|
|
بسم الله
الرّحمن الرّحيم
الحمد
لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على سيِّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطاهرين .
وبعد ،
فهذه حصيلة ما استفدته من أبحاث سيِّدنا ومولانا اُستاذ الفقهاء
والمجتهدين زعيم الحوزة العلميّة سماحة آية الله العظمى السيِّد
أبوالقاسم الموسوي الخوئي (مدّ ظلّه العالي) ، التي ألقاها شرحاً على كتاب
العروة الوثقى للسيِّد الطباطبائي اليزدي (طاب ثراه) .
وكان
من المقرّر الاسترسال في طبع ما تبقّى من كتابَي الصلاة والصوم غير أنّ جمعاً
من إخواني الأفاضل طلبوا منِّي تقديم كتاب الخمس، حرصاً منهم على
استطلاع أنظاره المقدّسة .
وقد
حوت هذه المجموعة ـ زيادةً على ما أفاده (دام ظلّه)
في مجلس الدرس ـ ما استفدته منه بعد المذاكرة معه خارج
الدرس ، وقد لاحظها بتمامها كما لاحظ الشيء الكثير من بقيّة الأجزاء وأمر
بطبعها ونشرها .
أسأل
الله العليّ القدير أن يمنّ عليّ بحسن القبول ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .
كتاب الخُمس
كتاب
الخُمس
وهو
من الفرائض (1) ،
وقد جعلها الله تعالى لمحمّد (صلّى الله عليه وآله) وذرِّيّته عوضاً عن الزكاة
إكراماً لهم، ومن منع منه درهماً أو أقلّ كان مندرجاً
في الظالمين لهم
والغاصبين لحقّهم، بل من كان مستحلاًّ
لذلك كان من الكافرين.
ففي
الخبر عن أبي بصير قال : قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : ما أيسر ما يدخل
به العبد النار ؟ «قال: من أكل من مال اليتيم درهماً، ونحن اليتيم»[ (1) ].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
لا إشكال كما لا خلاف في وجوب الخمس في الشريعة الإسلامية ، وقد نطق به
الكتاب العزيز والسنّة المتواترة ، بل قامت عليه الضرورة القطعيّة على حدٍّ
يندرج منكره في سلك الكافرين ، وقد أصفقت عليه علماء المسلمين قاطبةً من
الخاصّة والعامّة وإن وقع الخلاف في بعض الخصوصيّات من حيث المورد والمصرف .
ــــــــــــــــــــــــــــ
[ 1 ]
الوسائل 9 : 483 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 1 ح 1 .
وعن
الصادق (عليه السلام) : «إنّ الله لا إله إلاّ هو لمّا حرّم علينا الصدقة
أنزل لنا الخمس ، فالصدقة علينا حرام ، والخمس لنا فريضة ،
والكرامة لنا حلال» [ (1) ] .
وعن
أبي جعفر (عليه السلام) : «لا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئاً حتّى
يصل إلينا حقّنا» [ (2) ] .
وعن
أبي عبدالله (عليه السلام) : «لا يُعذَر عبدٌ اشترى من الخمس شيئاً أن
يقول : يا ربّ اشتريته بمالي ، حتّى يأذن له أهل الخمس» [ (3) ] .
ــــــــــــــــــــــــــــ
[ 1 ]
الوسائل 9 : 483 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 1 ح 2 .
[ 2 ]
الوسائل 9 : 484 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 1 ح 4 .
[ 3 ]
المستدرك 7 : 278 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 1 ح 4 .
فصل
فيما يجب
فيه الخُمس
وهو
سبعة أشياء :
الأوّل :
الغنائم المأخوذة من الكفّار من أهل الحرب(1)
قهراً بالمقاتلة معهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن
ثمّ ادّعى الخليفة الثاني نسخ وجوب الصرف في سهم ذوي القربى ، لما كان يرتئيه
من لزوم الصرف فيما هو أهمّ وأولى من المصالح العامّة ، كحفظ ثغور المسلمين
وتحصيل السلاح والكراع ونحوها .
وكيفما
كان ، فأصل الحكم ولو في الجملة ممّا لا كلام فيه ولا ريب .
