|
|
|
ويقع
الكلام في المقام على كلٍّ من التقديرين :
أمّا
على تقدير القول بعدم المالكية ، فعدم وجوب الزكاة حينئذ لا يحتاج إلى
الدليل ، لأنّ موضوعه المال ، ولا مال للعبد حسب الفرض ، فالقضيّة
سالبة بانتفاء الموضوع ، نظير أن نقول بعدم وجوب الزكاة على الجار
الفقير ، وهذا ظاهر من غير حاجة إلى ورود رواية تدلّ عليه .
وهل
تجب الزكاة ـ على هذا القول ـ على المولى لكونه المالك الواقعي حقيقةً وشرعاً وإن
اُضيف المال إلى العبد مجازاً وصورةً ؟
أو
لا تجب عليه أيضاً ؟
فيه
وجهان بل قولان .
والأظهر :
الوجوب ، إذ ليس في الروايات الواردة في المقام عدا التعرّض لنفي وجوب الزكاة
على المملوك من حيث كونه مالاً للمملوك ، وأمّا المولى ـ الذي فرضـناه هو
المالك الحقيقي ـ فليس في شيء من الروايات ما يقتضي عدم الوجوب بالإضافة إليه لدى
تحقّق سائر الشرائط ، ومجرّد كون المال بيد العبد ومضافاً إليه
بإضافة مجازيّة أو بملكيّة عرفيّة مسامحيّة لا يستدعي سقوط الزكاة عن
المولى ، الذي هو المالك الشرعي كما عرفت ، فالمال ـ لدى التحقيق ـ أمانة
بيد العبد ، كالمال الذي بيد الوكيل أو بيد أخيه ، ونحو ذلك ، فهو
ملك للمولى كسائر أمواله التي هي بيد العبد أو غيره .
والحاصل :
أ نّه ليس في شيء من هذه الروايات ما يدلّ على عدم الوجوب على المولى ،
ومقتضى الإطـلاقات هو الوجوب بعد أن كان ملكاً له وتحت سلطانه وتصرّفه .
وأمّا
صحيحة عبدالله بن سنان ـ الدالّة على عدم الوجوب على العبد والمولى معاً ـ
قال : قلت له : مملوك في يده مال ، أعليه زكاة ؟ «قال :
لا» قال : قلت :
فعلى سيّده ؟ «فقال : لا ،
لأ نّه لم يصل إلى السيّد وليس هو للمملوك» (1)
.
فهي أجنبيّة عمّا نحن فيه ، فإنّ محلّ
الكلام : ما إذا كان المال للمملوك إمّا حقيقةً أو مجازاً ـ على القولين ـ
ومورد الرواية : أنّ هناك مالاً بيد العبد من غير أن يفرض أ نّه مال
العبد ومضافٌ إليه ، ومن الجائز أ نّه مالٌ للمولى كان بيد العبد
للتجارة ، فاتّجر وربح ولم يطّلع عليه المولى ، فحينئذ لا تجب
الزكاة : لا على العبد ، لعدم كونه ملكاً له ، ولا على
المولى ، لأ نّه لم يصل إليه ، كما علّل بذلك في الصحيحة ،
لما سيجيء من أنّ من شرائط وجوب الزكاة : كون المال تحت السلطنة
والتصرّف (2)
، فلا زكاة فيما لا سلطنة عليه ، كالمال الغائب
أو المدفون في مكان وهو لا يدري ، أو من انتقل إليه مالٌ بإرث وهو
لا يعلم ، أو بتجارة من وكيله أو أمينه وهو جاهل بذلك . ففي جميع
هذه الموارد بما أنّ المال لم يصل إليه مالكه ولم يكن تحت تصرّفه وسلطانه لا زكاة
عليه .
وبالجملة :
فالظاهر أنّ الصحيحة ناظرة إلى مثل هذا المال ، وليس موردها مال العبد ،
بل مال بيد العبد كما عرفت .
