ــ[21]ــ

   [ 2699 ] مسألة 1 : لو كان له رأس مال لا يقوم ربحه بمؤونته لكن عينه تكفيه لا يجب عليه صرفها (1) في مؤونته ، بل يجوز له إبقاؤه للاتّجار به وأخذ البقيّة من الزكاة، وكذا لو كان صاحب صنعة تقوم آلاتها أو صاحب ضيعة تقوم قيمتها بمؤونته ولكن لا يكفيه الحاصل منهما لا يجب عليه بيعها وصرف العوض في المؤونة ، بل يبقيها ويأخذ من الزكاة بقيّة المؤونة .

   [ 2700 ] مسألة 2 : يجوز أن يعطى الفقير أزيد ((1)) من مقدار مؤونة سنته دفعةً ، فلا يلزم الاقتصار على مقدار مؤونة سنة واحدة (2) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وكيفما كان ، سواء أصدر ذلك عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أم لم يصدر فيكفينا حكم الصادق (عليه السلام) بعدم الحلّ وأمره بالتنزّه عنها في صحيحة زرارة المتقدّمة(2) ، وكفى به مدركاً للمنع ، فلا ينبغي التأمّل في المسألة فلاحظ .

   (1) قد ظهر الحال حول هذه المسألة لدى التعرّض لمصاديق الفقير في الفروض الستّة المتقدّمة ، فلاحظ ولا نعيد .

   (2) بل يجوز دفع مقدار سنتين ، بل سنين ، بل بمقدار يعدّ غنيّاً عرفاً على المشهور المعروف شهرة عظيمة .

   وناقش فيه بعضهم فمنع عن الدفع أكثر من سنة واحدة يصير بها غنيّاً شرعاً .

   وكيفما كان ، فالمتّبع هو الدليل بعد وضوح عدم نهوض إجماع تعبّدي كاشف

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فيه إشكال ، والاحتياط لا يترك ، وكذا الحال فيما بعده .

(2) الوسائل 9 : 231 /  أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 2 .

ــ[22]ــ

وكذا في الكاسب الذي لا يفي كسبه بمؤونة سنته ، أو صاحب الضيعة التي لا يفي حاصلها ، أو التاجر الذي لا يفي ربح تجارته بمؤونة سنته ، لا يلزم الاقتصار على إعطاء التتمّة ، بل يجوز دفع ما يكفيه لسنين ، بل يجوز جعله غنيّاً عرفيّاً وإن كان الأحوط الاقتصار . نعم ، لو أعطاه دفعات لا يجوز بعد أن حصل عنده مؤونة السنة أن يعطي شيئاً ولو قليلاً ما دام كذلك .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن رأي المعصوم (عليه السلام) ، وإنّما استند القائلون بالجواز إلى بعض الوجوه الآتية التي هي مدرك الحكم في المسألة ، فلا بدّ من النظر إليها .

   وقد استُدلّ له أوّلاً بإطلاقات الأدلّة من الكتاب والسنّة مثل قوله تعالى : (إِنَّما الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ) ، فإنّ الصدقة المدفوعة لم تتقيّد بعدم الزيادة على المؤونة .

   وفيه ما لا يخفى ، لعدم انعقاد الإطلاق بعد التحديد بالكفاية في جملة من تلك الأدلّة ، التي منها ما ورد من «أنّ الله عزّ وجلّ فرض للفقراء في أموال الأغنياء ما يكتفون به ، ولو علم أنّ الذي فرض لهم لا يكفيهم لزادهم» كما في صحيحة ابن سنان(1) ، أو «ما يسعهم» كما في صحيحة زرارة وابن مسلم(2) ، أو بتعبير آخر كما في غيرهما .

   وقد تقدّم غير مرّة أنّ مقدار الكفاية ظاهر عرفاً في مؤونة السنة ، ومع هذه التحديدات الواردة في غير واحد من الروايات كيف يمكن دعوى الإطلاق ؟! فالمقتضي للتوسعة قاصر في حدّ نفسه .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 9 : 10 /  أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 1 ح 2 .

(2) الوسائل 9 : 10 /  أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 1 ح 3 .

