|
|
|
الصدوق رواها في الفقيه بلا زيادة الحجّ ، ولا الصلاة (1) .
والظاهر أن الرواية واحدة سنداً ومتناً ، حتى لا اختلاف في الألفاظ إلاّ يسيراً ولم يعلم أن هذه الزيادة مما ذكره الإمام (عليه السلام) أم لا ، مع أن الكافي أضبط ، بل الفقيه أضبط من العلل ، ومع هذا الإختلاف لا يمكن الإعتماد على صحّة هذه الزيادة . ومع الغض عن ذلك لا يمكن الإعتماد على الرواية لوجهين آخرين :
أحدهما : اشتمال الرواية على توقف الصلاة تطوعاً على إذن الأبوين ، وهذا مما لم ينسب إلى أحد أصلاً ، فلا بدّ من حمل ذلك على أمر أخلاقي أدبي ، يعني من الآداب والأخلاق الفاضلة شدة الإهتمام بأمر الوالدين ، وتحصيل رضاهما وطاعتهما حتى في مثل الصلاة والصوم ونحوهما من العبادات الإلهية ، فليست الرواية في مقام بيان الحكم الشرعي .
ثانيهما : اشتمال الرواية على اعتبار أمر الوالدين في صحّة الصوم والصلاة والحجّ مع أن ذلك غير معتبر جزماً ، إذ غاية ما يمكن أن يقال اعتبار رضاهما ، وأما اعتبار أمرهما فغير لازم قطعاً .
والحاصل : اشتمال الرواية على ذكر الصلاة وذكر أمرهما كاشف عن أن الرواية ليست في مقام بيان الحكم الشرعي ، بل إنما هي واردة في مقام بيان أمر أخلاقي فيكون الإستئذان من جملة الآداب والأخلاق .
وممّا يؤكد سقوط الرواية عن الحجية قول الصدوق في العلل ، فإنه بعدما ذكر الخبر قال : جاء هذا الحديث هكذا «ولكن ليس للوالدين على الولد طاعة في ترك الحجّ تطوعاً كان أو فريضة ، ولا في ترك الصلاة ، ولا في ترك الصوم تطوعاً كان أو فريضة ، ولا في شيء من ترك الطاعات» (2) .
هذا ، ولو استلزم السفر إلى الحجّ أذيتهما ، حرم السفر لدلالة بعض الآيات
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الفقيه 2 : 99 / 445 .
(2) علل الشرائع 2 : 385 / ب 115 ح 4 .
[ 2983 ] مسألة 2 : يستحب للولي أن يحرم بالصبي غير المميز بلا خلاف لجملة من الأخبار ، بل وكذا الصبية وإن استشكل فيها صاحب المستند (1) ، وكذا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشريفة وجملة من الروايات على حرمة إيذائهما ، فيختص السفر المحرم حينئذ بصورة علم الأبوين ، فإذا لم يعلما به لا يحرم لعدم أذيتهما حينئذ .
هذا كله فيما إذا استلزم الحجّ السفر وتحمل مشاق الطريق ونحو ذلك من لوازم السفر ، وأما إذا فرضنا أن الحجّ لا يستلزم السفر كالأطفال الموجودين في نفس مكّة المكرمة ، فلا مقتضي للاستئذان فتأمّل ، أو الأطفال المستصحبة في القوافل .
(1) لا خلاف في استحباب إحجاج الصبي ، وقد دلت على ذلك جملة من الروايات المعتبرة ، وقد عقد في الوسائل باباً مستقلاً لذلك (1) .
ثمّ إن المشهور لم يفرِّقوا بين الصبي والصبية ، ولكن صاحب المستند استشكل في الصبية بدعوى اختصاص النصوص بالصبي ، وإلحاق الصبية به يحتاج إلى دليل وهو مفقود . فإنّ مورد الروايات الدالّة على الإحجاج إنما هو الصبي ، وأما الصبية فلم ترد في الروايات ، وأمّا ما يظهر من بعض الروايات «أنّ الجارية إذا طمثت فعليها حجّ الإسلام وإن كانت قد حجّت قبل البلوغ»(2) ، فهو ناظر إلى حجّ الصبية بنفسها وغير ناظر إلى استحباب الإحجاج بها .
