ــ[1]ــ


فصل

[  في أصناف المستحقّين للزّكاة  ]

   أصناف المستحقّين للزّكاة ومصارفها ثمانية :

   الأوّل والثاني : الفقير والمسكين (1) ،

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) المعروف والمشهور أنّ مصارف الزكاة أصناف ثمانية، وهي العناوين الخاصّة المذكورة في الآية المباركة، قال تعالى: (إِنَّما الصَّدَقَاتُ لِلفُقَرَاءِ وَالمَساكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ)(1) .

   ولكن المحقّق في الشرائع عدّها سبعة بجعل الفقير والمسكين صنفاً واحدا (2) .

   ولكن الظاهر أ نّهما صنفان والمفهومان متغايران وإن انطبقا على موضوع واحد واجتمعا في مورد واحد ، فإنّ الفقر بمفهومه العامّ هو الاحتياج والفقير هو المحتاج ، قال تعالى : (يَا أَ يُّها النَّاسُ أَنْتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ)(3) ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التوبة 9 : 60 .

(2) الشرائع 1 : 188 .

(3) فاطر 35 : 15 .

ــ[2]ــ

فإنّ البشر بل كلّ ممكن فهو في جميع شؤونه من معاشه ومعاده وحركاته وسكناته ـ بل حتّى في وجوده ـ فقير ، أي محتاج إلى الله تعالى .

   ولكن كثيراً ما يستعمل في صنف خاصّ من الاحتياج ، وهو الاحتياج من حيث المال، فيقال : زيد فقير، أي محتاج إلى المال، قال تعالى : (وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَاكُلْ بِالمَعْرُوفِ)(1) ، وقال تعالى : (إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا)(2) .

   ولا يعتبر في هذا الاستعمال عدم السؤال جزماً وإن ورد ذلك في الصحيحتين الآتيتين ـ وستعرف الحال فيهما ـ فإنّ الإطلاق العرفي صادق حتّى مع السؤال بالضرورة ، كيف ؟! وقد اُطلق الفقير على البائس الذي هو أسوأ حالاً من المسكين فضلاً عن الفقير في الذكر الحكيم ، قال تعالى : (وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ)(3) .

   فلا يعتبر في مفهوم الفقر عدم السؤال وإن جعل ذلك فارقاً بينه وبين المسكين في النصّ المشار إليه واختصّ المسكين بمن يسأل ، لصحّة الإطلاق حتّى في مورد السؤال بلا إشكال كما عرفت .

   وأمّا المسكنة فهي مطلق الذلّة ، قال تعالى : (ضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ وَالمَسْكَنَةُ)(4) ، في قبال العزّة، فإنّ اليهود كانوا مطرودين أذلاّء وإن كانوا أغنياء، فالمسكين هو الذليل والضعيف ، قال تعالى : (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَساكِينَ)(5) أي لضعفاء أذلاّء ، ولم يعلم أ نّهم كانوا فقراء .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النِّساء 4 : 6 .

(2) النِّساء 4 : 135 .

(3) الحج 22 : 28 .

(4) البقرة 2 : 61 .

(5) الكهف 18 : 79 .

ــ[3]ــ

   نعم ، يطلق المسكين على الفقير أيضاً باعتبار أنّ من لا مال له فهو ذليل حقير عند أبناء الدُّنيا ، ومن ثمّ كان يشقّ على جبابرة قريش الخضوع والإيمان برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، لكونه (صلّى الله عليه وآله) ذليلاً في نظرهم، لمكان فقره (صلّى الله عليه وآله) ، كما حكاه سبحانه عنهم بقوله تعالى : (وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هذَا القُرْآنُ عَلَى رَجُل مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيم)(1) .

   ولا يعتبر في هذا الاستعمال أيضاً السؤال وإن اختصّ به في الصحيحتين الآتيتين ، لصدق المسكين عرفاً على مطلق الفقير وإن لم يكن سائلاً كما اُطلق عليه في الكتاب العزيز، كقوله تعالى: (عَشرَة مَساكِين)، (إطعام ستِّين مسكيناً) إلى غير ذلك ممّا هو كثير جدّاً ، فإنّ إطعام المسكين في باب الكفّارات لا يختصّ بالسائل قطعاً ، بل لعلّ غير السائل الذي يظهر مناعة الطبع أولى من غيره كما لا يخفى .

