ــ[21]ــ

   ويقع الكلام في المقام على كلٍّ من التقديرين :

   أمّا على تقدير القول بعدم المالكية ، فعدم وجوب الزكاة حينئذ لا يحتاج إلى الدليل ، لأنّ موضوعه المال ، ولا مال للعبد حسب الفرض ، فالقضيّة سالبة بانتفاء الموضوع ، نظير أن نقول بعدم وجوب الزكاة على الجار الفقير ، وهذا ظاهر من غير حاجة إلى ورود رواية تدلّ عليه .

   وهل تجب الزكاة ـ على هذا القول ـ على المولى لكونه المالك الواقعي حقيقةً وشرعاً وإن اُضيف المال إلى العبد مجازاً وصورةً ؟

   أو لا تجب عليه أيضاً ؟

   فيه وجهان بل قولان .

   والأظهر : الوجوب ، إذ ليس في الروايات الواردة في المقام عدا التعرّض لنفي وجوب الزكاة على المملوك من حيث كونه مالاً للمملوك ، وأمّا المولى ـ الذي فرضـناه هو المالك الحقيقي ـ فليس في شيء من الروايات ما يقتضي عدم الوجوب بالإضافة إليه لدى تحقّق سائر الشرائط ، ومجرّد كون المال بيد العبد ومضافاً إليه بإضافة مجازيّة أو بملكيّة عرفيّة مسامحيّة لا يستدعي سقوط الزكاة عن المولى ، الذي هو المالك الشرعي كما عرفت ، فالمال ـ لدى التحقيق ـ أمانة بيد العبد ، كالمال الذي بيد الوكيل أو بيد أخيه ، ونحو ذلك ، فهو ملك للمولى كسائر أمواله التي هي بيد العبد أو غيره .

   والحاصل :  أ نّه ليس في شيء من هذه الروايات ما يدلّ على عدم الوجوب على المولى ، ومقتضى الإطـلاقات هو الوجوب بعد أن كان ملكاً له وتحت سلطانه وتصرّفه .

   وأمّا صحيحة عبدالله بن سنان ـ الدالّة على عدم الوجوب على العبد والمولى معاً ـ قال : قلت له : مملوك في يده مال ، أعليه زكاة ؟ «قال : لا» قال : قلت :

ــ[22]ــ

فعلى سيّده ؟ «فقال : لا ، لأ نّه لم يصل إلى السيّد وليس هو للمملوك» (1) .

فهي أجنبيّة عمّا نحن فيه ، فإنّ محلّ الكلام : ما إذا كان المال للمملوك إمّا حقيقةً أو مجازاً ـ على القولين ـ ومورد الرواية : أنّ هناك مالاً بيد العبد من غير أن يفرض أ نّه مال العبد ومضافٌ إليه ، ومن الجائز أ نّه مالٌ للمولى كان بيد العبد للتجارة ، فاتّجر وربح ولم يطّلع عليه المولى ، فحينئذ لا تجب الزكاة : لا على العبد ، لعدم كونه ملكاً له ، ولا على المولى ، لأ نّه لم يصل إليه ، كما علّل بذلك في الصحيحة ، لما سيجيء من أنّ من شرائط وجوب الزكاة : كون المال تحت السلطنة والتصرّف (2) ، فلا زكاة فيما لا سلطنة عليه ، كالمال الغائب أو المدفون في مكان وهو لا يدري ، أو من انتقل إليه مالٌ بإرث وهو لا يعلم ، أو بتجارة من وكيله أو أمينه وهو جاهل بذلك . ففي جميع هذه الموارد بما أنّ المال لم يصل إليه مالكه ولم يكن تحت تصرّفه وسلطانه لا زكاة عليه .

   وبالجملة :  فالظاهر أنّ الصحيحة ناظرة إلى مثل هذا المال ، وليس موردها مال العبد ، بل مال بيد العبد كما عرفت .

   إذن فلا توجب الصحيحة تخصيص العمومات المقتضية لوجوب الزكاة على المولى بوجه .

   فعلى هذا القول ـ أعني عدم مالكيّة العبد وإن كان ضعيفاً عندنا ـ وجبت الزكاة على مولاه ، لإطلاق جميع أدلّتها ممّا وردت في النقدين وفي الأنعام والغلاّت كما هو ظاهر .

