|
|
كتاب الحجّ
بسم الله الرّحمن الرّحيم
تصدير
لم يكن بمقدوري يوم قدر لي أن اُقدِّم كتابنا (معتمد العروة الوثقى) إلى الطبع من إصدار البحوث فيما يتعلّق بالحج كاملة في جزء واحد نظراً لسعة الموضوع وكثرة مسائله .
إنّ هذه الكثرة وهذه التوسعة في مسائل الحج هي التي كانت مثار عجب واحد من كبار الرواة المختصّين بالإمام الصّادق (عليه السلام) وهو زرارة حيث تصدّى للسؤال منه عن ذلك .
فقال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : جعلني الله فداك أسألك في الحج منذ أربعين عاماً فتفتيني ، فأجابة الإمام بما يزيل عنه هذه الحيرة قائلاً :
«يا زرارة بيت حجّ إليه قبل آدم بألفي عام تريد أن تفنى مسائله في أربعين عاماً» (1) .
لذلك كان لا بدّ لي من ترتيب الكتاب على الاخراج بأجزاء ثلاثة ، وقد وفّقني الله سبحانه لاصدار الجزء الأوّل منها مشتملاً على البحث من أوّل الحج إلى آخر البحث عن الحج الواجب بالنذر ، ومرّة اُخرى حالفني التوفيق والحمد لله لإصدار هذا الجزء الثاني والّذي يبدأ من «البحث في النيابة بالحج» .
وإلى الله أضرع أن يشملني بعنايته لإصدار البحوث لإكمال الفائدة وتقديم ما يجب تقديمه إلى الجامعة العلميّة المقدّسة .
انّه سميع مجيب ، وهو وليّ التوفيق .
رضا الموسوي الخلخالي
النجف الأشرف ـ 6 شهر رمضان المبارك سنة 1405 هـ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 11 : 12 / أبواب وجوب الحج ب 1 ح 12 .
فصل
في النيابة
لا إشكال في صحّة النيابة عن الميت في الحج الواجب والمندوب ، وعن الحي في المندوب مطلقاً وفي الواجب في بعض الصور (1) .
[ 3142 ] مسألة 1 : يشترط في النائب أُمور :
أحدها : البلوغ على المشهور ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا ريب في جواز الاستنابة ومشروعيتها في الحج المندوب عن المسلم ميتاً كان أو حيّاً ، وقد استفاضت النصوص في ذلك ، وهي مذكورة في باب النيابة من الحج في أبواب متفرِّقة ، كما لا إشكال في ثبوت النيابة في الواجب الأصلي عن الميت بل في المنذور على ما تقدّم وإخراجه من الثلث ، وأمّا النيابة عن الحي مع تمكّنه من أداء الواجب فلا دليل عليها بل هي على خلاف القاعدة ، لأنّ مقتضاها عدم سقوط ما وجب على شخص بفعل شخص آخر ، وإنّما تفرغ ذمّته عن الواجب إذا أتى به بنفسه فسقوطه بفعل الغير يحتاج إلى الدليل ، وقد قام الدليل في خصوص النيابة عن الحي العاجز وقد تقدّم الكلام فيه (1) ، فيقع الكلام تارة في النائب واُخرى في المنوب عنه وسنتعرّض لهما تبعاً للمتن .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في المسألة 72 من شرائط وجوب الحج .
فلا يصحّ نيابة الصبي عندهم وإن كان مميِّزاً (1) ، وهو الأحوط ، لا لما قيل من عدم صحّة عباداته لكونها تمرينيّة ، لأنّ الأقوى كونها شرعيّة ، ولا لعدم الوثوق به
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أمّا النائب فقد اعتبروا فيه اُموراً وهي أوّلاً : البلوغ . ويقع الكلام تارة في غير المميِّز واُخرى في المميِّز .
أمّا غير المميز فلا ريب في عدم صحّة نيابته لعدم تحقّق القصد منه في أفعاله وأعماله ، وحاله من هذه الجهة كالحيوانات .