   فتحصّل : أنّ الفقر هو الاحتياج إمّا مطلقاً أو في خصوص المال ، والمسكنة هي الذلّة ، فالفقير والمسكين متغايران مفهوماً وإن صدقا على موضوع واحد بالاعتبارين .

   وأمّا بحسب الروايات فقد فرّق بينهما في صحيح ابن مسلم بالسؤال وعدمه عن أحدهما (عليهما السلام): أ نّه سأله عن الفقير والمسكين «فقال : الفقير: الذي لا يسأل ، والمسكين : الذي هو أجهد منه ، الذي يسأل» (2) .

   لكن لا ينبغي التأمّل في عدم كونه (عليه السلام) بصدد بيان المفهوم من اللفظ لغةً أو عرفاً ليكون منافياً مع ما قدّمناه ، بل لم نعهد حتّى رواية واحدة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الزخرف 43 : 31 .

(2) الوسائل 9 : 210 /  أبواب المستحقين للزكاة ب 1 ح 2 .

ــ[4]ــ

تكون واردة لبيان شرح اللفظ وبيان مفهومه اللغوي أو العرفي ، لخروج ذلك كلّه عن شأنه ومنصبه الساميين . فالصحيحة واردة لا محالة لبيان المراد من هاتين الكلمتين الواقعتين في الآية المباركة ـ أعني قوله تعالى : (إِنَّما الصَّدَقَاتُ لِلفُقَرَاءِ وَالمَساكِينِ) ـ فهي تفسير للآية لا بيان لمفهوم اللفظ بما هو، ولا ضير في ذلك، فيلتزم بأنّ مصرف الزكاة هو مطلق من لا مال له سأل أم لم يسأل ، فاُريد من المسكين الأوّل ، ومن الفقير الثاني .

   وأوضح حالاً صحيحة أبي بصير التي صرّح فيها بيان المراد من الآية ، قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : قول الله عزّ وجلّ : (إِنَّما الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ) «قال: الفقير: الذي لا يسأل الناس، والمسكين: أجهد منه، والبائس: أجهدهم» (1) .

   وأمّا سند هذه الرواية فالظاهر أ نّها صحيحة كما وصفناها ، فإنّ المراد بأحمد ابن محمّد هو ابن عيسى لا ابن خالد ، وإلاّ لقال : عن أبيه ، بدل قوله : عن محمد ابن خالد . نعم ، في بعض النسخ : عن أبيه ، وكيفما كان فهو ثقة على كلّ حال .

   وأمّا عبدالله بن يحيى فهو مجهول ، غير أنّ الميرزا حاول لاثبات أ نّه الكاهلي الذي هو ثقة (2) ، ولكنّه لا يتمّ :

   أمّا أوّلاً: فلأنّ الشيخ عنون كلاًّ منهما مستقلاًّ ، فذكر المطلق بعد المقيّد وترجمه في قباله وذكر طريقه إليه في قبال الطريق الذي ذكره إلى الأوّل(3) ، المشتمل على وهب بن وهب ، فتعدّد الترجمة المعتضد بتعدّد الطريق برهان قاطع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 9 : 210 /  أبواب المستحقين للزكاة ب 1 ح 3 .

(2) منهج المقال : 214 .

(3) الفهرست للشيخ : 102 / 441 و 105 / 461 .

ــ[5]ــ

والثاني أسوأ حالاً من الأوّل (1) .

   والفقير الشرعي من لا يملك مؤنة السنة له ولعياله(2) ، والغني الشرعي بخلافه ، فمن كان عنده ضيعة أو عقار أو مواش أو نحو ذلك تقوم بكفايته وكفاية عياله في طول السنة لا يجوز له أخذ الزكاة .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على تعدّد الرجل .