وبعبارة اُخرى : المستفاد من تلك الروايات رجحان حجّ الصبية بنفسها والروايات الواردة في الإحجاج موردها الصبي ولا تشمل الصبية .
هذا ، ولكن يمكن استفادة حكم الصبية من بعض هذه الروايات ، مثل معتبرة يونس بن يعقوب عن أبيه قال «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : إنّ معي صِبْيَة صغاراً وأنا أخاف عليهم البرد فمن أين يحرمون ؟ قال : ائت بهم العرج فليحرموا
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 11 : 286 / أبواب أقسام الحجّ ب 17 .
(2) الوسائل 11 : 44 / أبواب وجوب الحجّ ب 12 .
المجنون ، وإن كان لا يخلو عن إشكال لعدم نص فيه بالخصوص ، فيستحق الثواب عليه (1) ، والمراد بالإحرام به جعله محرماً لا أن يحرم عنه ، فيلبسه ثوبي الإحرام ويقول : ( اللّهمّ إني أحرمت هذا الصبي ... ) ويأمره بالتلبية بمعنى أن يلقِّنه إيّاها (2)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منها» (1) ، فإن الصِّبْية وإن كانت جمعاً للصبي وجمع الصبية الصبايا ، إلاّ أن المتفاهم العـرفي من الصِّبْيَة الصغار من الأولاد أعم من الذّكر والاُنثى . وبذلك يظهر دلالة غيرها من الروايات أيضاً (2).
(1) ذكر الأصحاب أنه كالصبي في استحباب الإحجاج ، ولا دليل عليه فإنّ الأحكام الشرعية واجبة كانت أو مستحبة غير متوجهة إلى المجنون أصلاً ، فإنّه كالبهائم ، وإلحاق المجنون بالصبي يشبه القياس ، مع أنه قياس مع الفارق ، ولا بأس بالإحجاج به رجاء .
(2) ما ذكره (قدس سره) من أنه يقول من يُحجه : (اللّهمّ إني أحرمت هذا الصبي ... ) لا دليل عليه ، لأن المفروض أنه يحج الصبي المميز الذي يتمكن من النيّة والتلبية وسائر الأعمال ، والمراد بالإحجاج هو أن يلقّنه النيّة ، ويحدث هذه الأفعال فيه ، لا أن يباشرها بنفسه ، واستحباب التلفظ بالنيّة إنما هو في أعمال حجّ نفسه ، ولا يدل ذلك على استحباب قوله : (اللّهمّ إني أحرمت هذا الصبي) .
والحاصل : المستفاد من النصوص إحداث هذه الأعمال وإيجادها في الصبي إذا كان ممن يتمكن أداءها ، فإنه يأمره أن يلبي ويلقّنه التلبية ، فإن لم يحسن أن يلبي لبّى عنه وكذلك الطواف يطاف به ، وان لم يكن متمكناً من الطواف لعدم تمييزه يطاف عنه كما في صحيحة زرارة (3) ، فكل فعل من أفعال الحجّ إذا تمكن من إتيانه يأمره بذلك
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 11 : 289 / أبواب أقسام الحجّ ب 17 ح 7 .
(2) الوسائل 11 : 286 / أبواب أقسام الحجّ ب 17 ح 1 .
(3) الوسائل 11 : 288 / أبواب أقسام الحجّ ب 17 ح 5 .
