السابقة ـ بما لا مزيد عليه ـ عدم الإجزاء جزماً خلافاً لصاحب الحدائق .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في المسألة [ 1824 ] .

ــ[27]ــ

   أمّا الفرض الأوّل : فلا ريب في الإجزاء فيه ، لا لكون الحكم في الحاج عن نفسه كذلك ، لعدم التلازم والاشتراك في الحـكم بين النائب والمنوب عنه ، فإنّ الاشتراك بينهما إنّما هو في أفعال الحج وأعماله لا في اللوازم المترتبة على الحج ، إذ يمكن اختصاص كل منهما بحكم أجنبي عن الآخر ، فالتعدي من أحدهما إلى الآخر يحتاج إلى الدليل، بل إنّما نقول بالإجزاء في النائب أيضاً لأ نّه القدر المتيقّن من موثقة إسحاق ابن عمّار المتقدِّمة (1) .

   ولكن المصنف (قدس سره) ذكر أن الموثقة مطلقة من حيث الدخول في الحرم وعدمه ، وتقيد بمرسلة المقنعة «من خرج حاجاً فمات في الطريق فإنه إن كان مات في الحرم فقد سقطت عنه الحجّة» (2) الشاملة للحاج عن غيره أيضاً ، وضعفها سنداً بل ودلالة منجبر بالشهرة ، فالجمع بين موثقة إسحاق بن عمّار والمرسلة يقتضي الإجزاء عن المنوب عنه إذا مات النائب بعد الإحرام ودخول الحرم ، ولا تعارضها موثقة عمّار الدالّة على أن النائب إذا مات في الطريق يجب عليه الإيصاء (3) ، لأ نّها محمولة على ما إذا مات النائب قبل الإحرام ، أو على الاستحباب .

   ويرد عليه : أ نّه لا يمكن التقييد بالمرسلة ، لضعفها سنداً بالإرسال ، ودلالة لاختصاصها بالحاج عن نفسه بقرينة ذيلها لظهوره في الأصيل ، وأمّا ضعف الدلالة فلا ينجبر بالشهرة ولو قلنا بانجبار ضعف السند بها .

   فالأولى بل المتعيّن أن يقال: إنّ موثقة إسحاق وإن كانت مطلقة إلاّ أن القدر المتيقّن منها موت النائب بعد الإحرام ودخول الحرم ، فلا ينبغي الإشكال في الإجزاء في هذه الصورة .

   وأمّا الثاني : وهو ما إذا مات النائب بعد الإحرام وقبل دخول الحرم ، ففي الإجزاء

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 25 .

(2) الوسائل 11 : 69 / أبواب وجوب الحج ب 26 ح 4 ، المقنعة : 445 .

(3) الوسائل 11 : 186 / أبواب النيابة في الحج ب 15 ح 5 .

ــ[28]ــ

قولان ، والظاهر هو الإجزاء ، لصدق عنوان أنه مات في الطريق قبل أن يقضي مناسكه الذي ذكر في الموثق ، ولا معارض له سوى موثقة عمّار الساباطي «في رجل حج عن آخر ومات في الطريق ، قال : وقد وقع أجره على الله ، ولكن يوصي فإن قدر على رجل يركب في رحله ويأكل زاده فعل» (1) ، فإن المستفاد منها عدم الإجزاء عن المنوب عنه إذا مات النائب في الطريق وأن عليه أن يوصي أن يحج رجل آخر ، ولكن لا بدّ من حملها على الموت قبل الإحرام ، بيان ذلك :

   أنّ المستفاد من موثقة إسحاق هو الإجزاء إذا شرع في الأعمال ولو بالإحرام ، فإنّ قوله : «قبل أن يقضي مناسكه» معناه قبل الانتهاء من مناسكه وأعماله ، فإنّ القضاء هنا بمعنى الإتمام والانتهاء ، ومنه إطلاق القاضي على من يحكم بين المتخاصمين لانهائه النزاع بينهما ، ولا يصدق هذا المعنى إلاّ بعد الشروع في الأعمال ولا أقل في الإحرام .