وأمّا الصبي المميِّز فالمشهور عدم صحّة نيابته ، واستدلّوا بأمرين :
الأوّل : عدم صحّة عبادته وعدم مشروعيتها ، وبتعبير آخر : عباداته ليست عبادة في الحقيقة لتقع عن الغير وإنما هي تمرينية .
وفيه : ما ذكرناه غير مرّة من أن عبادة الصبي مشروعة ، ولا فرق بينها وبين عبادة البالغين إلاّ بالوجوب وعدمه .
الثاني : عدم الوثوق بعمله لعدم الرادع له من جهة عدم تكليفه .
وفيه : أن بين الوثوق والبلوغ عموماً من وجه ، وغير البالغ كالبالغ في حصول الوثوق به وعدمه فالدليل أخصّ من المدعى ، فلا فرق بين البالغ وغيره من هذه الجهة ، ولذا لا ينبغي الرّيب في استحباب نيابة الصبي في الحج كما يستحب لغيره من البالغين ، نعم لو كانت النيابة بالاجارة فحينئذ تتوقّف على إذن الولي من باب توقّف معاملاته على إذنه وعدم استقلاله فيها .
ويظهر من المصنف (قدس سره) توقف صحّة حجّه على إذن الولي مطلقاً ، سواء كان عن إجارة أو تبرّع ، وليس الأمر كذلك ، لأنّ المتوقف على إذن الولي إنما هو معاملاته من العقود والايقاعات لا عباداته وسائر أفعاله غير العقود والايقاعات .
والصحيح أن يقال : إن نيابة الصبي في الحج الواجب بحيث توجب سقوط الواجب عن ذمّة المنوب عنه غير ثابتة ، وتحتاج إلى الدليل ولا دليل ، بل مقتضى القاعدة اشتغال ذمّة المنوب عنه بالواجب وعدم سقوطه عنه بفعل الصبي وإن كانت
ــ[5]ــ
بين شرعيّة عباداته وسقوط الوجوب عن ذمّة المنوب عنه .
والحاصل : مقتضى الأصل عدم فراغ ذمّة المنوب عنه بفعل الغير إلاّ إذا ثبت بالدليل ، ولا دليل على تفريغ ذمّة المكلف بفعل الصبي وإن كان فعله صحيحاً في نفسه ، نظير ما ذكرناه في صلاة الصبي على الميت فإنّها لا توجب سقوط الصلاة عن المكلّفين ، فلا بدّ من النظر إلى الأدلّة والروايات الواردة في باب النيابة ، فقد ورد في جملة منها لفظ «الرجل» (1) وهو غير شامل للصبي ، ولذا استشكلنا في نيابة المرأة عن الرجل الحي ، ودعوى أن ذكر الرجل من باب المثال عهدتها على مدّعيها .
وأمّا في النيابة عن الأموات فقد وردت نيابة المرأة عن الرجل وبالعكس ، وكذا نيابة المرأة عن المرأة كما في صحيح حكم بن حكيم ، قال (عليه السلام) : «يحج الرّجل عن المرأة والمرأة عن الرجل والمرأة عن المرأة» (2) وأمّا الرجل عن الرجل فلم يذكر فيه لوضوحه ، فيعلم من هذه الرواية ـ من جهة استقصاء موارد النيابة فيها ـ أن النيابة تنحصر في هذه الموارد ، فكأن المغروس في ذهن السائل شبهة وهي احتمال اتحاد الجنس بين النائب والمنوب عنه ، ولذا حكم (عليه السلام) بجواز النيابة في هذه الموارد المشتبهة المحتملة عند السائل ، وحيث إنه (عليه السلام) في مقام البيان تنحصر موارد جواز النيابة في الموارد المذكورة ، ولم يذكر الصبي في الرواية ، وأمّا نيابة المرأة عن الرجل الحي فلا نلتزم بها أيضاً للروايات الدالّة على أنّ الحي يبعث رجلاً صرورة إلى الحج(3) .