قال
الله تعالى :
(وَاعْلَمُوا
أَ نَّمَا
غَنِمْتُم مِن شَيْء فَأَنَّ للهِِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى
وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) الآية (1)
.
وفي
غير واحد من النصوص : أنّ الله تعالى قد جعل هذه الفريضة لمحمّد (صلّى الله
عليه وآله) وذرِّيّته عوضاً عن الزكاة إكراماً لهم وإجلالاً عن أوساخ ما في أيدي
الناس كما أشار إليها في المتن .
(1)
بلا خلاف فيه ولا إشكال كما نطق به الكتاب والسنّة .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأنفال 8 : 41 .
بشرط أن يكون بإذن الإمام عليه السّلام ، من غير
فرق بين ما حواه العسكر وما لم يحوه والمنقول وغيره(1)
كالأراضي((1))
والأشجار ونحوها .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومحلّ
الكلام فعلاً الغنائم المأخوذة منهم بالمقاتلة لا بغيرها من سرقة أو غيلة أو
نحوهما ، وأن يكون ذلك بإذن الإمام (عليه السلام) ، فلا بدّ من
مراعاة القيدين معاً ، إذ الفاقد للأوّل ملك لآخذه ، وللثاني ملك للإمام
(عليه السلام) ، وسنتعرّض لهما عند تعرّض الماتن لهما مستقلاًّ إن شاء الله
تعالى .
(1)
لإطلاق الأدلّة بعد صدق الغنيمة على الجميع ، سواء أكان ممّا حواه العسكر أم
لا ، وسواء أكان من المنقول أم من غير المنقول .
ولا
خلاف في الأوّل بل عليه الإجماع . وأمّا الثاني فهو المشهور بين
الأصحاب ، وقد صرّح بالتعميم جماعة منهم ، وأطلق الآخرون .
ولكن
صاحب الحدائق (قدس سره) ناقش في هذا التعميم ، نظراً إلى عدم الدليل عليه سوى
ظاهر إطلاق الآية المباركة ، وإلاّ فالنصوص قاصرة عن إفادة التعميم ، بل
ظاهرها الاختصاص بالأموال المنقولة كما تشهد به صحيحة ربعي (2)
وغيرها
الدالّة على أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إذا أتاه المغنم أخذ صفوه وقسّم
الباقي خمسة أخماس ويأخذ خمسه ثمّ يقسّم أربعة أخماس بين المقاتلين ، ونحوها
ممّا دلّ على قسمة الخمس أخماساً أو أسداساً وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه ، فإنّ
ظاهرها أنّ مورد الخمس هو المال الذي يؤتى به إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ويقسّم المختصّ ـ بطبيعة الحال ـ بما ينقل ويحوّل من غنيمة أو
غيرها ، وكيف يجري هذا في الأراضي والضياع والعقار ونحوها ؟!
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ثبوت الخمس في الأراضي محلّ إشكال بل منع .
(2) الوسائل 9 : 510 / أبواب قسمة
الخمس ب 1 ح 3 .
على
أنّ تلك الأراضي المفتوحة عنوةً المعبّر عنها بالأراضي الخراجيّة ملكٌ لعامّة
المسلمين قاطبةً من وجد منهم ومن سيوجد إلى يوم القيامة كما نطقت به النصوص
المتظافرة ، فلا تشملها أدلّة التخميس (1)
.
وأورد عليه في الجواهر بأنّ غاية ما يتحصّل من صحيحة ربعي ونحوها قصورها عن إفادة
الإطلاق لا الدلالة على الاختصاص ، فيكفينا حينئذ ما اعترف به من إطلاق الآية
المباركة ، وأمّا نصوص الأراضي الخراجيّة فهي قابلة للتخصيص بأدلّة التخميس
كما لا يخفى (2)
.