   وثانياً : إنّ عبدالله بن يحيى الكاهلي من أصحاب الصادق (عليه السلام) ، والراوي عن عبدالله بن يحيى في هذه الرواية هو محمّد بن خالد البرقي ، وهو يستحيل عادةً أن يروي عن أصحاب الصادق (عليه السلام) بلا واسطة ، لاختلاف الطبقة، فلا مناص من أن يُراد به شخص آخر، وقد عرفت أ نّه مجهول .

   ولكن الذي يهوّن الخطب أنّ هذا السند بعينه موجود في تفسير علي بن إبراهيم ، وقد بنينا على وثاقة من يذكر في إسناد هذا التفسير كإسناد الكامل ما لم يعارَض بتضعيف آخر . وعليه ، فالرجل موثّق عندنا على أيّ حال ، سواء اُريد به الكاهلي أم غيره .

   هذا ، ولا يترتّب أثر على تحقيق الفرق بين الفقير والمسكين إلاّ بناءً على البسط في مصرف الزكاة ، وأمّا على القول بالعدم كما هو الأظهر فالبحث عنه قليل الجدوى .

   (1) لبلوغ الفقر فيه مرتبة الجأته إلى السؤال ، فكان أجهد من الفقير الذي لا يسأل ، لعدم بلوغه هذه المرتبة كما دلّت عليه الصحيحتان المتقدّمتان وعليه المشهور .

   (2) كما هو المشهور ، بل لعلّه المتسالم عليه .

ــ[6]ــ

   وكذا إذا كان له رأس مال يقوم ربحه بمؤنته ، أو كان له من النقد أو الجنس ما يكفيه وعياله وإن كان لسنة واحدة ، وأمّا إذا كان أقلّ من مقدار كفاية سنته يجوز له أخذها ، وعلى هذا فلو كان عنده بمقدار الكفاية ونقص عنه بعد صرف بعضه في أثناء السنة يجوز له الأخذ ، ولا يلزم أن يصبر إلى آخر السنة حتّى يتمّ ما عنده، ففي كلّ وقت ليس عنده مقدار الكفاية المذكورة يجوز له الأخذ .

   وكذا لا يجوز لمن كان ذا صنعة أو كسب يحصل منهما مقدار مؤنته ، والأحوط عدم أخذ القادر ((1)) على الاكتساب إذا لم يفعل تكاسلا .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ونُسب إلى الشـيخ وغيره أنّ المراد من الفقـير مَن لم يملك أحد النصب الزكويّة أو ما يعادلها في القيمة (2) ، فمن كان مالكاً لهذه الكمّيّة من الماليّة عيناً أو قيمةً فهو غني شرعاً .

   لكن النسبة غير محقّقة ، بل في الجواهر أ نّه لم يعرف له قائل (3) .

   ونُسب إلى بعض آخر أنّ الفقير من لا يملك قوته وقوت عياله طيلة حياته لا خصوص السنة الواحدة، فيعتبر في الغني القدرة على ما يكفيه دائماً ، فالأقوال في المسألة ثلاثة .

   والصحيح ما عليه المشهور ، وتدلّ عليه طائفة من الروايات :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بل الأظهر عدم جواز الأخذ .

(2) نسبه صاحب مصباح الفقيه 13 : 484 .

(3) جواهر الكلام 15 : 296 .

ــ[7]ــ

   فمنها : صحيحة أبي بصير، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: «يأخذ الزكاة صاحب السبعمائة إذا لم يجد غيره» قلت : فإنّ صاحب السبعمائة تجب عليه الزكاة؟ «قال : زكاته صدقة على عياله، ولا يأخذها إلاّ أن يكون إذا اعتمد على السبعمائة أنفدها في أقلّ من سنة فهذا يأخذها ، ولا تحلّ الزكاة لمن كان محترفاً وعنده ما تجب فيه الزكاة أن يأخذ الزكاة» (1) .

   قوله (عليه السلام) «صاحب السبعمائة» أي درهماً، وقوله: تجب عليه الزكاة، أي زكاة التجارة لا زكاة النقدين ، ضرورة أنّ من يملك سبعمائة درهماً وقد حال عليها الحول من غير أن يحتاج إليها حتّى تعلّق بها الزكاة الواجبة فهو غني متمكّن وليس بفقير قطعاً ، فلا يحتمل جواز دفع الزكاة إليه ليقع مورداً للسؤال ، على أنّ زكاة النقدين لا يتصدّق بها على العيال .