ــ[23]ــ

   على أنّ ذلك مناف لحكمة التشريع ، فإنّ الزكاة إنّما شرّعت لعلاج مشكلة الفقر ودفعه عن المجتمع كما اُشير إليه في النصوص المزبورة ، ومن البيّن أنّ دفع زكوات البلد التي ربّما تبلغ الاُلوف أو الملايين لفقير واحد ـ ولو دفعة واحدة ـ وجعله من أكبر الأثرياء مع إبقاء سائر الفقراء على حالهم لا يجامع مع تلك الحكمة ، بل يضادّها وينافيها كما لا يخفى .

   بل يمكن أن يقال بانعدام موضوع الفقر لدى دفع الزائد ، فلم يكن عنوان الفقير محفوظاً ليشمله الإطلاق على تقدير تسليم انعقاده .

   وتوضيحه : أنّ الزكاة موضوعها الفقير ، فلا بدّ من فرض الفقر حال دفع الزكاة . نعم ، الموضوع هو الفقر مع قطع النظر عن الدفع ، فلا مانع من زواله المستند إلى دفع الزكاة إليه كما نطقت به النصوص ، وأمّا زواله مقارناً لدفع الزكاة إليه فهو قادح ، لانعدام الموضوع ، وقد عرفت لزوم فرضه عند الدفع . ومن ثمّ لو أصبح الفقير غنيّاً حال الدفع لعلّة اُخرى ـ كما لو فرضنا أنّ والده مات في نفس الآن الذي دفعت إليه الزكاة بالدقّة العقليّة فورث منه مالاً كثيراً في تلك اللحظة بعينها ـ لم يجز له أخذ الزكاة إذا لم يكن فقيراً حال القبض. نعم ، في المرتبة السابقة كان كذلك ، إلاّ أنّ الاعتبار بالزمان بأن يُفرض زمان هو فقير فيه ليدفع إليه ، ولم يكن كذلك ، لفرض غناه في نفس الآن الذي دُفعت إليه الزكاة .

   والمقام من هذا القبيل ، إذ لو فرضنا أنّ مؤونته السنويّة مائة دينار فدفع إليه مائتين دفعة واحدة فقد ارتفع فقره بإحدى المائتين ، ومعه لا مسوّغ لأخذ المائة الاُخرى ، لزوال فقره مقارناً لنفس هذا الآن ، فلم يكن فقيراً عند تسلّمه .

   وهذا نظير الملاقاة للنجاسة حال تتميم القليل كرّاً بأن كانت الملاقاة والإتمام في آن واحد بالدقّة العقليّة، فإنّه لا يحكم حينئذ بالانفعال ، إذ المعتبر فيه حدوث

ــ[24]ــ

الملاقاة في زمان يتّصف فيه الماء بالقلّة ، لكي يصدق أنّ النجس لاقى الماء القليل حتّى يشمله الدليل ، فلا بدّ من فرض القلّة في زمان سابق على الملاقاة وهو منفي في الفرض .

   وعلى الجملة : فالتمسّك بإطلاقات الأدلّة ممّا لا موقع له في مثل المقام بتاتاً حسبما عرفت .

   واستُدلّ له ـ أي للقول المشهور ـ ثانياً بجملة من الروايات ، كموثّقة إسحاق ابن عمّار عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) ، قال : قلت له : اُعطي الرجل من الزكاة ثمانين درهماً ؟ «قال : نعم ، وزده» قلت : اُعطيه مائة ؟ «قال : نعم وأغنه إن قدرت أن تغنيه» (1) .

   وصحيحة سعيد بن غزوان عن أبي عبدالله (عليه السلام): «قال: تعطيه من الزكاة حتّى تغنيه»(2).

   وصحيحته الاُخرى ، قال: سألته كم يُعطى الرجل الواحد من الزكاة ؟ «قال : اعطه من الزكاة حتّى تغنيه» (3) .

   وموثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبدالله (عليه السلام) : أ نّه سئل : كم يعطى الرجل من الزكاة ؟ «قال : قال أبو جعفر (عليه السلام) : إذا أعطيت فأغنه»(4) .

   فإنّ جواز الإعطاء ، لحدّ الإغناء الظاهر في الغنى العرفي كاشف عن عدم التحديد بمؤونة السنة الواحدة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 9 : 259 /  أبواب المستحقين للزكاة ب 24 ح 3 .