وإن لم يكن قابلاً يلبي عنه ، ويجنّبه عن كل ما يجب على المحرم الاجتنـاب عنه ويأمره بكل فعل من أفعال الحجّ يتمكّن منه ، وينوب عنه في كل ما لا يتمكّن ويطوف به ويسعى به بين الصّفا والمروة، ويقف به في عرفات ومنى ((1)) (1)، ويأمره بالرّمي وإن لم يقدر يرمي عنه ، وهكذا يأمره بصلاة الطّواف وإن لم يقدر يصلِّي عنه ، ولا بدّ من أن يكون طاهراً ومتوضِّئاً ((2)) ولو بصورة الوضوء وإن لم يمكن فيتوضّأ هو عنه ، ويحلق رأسه وهكذا جميع الأعمال (2) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وينوب عنه في كل ما لا يتمكّن .
(1) الصحيح (المشعر) بدل (منى) لأن منى لا وقوف فيه .
(2) إختلفت كلماتهم في الوضوء ، فعن بعضهم اعتبار الوضوء على من طاف به وعن آخرين اعتبار الوضوء على نفس الطفل ولو صورته ، وعن صاحب الجواهر أن الأحوط طهارتهما معاً (3).
أقول : إن تمكن الطفل من الوضوء ولو بتعليم الولي إياه وإحداثه وإيجاده فيه فهو وإن لم يكن الطفل قابلاً للوضوء ، فلا دليل على وضوئه صورة ، وما ورد من إحجاج الصبي إنما هو بالنسبة إلى أفعال الحجّ كالطواف والسعي والرمي ونحو ذلك ، وأمّا الاُمور الخارجية التي اعتبرت في الطواف ، فلا دليل على إتيانها صورة ، فإنّ الأدلّة منصرفة عن ذلك ، وإنما تختص بأفعال الحجّ ، كما أنه لا دليل على أنّ الولي يتوضأ عنه فيما إذا لم يكن الطفل قابلاً للوضوء ، فإنّ الوضوء من شرائط الطائف لا المطوّف والمفروض أن الولي غير طائف وإنما يطوف بالصبي ، فدعوى أنه ينوب عنه في
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هذا من سهو القلم والصحيح : «المشعر» بدل «منى» .
(2) على الأحوط الاُولى فيه وفيما بعده .
(3) الجواهر 17 : 237 وفيه : الأحوط طهارتهما معاً وإن كان يقوى في النظر الاكتفاء بطهارة الولي .
[ 2984 ] مسألة 3 : لا يلزم كون الولي محرماً في الإحرام بالصبي ، بل يجوز له ذلك وإن كان محلاّ (1) .
[ 2985 ] مسألة 4 : المشهور على أن المراد بالولي ـ في الإحرام بالصبيّ غير المميِّز ـ الولي الشرعي من الأب والجد والوصي لأحدهما والحاكم وأمينه أو وكيل أحد المذكورين (2)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوضوء لا وجه لها ، لأن النيابة ثابتة في أفعال الحجّ لا في شرائطها . فالصحيح عدم اعتبار الوضوء حينئذ لا على نفس الطفل ولا على الولي .
(1) لإطلاق الروايات الدالّة على إحجاج الصبي .
(2) المشهور على أن استحباب إحجاج الصبي مختص بالولي الشرعي ، وأما غيره فلا يصح منه إحجاج الصبي ، ولا تترتب أحكام الإحرام إذا كان المتصدي لإحرامه غير الولي ، وإنما ألحقوا به خصوص الاُم وإن لم تكن ولياً شرعياً للنص الخاص فيها وهو صحيح عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: مرّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) برويثة وهو حاج، فقامت إليه امرأة ومعها صبي لها فقالت: يا رسول الله أيحج عن مثل هذا؟ قال: نعم ولكِ أجره» (1).
ولكن الظاهر عدم اختصاص إحجاج الصبي بالولي الشرعي ، بل يجوز لكل أحد أن يحرم بالصبي ويحجه ، إذ لا دليل على حرمة التصرّف بالصبي ما لم يستلزم التصرّف تصرّفاً ماليّاً .