   والحاصل: هذه الجملة «إن مات في الطريق أو بمكّة قبل أن يقضي مناسكه» ظاهرة في الإجزاء إذا مات في الطريق قبل الانتهاء من أعماله ولو بالشروع في الإحرام وعدم إتمامه ، كما أنها ظاهرة فيه إذا دخل مكّة ولم يتم مناسكه ، هذا بناء على رجوع القيد أعني «قبل أن يقضي مناسكه» إلى الأمرين أي الموت في الطريق والدخول إلى مكّة ، وأمّا إذا مات قبل الإحرام فلا يصدق عليه أنه مات قبل انتهاء عمله ، إذ لم يشرع في عمل حتى ينهيه ، هذا ما يستفاد من موثق إسحاق .

   وأمّا موثق عمّار الساباطي الدال على عدم الإجزاء إذا مات في الطريق فمطلق من حيث الإحرام وعدمه ، فتكون النسبة بينه وبين موثق إسحاق نسبة العموم والخصوص ، ومقتضى الجمع بينهما هو الإجزاء بعد الإحرام وعدمه قبله ، فيكون الحكم في النائب أوسع منه في الحاج عن نفسه ، لأنّ الحاج عن نفسه إذا مات إنما يجزئ حجّه إذا مات بعد الإحرام وبعد دخول الحرم ، ولكن النائب يجزئ إذا مات

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 186 / أبواب النيابة في الحج ب 15 ح 5 .

ــ[29]ــ

بعد الإحرام وإن لم يدخل الحرم ، لما عرفت أن الميزان في الإجزاء في مورد النائب بمجرد الشروع في العمل ولو بالإحرام وإن لم يتمه ، فتختص موثقة عمّار الدالّة على عدم الإجزاء بالموت قبل الإحرام .

   هذا كلّه بناء على رجوع القيد وهو قوله : «قبل أن يقضي مناسكه» إلى الأمرين وهما الموت في الطريق والدخول في مكّة كما هو الظاهر ، نظير ما إذا قيل : (جئني بزيد أو عمرو يوم الجمعة) ، فإن القيد يرجع إليهما معاً ، وأمّا لو قلنا بعدم ظهور رجوع القيد إلى الأمرين فتكون الرواية بالنسبة إلى الموت في الطريق مجملة ، لاحتمال اختصاص رجوع القيد إلى الأخير وهو الدخول إلى مكّة ، فحينئذ لا بدّ من الاقتصار على المتيقن وهو الإجزاء بعد الإحرام ودخول الحرم فلا ظهور للموثقة في الإجزاء قبل الإحرام .

   وبالجملة : لا يظهر من الموثقة الإجزاء قبل الإحرام سواء قلنا بأنها ظاهرة في الإجزاء بعد الإحرام كما هو الظاهر ، أو قلنا بأن القدر المتيقن منها هو الإجزاء بعد الإحرام وبعد دخول الحرم .

   وممّا بينا ظهر حال الصورة الثالثة وهي ما إذا مات في الطريق بعد الخروج من بيته وبعد الشروع في السفر وقبل الإحرام .

   فتلخص من جميع ما تقدّم أن صور المسألة أربع :

   الاُولى : ما إذا مات النائب في بيته ومنزله قبل أن يشرع في السفر ، ولا إشكال في عدم الإجزاء بذلك ، لما عرفت من أن مجرد الاستنابة والايجار لا يكفي في تفريغ ذمّة الميت ، بل لا بدّ من إتيـان العمـل خارجاً خـلافاً لصاحب الحدائق(1) (رحمه الله) مستشهداً بعدّة من الروايات التي تقدّمت وذكرنا ضعفها سنداً ودلالة .

   الثانية : ما إذا مات بعد الإحرام ودخول الحرم .

   الثالثة : إذا مات بعد الإحرام وقبل الدخول في الحرم .

   الرابعة : إذا مات بعد الخروج من منزلة وبعد الشروع في السفر وقبل الإحرام .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحدائق 14 : 257 .