أقول :
الظاهر أنّ ما ذكره صاحب الحدائق في المقام هو الصحيح ، فإنّ صحيحة ربعي
ونحوها وإن لم تدلّ على نفي الخمس عن غير المنقول كما اُفيد ، إلاّ أنّ
الإنصاف أ نّها لا تخلو عن الإشعار وأنّ المال المحكوم بالتخميس هو
الذي يؤتى به إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ويقسّمه بين المقاتلين بعد أخذ
صفوه منه ، وهذا الإشعار وإن لم يكن ممّا يركن إليه بحسب الصناعة ، إلاّ
أ نّه يؤثر في النفس بمثابة يخفّف عن قوّة ظهور الآية المباركة في الإطلاق
المدّعى لها كما لا يخفى .
ويتقوّى
هذا الإشعار بعد ملاحظة الأخبار الواردة في الأراضي الخراجيّة من أ نّها ملك
لعامّة المسلمين .
وما
أفاده في الجواهر من أ نّها لا تأبى التقييد بما هنا من كون ذلك بعد
الخمس . غير قابل للتصديق . ضرورة أنّ نصوص الخراج أخصّ من آية الغنيمة ،
فإنّ النسبة بين الدليلين عمومٌ وخصوصٌ مطلق ، ولا شكّ أنّ إطلاق الخاصّ
مقدّم على عموم العامّ ، فتلك النصوص لأجل كونها أخصّ تخصّص
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الحدائق 12 : 324 ـ 325 .
(2) الجواهر 16 : 8 .
الآية لا أ نّها تخصّص تلك النصوص كما
لا يخفى .
بل
يمكن أن يقال بعدم إطلاق للآية المباركة بالإضافة إلى غير المنقول ، فإنّ
الغنيمة هي الفائدة العائدة للغانم بما هو غانم ، وعليه فتختصّ بما يقسّم بين
المقاتلين وهي الغنائم المنقولة .
وأمّا
الأراضي المحكوم عليها بأ نّها ملك لعامّة المسلمين فلا تعدّ غنيمة للغانم
والمقاتل بما هو كذلك وإن استفاد منها بما أ نّه فرد من آحاد المسلمين فلا
تختصّ به ، ولا مدخل لوصفه العنواني في الانتفاع بها لتتّصف بكونها غنيمة له
كما لا يخفى . فالإطلاق إذن ساقط من أصله ، ومعه لا دليل على وجوب
الخمس في غير المنقول .
هذا ،
ومع الغضّ عن ذلك وتسليم كون النسبة بين الدليلين عموماً من وجه ، بدعوى أنّ
الآية تعمّ المنقول وغيره وتختصّ بالخمس ، كما أنّ نصوص الخراج تختصّ
بغير المنقول وتعمّ مقدار الخمس وغيره ـ أي تشمل جميع
المال ـ فغايته أ نّه يتعارض الدليلان حينئذ في مورد الاجتماع ـ
أعني : الخمس من غير المنقول ـ فإنّ مقتضى إطلاق الآية وجوبه ، ومقتضى
تلك النصوص عدمه ، فيتساقطان لعدم الترجيح ، إذ عموم الكتاب إنّما
يتقدّم على عموم السنّة لدى المعارضة فيما إذا لم تكن قطعيّة كعموم الخبر
الواحد ، أمّا السنّة القطعيّة كما في المقام فهي تعادل قطعيّة الكتاب ،
فإذن يرجع بعد تساقط الدليلين إلى أصالة البراءة عن الخمس ، فتكون النتيجة
أيضاً هي ما ذكرناه من الاختصاص .
فإن
قلت : لو تساقط الدليلان فبماذا يحكم بعدئذ بأنّ
مقدار الخمس ملكٌ للمسلمين وقد سقط دليله بالمعارضة ؟!
قلت :
إنّ الخمس ينتقل إلى مستحقّه من المالك ، فإذا كان دليله معارَضاً وساقطاً
بها فالمال يبقى على ملك مالكه .