إذن
فلا توجب الصحيحة تخصيص العمومات المقتضية لوجوب الزكاة على المولى بوجه .
فعلى
هذا القول ـ أعني عدم مالكيّة العبد وإن كان ضعيفاً عندنا ـ وجبت الزكاة على
مولاه ، لإطلاق جميع أدلّتها ممّا وردت في النقدين وفي الأنعام والغلاّت كما
هو ظاهر .
وأمّا
على القول بمالكيّة العبد ـ كما هو الصحيح على ما مرّ (3)
ـ
فالمعروف
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 9 : 92 / أبواب من تجب
عليه الزكاة ب 4 ح 4 .
(2) اُنظر ص 33 .
(3) في ص 20 .
والمشهور : عدم وجوب الزكاة عليه أيضـاً ،
فإنّ المقـتضي وإن كان حينـئذ موجوداً ـ وهو المالكيّة ـ فلا محذور من هذه
الجهة ، إلاّ أ نّه مقرونٌ بالمانع ـ وهو
المملوكيّة ـ فلا تجب على العبد ، كما لا تجب على الصغير
والمجنون ، وذلك للأخبار المعتبرة المستفيضة المتضمّنة أ نّه : لا
زكاة في مال المملوك ولو كان ألف ألف (1)
.
وقيل
بالوجوب ، وقد اعترف في الجواهر بعدم معروفيّة القائل به صريحاً ، غير
أ نّه يستظهر ذلك من ابن حمزة في الوسيلة (2)
،
حيث إنّه لم يذكر الحرّيّة هنا من الشرائط ، بضميمة ما يظهر منه في باب العتق
من أنّ العبد يملك ، فيستظهر من ضمّ هاتين المقدّمتين أ نّه يرى وجوب
الزكاة على العبد .
وكيفما
كان ، فقد نسـب المحقّق الهمداني هذا القول إلى العلاّمة في المنتهى
والمحـقّق في النافع وإلى إيضاح النافع ، وأ نّهم ذهبوا إلى الوجوب على
القول بالملكيّة (3)
.
وهذا
ـ على تقدير صدق النسبة ـ لم يظهر له وجه صحيح أبداً ، بعد تظافر الأخبار ـ
كما عرفت ـ بأ نّه ليس في مال المملوك شيء ، فإنّ ظاهر الأخبار عدم
تعلّق الزكاة وإن ملك العبد باعتبار إضافة المال إليه ، لا نفي الملكيّة حتى
يلتزم بالوجوب على تقدير القول بالملك .
ومقتضى
الإطلاق في هذه النصوص : عدم الفرق بين ما إذا كان العبد مأذوناً في التصرّف
من قبل المولى أم لا ، بل ربّما يظهر من بعضها ـ زيادةً على الإطلاق ـ نوع
ظهور في المأذونيّة .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 9 : 91 / أبواب من تجب
عليه الزكاة ب 4 .
(2) جواهر الكلام 15 : 31 ـ 32 .
(3) مصباح الفقيه 13 : 37 .
وهي
موثّقـة إسحاق بن عمّار ، قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) :
ما تقول في رجل يهب لعبده ألف درهم أو أقلّ أو أكثر فيقول: حلّلني من ضربي إيّاك
ومن كلّ ما كان منّي إليك وممّا[ أخفتك ](1)
وأرهبتك ،
فيحلّله ويجعله في حلٍّ رغبةً فيما أعطاه، ثمّ إنّ المولى بعدُ أصاب الدراهم التي
كان أعطاه في موضع قد وضعها فيه العبد ، فأخذها المولى ، أحلالٌ هي
له ؟ قال : «فقال : لا تحلّ له ، لأ نّه افتدى بها
نفسه من العبد مخافة العقوبة والقصاص يوم القيامة» قال : فقلت له : فعلى
العبد أن يزكّيها إذا حال عليه الحول ؟ «قال : لا ، إلاّ أن يعمل
له فيها ولا يعطى العبد من الزكاة شيئاً» (2)
.