   مضافاً إلى التصريح في ذيل الصحيح بأ نّه : «لا تحلّ الزكاة لمن كان محترفاً وعنده ما تجب فيه الزكاة أن يأخذ الزكاة»، فيختصّ أخذ الزكاة بصورة واحدة، وهي التي أشار إليها بقوله (عليه السلام) : «إلاّ أن يكون» إلخ ، وهي من لم يكن عنده شيء عدا السبعمائة ولم تكن وافية بمصارف السنة بحيث لو اعتمد عليها لنفدت في أقلّ من السنة فيحل له حينئذ أخذ الزكاة .

   فتدلّ بوضوح على أنّ الفقير الذي هو مصرف للزكاة يراد به من لم يكن مالكاً لمؤونة السنة .

   هذا ، ولكن دقيق النظر يقضي بخلاف ما ذكرناه ، فإنّ قوله (عليه السلام) في آخر الصحيحة «أن يأخذ الزكاة» غير موجود في الصدر ـ أعني: الكافي ـ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 9 : 231 /  أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 1 ، الكافي 3 : 560 / 1 .

ــ[8]ــ

لا  الطبعة القديمة ولا الحديثة ، وإنّما هو مذكور في الوسائل والحدائق(1) ، وليس له معنى محصّل كما لا يخفى .

   ثمّ إنّ قوله (عليه السلام) قبل ذلك : «وعنده ما تجب فيه الزكاة» لا يمكن الأخذ بظاهره ، إذ لا تختصّ عدم حلّيّة الزكاة للمحترف بمن كانت عنده عين زكويّة ، بل يحرم وإن كان عنده ما يعادلها في القيمة كما هو واضح .

   والظاهر أنّ هذه الجملة كناية عن المال الاحتياطي المدّخر لعلاج العوارض الاتّفاقيّة ، فإنّ صاحب الحرفة كالبنّاء ونحوه إنّما يرتزق من حرفته لمصارفه اليوميّة ممّا يقوت به نفسه وعياله ، وأمّا الطوارئ الاتفاقيّة من علاج مرض أو زواج ولد أو إكرام ضيف أو شراء ملبس شتوي أو صيفي ونحو ذلك من المصارف الزائدة على المعيشة فلا تفي بها غالباً تلك الحرفة ، بل لا بدّ في سدّها من ادّخار مال احتياطي من عين زكويّة أو غيرها .

   وعليه ، فإن كان للمحترف مثل هذا المال لا يحلّ له أخذ الزكاة ، وإلاّ حلّ ومن ثمّ قيّده (عليه السلام) بقوله : «وعنده ما تجب» .

   وكيفما كان ، فالظاهر أنّ المراد بالزكاة في قول السائل : قلت : فإنّ صاحب السبعمائة تجب عليه الزكاة ؟ هو زكاة النقدين الواجبة لا زكاة مال التجارة ـ  التي استظهرناها فيما تقدّم ـ إذ لا يناسبها قوله (عليه السلام) قبل ذلك «إذا لم يجد غيره» ، ضرورة أنّ من عنده سبعمائة للتجارة فهو يوجد عنده غيرها بطبيعة الحال ولا أقلّ من ربحها ، فلا موقع لهذا التقييد بوجه ، فيريد السائل بذلك أنّ هذا الشخص قد بلغت دراهمه حدّ النصاب بل تجاوزت ، فهو إذن يجب عليه أن يدفع الزكاة فكيف يأخذها ، فأجاب بقوله (عليه السلام) «زكاته

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحدائق 12 : 159 .

ــ[9]ــ

صدقة على عياله» الذي هو كناية عن عدم الوجوب ، نظير ما ورد من أنّ زكاة العلم إنفاقه .

   والوجه في عدم الوجوب : أنّ مجرّد ملكيّة السبعمائة لا يستدعي الوجوب إلاّ لدى اسـتجماع سائر الشرائط التي منها إحالة الحول ، وهي غير مفروضة سيّما بعد أن لم يكن لديه شيء وراء هذا المبلغ كما هو المفروض .