والعمدة
ما عرفت من إنكار الإطلاق في الآية المباركة من أصله ، لما أشرنا إليه من أنّ
الغنيمة في الآية المباركة وغيرها من سائر موارد إطلاقاتها في الأخبار هي الفائدة
العائدة للغانم والربح الذي يستفيده بشخصه ويدخله في ملكه ، وقد حكم بأنّ خمس
ما ملكه كذلك يكون للإمام كما حكم بأنّ مقدار الزكاة في العين الزكويّة ملكٌ لمصرف
الزكاة بعد بلوغ النصاب أو حَوَلان الحول فيما يعتبر فيه الحول ، وأنّ مقدار
النصاب في الذهب ـ مثلاً ـ بتمامه ملكٌ لمالكه قبل الحَوَلان ، وبمجرّد أنّ
حال الحول يخرج مقدار الزكاة عن ملكه ويدخل في ملك الفقير ، وكذا في الغلاّت
بعد صدق الاسم . ويراعى مثل ذلك في الخمس أيضاً، فيخرج ممّا يغتنمه
الغانم ويربحه الرابح خمسه عن ملكه، وهذا غير صادق بالإضافة إلى الأراضي
الخراجيّة بعد أن لم تكن ملكاً للمقاتلين وغنيمةً لهم بما هم كذلك ، بل
لعامّة المسلمين إلى يوم القيامة .
نعم ،
هي غنيمة بمعنى آخر ، أي يستفيد منها المقاتل بما أ نّه مسلم ، لكن
الغنيمة بهذا المعنى لا خمس فيها ، لوجهين :
أمّا
أوّلاً : فلاختصاص أدلّة الخمس بالغنائم
الشخصيّة وما يكون ملكاً لشخص الغانم ، لا ما هو ملك للعنوان الكلِّي كما في
الأراضي الخراجيّة ، حيث إنّها لم تكن ملكاً لأيّ فرد من آحاد المسلمين
وإنّما ينتفع منها المسلم بإزاء دفع الخراج من غير أن يملك رقبتها ، بل
المالك هو العنوان الكلّي العام ، نظير الأوقاف العامّة التي هي ملك لعناوين
معيّنة .
ومن
ثمّ لم يلتزم أحد بوجوب تخميسها ، وليس ذلك إلاّ لانتفاء الملك الشخصي
والغنيمة الشخصيّة التي هي الموضوع لوجوب الخمس .
والمشهور
إنّما ذهبوا إلى التخميس في الأراضي الخراجيّة زعماً منهم أ نّها غنيمة
للمقاتلين ، لا باعتبار كونها غنيمة لعامّة المسلمين كما لا يخفى .
بعد إخراج المؤن التي اُنفقت على الغنيمة (1)
بعد تحصيلها بحفظ وحمل ورعي ونحوها منها .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأمّا
ثانياً : فلأجل أنّ قولهم :
لا خمس إلاّ بعد المؤونة، يكشف عن اختصاصه بمال تُصرَفُ المؤونة
في سبيل تحصيله . وهو ـ كما ترى ـ خاصّ بالملك الشخصي ،
إذ لا معنى لإخراج المؤونة فيما يكون المالك هو العنوان الكلّي العام ، لعدم
كونه ممّن يصرف المؤونة في سبيل تحصيل الغنيمة كما هو ظاهر .
فتحصّل :
أنّ ما ذكره المشهور من التعميم لغير المنقول من الغنائم كالأراضي وأ نّها
تخمّس أوّلاً ثمّ تكون ملكاً لعامّة المسلمين لا يمكن المساعدة
عليه ، لقصور النصوص عن إفادة التعميم حسبما عرفت .
والاستشهاد
له برواية أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : كلّ شيء قوتل عليه على
شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله فإنّ لنا خمسه» إلخ (1)
،
بدعوى أنّ لفظة «كلّ» من أدوات العموم فتعمّ المنقول وغير المنقول .
في
غير محلّه ، إذ مع تسليم تماميّة الدلالة فالسند قاصر من أجل اشتماله على علي
بن أبي حمزة الذي هو البطائني الكذّاب ، فلا يمكن الاعتماد عليها .
فما
ذكره صاحب الحدائق (قدس سره) من الاختصـاص بالمنقول وعدم ثبوت الخمس في غير
المنقول هو الصحيح الحقيق بالقبول .
(1)
كما هو مقتضى القاعدة من لزوم إخراج المصارف المتعلِّقة
بالعين المشتركة من حفظ وحمل ورعي ونحوها من الأموال المصروفة في سبيلها من نفس
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 9 : 487 / أبواب ما يجب
فيه الخمس ب 2 ح 5 .