وبالجملة : إن رجع التصرّف بالصبي إلى التصرف في أمواله فيحتاج إلى إذن الولي . وأمّا إذا لم يستلزم التصرّف فيه تصرفاً في ماله فلا دليل على توقف جوازه على إذن الولي ، وعليه يجوز إحجاج الصبي لكل من يتولّى أمر الصبي ويتكفّله وإن لم يكن وليّاً
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 11 : 54 / أبواب وجوب الحجّ ب 20 ح 1 .
لا مثل العم والخال ونحوهما والأجنبي . نعم ألحقوا بالمذكورين الاُم وإن لم تكن ولياً شرعياً للنص الخاص فيها ، قالوا : لأن الحكم على خلاف القاعدة فاللازم الإقتصار على المذكورين ، فلا تترتب أحكام الإحرام إذا كان المتصدي غيره ، ولكن لا يبعد كون المراد الأعم منهم وممن يتولى أمر الصبي ويتكفّله وإن لم يكن ولياً شرعياً لقوله (عليه السلام) : «قدِّموا من كان معكم من الصبيان إلى الجحفة أو إلى بطن مر ... » فإنه يشمل غير الولي الشرعي أيضاً ، وأما في المميز فاللازم إذن الولي الشرعي إن اعتبرنا في صحّة إحرامه الإذن .
[ 2986 ] مسألة 5 : النفقة الزائدة على نفقة الحضر على الولي لا من مال الصبي ، إلاّ إذا كان حفظه موقوفاً على السفر به أو يكون السفر مصلحة له (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شرعياً ، بل كان من الأجانب ، ويشهد لذلك أيضاً إطلاق بعض الروايات كصحيحة معاوية بن عمار «انظروا من كان منكم من الصبيان فقدموه إلى الجحفة» (1) . وإطلاق ذلك يشمل الصبيان سواء كانوا مع أوليائهم أم لا .
(1) لا إشكال في أن نفقة الصبي من المأكل والمشرب والمسكن ونحو ذلك ممّا يتوقف عليه حياته تكون من ماله سواء كان في السفر أو الحضر ، وأمّا النفقة الزائدة على الحضر التي يستلزمها السفر ، فقد يكون السفر مصلحة للصبي ، كما إذا توقف حفظه على السفر به ، كما لو فرضنا أنه لم يجد شخصاً أميناً يطمئن به في بلده حتى يودع الطفل عنده ، فلا بدّ أن يأخذه معه تحفظاً على الطفل ، فصرف المال الزائد على الحضر حينئذ مصلحة للصبي ويحسب من ماله ، وقد لا يكون السفر مصلحة له ، كما إذا تمكن من التحفظ على الطفل في بلده من دون أن يسافر معه ، بأن يودعه عند شخص أمين حتى يرجع إليه ، فحينئذ إذا أخذه معه تكون النفقة الزائدة غير صالحة للصبي وتحسب على الولي لا على الصبي .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 11 : 287 أبواب أقسام الحجّ ب 17 ح 3 .
[ 2987 ] مسألة 6 : الهدي على الولي ، وكذا كفّارة الصيد إذا صاد الصبي ، وأما الكفّارات الاُخر المختصة بالعمد فهل هي أيضاً على الولي أو في مال الصبي أو لا يجب الكفّارة في غير الصيد ، لأن عمد الصبي خطأ والمفروض أن تلك الكفّارات لا تثبت في صورة الخطأ ؟ وجوه ، لا يبعد قوّة الأخير(1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يقع الكلام في مقامين :
أحدهما : في الهدي .
ثانيهما : في الكفّارات .