   والذي يكشف عمّا ذكرناه ـ من أنّ السبعمائة لا يراد بها مال التجارة ـ موثّق سماعة عن أبي عبدالله (عليه السلام) : «قال : قد تحلّ الزكاة لصاحب السبعمائة وتحرم على صاحب الخمسين درهماً» فقلت له : وكيف يكون هذا ؟ «قال : إذا كان صاحب السبعمائة له عيال كثير فلو قسّمها بينهم لم تكفه فليعفُ عنها نفسه وليأخذها لعياله ، وأمّا صاحب الخمسين فإنّه يحرم عليه إذا كان وحده وهو محترف يعمل بها وهو يصيب منها ما يكفيه إن شاء الله» (1) .

   إذ قد فرض في صاحب الخمسين أ نّه محترف يعمل بها ـ  أي معدّ للتجارة  ـ وبقرينة المقابلة يعلم أنّ السبعمائة غير معدّ لها وإنّما هي مجموع ما يملكه الرجل بحيث لو قسّم على عائلته كانت حصّة كلّ واحد خمسين أو مائة ونحو ذلك ممّا لا يفي بمؤونة السنة أبداً ، ولم تكن في البين حرفة لتكون ملكيّة بالقوّة ، ولأجله ساغ أخذ الزكاة وإن كان الأولى أن يعفُ نفسه ويأخذها لعياله .

   وكيفما كان ، فهذه الصحيحة كالروايتين المتقدّمتين ظاهرتان في مسلك المشهور حسبما عرفت .

   ومنها : موثّقة سماعة ، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الزكاة ، هل تصلح لصاحب الدار والخادم ؟ «فقال : نعم ، إلاّ أن تكون داره دار غلّة فخرج

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 9 : 239 /  أبواب المستحقين للزكاة ب 12 ح 2 .

ــ[10]ــ

له من غلّتها دراهم ما يكفيه لنفسه وعياله ، فإن لم تكن الغلّة تكفيه لنفسـه وعياله في طعامهم وكسوتهم وحاجتهم من غير إسراف فقد حلّت له الزكاة ، فإن كانت غلّتها تكفيهم فلا» (1) .

   فإنّ المراد بدار الغلّة : الدار المعدّة للإيجار والانتفاع بوجه الإجارة ، الذي هو كغلّة لها في قبال دار السكنى ، ومن البديهي أنّ التعارف الخارجي قد استقرّ على إيجار الدور سنويّاً ، بل لم يتداول الأقلّ من ذلك إلاّ في الأزمنة المتأخّرة الحديثة ، حيث يستأجر شهريّاً ، بل ربّما اُسبوعيّاً كما في بعض بلاد الخارج ، فيكون مفاد الموثّق : أنّ من له دار ينتفع من إيجاره السنوي ما يكفيه فهو غني شرعاً لا تحلّ له الزكاة ، فتلاحظ غلّة كلّ سنة بالإضافة إلى مصارف تلك السنة ، فغلّة السنة الاُولى للسنة الاُولى والثانية للثانية وهكذا ، فإن كفت لم تحلّ وإلاّ حلّت .

   وبالجملة : فيستفاد اعتبار السنة من التعبير بالغلّة بالقرينة المتقدّمة .

   بل يمكن استفادة ذلك من قوله (عليه السلام) «ما يكفيه» ، فإنّ ملك الكفاية لا يراد به عرفاً ـ سيّما في القرى وبعض البلاد ـ إلاّ ما يكفيه لسنة واحدة ، فلا يقال لمن يملك قوت ستّة أشهر : إنّ عنده ما يكفيه . وعلى هذا الأساس اعتبرنا الزيادة على مؤونة السنة في تعلّق الخمس ، وإلاّ فلم يرد في شيء من نصوصه التعبير بالسنة ، بل اقتصر على استثناء المؤونة فقط ، فلاحظ .