وبعد إخراج ما جعله الإمام (عليه السلام) من الغنيمة
على فعل مصلحة من المصالح (1) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العين ، إذ التخصيص بالبعض تحميلٌ لا دليل
عليه ، وربّما تكون المؤونة أكثر من نفس الغنيمة .
وقد
صرّح بالإخراج المزبور جماعة ، وإن أنكره آخرون استناداً إلى إطلاق الآية
المباركة ، الذي هو في حيّز المنع بعد وضوح عدم النظر فيها إلى هذه الجهة
لينعقد الإطلاق .
هذا ،
ويمكن الاستدلال لهذا الحكم أيضاً بما دلّ على أنّ الخمس بعد المؤونة ،
فإنّها وإن اختصّت بالمؤن السابقة ولا تعمّ ما بعد التحصيل ، إلاّ أنّ مؤونة
الحفظ والحمل والرعي ونحوها ممّا يصرف في سبيل الغنيمة إلى أن تصل إلى يد الإمام
(عليه السلام) ـ كما هو محلّ الكلام ـ تعدّ من المؤن السابقة على تحصيل الغنيمة
بنحو تكون قابلة للاستفادة والانتفاع ، فإنّ ذات الغنيمة وإن تحقّقت بمجرّد
الاستيلاء عليها في دار الحرب ، إلاّ أنّ الانتفاع منها والدخول في الملك
الشخصي الذي به تكون غنيمة بالحمل الشائع منوطٌ بالوصول إلى الإمام (عليه السلام)
وتقسيمه لها بين المقاتلين ، فصحّ القول ـ بهذه
العناية ـ بأنّ مصاريف الحفظ ونحوه تعدّ من المؤن السابقة على تحصيل
الغنيمة ، فلاحظ .
(1)
بتمليكه لشخص أو صرفه في جهة من الجهات العامّة حسبما يراه من المصلحة ، فإنّ
له الولاية المطلقة على ذلك ، إذ هو وليّ الأمر وأولى بالمؤمنين من
أنفسهم ، فيخرج بذلك عن الغنيمة التي هي موضوع قسمة الخمس ، وتكون هديّة
لمن منحها . فإن قلنا بوجوب التخميس في مطلق الفائدة الشامل للهديّة وجب
خمسها لهذه الجهة لا لأجل الغنيمة ، وإلاّ فلا شيء عليه .
وبعد استثناء صَفايا الغنيمة (1)
كالجارية الوَرَقَة والمركب الفارِه والسيف القاطع والدرع ، فإنّها للإمام
(عليه السلام) ، وكذا قطائع الملوك ، فإنّها أيضاً له (عليه
السلام) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
الظاهر أنّ الحكم متسالم عليه ، وكذا فيما سيذكره من قطائع الملوك المعبّر
عنها فعلاً بخالصـة الملوك ، وقد ادّعي عليه الإجمـاع ، وتشهد به جملة
من النصوص :
منها :
موثّقة أبي بصير ـ على ما هو الحقّ من وثاقة أحمد بن هلال ـ عن أبي
عبدالله (عليه السلام)، قال: سألته عن صفو
المال «قال: الإمام يأخذ الجارية الرُّوقة والمركب الفارِه والسيف
القاطع والدرع قبل أن تقسّم الغنيمة ، فهذا صفو المال» (1)
.
وصحيحة
ربعي عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : كان رسول الله (صلّى الله عليه
وآله) إذا أتاه المغنم أخذ صفوه وكان ذلك له» (2)
.
ومنها :
صحيحة داود بن فرقد : «قطائع الملوك كلّها للإمام ، وليس للناس فيها شيء» (3)
.
ومنها :
موثّقة سماعة : «كلّ أرض خربة أو شيء يكون للملوك فهو خالص للإمام (عليه
السلام) » (4)
، وغيرها .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 9 : 528 / أبواب الأنفال
ب 1 ح 15 .
(2) الوسائل 9 : 510 / أبواب قسمة
الخمس ب 1 ح 3 .
(3) الوسائل 9 : 525 / أبواب الأنفال
ب 1 ح 6 .
(4) الوسائل 9 : 526 / أبواب الأنفال
ب 1 ح 8 .