دلّت
على عدم جواز الرجوع في هبته ، لأ نّها كانت بإزاء التحليل ، فكانت
في حكم الهبة المعوّضة التي لا رجوع فيها ، ومعلومٌ أنّ ما يقع بإزاء التحليل
ليس مجرّد الملكيّة ، إذ لا أثر لها ولا ينتفع منها العبد ليحلّل
مولاه ، بل ما كانت مقرونة بالمأذونيّة والتسلّط على التصرّف كما
لا يخفى .
ولكن
المحقّق الأردبيلي والفاضل القطيفي فصّلا في المسألة بين صورتي الإذن وعدمه ،
وحملا الروايات على صورة عدم الإذن ، فتجب الزكاة في فرض الإذن وعدم
الحجر (3)
.
ولا
شكّ أنّ هذا التفصيل مناف لإطلاق النصوص ، بل ظهور موثّق إسحاق كما عرفت .
فبالنظر
إلى الروايات لم يُعرَف وجهٌ لذلك أبداً .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في المطبوع : افضتك ، وما أثبتناه من
الفقيه 3 : 146 / 644 ، والتهذيب 8 : 225 / 808 .
(2) الوسائل 9 : 92 / أبواب من تجب
عليه الزكاة ب 4 ح 6 .
(3) حكاه عنهما الهمداني في مصباح الفقيه 13 :
38 .
فلا بدّ
وأن يكون منشأ التفصيل : محجوريّة العبد عن التصرّف ، التي ترتفع
بالإذن ، وسيجيء إن شاء الله اعتبار التمكّن من التصرّف في وجوب الزكاة (1)
،
فالعبد المأذون مالكٌ متمكّنٌ من التصرّف في ماله ، فتجب عليه الزكاة كسائر
الملاّك ، دون غير المأذون الذي لا سلطنة له على ماله .
فالتفصيل
المزبور مبنيٌّ على ذلك مع الغضّ عن الأخبار .
ومع
ذلك لا يتمّ ، والوجه فيه : أنّ المنع عن التصرّف المانع عن تعلّق
الزكاة إنّما هو فيما إذا كان المنع من جهة قصور في المال لا قصور في ناحـية
المالك المتصرّف .
فإنّ
القصور تارةً : يكون في ناحية المال ، كما لو كان
غائباً أو مدفوناً في مكان مجهول ، أو إرثاً لا يدري به الوارث ،
أو مسروقاً أو مرهوناً فيما لو تعدّينا عن المنع العقلي إلى الشرعي . ففي
جميع هذه الموارد تكون الممنوعيّة العقليّة أو الشرعيّة عن التصرّف مستندة إلى قصور
ونقص في ذات المال ، وإلاّ فلا قصور في طرف المالك أبداً .
واُخرى :
يكون في ناحية المالك ، كما لو كان سفيهاً ، أو محجوراً عليه ، أو
عبداً ، أو صغيراً ، ونحو ذلك . والذي ثبتت مانعيّته عن تعلّق
الزكاة إنّما هو الأوّل ، وإلاّ فلم يدلّ أيّ دليل على أنّ الحجر من ناحية
المالك من حيث إنّه حجرٌ وإنّه ممنوعٌ عن التصرّف، لا من حيث عنوان آخر ملازم معه
ـ كالصغر ـ مانع عن تعلّق الزكاة كما لا يخفى .
فلو
فرضنا أ نّا لم نعمل بالروايات المتقدّمة كان مقتضى القاعدة ـ على القول
بالملكيّة ـ وجوب الزكاة على العبد مطلقاً ، أي سواء كان مأذوناً أم لا ،
لأنّ النقص إنّما هو من ناحية المالك ، لأ نّه عبدٌ كَلٌّ على مولاه كما
في السفيه ، وقد
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) اُنظر ص 33 .