والحاصل: أنّ النيابة على خلاف القاعدة والاكتفاء بفعل النائب على خلاف الأصل فلا بدّ من الاقتصار على مقدار ما دلّ الدليل عليه وفي غيره فالمرجع هو الأصل ، ولم يقم أي دليل على جواز نيابة الصبي والاكتفاء بفعله في الواجبات الثابتة على ذمّة الغير .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 11 : 176 / أبواب النيابة ب 8 ، 10 ، 11 .
(2) الوسائل 11 : 177 / أبواب النيابة ب 8 ح 6 .
(3) الوسائل 11 : 63 / أبواب وجوب الحج ب 24 .
ــ[6]ــ
أمّا عبادات الصبي نفسه فتارة في مورد الواجبات واُخرى في مورد المستحبّات أمّا في مورد الواجبات فشرعيتها بالنسبة إليه في خصوص الصلاة والصوم والحج ثابتة ، للنصوص الخاصّة كقولهم (عليهم السلام) : «إنا نأمر صبياننا بالصّلاة فمروا صبيانكم بالصّلاة» (1) وذكرنا في محله أن الأمر بالأمر بشيء أمر بذلك الشيء (2) . ونحوه ورد في الصوم «فمروا صبيانكم إذا كانوا بني تسع سنين بالصوم» كما في صحيح الحلبي (3) وكذلك الروايات الآمرة بإحجاج الصبيان (4) .
وأمّا في موارد المستحبات كصلاة الليل وصلاة جعفر وغيرهما من المستحبات فشرعيّتها للصبيان لا تحتاج إلى دليل خاص ، بل يكفي نفس إطلاق أدلّة المستحبات فإنه يشمل البالغين وغيرهم ، ومن ذلك إطلاق استحباب النيابة فإنه يشمل الصبي أيضاً ، فإن النيابة عن الغير في نفسها مستحبة كما في جملة من الأخبار (5) .
بل ربّما يقال بأن إطلاق أدلّة الواجبات يشمل الصبيان نظير إطلاق أدلّة المستحبات ، غاية الأمر يرتفع الوجوب لحديث رفع القلم (6) ويبقى أصل المطلوبية والرجحان ، ويرد بأن الوجوب أمر وحداني بسيط إذا ارتفع يرتفع من أصله ، وليس أمراً مركّباً ليرتفع أحد جزئيه بحديث رفع القلم ويبقى الآخر .
ثمّ إنه قد ورد في خصوص نيابة الحج عن الميت ما يشمل بإطلاقه الصبي كما في معتبرة معاوية بن عمّار «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : ما يلحق الرّجل بعد موته فقال ... والولد الطيب يدعو لوالديه بعد موتهما ويحجّ ويتصدّق ويعتق عنهما ويصلِّي ويصوم عنهما» (7) فإن الولد يشمل غير البالغ أيضاً .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 4 : 23 / أبواب أعداد الفرائض ب 3 ح 5 وغيره .
(2) محاضرات في اُصول الفقه 4 : 76 .
(3) الوسائل 10 : 234 / أبواب من يصح منه الصوم ب 29 ح 3 وغيره .
(4) الوسائل 11 : 286 / أبواب أقسام الحج ب 17 .
(5) الوسائل 11 : 196 / أبواب النيابة في الحج ب 25 .
(6) الوسائل 1 : 45 / أبواب مقدّمة العبادات ب 4 ح 11 ، 12 .
(7) الوسائل 2 : 445 / أبواب الاحتضار ب 28 ح 6 .