   ومنها : صحيحة معاوية بن وهب ، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يكون له ثلاثمائة درهم أو أربعمائة درهم وله عيال وهو يحترف فلا يصيب نفقته فيها ، أيكبّ فيأكلها ولا يأخذ الزكاة ، أو يأخذ الزكاة ؟ «قال : لا بل ينظر إلى فضلها فيقوت بها نفسه ومن وسعه ذلك من عياله ، ويأخذ البقيّة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 9 : 235 /  أبواب المستحقين للزكاة ب 9 ح 1 .

ــ[11]ــ

من الزكاة ، ويتصرّف بهذه لا ينفقها» (1) .

   فإنّ المراد بالنفقة مؤونة السنة لا الأقل منها بالتقريب المتقدّم .

   فيظهر من هذه الروايات الثلاث المعتبرة أنّ الفقير الشرعي هو من لم يملك مؤونة سنته فعلاً أو قوّةً ، فيحلّ لمثله تكميل مؤونته من الزكاة .

   ويؤيّد ذلك بروايتين :

   إحديهما : ما رواه في العلل بإسناده عن علي بن إسماعيل الدغشي ، قال : سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن السائل وعنده قوت يوم ، أيحلّ له أن يسأل؟ وإن اُعطي شيئاً من قبل أن يسأل يحلّ له أن يقبله؟ «قال: يأخذ وعنده قوت شهر ما يكفيه لسنته من الزكاة، لأ نّها إنّما هي من سنة إلى سنة»(2).

   هكذا في الوسائل ، وفي بعض نسخ العلل : «ما يكفيه لستّة أشهر» بدل قوله «لسنة» كما أشار إليه معلّق الوسائل . والأوّل أنسب كما لا يخفى .

   وعليه، فهي صريحة الدلالة في أنّ الاعتبار بمؤونة السنة، لقوله (عليه السلام) : «إنّما هي من سنة إلى سنة» .

   إلاّ أ نّها ضعيفة السند ، فلا تصلح إلاّ للتأييد ، نظراً إلى جهالة الدغشي ، بل لم ينقل عنه في مجموع الكتب الأربعة ما عدا رواية واحدة في كتاب النكاح وأمّا هذه الرواية فهي مذكورة في العلل لا في تلك الكتب . وكيفما كان ، فالرجل مجهول لم يوثّق ، والرواية ضعيفة وإن عبّر عنها بالصحيحة في بعض الكلمات .

   اللّهمّ إلاّ أن يقال : إنّ الراوي عنه صفوان ، وهو من أصحاب الإجماع الذين

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 9 : 238 /  أبواب المستحقين للزكاة ب 12 ح 1 .

(2) الوسائل 9 : 233  /  أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 7 ، علل الشرائع : 371 / 1 .

ــ[12]ــ

لا ينظر إلى من وقع بعدهم في السند . لكنّك عرفت غير مرّة في مطاوي هذا الشرح عدم استقامة هذه القاعدة وأ نّه لا أساس لها ، فلا نعيد .

   الثانية: ما رواه المفيد في المقنعة مرسلاً عن يونس بن عمّار، قال: سمعت أبا  عبدالله (عليه السلام) يقول: «تحرم الزكاة على من عنده قوت السنة، وتجب الفطرة على من عنده قوت السنة»(1).

   والدلالة واضحة ، غير أنّ السند ضعيف بالإرسال ، فهي مؤيّدة للمطلوب .

   وأمّا القول الثاني المنسوب إلى الشيخ وغيره من أنّ العبرة بملك أحد النصب الزكويّة عيناً أو قيمة ، فيستدلّ له بما ورد في غير واحد من رواياتنا من أنّ الله تعالى جعل للفقراء في أموال الأغنياء ما يكفيهم ، أو أ نّه تعالى أشرك الفقراء في أموال الأغنياء ونحو ذلك ممّا تضمّن تعلّق الزكاة في أموال الأغنياء ، الكاشف عن أنّ الغني هو من يملك أحد النصب الزكويّة .

   وقد ورد هذا المضمون من طرق العامّة أيضاً، حيث قال (صلّى الله عليه وآله) حينما بعث معاذاً إلى اليمن : «أعلمهم أنّ الله تعالى قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغ&#