 وأمّا على القول بمالكيّة العبد ـ كما هو الصحيح على ما مرّ (3) ـ فالمعروف

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 9 : 92 /  أبواب من تجب عليه الزكاة ب 4 ح 4 .

(2) اُنظر ص 33 .

(3) في ص 20 .

ــ[23]ــ

والمشهور : عدم وجوب الزكاة عليه أيضـاً ، فإنّ المقـتضي وإن كان حينـئذ موجوداً ـ وهو المالكيّة ـ فلا محذور من هذه الجهة ، إلاّ أ نّه مقرونٌ بالمانع ـ  وهو المملوكيّة  ـ فلا تجب على العبد ، كما لا تجب على الصغير والمجنون ، وذلك للأخبار المعتبرة المستفيضة المتضمّنة أ نّه : لا زكاة في مال المملوك ولو كان ألف ألف (1) .

   وقيل بالوجوب ، وقد اعترف في الجواهر بعدم معروفيّة القائل به صريحاً ، غير أ نّه يستظهر ذلك من ابن حمزة في الوسيلة (2) ، حيث إنّه لم يذكر الحرّيّة هنا من الشرائط ، بضميمة ما يظهر منه في باب العتق من أنّ العبد يملك ، فيستظهر من ضمّ هاتين المقدّمتين أ نّه يرى وجوب الزكاة على العبد .

   وكيفما كان ، فقد نسـب المحقّق الهمداني هذا القول إلى العلاّمة في المنتهى والمحـقّق في النافع وإلى إيضاح النافع ، وأ نّهم ذهبوا إلى الوجوب على القول بالملكيّة (3) .

   وهذا ـ على تقدير صدق النسبة ـ لم يظهر له وجه صحيح أبداً ، بعد تظافر الأخبار ـ كما عرفت ـ بأ نّه ليس في مال المملوك شيء ، فإنّ ظاهر الأخبار عدم تعلّق الزكاة وإن ملك العبد باعتبار إضافة المال إليه ، لا نفي الملكيّة حتى يلتزم بالوجوب على تقدير القول بالملك .

   ومقتضى الإطلاق في هذه النصوص : عدم الفرق بين ما إذا كان العبد مأذوناً في التصرّف من قبل المولى أم لا ، بل ربّما يظهر من بعضها ـ زيادةً على الإطلاق ـ نوع ظهور في المأذونيّة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 9 : 91 /  أبواب من تجب عليه الزكاة ب 4 .

(2) جواهر الكلام 15 : 31 ـ 32 .

(3) مصباح الفقيه 13 : 37 .

ــ[24]ــ

   وهي موثّقـة إسحاق بن عمّار ، قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : ما تقول في رجل يهب لعبده ألف درهم أو أقلّ أو أكثر فيقول: حلّلني من ضربي إيّاك ومن كلّ ما كان منّي إليك وممّا[ أخفتك ](1) وأرهبتك ، فيحلّله ويجعله في حلٍّ رغبةً فيما أعطاه، ثمّ إنّ المولى بعدُ أصاب الدراهم التي كان أعطاه في موضع قد وضعها فيه العبد ، فأخذها المولى ، أحلالٌ هي له ؟ قال : «فقال : لا تحلّ له ، لأ نّه افتدى بها نفسه من العبد مخافة العقوبة والقصاص يوم القيامة» قال : فقلت له : فعلى العبد أن يزكّيها إذا حال عليه الحول ؟ «قال : لا ، إلاّ أن يعمل له فيها ولا يعطى العبد من الزكاة شيئاً» (2) .

   دلّت على عدم جواز الرجوع في هبته ، لأ نّها كانت بإزاء التحليل ، فكانت في حكم الهبة المعوّضة التي لا رجوع فيها ، ومعلومٌ أنّ ما يقع بإزاء التحليل ليس مجرّد الملكيّة ، إذ لا أثر لها ولا ينتفع منها العبد ليحلّل مولاه ، بل ما كانت مقرونة بالمأذونيّة والتسلّط على التصرّف كما لا يخفى .

   ولكن المحقّق الأردبيلي والفاضل القطيفي فصّلا في المسألة بين صورتي الإذن وعدمه ، وحملا الروايات على صورة عدم الإذن ، فتجب الزكاة في فرض الإذن وعدم الحجر (3) .