أما الأوّل : فالظاهر أنه لا خلاف في أن ثمن الهدي على الولي ، لأن صرف مال الصبي في الهدي ليس من مصالحه ، وبامكان الولي أن لا يحج به إذا أخذه معه في السفر ، فلا مجوز لصرف ماله في الهدي بل يتحمله من حجّ به ، وبعبارة اُخرى : المستفاد من الروايات إنما هو استحباب الإحجاج بالصبي ، وأما صرف ماله فيحتاج إلى دليل آخر ، والمفروض أن صرف ماله في الهدي ليس من مصالح الصبي ، لأنه يمكن أن يأخذه معه ولا يحج به ، ويدل على ذلك أيضاً صحيح زرارة «قال (عليه السلام) : إذا حجّ الرجل بابنه وهو صغير فإنه يأمره أن يلبي ويفرض الحجّ ، فإن لم يحسن أن يلبّي لبّوا عنه ويطاف به ويصلّى عنه ، قلت : ليس لهم ما يذبحون ، قال : يذبح عن الصغار ، ويصوم الكبار» (1) .
ويظهر من الرواية أن الطفل كان في جماعة حجّوا به ، بقرينة قوله : (لبّوا عنه) فلا اختصاص بإحجاج الأب ابنه كما في صدر الرواية . وعلى كل تدل الرواية على أن الذبح على من حجّ بالصبي ولياً كان أم غيره ، فإن المستفاد منها أن الجماعة الذين حجوا بالصبي لم يكن لهم ما يذبحون عن المجموع ، فلا ينافي تمكنهم من الذبح عن الصغار فاُمروا بالصوم وبالذبح عن الصغار .
وتدل على ذلك أيضاً معتبرة إسحاق بن عمار قال : «سألت أبا عبدالله (عليه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 11 : 288 / أبواب أقسام الحجّ ب 17 ح 5 .
السلام) عن غلمان لنا دخلوا معنا مكّة بعمرة وخرجوا معنا إلى عرفات بغير إحرام قال : قل لهم يغتسلون ثمّ يحرمون واذبحوا عنهم كما تذبحون عن أنفسكم» (1) فانّها ظاهرة في أن الكبار الذين تكفلوا أمر الصبيان مأمورون بالذبح عن الصغار .
وبالجملة : المستفاد من الروايتين أن الهدي على من يحج بالصبي لا على نفس الصبي .
وأمّا ما في صحيح معاوية بن عمار من قوله (عليه السلام) : «ومن لا يجد الهدي منهم فليصم عنه وليّه»(2) ، فيدل على أن الولي إذا لم يكن له مال فليصم عن الطفل ولا يدل على أن الهدي من مال الصبي ، وان كان لا يخلو عن إشعار بذلك ، ولكن لأجل الصحيحة المتقدمة يحمل على ما إذا لم يجد وليه مالاً ، وأما إذا وجد فعليه ، بل يمكن أن يقال : إن ثبوت الصوم ـ الذي هو بدل الذبح ـ على الولي يؤكد كون الذبح عليه أيضاً .
المقام الثاني : في الكفّارات ، يقع الكلام تارة في كفّارة الصيد واُخرى في بقية الكفّارات .
أمّا الأوّل : فالمشهور على أن كفّارة الصيد على الولي ، وعن ابن إدريس عدم وجوب الكفّارة أصلاً لا على الولي ولا في مال الصبي(3) ، وعن التذكرة أنها تجب في مال الصبي(4) .
والصحيح ما ذهب إليه المشهور ، لصحيح زرارة «وان قتل صيداً فعلى أبيه» (5) ، فإن المستفاد منه كون الكفّارة على الولي أباً كان اُم غيره ، إذ لا خصوصية للأب ، بل الأب إنما وجب عليه لكونه من مصاديق الولي ، فخصوصية الأب تلغى ، وقد عرفت
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 11 : 287 / أبواب أقسام الحجّ ب 17 ح 2 .
(2) الوسائل 11 : 287 / أبواب أقسام الحجّ ب 17 ح 3 .
(3) السرائر 1 : 637 .
(4) التذكرة 7 : 32 المسألة 20 .
(5) الوسائل 11 : 288 / أبواب أقسام الحجّ ب 17 ح 5 .