علمت أنّ مثله لا يضرّ بوجوب الزكاة .
فهذا
التفصيل لم يُعرَف له أيّ وجه صحيح .
ثمّ
إنّا لو بنينا على تماميّة هذه الروايات ـ المتضمّنة : أ نّه لا زكاة في
مال المملـوك ، وهي كثيرة جدّاً تامّة سنداً ودلالةً ـ فلا موجب لرفع اليد عن
ظهورها في أنّ العبد مالكٌ حقيقةً وإن كان ممنوعاً عن التصرّف ، لكونه كَلاًّ
على مولاه لا يقدر على شيء ، فهو ممنوعٌ عن التصرّف في ماله بغير إذن
مولاه كما أ نّه ممنوعٌ عن التصرّف في نفسه بالتزويج ، فكما أ نّه
لو تزوّج مع الإذن فهو زوجٌ حقيقةً فكذلك هو مالكٌ لماله حقيقةً وإن كان محجوراً
من جهة أنّ الرقّيّة من أسباب الحجر .
وعليه ،
فاشتراط الحرّيّة واستثناء العبد عن الملاّك الذين تجب عليهم الزكاة صحيحٌ وفي
محلّه .
وأمّا
لو فرضنا أنّ العبد لا يملك وأنّ ملكه لمولاه حقيقةً ، فاشتراط الحرّيّة
حينئذ غير وجيه ، فإنّ الشرط موجودٌ إذ المالك حرّ ، غايته أنّ هذا
الملك ـ الذي هو ملك للمولى حقيقةً ـ يضاف إلى العبد بإضافة
مجازيّة وبنحو من العناية ، كما يقال : هذا الجُلّ للفرس ، أو هذا
الفرش للغرفة الفلانيّة . فلو اُريد نفي الزكاة عن هذا المال لم يحسن التعبير
عنه باشتراط الحرّيّة ، بل كان اللاّزم أن يُعبّر باشتراط عدم إضافة المال
إلى العبد إضافةً مجازيّة ، لرجوع الشرط حينئذ إلى المال نفسه دون
مالكه ، وأنّ هذه الإضافة ـ التي يتّصف بها المال ـ توجب سقوط الزكاة .
وبعبارة
اُخرى : أموال المولى على قسمين :
قسم
لا يرتبط بالعبد بوجه .
وقسم
تحت يده ومضاف إليه عرفاً وملك له مجازاً .
من
غير فرق بين القـنّ ، والمدبّر ، واُمّ الولد (1)
والمكاتب المشروط ، والمطلق الذي لم يؤدّ شيئاً من مال الكتابة . وأمّا
المبعّض فيجب عليه إذا بلغ ما يتوزّع على بعضه الحرّ النصاب .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فلو
كانت النصوص ناظرة إلى نفي الزكاة عن هذا القسم من أموال المولى ، كان
اللاّزم أن يقال : بأنّ ما يضاف إلى العبد من المال ـ ولو إضافة مجازيّة ـ
لا زكاة فيه .
وهذا
وإن احتمله بعضهم ـ كما ذكره المحقّق الهمداني (قدس سره) (1)
ـ
ولكن لا وجه له أبداً ، إذ لا موجب لرفع اليد عن هذه الأخبار الظاهرة في
ملكيّة العبد ، ولا سيّما الموثّقة الدالّة على عدم جواز الرجوع فيما وهبه
إليه عوض الاستحلال خوفاً من العقاب كما تقدّم (2)
.
(1)
لإطلاق الأدلّة الشامل لجميع هذه الأقسام ، فإنّ بعضها وإن كان في معرض
التحرير ـ كالمدبّر واُمّ الولد والمكاتب المشروط أو المطلق الذي لم يؤدّ شيئاً من
مال الكتابة ـ إلاّ أ نّه بالفعل عبدٌ محض فيشمله الإطلاق .