ــ[7]ــ
لعدم الرّادع له من جهة عدم تكليفه ، لأنه أخص من المدعى بل لأصالة عدم فراغ ذمّة المنوب عنه بعد دعوى انصراف الأدلّة ، خصوصاً مع اشتمال جملة من الأخبار على لفظ الرّجل ولا فرق بين أن يكون حجّه بالإجارة أو بالتبرّع بإذن الولي أو عدمه وإن كان لا يبعد دعوى صحّة نيابته في الحج المندوب بإذن الولي .
الثاني : العقل ، فلا تصح نيابة المجنون الذي لا يتحقق منه القصد ، مطبقاً كان جنونه أو أدوارياً في دور جنونه (1) ، ولا بأس بنيابة السفيه .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأمّا نيابته عن الحي فيدلّ عليها بالخصوص رواية يحيى الأزرق ، قال (عليه السلام) : «من حج عن إنسان اشتركا» (1) فإن إطلاق قوله «من حج» يشمل الصبي والظاهر من قوله «عن إنسان» هو الحي ، والمستفاد من الرواية أن كل من ناب عن إنسان حي سواء كان النائب بالغاً أو غيره اشترك في الثواب والأجر ، ولكن الكلام في سند هذه الرواية ، فإن يحيى الأزرق مردد بين يحيى بن عبدالرحمن الثقة الذي هو من مشاهير الرواة وله كتاب وبين يحيى بن حسان الكوفي الأزرق الذي لم يوثق .
وربّما يقال: إن يحيى الأزرق المذكور في أسانيد الفقيه منصرف إلى يحيى بن عبدالرحمن لشهرته، ويبعّده أن الشيخ ذكر يحيى الأزرق مستقلاً في قبال يحيى بن عبدالرحمن ويحيى بن حسان(2) فيعلم من ذلك أنه شخص ثالث لم يوثق ، ولا قرينة على انصرافه إلى يحيى بن عبدالرحمن الثقة فالرواية ضعيفة ، ولكن يكفينا في صحّة نيابة الصبي عن الحي في المستحبات إطلاق أدلّة النيابة (3) .
(1) فإنه كالحيوان من هذه الجهة ، وأمّا نيابة السفيه فلا إشكال فيها لإطلاق الأدلّة وتحقق القصد منه ، والحجر عليه في أمواله وتصرفاته المالية لا يمنع عن الأخذ بالاطلاق لعدم المنافاة بينهما .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 11 : 193 / أبواب النيابة في الحج ب 21 ح 2 .
(2) رجال الطوسي : 322 / 4813 .
(3) الوسائل 11 : 196 / أبواب النيابة في الحج ب 25 .
ــ[8]ــ
الثالث : الإيمان ، لعدم صحّة عمل غير المؤمن وإن كان معتقداً بوجوبه وحصل منه نيّة القربة ، ودعوى أن ذلك في العمل لنفسه دون غيره كما ترى(1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إذا كان عمل غير المؤمن فاقداً لجزء أو شرط من الأجزاء والشرائط المعتبرة عندنا فلا كلام في عدم الإجزاء ، لأنّ العمل الباطل في حكم العدم ، وإنما يقال بإجزاء عمل النائب عن المنوب عنه فيما إذا كان العمـل في نفسه صحيحاً ، وإلاّ فلا ريب في عدم الاجتزاء به وإن كان النائب مؤمناً ، ولعلّ الوجه في عدم تعرض الأكثر لذكر الشرط المذكور هو بطلان عمل المخالف في نفسه ، ومورد النيابة هو العمل الصحيح فلا يستفاد من عدم تعرّضهم لهذا الشرط عدم اعتبار الإيمان في النائب كما توهّم .
وأمّا إذا فرضنا أ نّه أتى بعمل صحيح في نفسه واجد لجميع الشرائط والأجزاء المعتبرة عندنا وتمشى منه قصد القربة ، كما إذا رأى المخالف صحّة العمل بمذهب الحق ـ وإن كان ذلك بعيداً جدّاً خصوصاً في أعمال الحج المشتمل على أحكام كثيرة ، إذ لا أقل من بطلان وضوئه ـ فلا تصحّ نيابته أيضاً للأخبار الكثيرة الدالّة على اعتبار الإيمان والولاية في قبول الأعمال وصحّتها وبطلان العبادة بدون الولاية (1) .