أنه يظهر من الرواية أن الطفل كان في جماعة وفيهم أبوه ، ومن الواضح أن الأب حنيئذ يتكفل شؤون الطفل ، ويقوم بأمره وإحجاجه ونحو ذلك ، فطبعاً تكون كفّارة الصيد عليه لأنه قائم بأمره ، فلا وجه لما حكي عن العلامة من أنها تجب في مال الصبي ، لأنه اجتهاد في مقابل النص .
ودعوى أن الكفّارة ثابتة في مال الطفـل ، لأن ذلك من قبيل الإتلاف والضمانات كما إذا أتلف الصبي مالاً ، فإنه يضمن ويثبت على ذمته ، إذ لا مانع من ثبوت الحكم الوضعي بالنسبة إلى الصبي كما عن العلاّمة ، لا تخلو من الغرابة ، لأنّ ثبوت الكفّارات ليس من باب الضمان ، بل هو حكم تكليفي ثابت في مورده ولا موجب لثبوت ذلك على الطفل سواء كانت هناك رواية أم لا ، مضافاً إلى النص الصريح الدال على أنها على أبيه ، ولعله (قدس سره) لم يطّلع على الرواية .
كما لا وجه لما عن ابن إدريس (قدس سره) من عدم ثبوت الكفّارة أصلاً لا على الطفل ولا على وليّه ، بعد ما دلّت الصحيحة على أنها على أبيه ، فلا ينبغي الريب بالنسبة إلى كفّارة الصيد وأنها على الولي .
وأمّا الثاني : وهو بقيّة الكفّارات ، كما إذا لبس المخيط اختياراً أو استظلّ ونحو ذلك ، فالظاهر عدم وجوبها على الولي ، لأنه بلا موجب ، والنص المتقدِّم الدال على أنها على أبيه خاص بكفّارة الصيد ، فلا يقاس غيره به ، بل هو قياس مع الفارق ، لأن الصيد له أهمية بخلاف بقية الكفّارات ، كما لا تجب على الصبي نفسـه ، لا لأن عمد الصبي وخطأه واحد ، لأنّ هذه الجملة أجنبية عن أمثال المقام، وإنما تختص بباب الديات والجنايات ، وتوضيح ذلك : أن هذه الجملة وردت في روايتين :
الاُولى : صحيحة محمّد بن مسلم «عمد الصبي وخطؤه واحد» (1) .
الثانية : معتبرة إسحاق بن عمار «عمد الصبيان خطأ تحمله (يحمل على) العاقلة»(2) والرواية الثانية قرينة على أن الرواية الاُولى ناظرة إلى باب الديات والجنايات
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 29 : 400 / من أبواب العاقلة ب 11 ح 2 .
(2) الوسائل 29 : 400 / أبواب العاقلة ب 11 ح 3 .
إمّا لذلك وإمّا لانصراف أدلّتها عن الصبي ((1)) ، لكن الأحوط تكفل الولي ، بل لا يترك هذا الإحتياط ، بل هو الأقوى لأن قوله (عليه السلام) : «عمد الصبي خطأ» مختص بالديات ، والإنصراف ممنوع وإلاّ فيلزم الإلتزام به في الصيد أيضاً .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والمستفاد من الروايتين أن كل مورد وعمل واحد إذا كان له حكمان ، حكم على العمد ، وحكم على الخطأ ، يعني هذا الفعل على تقدير صدوره عمداً له حكم ، وعلى تقدير صدوه خطأ له حكم آخر ، فبالنسبة إلى فعل الصبي يترتب عليه حكم الخطأ لا حكم العمد ، وأما إذا كان الخطأ لا حكم له أصلاً وكان الأثر مترتباً على صورة العمد فغير مشمول للروايتين ، لأن ظاهر صحيح محمّد بن مسلم أن الخطأ بعنوانه له حكم خاص ، وأمّا إذا كان الحكم مختصاً بصورة العمـد ، ولم يكن للخطأ فيه حكم فلا يشمله الخبران ، ولذا لا ريب في بطلان صلاة الطفل بالتكلم العمدي ، ولا مجال لتوهّم عدم البطلان بدعوى أن عمد الصبي وخطأه واحد ، وكذا لا ريب في بطلان صومه إذا أفطر عمداً .