(2) الوسائل 9 : 258 /  أبواب المستحقين للزكاة ب 24 ح 1 .

(3) الوسائل 9 : 259 /  أبواب المستحقين للزكاة ب 24 ح 5 .

(4) الوسائل 9 : 259 /  أبواب المستحقين للزكاة ب 24 ح 4 .

ــ[25]ــ

   ويدفعه : أنّ المراد بالغنى ما يقابل الفقر الذي من أجله كان مصرفاً للزكاة، فبقرينة المقابلة يراد به ما يخرجه من تلك المصرفيّة ، فلا جرم يكون المقصود هو الغنى الشرعي المفسّر في سائر الأدلّة بملك مؤونة السنة ، دون الغنى العرفي لكي يجوز الإعطاء أضعافاً مضاعفة كما لا يخفى .

   فالإنصاف أنّ الروايات المعتبرة قاصرة عن إثبات مقالة المشهور ، ولا عبرة بغير المعتبرة .

   بل يمكن أن يستدلّ للقول الآخر بصحيحة أبي بصير، قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : إنّ شيخاً من أصحابنا يقال له : عمر ، سأل عيسى بن أعين وهو محتاج ، فقال له عيسى بن أعين : أما إنّ عندي من الزكاة ولكن لا اُعطيك منها ، فقال له : ولِمَ ؟ فقال : لأنّي رأيتك اشتريت لحما وتمراً ، فقال : إنّما ربحت درهماً فاشتريت بدانقين لحما وبدانقين تمراً ثمّ رجعت بدانقين لحاجة ، قال : فوضع أبو عبدالله (عليه السلام) يده على جبهته ساعة ثمّ رفع رأسه ثمّ قال : «إنّ الله نظر في أموال الأغنياء ، ثمّ نظر في الفقراء فجعل في أموال الأغنياء ما يكتفون به ، ولو لم يكفهم لزادهم ، بلى فليعطه ما يأكل ويشرب ويكتسي ويتزوّج ويتصدّق ويحجّ» (1) .

   حيث اقتصر (عليه السلام) ـ وهو في مقام البيان والتحديد ـ على ما يحتاج إليه نوع الإنسان من مؤن السنة من الأخذ بالحدّ النمط ، وهي المصاريف المشار إليها أخيراً حتّى الحجّ ـ لجواز دفع الزكاة للحجّ بمقتضى النصوص الخاصّة كما سيجيء  ـ فلاتلزم المداقّة بحيث يتخيّل أنّ الدرهم ـ  المشتمل على ستّة دوانيق  ـ مانع عن الأخذ، ولاتسوّغ التوسعة بدفع الاُلوف المتكاثرة بمثابة يعدّ لدى العرف

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 9 : 289 /  أبواب المستحقين للزكاة ب 41 ح 2 .

ــ[26]ــ

غنيّاً ثريّاً، بل المتعيّن هو الحدّ الوسط الذي يتّصف معه بالغنى الشرعي كما عرفت .

   ويؤيّده مرسلة عبدالرحمان بن الحجّاج حيث ذكر فيها « ... فإنّ الناس إنّما يعطون من السنة إلى السنة ، فللرجل أن يأخذ ما يكفيه ويكفي عياله من السنة إلى السنة» (1) .

   وهي صريحة الدلالة في المطلوب ، غير أ نّها لمكان الإرسـال لا تصلح إلاّ للتأييد .

   بل يمكن الاستدلال أيضاً بجملة اُخرى من النصوص :

   منها : صحيحة معاوية بن وهب ، قال (عليه السلام) فيها « ... بل ينظر إلى فضلها فيقوّت بها نفسه ومن وسعه ذلك من عياله ، ويأخذ البقيّة من الزكاة»(2) .

   فإنّ تخصيص الأخذ بالبقيّة بعد الأمر بصرف الفضل لقوت نفسه ومن وسعه من عياله يكشف عن عدم كونه مرخّصاً في الأخذ إلاّ بمقدار الحاجة وما يكون مكمّلاً للمؤونة ، لا الأخذ كيفما شاء بالغاً ما بلغ .