إنّما
الكلام في المبعّض ، كالمكاتب المطلق الذي أدّى مقداراً من مال الكتابة
فتحرّر بعضه وبقي البعض الآخر على الرقّيّة ، فهل تجب عليه الزكاة بمقدار
حرّيّته أو تجب في جميع أمواله ؟
المعروف
والمشهور ـ بل قيل : إنّه ممّا لا خلاف فيه ـ : أ نّه يوزّع
المال ، فما يملكه بإزاء الجزء الحرّ تجب فيه الزكاة إذا بلغ النصاب ،
دون ما يقع بإزاء الجزء
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مصباح الفقيه 13 : 41 ـ 42 .
(2) في ص 24 .
الرقّ . وعلّله في الجواهر بوجود المقتضي ـ وهو
بلوغ المال حدّ النصاب ـ وعدم المانع (1)
،
إذ المانع هي المملوكيّة المنتفية بنسبة هذا المال .
وناقش
فيه بعضهم بما يرجع إلى ما ذكره في الحدائق من أنّ الروايات المانعة عن تعلّق
الزكاة في مال المملوك منصرفة إلى المملوك التامّ والعبد المحض (2)
،
فالمبعّض ـ الذي هو فرد نادر ـ غير مشمول لتلك الأخبار ، وعليه فمقتضى
القاعدة : وجوب الزكاة في تمام ما يملكه ، فلا يتوزّع ولا يختصّ بحصّة
الجزء الحرّ ، لعدم دخول المبعّض في دليل الاستثناء بتاتاً .
ولكن
الصحيح ما ذكره في الجواهر ، فإنّ مناسبة الحكم والموضوع تدلّنا على أنّ وجوب
الزكاة إنّما هو من جهة الحرّيّة وعدم الرقّيّة ، وذلك يقتضي التقسيط
والتوزيع في فرض التبعيض بطبيعة الحال كما لا يخفى .
ويؤكّده
ما ورد في غير واحد من نصوص باب الحدود والقصاص من التوزيع فيما لو كان الجاني أو
المجني عليه مبعّضاً ، فلو زنى المبعّض وُزِّع الجَلد عليه بنسبة الحرّ
والعبد ، فلو كان نصفه حرّاً ونصفه عبداً يُجلَد بمقدار النصف من كلٍّ من
الحدّين (3)
.
ولو
قتل أحدٌ مكاتباً قد تحرّر نصفه ـ مثلاً ـ يؤخذ منه نصف دية الحرّ ونصف دية العبد (4)
.
إلى
غير ذلك من سائر الأحكام المذكورة في الموارد المتفرّقة من البابين
المزبورين ، التي هي كثيرة جدّاً ، ومذكورة في غير واحد من
الأخبار ، بحيث
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جواهر الكلام 15 : 34 .
(2) الحدائق 12 : 29 .
(3) الوسائل 28 : 136 / أبواب حدّ
الزنا ب 33 .
(4) الوسائل 29 : 213 / أبواب ديّات
النفس ب 10 .
الرابع :
أن يكون مالكاً (1) ،
فلا تجب قبل تحقّق الملكيّة ، كالموهوب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يظهر منها المفروغيّة عن التوزيع ، الذي هو
الصحيح الموافق للمتفاهم العرفي بمقتضى مناسبة الحكم والموضوع حسبما عرفت .
(1)
ذكر (قدس سره) أنّ من جملة الشرائط : الملكيّة ، فلا زكاة على غير
المالك ، ورتّب عليه أنّ القبض لو كان دخيلاً في الملكيّة ـ كما في الهبة ـ
فما لم يقبض لا زكاة عليه ، لعدم تحقّق الملك ، ولذا لو مات الواهب قبل
القبض انتقل إلى وارثه دون الموهوب له ، فلا تجب الزكاة عليه ، بل تجب
على الواهب إن كان واجداً للشرائط ، وإلاّ فلا تجب عليهما ، كما لو
فرضنا أنّ شخصين ملك كلٌّ منهما كمّيّة من الدينار غير بالغة حدّ النصاب ،
فوهباه من زيد ، ولم يقبض ، فإنّه لا تجب الزكاة على الموهوب
له ، لعدم القبض ، ولا على الواهبين ، لعدم بلوغ حصّة كلّ منهما
النصاب على الفرض ، وستعرف أنّ النصاب يعتبر أن يكون في ملك مالك واحد (1)
.