ودعوى أن الأخبار ناظرة إلى أعمال نفسه ومنصرفة عن العمل عن الغير على وجه النيـابة ، ممنوعة بما ذكرنا غير مرّة أن النائب يتقرّب بالأمر المتوجه إلى نفسه فهو مأمور بالعمل لأجل تفريغ ذمّة الغير .
وبعبارة اُخرى : العمل الصادر من النائب يوجب فراغ ذمّة المنوب عنه ، فإذا فرضنا أن عمله غير مقبول فكيف يوجب سقوط الأمر عن الغير ، فإن السقوط عن ذمّته في طول الأمر المتعلِّق بالنائب ، فلا بدّ أن يكون الأمر المتعلِّق أمراً قربياً ومقبولاً في نفسه وإلاّ فلا يوجب فراغ ذمّة المنوب عنه لعدم تحقق موضوعه .
والحاصل : أن مقتضى القاعدة الأولية عدم سقوط الواجب عن ذمّة المكلف إلاّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 1 : 118 / أبواب مقدّمة العبادات ب 29 ، جامع أحاديث الشيعة 1 : 426 أبواب مقدّمة العبادات ب 19 ، المستدرك 1 : 149 / أبواب مقدّمة العبادات ب 27 .
ــ[9]ــ
الرابع : العدالة أو الوثوق بصحّة عمله((1)) ، وهذا الشرط إنّما يعتبر في جواز الاستنابة لا في صحّة عمله (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمباشرته، وإنما يسقط عن ذمّته في بعض الأحيان بإتيـان العمل من شخص آخر كالنائب للنصوص، وموضوع ذلك إنّما هو العمل القربي الصادر عن النائب ، وإلاّ فلا موجب لسقوط الواجب عن ذمّة المكلف .
هذا وقد يستدل لاعتبار الإيمان في النائب بما رواه السيّد ابن طاووس عن عمّار «في الرجل يكون عليه صلاة أو صوم هل يجوز له أن يقضيه غير عارف ؟ قال (عليه السلام) : لا يقضيه إلاّ مسلم عارف» (2) ولكن الرواية ضعيفة لا للجهل بالوسائط بين السيّد وعمّار ، لأنّ السيّد لم يرو هذه الرواية عن عمّار ابتداء ليقال بجهل الوسائط بينه وبين عمّار ، وإنّما يرويها عن كتب الشيخ وطريقه إلى كتبه صحيح ، كما أن طريق الشيخ إلى عمّار صحيح أيضاً (3) بل منشأ الضعف أن هذه الرواية غير مذكورة في كتب الشيخ ، فطريق السيّد إلى الشيخ في خصوص هذه الرواية غير معلوم فتصبح الرواية ضعيفة لأجل ذلك .
(1) لا يخفى أن هذا الشرط ـ كما ذكره المصنف ـ إنما يعتبر في جواز الاستنابة وصحّة إجارته لا في صحّة عمله ، إذ لا ريب في الاجتزاء والاكتفاء بعمل النائب إذا أتى به صحيحاً ولو كان فاسقاً ، فالظاهر هو اعتبار الوثوق بصدور العمل منه ، وتكفي في إحراز الصحّة أصالة الصحّة ولا يلزم إحرازها بالوثوق أو بأمارة اُخرى . وبالجملة : لو أحرزنا صدور العمل منه أو حصل لنا الوثوق بصدوره منه وشك في صحّته وفساده يجتزئ به لأصالة الصحّة ، فالوثوق إنما يعتبر في صدور العمل منه .
وهل يكتفى بقوله أم لا ؟ وجهان . قد يقال بحجية قوله للسيرة على قبول خبر النائب في أداء العمل ، ويضعّف بأنه لا يعلم جريان سيرة المتشرعة على ذلك بحيث
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تكفي في إحراز الصحّة أصالة الصحّة بعد إحراز عمل الأجير .