   ولا شكّ أنّ هذا التفصيل مناف لإطلاق النصوص ، بل ظهور موثّق إسحاق كما عرفت .

   فبالنظر إلى الروايات لم يُعرَف وجهٌ لذلك أبداً .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في المطبوع : افضتك ، وما أثبتناه من الفقيه 3 : 146 / 644 ، والتهذيب 8 : 225 / 808 .

(2) الوسائل 9 : 92 /  أبواب من تجب عليه الزكاة ب 4 ح 6 .

(3) حكاه عنهما الهمداني في مصباح الفقيه 13 : 38 .

ــ[25]ــ

   فلا بدّ وأن يكون منشأ التفصيل : محجوريّة العبد عن التصرّف ، التي ترتفع بالإذن ، وسيجيء إن شاء الله اعتبار التمكّن من التصرّف في وجوب الزكاة (1) ، فالعبد المأذون مالكٌ متمكّنٌ من التصرّف في ماله ، فتجب عليه الزكاة كسائر الملاّك ، دون غير المأذون الذي لا سلطنة له على ماله .

   فالتفصيل المزبور مبنيٌّ على ذلك مع الغضّ عن الأخبار .

   ومع ذلك لا يتمّ ، والوجه فيه : أنّ المنع عن التصرّف المانع عن تعلّق الزكاة إنّما هو فيما إذا  كان المنع من جهة قصور في المال لا قصور في ناحـية المالك المتصرّف .

   فإنّ القصور تارةً : يكون في ناحية المال ، كما لو كان غائباً أو مدفوناً في مكان مجهول ، أو إرثاً لا يدري به الوارث ، أو مسروقاً أو مرهوناً فيما لو تعدّينا عن المنع العقلي إلى الشرعي . ففي جميع هذه الموارد تكون الممنوعيّة العقليّة أو الشرعيّة عن التصرّف مستندة إلى قصور ونقص في ذات المال ، وإلاّ فلا قصور في طرف المالك أبداً .

   واُخرى : يكون في ناحية المالك ، كما لو كان سفيهاً ، أو محجوراً عليه ، أو عبداً ، أو صغيراً ، ونحو ذلك . والذي ثبتت مانعيّته عن تعلّق الزكاة إنّما هو الأوّل ، وإلاّ فلم يدلّ أيّ دليل على أنّ الحجر من ناحية المالك من حيث إنّه حجرٌ وإنّه ممنوعٌ عن التصرّف، لا من حيث عنوان آخر ملازم معه ـ  كالصغر  ـ مانع عن تعلّق الزكاة كما لا يخفى .

   فلو فرضنا أ نّا لم نعمل بالروايات المتقدّمة كان مقتضى القاعدة ـ على القول بالملكيّة ـ وجوب الزكاة على العبد مطلقاً ، أي سواء كان مأذوناً أم لا ، لأنّ النقص إنّما هو من ناحية المالك ، لأ نّه عبدٌ كَلٌّ على مولاه كما في السفيه ، وقد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) اُنظر ص 33 .

ــ[26]ــ

علمت أنّ مثله لا يضرّ بوجوب الزكاة .

   فهذا التفصيل لم يُعرَف له أيّ وجه صحيح .

   ثمّ إنّا لو بنينا على تماميّة هذه الروايات ـ المتضمّنة : أ نّه لا زكاة في مال المملـوك ، وهي كثيرة جدّاً تامّة سنداً ودلالةً ـ فلا موجب لرفع اليد عن ظهورها في أنّ العبد مالكٌ حقيقةً وإن كان ممنوعاً عن التصرّف ، لكونه كَلاًّ على مولاه لا يقدر على شيء ، فهو ممنوعٌ عن التصرّف في ماله بغير إذن مولاه كما أ نّه ممنوعٌ عن التصرّف في نفسه بالتزويج ، فكما أ نّه لو تزوّج مع الإذن فهو زوجٌ حقيقةً فكذلك هو مالكٌ لماله حقيقةً وإن كان محجوراً من جهة أنّ الرقّيّة من أسباب الحجر .

   وعليه ، فاشتراط الحرّيّة واستثناء العبد عن الملاّك الذين تجب عليهم الزكاة صحيحٌ وفي محلّه .