وهذا
الذي ذكره (قدس سره) ممّا لا ينبغي الشكّ فيه ، بل لا إشكال فيه ولا
خلاف ، كما عن غير واحد .
وتدلّ
عليه ـ قبل التسالم والنصوص المتظافرة ـ ظاهر الآية المباركة ، قال تعالى :
(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ
صَدَقَةً ) (2)
دلّت
على أنّ موضوع الزكاة إنّما هو أموال الناس ، فمن كان ذا مال تتعلّق به
الزكاة ، وغير المالك غير مأمور بشيء ، فالأمر مشروطٌ بالملكيّة ،
ولا زكاة في غير المملوك . وهذا يُتصوّر على أقسام :
إذ
تارةً : لا يكون الشيء ملكاً لأحد ، كما في
المباحات الأصليّة .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص 175 ـ 177 .
(2) التوبة 9 : 103 .
واُخرى :
مملوك لكن لا لشخص خاصّ ، وإنّما هو ملك للجهة ، كما في نماء
الوقف ، كالبستان الموقوف للمسجد أو لتعزية
الحسين (عليه السلام)، أو للعنوان والجهات العامّة ، كالفقراء
والعلماء ، ونحو ذلك من المصارف المشروعة . فلو بلغ حاصلها حدّ النصاب
لا تجب الزكاة فيه ، فإنّ الوقف وإن كان تمليكاً على ما هو المعروف
ولكنّه مملوك للجهة أو للعنوان لا لشخص معيّن ليؤمر بالزكاة على ما تقتضـيه الآية :
(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ
صَدَقَةً) ،
الظاهرة في كون الشيء ملكاً لمالك مشخّص معيّن ، بمقتضى مقابلة الجمع بالجمع
كما لا يخفى .
وعلى
الجملة : فمثل هذه الأوقاف ـ التي هي وقف
على الجهات العامّة بنحو الصرف أو ملكيّة العنوان ـ لا زكاة فيها إذا لم يقبضها
شخصٌ معيّن .
نعم ،
بعد القبض وحصول الملكيّة للشخص ـ على القول بأنّ الوقف تمليك ـ وجبت الزكاة
حينئذ .
وتؤكّد
الآية عدّة من الأخبار المتضمّنة أ نّه :
لا زكاة إلاّ على صاحب المال(1)
، الظاهر
في الصاحب المعيّن المتشخّص خارجاً .
ومن
هذا القبيل : باب الوصيّة فيما إذا أوصى أن يُصرَف نماء هذه النخيل
ـ مثلاً ـ في جهة خاصّة ، فإنّ الصحيح في باب الوصيّة
أنّ المال الموصى به قبل أن يُصرَف في مصرفه باق على ملك الميّت ،
وأ نّه مالكٌ لثلث ماله والباقي للوارث ، ولا مانع من اعتبار الملكيّة
حال الممات كالحياة .. كما لا يخفى ، ولكن بما أنّ الميّت
لا يخاطَب ولا يكلّف بشيء فلأجله لا تتعلّق به الزكاة ، ضرورة أنّ
الحياة من الشرائط العامّة كالبلوغ والعقل .
فتحصّل :
أ نّه يُعتبَر في الزكاة أن يكون مملوكاً ، فلا زكاة على
المباحات . وأن يكون مملوكاً لشخص ، فلا زكاة على ما هو مملوك
للعنوان ، كالأوقاف .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 9 : 103 / أبواب من تجب
عليه الزكاة ب 9 .