(2) الوسائل 8 : 277 / أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 5 .
(3) راجع الفهرست : 143 .
ــ[10]ــ
الخامس : معرفته بأفعال الحج وأحكامه وإن كان بإرشاد معلم حال كلّ عمل(1).
السادس : عدم اشتغال ذمّته بحج واجب عليه في ذلك العام ، فلا تصحّ نيابة من وجب عليه حجّة الإسلام أو النذر المضيّق مع تمكّنه من إتيانه ، وأمّا مع عدم تمكّنه لعدم المال فلا بأس (2) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يسمع إخبار النائب وإن لم يتحقق الوثوق بصدقه ، وأمّا قاعدة من ملك المستفادة من السيرة فإنما تجري في الاُمور الاعتبارية لا في الاُمور التكوينية الخارجية ، نظير إخبار الزوج بطلاق زوجته أو بعتق عبده أو ببيع داره ونحو ذلك من الاُمور الاعتبارية فلا يطالب بالبيِّنة كما لا يعتبر الوثوق بكلامه ولا العدالة ، وأمّا الاُمور التكوينية الخارجية فلا تثبت بمجرّد إخبار من بيده الأمر كإخبار النائب بإتيان العمل بل لا بدّ من الإثبات ، ويكفي حصول الوثوق بصدور العمل منه ، وحينئذ لو شك في أ نّه هل أتى به صحيحاً أم لا ، يحمل على الصحّة لأصالة الصحّة .
(1) يقع الكلام تارة في عمل النائب واُخرى في الاستئجار والنيابة .
أمّا الأوّل : إذا ناب عن الغير تبرعاً وكان جاهلاً بالأحكام ولكن نفرض أ نّه يتعلّم من مرشد أثناء العمل تدريجاً فلا ريب في صحّة عمله ، كما إذا أتى بالحج عن نفسه بإرشاد عارف بالأحكام تدريجاً وتعليم منه . والحاصل : إذا كان العامل جاهلاً بالأفعال والأحكام ونوى العمل إجمالاً على ما هو عليه وشرع فيه ولكن في الأثناء يتعلم من المرشد تدريجاً ، فلا ريب في صحّة عمله سواء كان العمل لنفسه أو عن الغير لعدم نقص في عمله ، ولا موجب للبطلان بعد كونه واجداً لجميع ما يعتبر فيه .
وأمّا الثاني : فالظاهر عدم صحّة إجارته واستنابته للجهل بمتعلق الاجارة ، لأنّ المفروض أنه يؤجر نفسه للحج وهو جاهل به فتكون الإجارة غررية ، فلا بدّ أن يكون عارفاً وعالماً بمقدار يخرجه عن الغرر كما هو الحال في إجارة سائر الأعمال والأفعال .
(2) هذا الشرط أيضاً لصحّة الاستنابة والاجارة لا لصحّة الحج الصادر منه ، فيقع
ــ[11]ــ
فلو حجّ عن غيره مع تمكّنه من الحج لنفسه بطل على المشهور، لكن الأقوى أن هذا الشرط إنّما هو لصحّة الاسـتنابة والإجارة وإلاّ فالحج صحيح وإن لم يستحق الاُجرة ((1)) ، وتبرأ ذمّة المنوب عنه على ما هو الأقوى من عدم كون الأمر بالشيء نهياً عن ضدّه ، مع أن ذلك على القول به وإيجابه للبطلان إنّما يتمّ مع العلم والعمد وأمّا مع الجهل ((2)) والغفلة فلا ، بل الظاهر صحّة الإجارة أيضاً على هذا التقدير ، لأنّ البطلان إنما هو من جهة عدم القدرة الشرعيّة على العمل المستأجر عليه حيث إنّ المانع الشرعي كالمانع العقلي ، ومع الجهل أو الغفلة لا مانع لأ نّه قادر شرعاً .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكلام في مقامين :
أحدهما : في صحّة العمل والحج الواقع منه .