   ومنها : موثّقة سماعة، قال (عليه السلام) فيها «... فليعف عنها نفسه وليأخذها لعياله» (3) .

   فإنّ تخصيص الأخذ بكونه للعيال بعد الأمر بعفّة النفس دالّ على المطلوب .

   ومنها : معتبرة هارون بن حمزة ، قال (عليه السلام) فيها « ... فلينظر ما يفضل منها فليأكله هو ومن وسعه ذلك ، وليأخذ لمن لم يسعه من عياله» (4) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 9 : 260 /  أبواب المستحقين للزكاة ب 24 ح 9 .

(2) الوسائل 9 : 238 /  أبواب المستحقين للزكاة ب 12 ح 1 .

(3) الوسائل 9 : 239 /  أبواب المستحقين للزكاة ب 12 ح 2 .

(4) الوسائل 9 : 239 /  أبواب المستحقين للزكاة ب 12 ح 4 .

ــ[27]ــ

   [ 2701 ] مسألة 3 : دار السكنى والخادم وفرس الركوب المحتاج إليها بحسب حاله ـ ولو لعزّه وشرفه ـ لا يمنع من إعطاء الزكاة وأخذها (1) ،

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   حيث خصّ الأخذ بمن لم يسعه من العيال لا مطلقاً .

   ومنها : معتبرة الحسين بن علوان ، عن جعفر ، عن أبيه (عليهما السلام) «أنّ عليّاً (عليه السلام) كان يقول : يعطى المستدينون من الصدقة والزكاة دينهم كلّ ما بلغ إذا استدانوا في غير سرف ، فأمّا الفقراء فلا يزاد أحدهم على خمسين درهماً ، ولا يعطى أحد له خمسون درهماً أو عدلها من الذهب» (1) .

   فإنّها صريحة في عدم جواز الدفع أكثر من خمسين درهماً ، ولعلّه من أجل حصول الكفاية بهذه الكمّيّة في تلك الأزمنة كما يشير إليه ذيل موثّقة سماعة المتقدّمة آنفاً ، حيث ذكر فيها قوله (عليه السلام) : «وأمّا صاحب الخمسين فإنّه يحرم عليه إذا كان وحده» .

   والمتحصّل من جميع ما قدّمنا : أ نّا لم نجد في شيء من النصوص ما يصلح سنداً يعوّل عليه في فتوى المشهور لو لم ينهض على خلافه كما عرفت . وعرفت أيضاً عدم ثبوت الإجماع التعبّدي . إذن فمدّعي الجزم بعدم جواز الدفع زائداً على مقدار المؤونة غير مجازف بحسب الصناعة وما يقتضيه النظر في الأدلّة . فهذا القول إن لم يكن أقوى فلا ريب أ نّه أحوط وإن كان على خلاف المشهور .

   (1) فإنّ مصرف الصدقة الفقير ، والفقر هو الحاجة ، والاحتياج لا يختصّ بالطعام والشراب ، بل يعمّ كل ما يحتاج إليه الإنسان في معاشه وإدارة شؤون حياته من الملبس والمسكن والمركب والخادم والفراش واللوازم البيتيّة ونحو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 9 : 261 /  أبواب المستحقين للزكاة ب 24 ح 10 .

ــ[28]ــ

بل ولو كانت متعدّدة مع الحاجة إليها، وكذا الثياب والألبسة الصيفيّة والشتويّة السفريّة والحضريّة لو كانت للتجمّل ، وأثاث البيت من الفروش والظروف وسائر ما يحتاج إليه ، فلا يجب بيعها في المؤونة ، بل لو كان فاقداً لها مع الحاجة جاز أخذ الزكاة لشرائها . وكذا يجوز أخذها لشراء الدار والخادم وفرس الركوب والكتب العلميّة ونحوها مع الحاجة إليها . نعم ، لو كان عنده من المذكورات أو بعضها أزيد من مقدار حاجته ـ  بحسب حاله  ـ وجب صرفه في المؤونة .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ذلك ممّا تتوقّف عليه الحضارة والحياة الاجتماعية ، فإنّ ذلك كلّه يعدّ من المؤن المحكومة بالاستثناء ، فلا يلزم بيعها تورّعاً عن أخذ الزكاة ، بل يجوز الأخذ لشرائها لو كان فاقداً لبعضها مع فرض الحاجة ، لعين ما ذكر .