قبل القبض ، والموصى به قبل القبول ((1)) (1)
أو قبل القبض . وكذا في القرض لا تجب إلاّ بعد القبض .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأن يكون الشخص حيّاً ، فلا زكاة على الميّت كما
في الوصيّة ، لا لعدم الملكيّة ، بل لعدم قابليّة المالك لتعلّق الأمر
به حسبما عرفت .
(1)
وممّا فرّع (قدس سره) على اعتبار الملكيّة : عدم تعلّق الزكاة بالموصى به قبل
قبول الوصي ، فلو أوصى أن يكون نماء البستان لزيد ، فمات ، وبعده
خرج النماء ولم يقبل زيد ، لا زكاة عليه ، لعدم دخوله في ملكه قبل
قبوله ، وقد عرفت عدم وجوب الزكاة على الميّت ، فهذا المال ممّا لم
تتعلّق به الزكاة أصلاً .
وما
ذكره (قدس سره) وجيه ، بناءً على اعتبار القبول في الوصيّة ، ولم ترد
فيه أيّة رواية ولو ضعيفة ، وإنّما ادُّعي عليه الإجماع وبعض الوجوه الاعتباريّة
غير القابلة للاعتماد ، مثل : أ نّه كيف يملك من غير رضاه مع أنّ
الناس مسلّطون على أموالهم وأنفسهم ، والتملّك من غير القبول مناف للسلطنة
على النفس ، وهو كما ترى ، لوضوح عدم التنافي بين السلطنة والملكيّة غير
الاختياريّة كما في الإرث ونحوه .
والحاصل :
أ نّه لا دليل على اعتبار القبول في نفوذ الوصيّة بوجه ، غايته أنّ
الموصَى له له حقّ الردّ ، كي لا ينافي السلطنة ، وهذا أمر آخر
لا نضايق عن الالتزام به ، فالاشتراط بعدم الردّ شيء ، والاشتراط
بالقبول شيء آخر ، والذي ثبت إنّما هو الأوّل دون الثاني ، فهو مالك ما
لم يردّ ، ومعه ينكشف عدم الملكيّة من الأوّل كما لا يخفى .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا يبعد عدم توقّف حصول الملكيّة في الوصيّة
على القبول ، وأمّا توقّفه على القبض فمقطوع العدم ، ولعلّ ذكره من سهو
القلم .
وعليه ،
فلا يترتّب ما ذكره (قدس سره) على هذا الاشتراط ، بل تجب الزكاة قبل
القبول ، لحصول الملك .
وممّا
يؤكّد عدم احتـياج الوصيّة إلى القبول ما دلّ من الروايات على أنّ الموصى له إذا
مات قبل القبول أو قبل أن يعلم يُعطَى لورثته(1)
،
فإنّ هذا لو كان حكماً تعبّديّاً في مورده لم يكن به بأس ، ولكن بناءً على
عدم اشتراط القبول فهو حكمٌ على القاعدة ، لأ نّه ملكٌ للموصى له فينتقل
إلى وارثه .
وكيفما
كان ، فما ذكره (قدس سره) مبنيٌّ على اعتبار القبول ، وهو غير تامّ (2)
،
وتمام الكلام في محلّه .
وأمّا
ما ذكره (قدس سره) من اعتبار القبض في الملكيّة في باب الوصيّة
ـ ولأجله حكم (قدس سره) بعدم الزكاة قبل القبض ـ فهو
باطل ، بل وغير محتمل قطعاً ، لعدم اعتبار القبض في هذا الباب بلا شبهة
ولا إشكال ، ولا قائل به معروف ، بل ولا غير معروف .
نعم ،
نسب ذلك إلى بعض كلمات الشيخ ، ولم تثبت النسبة ، ولا دليل عليه
بوجه ، فلو قلنا باعتبار القبول لا نقول باعتبار القبض بتاتاً .