وبالجملة : قوله (عليه السلام) «عمد الصبي خطأ» يشمل المورد الذي له سنخان من الحكم ، حكم ثابت لصورة العمد ، وحكم ثابت لصورة الخطأ ، وهذا النحو من الأحكام إنما هو في باب الجنايات والديات فإذا جنى الصبي عمداً يترتب على فعله أحكام الخطأ ، وإذا ارتكب القتل عمداً ، يعامل معه معاملة القاتل خطأ ، وأما المورد الذي ليس له إلاّ حكم واحد مترتب على صورة العمد خاصة كأكثر الأحكام فغير مشمول لهذه الجملة .
بل الوجه في عدم وجوب الكفّارات على الصبي أن كل حكم إلزامي مترتب على فعل الصبي مرفوع بحديث رفع القلم وعدم جريه عليه ، ومقتضاه أنه لا يلزم بشيء وهذه الاُمور المترتبة على أعمال الحجّ من قبيل التكليف ، والحكم التكليفي مرفوع عن الصبي لحديث رفع القلم .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا لذلك ، بل لتخصيص أدلّة الكفّارات بغير الصبي لحديث الرفع ، ووجوب الكفّارة على الولي يحتاج إلى الدليل ، وهو مفقود في غير الصيد .
[ 2988 ] مسألة 7 : قد عرفت أنه لو حجّ الصبي عشر مرات لم يجزئه عن حجّة الإسلام ، بل يجب عليه بعد البلوغ والإستطاعة ، لكن استثنى المشهور من ذلك ما لو بلغ وأدرك المشعر فإنه حينئذ يجزئ عن حجّة الإسلام ، بل ادّعى بعضهم الإجماع عليه (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقد يستدل على ذلك بأنّ أدلّة الكفّارات منصرفة عن الصبي ، لأنّ الكفّارات في الحقيقة تأديب وعقوبة والصبي لا عقوبة على مخالفته .
ويشكل بأنّ الكفّارات ليست كلها كذلك ، بل تثبت في غير صورة التأديب أيضاً كالتستر الاضطراري والتظليل الإضطراري ونحو ذلك .
والحاصل : لا تثبت الكفارات لا على الولي ولا على الصبي ، فإن ثبوتها على الولي بلا موجب ، وثبوتها على الصبي مرفوع بحديث رفع القلم .
(1) المعروف والمشهور بين الأصحاب أن الصبي إذا حجّ وأدرك أحد الموقفين بالغاً أجزأه عن حجّة الإسلام ، بل ادُعي عليه الإجماع ، قال الشيخ في الخلاف في هذه المسألة وفي مسألة حجّ العبد إذا اُعتق : دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم(1) .
أما ما نسبه إلى الأخبار فلم يُذكر هذا الحكم في خبر حتى الضعيف فضلاً عن المعتبر ، ولعله أشار إلى ما ورد من الأخبار في عتق العبد قبل أحد الموقفين بإلغاء خصوصية المورد ، فإن الميزان إدراك أحد الموقفين واجداً للشرائط من الحرية والبلوغ والعقل .
وأمّا الإجماع فلا يتم ، وقد نسب إلى جماعة التردّد كالمحقق في المعتبر(2) والشرائع(3) ، والعلاّمة في المنتهى(4) ، على أنه لو سلمنا تحقق الإجماع فإنه ليس من
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الخلاف 2 : 379 .
(2) المعتبر 2 : 749 .
(3) الشرائع 1 : 200 .
(4) المنتهى 2 : 649 السطر 26 .
الإجماع المصطلح الكاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) ، لإمكان استنادهم في الحكم المذكور إلى الروايات الواردة في العبد ، وتعدوا من مواردها إلى الصبي ، فيكون إجماعاً اجتهادياً لا تعبّدياً ، وكيف كان فقد استدلّوا على ذلك بوجوه :
الأو&