   وهذا ممّا لا غبار عليه ولا إشكال ، كما لا خلاف فيه من أحد ، وتشهد له جملة من النصوص ، كموثّقة سماعة ومصحّح ابن اُذينة المصرّح فيهما بجواز دفع الزكاة لمن له دار وخادم المؤيّدتين برواية ابن عبدالعزيز المتقدّمة (1) ونحوها غيرها .

   ثمّ إنّه (قدس سره) تعرّض في هذه المسألة لفرعين :

   أحدهما : ما أشار إليه بقوله (قدس سره) بل إذا كانت ... إلخ .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 9 : 235 و 236 /  أبواب المستحقين للزكاة ب 9 ح 1 ، 2 ، 3 .

ــ[29]ــ

   بل إذا كانت عنده دار تزيد عن حاجته (1) وأمكنه بيع المقدار الزائد عن حاجته وجب بيعه . بل لو كانت له دار تندفع حاجته بأقلّ منها قيمةً ،

فالأحوط بيعها وشراء الأدون(2) . وكذا في العبد والجارية والفرس .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) كما لو كانت واسعة تشتمل على عشر غرف وهو يكتفي بثلاث غرف ـ  مثلاً  ـ فيبقى سبعة منها فارغة وهو مستغني عنها . ولا ينبغي التأمّل في عدم جواز أخذ الزكاة حينئذ ، لوجود الزائد على مقدار المؤونة ، الموجب لصيرورته غنيّاً شرعيّا .

   ومن البديهي أنّ الدار المستثناة في مثل موثّقة سماعة المتقدّمة منصرفة عن مثل ذلك كما هو ظاهر. إذن فيلزمه بيع الزائد أو إيجاره وصرف غلّته في مؤونته .

   الثاني : ما أشار إليه بقوله (قدس سره) : بل لو كانت ... إلخ .

   (2) بأن كانت سعة الـدار ومرافقها بمقدار حاجته من غـير زيادة فاشتملت على ثلاث غرف ـ مثلاً ـ وهو يحتاج إليها ، إلاّ أنّ حسّاسيّة المنطقة أوجبت غلاء القيمة ، لوقوعها على رأس الشارع ـ مثلاً ـ أو جنب الصحن الشريف ، ويمكنه السكون في مشابه الدار في منطقة اُخرى أرخص منها .

   فالفرق بين الفرعين بالكمّ والكيف ، ففي الأوّل : كمّيّة الدار زائدة على مقدار الحاجة ، وفي الثاني : كيفيّتها الناشئة من غلاء القيمة . وقد فرّق الماتن (قدس سره) بينهما في الحكم فأفتى بوجوب بيع الزائد في الأوّل، واحتاط في الثاني، وهو في محلّه ، بل كان ينبغي الجزم بالعدم، لإطلاق موثقة سماعة المتقدّمة، وعدم جريان الانصراف المزبور في المقام .

ــ[30]ــ

   [ 2702 ] مسألة 4 : إذا كان يقدر على التكسّب ولكن ينافي شأنه ، كما لو كان قادراً على الاحتطاب والاحتشاش غير اللائقين بحاله ، يجوز له أخذ الزكاة (1) ، وكذا إذا كان عسراً ومشقّة ـ من جهة كبر أو مرض أو ضعف ـ فلا يجب عليه التكسّب حينئذ .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   نعم ، لو كانت موقعيّة الدار زائدة على مقدار شأنه ، كما لو كانت على جنبه دائرة من الدوائر الحكوميّة أو في منطقة الأعيان والأشراف ، وهو رجل عادي فالغلاء المستند إلى هذه العلّة يعدّ زائداً على المؤونة .

   وأمّا لو كانت الموقعيّة معادلة لشأنه ولائقة بزيّه فتناسبه السكون ـ وهو من رجال الدين مثلاً ـ جنب الصحن العلوي الشريف أو على رأس الشارع ، كما تناسبه في منطقة أبعد منهما ، فلا نرى موجباً لتبديلها بأرخص منها ، بل مقتضى إطلاق الموثّق المزبور وغيره استثناء دار الحاجة ، سواء وجد الأرخص وأمكن التبديل أم لا .