ــ[30]ــ

لا لكون الحكم كذلك في الحاج عن نفسه لاختصاص ما دلّ عليه به ، وكون فعل النائب فعل المنوب عنه لا يقتضي الإلحاق ، بل لموثقة إسحاق بن عمّار المؤيدة بمرسلتي الحسين بن عثمان والحسين بن يحيى الدالّة على أن النائب إذا مات في الطريق أجزأ عن المنوب عنه المقيّدة بمرسلة المقنعة «من خرج حاجاً فمات في الطريق فإنه إن كان مات في الحرم فقد سقطت عنه الحجة» الشاملة للحاج عن غيره أيضاً ، ولا تعارضها موثقة عمّار الدالّة على أن النائب إذا مات في الطريق عليه أن يوصي ، لأ نّها محمولة على ما إذا مات قبل الإحرام أو على الاستحباب . مضافاً إلى الاجماع على عدم كفاية مطلق الموت في الطريق ، وضعفها سنداً بل ودلالة منجبر بالشهرة والإجماعات المنقولة فلا ينبغي الإشكال في الإجزاء في الصورة المزبورة .

   وأمّا إذا مات بعد الإحرام وقبل دخول الحرم ففي الإجزاء قولان ، ولا يبعد الإجزاء وإن لم نقل به في الحاج عن نفسه ، لإطلاق الأخبار في المقام والقدر المتيقن من التقييد هو اعتبار كونه بعد الإحـرام ، لكن الأقوى عدمه ((1)) ، فحاله حال الحاج عن نفسه في اعتبار الأمرين في الإجـزاء ، والظاهر عدم الفرق بين حجّة الإسلام وغيرها من أقسام الحج ، وكون النيابة بالاُجرة أو بالتبرّع .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ولا يخفى أنّ مقتضى القاعدة هو عدم الإجزاء في جميع الصور ، لعدم صدور العمل المستأجر عليه من الأجير، ويدلّ عليه مضافاً إلى ذلك موثق عمّار الساباطي المتقدّم(2) ، للأمر فيه بالإيصاء إذا حصلت أمارة الموت للنائب في أثناء الطريق ، وأمّا بحسب الروايات فلا ريب في الإجـزاء إذا مات بعد الإحرام ودخول الحـرم كما هو المستفاد من موثقة إسحاق بن عمّار ، وقد عرفت أن هذه الصورة هي القدر المتيقن من النص ، كما أن الظاهر منه هو الإجزاء إذا مات بعد الإحرام وقبل الدخول في الحرم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بل الأقوى هو الإجزاء .

(2) في ص 28 .

ــ[31]ــ

   [ 3152 ] مسألة 11 : إذا مات الأجير بعد الإحرام ودخول الحرم((1)) يستحق تمام الاُجرة إذا كان أجيراً على تفريغ الذمّة ، وبالنسبة إلى ما أتى به من الأعمال إذا  كان أجيراً على الإتيـان بالحج بمعنى الأعمال المخصـوصة ، وإن مات قبل ذلك لا يستحق شيئاً سواء مات قبل الشروع في المشي أو بعده وقبل الإحرام أو بعده ((2)) وقبل الدخول في الحرم ، لأنه لم يأت بالعمل المستأجر عليه لا كلاًّ ولا بعضاً بعد فرض عدم إجزائه ، من غير فرق بين أن يكون المستأجر عليه نفس الأعمال أو مع المقدّمات من المشي ونحوه (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لما تقدّم أن موضوع الإجزاء هو الشروع في العمل وذلك صادق على من أحرم وإن لم يدخل الحرم، فإن الإحرام أوّل أعمال الحج .

   وممّا ذكرنا ظهر عدم الإجزاء إذا مات في الطريق قبل الإحرام ، لعدم صدق الشروع في الأعمال ـ الذي هو موضوع الإجزاء ـ بمجرد السفر والخروج من البيت فإن ذلك من مقدّمات الحج للوصول إلى أعماله وأفعاله لا من أعماله ، فلا ظهور لموثق إسحاق لما قبل الإحرام ، فالمرجع حينئذ القاعدة الأولية المقتضية لعدم الإجزاء مضافاً إلى موثقة عمّار الساباطي ، وقد ظهر بما ذكرنا أيضاً عدم الإجزاء في الصورة الرابعة كالاُولى ، فيختص الإجزاء بالصورة الثانية والثالثة .

   (1) يقع الكلام في مقامين :

   المقام الأوّل : إذا مات الأجير بعد الإحرام ودخول الحرم فقد عرفت بما لا مزيد عليه أنه لا ينبغي الريب في الإجزاء ، وهل يستحق تمام الاُجرة أم لا ؟ فيه تفصيل وهو أن النائب إذا كان أجيراً على تفريغ ذمّة الميت يست&#