ثانيهما : في صحّة الاجارة .
أمّا الأوّل : فالحج الصادر منه صحيح ، لأنّ هذه المسألة من صغريات باب التزاحم للتضاد بين الحجّين ، الحج الثابت في ذمّته والحج النيابي ، ولا يمكن الجمع بينهما في سنة واحدة ، وحيث إنه يجوز الأمر بالضدّين على نحو الترتب ، بمعنى أنه يؤمر أوّلاً بالحج عن نفسه وعلى تقدير الترك أو العصيان يؤمر ثانياً بالحج عن الغير فيحكم بصحّة الحج الصادر منه على وجه النيابة بالأمر الترتبي .
وأمّا المقام الثاني : فالظاهر بطلان إجارته ولا يمكن تصحيحها بالترتّب ، لأنّ متعلق الاجارة إن كان مطلقاً فالحكم بصحّتها ووجوب الوفاء بها يستلزم الأمر بالضدّين ، إذ المفروض أن الأمر بالحج عن نفسه مطلق ومتحقق بالفعل ، كما أن الأمر الاجاري على الفرض مطلق فامضاؤه شرعاً يستلزم الأمر باجتماع الضدّين ، وأمّا إمضاؤه معلقاً على ترك الحج عن نفسه فهو وإن كان ممكناً إلاّ أنه لم ينشأ ، فما اُنشأ غير قابل للامضاء وما هو قابل له لم ينشأ ، وإن كان متعلِّق الاجارة مقيّداً ومعلقاً
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أي الاُجرة المسماة ، وإلاّ فهو يستحق اُجرة المثل على الآمر إن لم يكن متبرعاً بعمله .
(2) إذا لم يكن عن تقصير كما تقدّم .
ــ[12]ــ
[ 3143 ] مسألة 2 : لا يشترط في النائب الحرية ، فتصحّ نيابة المملوك بإذن مولاه ولا تصحّ استنابته بدونه ، ولو حج بدون إذنه بطل (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على ترك الحج عن نفسه فيبطل عقد الإجارة للتعليق المجمع على بطلانه ، وعليه فلا يستحق النائب اُجرة المسمّى ، نعم لا ريب في استحقاقه اُجرة المثل بناء على القاعدة المعروفة كلّ شيء يضمن بصحيحه يضمن بفاسده .
ثمّ إنّ بطلان الحج النيابي على القول به لا بدّ من تخصيصه بحال العلم والعمد ، أعني فيما إذا كان الأمر بحج الإسلام منجزاً ، كما إذا كان عالماً بوجوب الحج وكان له مال يتمكّن معه من الحج ويتركه ، أو كان جاهلاً به جهلاً غير عذري ، وأمّا إذا كان معذوراً فلا مانع من الأمر بالضدّ الآخر ، فإن الأمر الواقعي غير منجز والمانع إنّما هو الأمر المنجز ، وكذا لو لم يتمكّن من الحج عن نفسه أصلاً ، فإنّ مجرّد اشتغال الذمّة واقعاً غير مانع عن الأمر بالضد الآخر .
وأظهر من ذلك مورد الغفلة الذي يوجب سقوط الأمر بالأهم بالمرّة ، إذ لا مانع من فعلية الأمر بالضد الآخر حينئذ .
وبذلك يظهر الحال في صحّة الاستئجار مع عدم تنجز وجوب الحج عليه ولو من جهة الجهل إذا كان معذوراً ، وقد تقدّم الكلام في هذه المسألة مفصلاً في المسألة العاشرة بعد المائة من شرائط وجوب الحج (1) .
(1) لا تعتبر الحرية في النائب بعد كونه مؤمناً عارفاً بالحق ، لإطلاق الأدلّة والعبودية غير مان