   فالفرق بين الفرعين ظاهرٌ موضوعاً وحكماً ، فتدبّر جيّدا .

   (1) فإنّ المتمكّن من الاكتساب وإن لم يجز له أخذ الزكاة ـ للنصوص الدالّة على عدم إعطائها لمن هو ذو مرّة سوي كما تقدّم عند التعرّض لمصاديق الفقير(1) ـ إلاّ أنّ تلك الأدلّة منصرفة عن مثل المقام ممّا كانت نوعيّة الاكتساب غير لائقة بشأنه ومقامه مثل الاحتطاب أو الكنس في الطرقات ونحو ذلك ممّا يتضمّن الذلّ والمهانة مع كونه من أهل العزّ والكرامة ، فلا يصدق على مثله عنوان ذي مرّة سوي ، فالمقتضي قاصر في حدّ نفسه .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 17 ـ 19 .

ــ[31]ــ

   [ 2703 ] مسألة 5 : إذا كان صاحب حرفة أو صنعة ولكن لا يمكنه الاشتغال بها من جهة فقد الآلات أو عدم الطالب ، جاز له أخذ الزكاة (1) .

   [ 2704 ] مسألة 6 : إذا لم يكن له حرفة ولكن يمكنه تعلّمها من غير مشقّة ، ففي وجوب التعلّم وحرمة أخذ الزكاة بتركه إشكال (2) ، والأحوط التعلّم وترك الأخذ بعده . نعم ، ما دام مشتغلاً بالتعلّم لا مانع من أخذها .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   هذا ، مضافاً إلى أدلّة نفي العسر والحرج ، فإنّ التصدّي لمثل هذا الكسب وتحمّل الذلّ والوهن فيه مشقّة عظيمة ينفيه دليل نفي الحرج ، وبذلك يسوغ له أخذ الزكاة .

   على أنّ المستفاد من نصوص استثناء العبد والخادم المتقدّمة عدم ابتناء أمر الزكاة على التضييق والمداقّة في نظر الشارع المقدّس ، بل هو أوسع من ذلك كما لا يخفى .

   (1) إذ لا أثر لحرفة لا يمكن الانتفاع بها إمّا لفقد الآلة أو لعدم الطالب ، فلا فرق بينه وبين غير المحترف في صدق الفقير عليه عرفاً المسوّغ لأخذ الزكاة .

   (2) بل الأظهر ذلك ، لقدرته على تحصيل المال والإنفاق على العيال الواجب عليه بالقدرة على مقدّمته وهو التعلّم ، فيجب عقلاً التصدّي للمقدّمة والتوصّل بها إلى ذيها ، ومعه يكون من مصاديق ذي مرّة سوي ، الذي يحرم عليه أخذ الزكاة كما تقدّم .

   نعم ، حال الاشتغال بالتعلّم هو عاجز عن الكسب ولم يكن ذا مرّة سوي فتجوز له الزكاة عندئذ ، وأمّا أخذها مع ترك التعلّم رأساً ففيه منع كما عرفت .

   اللّهمّ إلاّ أن يفرض احتياج التعلّم إلى مدّة طويلة جدّاً بحيث لا يصدق معه

ــ[32]ــ

   [ 2705 ] مسألة 7: من لايتمكّن من التكسّب طول السنة إلاّ في يوم أو اُسبوع ـ مثلاً ـ (1) ولكن يحصل له في ذلك اليوم أو الاُسبوع مقدار مؤونة السنة ، فتركه وبقي طول السنة لا يقدر على الاكتساب ، لا يبعد جواز أخذه وإن قلنا : إنّه عاص بالترك في ذلك اليوم((1)) أو الاُسبوع ، لصدق الفقير عليه حينئذ .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عرفاً القدرة على الاكتساب وكفّ النفس عن الزكاة ، ولا ينطبق عليه عنوان ذي مرّة سوي، فمثل هذا يجوز له ترك التعلّم والارتزاق من الزكاة ، لصدق الفقير عليه ، وأمّا غيره فكلاّ حسبما عرفت .