وأمّا
إذا كان الغزو بغير إذن الإمام (عليه السلام) فإن كان في زمان الحضور وإمكان
الاستئذان منه فالغنيمة للإمام (عليه السلام) (1) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
الظاهر أنّ الحكم متسالم عليه بين الأصحاب ، بل ادّعي عليه الإجماع في غير
واحد من الكلمات .
وإنّما
الكلام في مستنده ، وقد استُدِلّ له بوجوه :
أحدها :
الإجماع . ولا يبعد تحقّقه بعدما عرفت من تسالم الأصحاب عليه ، لولا
أ نّه معلوم المدرك أو محتمله .
الثاني :
مرسلة العبّاس الورّاق ، عن رجل سـمّاه : عن أبي عبدالله (عليه السلام)
«قال : إذا غزا قوم بغير إذن الإمام فغنموا كانت الغنيمة كلّها للإمام ،
وإذا غزوا بأمر الإمام فغنموا كان للإمام الخمس» (1)
.
وهي
ضعيفة السند بالإرسال ، مضافاً إلى جهالة الحسن بن أحمد بن يسار أو
بشّار ، فإن بنينا على انجبار ضعف السند بعمل المشهور اعتُبرت الرواية حينئذ
وصحّ الاستناد إليها ، وإلاّ فلا .
وقد
تقدّم غير مرّة في مطاوي هذا الشرح أنّ الأظهر : الثاني ، لمنع الانجبار
صغرىً ، لجواز استناد المشهور إلى ما عرفت من تسالم الأصحاب لا إلى هذه الرواية .
وكبرىً ، إذ لا ينجبر ضعف السند بالشهرة ، كما لا ينجبر بها
ضعف الدلالة ، فإنّ العبرة في الحجّيّة بأحد أمرين : إمّا بالوثوق
الشخصي بصدور الرواية ، أو بكون الراوي موثّقاً ، ولا ثالث ،
ومجرّد الاشتهار لا وزن له في سوق الاعتبار ، وتمام الكلام في محلّه .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 9 : 529 / أبواب الأنفال
ب 1 ح 16 .
الثالث
ـ وهو العمدة ـ : صحيحة معاوية بن وهب ، قال : قلت لأبي عبدالله (عليه
السلام) : السريّة يبعثها الإمام فيصيبون غنائم ، كيف يقسّم ؟
«قال : إن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمام عليهم أخرج منها الخمس لله
وللرسول وقسّم بينهم أربعة أخماس ، وإن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان
كلّ ما غنموا للإمام يجعله حيث أحبّ» (1)
.
وما
في الوسائل من ذكر «ثلاثة أخماس» غلط ، والصحيح ما أثبتناه كما أشار إليه
المعلّق .
وقد
تضمّنت التفصيل بين كون القتال مع الأمير ـ أي بإذن الإمام ـ وعدمه .
ولكن
قد يناقش في دلالتها بظهورها في التفصيل بين القتال وعدمه لا بين الإذن
وعدمه ، كيف ؟! وهو مفروض في مورد السؤال ، وأنّ السريّة كانت ببعث
من الإمام (عليه السلام) ، فلا بدّ وأن يكون التفصيل في مورد
السؤال ، ونتيجته أنّ تلك السريّة المأذونة إن غنموا مع القتال تخمّس
الغنيمة ، وإلاّ فكلّها للإمام ، فهي تدلّ على تفصيل آخر أجنبي عمّا نحن
بصدده .
ويندفع :
بأنّ مبنى الاستدلال هو مفهوم الشرطيّة الاُولى بعد ملاحظة أنّ النكتة في تقييد
القتال في الجملة الشرطيّة بكونه مع أمير أمّره الإمام ـ بعد وضوح أ نّه لا
قتال إلاّ مع الأمير وإلاّ كانت فوضى ـ هو التأكّد بشأن هذا القيد
ـ الذي مرجعه إلى الإذن ـ ودخله في الحكم ،
وإلاّ كان ذكره مستدركاً للاستغناء عنه بعد فرضه في السؤال .
وعليه ، فيكون مرجع الجملة الشرطيّة إلى أنّ الأمر إن كان كما ذكرت أ يُّها السـائل من