   وأمّا لو فرضنا أنّ العبد لا يملك وأنّ ملكه لمولاه حقيقةً ، فاشتراط الحرّيّة حينئذ غير وجيه ، فإنّ الشرط موجودٌ إذ المالك حرّ ، غايته أنّ هذا الملك ـ  الذي هو ملك للمولى حقيقةً  ـ يضاف إلى العبد بإضافة مجازيّة وبنحو من العناية ، كما يقال : هذا الجُلّ للفرس ، أو هذا الفرش للغرفة الفلانيّة . فلو اُريد نفي الزكاة عن هذا المال لم يحسن التعبير عنه باشتراط الحرّيّة ، بل كان اللاّزم أن يُعبّر باشتراط عدم إضافة المال إلى العبد إضافةً مجازيّة ، لرجوع الشرط حينئذ إلى المال نفسه دون مالكه ، وأنّ هذه الإضافة ـ التي يتّصف بها المال ـ توجب سقوط الزكاة .

   وبعبارة اُخرى : أموال المولى على قسمين :

   قسم لا يرتبط بالعبد بوجه .

   وقسم تحت يده ومضاف إليه عرفاً وملك له مجازاً .

ــ[27]ــ

   من غير فرق بين القـنّ ، والمدبّر ، واُمّ الولد (1) والمكاتب المشروط ، والمطلق الذي لم يؤدّ شيئاً من مال الكتابة . وأمّا المبعّض فيجب عليه إذا بلغ ما يتوزّع على بعضه الحرّ النصاب .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   فلو كانت النصوص ناظرة إلى نفي الزكاة عن هذا القسم من أموال المولى ، كان اللاّزم أن يقال : بأنّ ما يضاف إلى العبد من المال ـ ولو إضافة مجازيّة ـ لا زكاة فيه .

   وهذا وإن احتمله بعضهم ـ كما ذكره المحقّق الهمداني (قدس سره) (1) ـ ولكن لا وجه له أبداً ، إذ لا موجب لرفع اليد عن هذه الأخبار الظاهرة في ملكيّة العبد ، ولا سيّما الموثّقة الدالّة على عدم جواز الرجوع فيما وهبه إليه عوض الاستحلال خوفاً من العقاب كما تقدّم (2) .

   (1) لإطلاق الأدلّة الشامل لجميع هذه الأقسام ، فإنّ بعضها وإن كان في معرض التحرير ـ كالمدبّر واُمّ الولد والمكاتب المشروط أو المطلق الذي لم يؤدّ شيئاً من مال الكتابة ـ إلاّ أ نّه بالفعل عبدٌ محض فيشمله الإطلاق .

   إنّما الكلام في المبعّض ، كالمكاتب المطلق الذي أدّى مقداراً من مال الكتابة فتحرّر بعضه وبقي البعض الآخر على الرقّيّة ، فهل تجب عليه الزكاة بمقدار حرّيّته أو تجب في جميع أمواله ؟

   المعروف والمشهور ـ بل قيل : إنّه ممّا لا خلاف فيه ـ : أ نّه يوزّع المال ، فما يملكه بإزاء الجزء الحرّ تجب فيه الزكاة إذا بلغ النصاب ، دون ما يقع بإزاء الجزء

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقيه 13 : 41 ـ 42 .

(2) في ص 24 .

ــ[28]ــ

الرقّ . وعلّله في الجواهر بوجود المقتضي ـ وهو بلوغ المال حدّ النصاب ـ وعدم المانع (1) ، إذ المانع هي المملوكيّة المنتفية بنسبة هذا المال .

   وناقش فيه بعضهم بما يرجع إلى ما ذكره في الحدائق من أنّ الروايات المانعة عن تعلّق الزكاة في مال المملوك منصرفة إلى المملوك التامّ والعبد المحض (2) ، فالمبعّض ـ الذي هو فرد نادر ـ غير مشمول لتلك الأخبار ، وعليه فمقتضى القاعدة : وجوب الزكاة في تمام ما يملكه ، فلا يتوزّع ولا يختصّ بحصّة الجزء الحرّ ، لعدم دخول المبعّض في دليل الاستثناء بتاتاً .

   ولكن الصحيح ما ذكره في الجواهر ، فإنّ مناسبة الحكم والموضوع تدلّنا على أنّ وجوب الزكاة إنّما هو من جهة الحرّيّة وعدم الرقّيّة ، وذلك يقتضي التقسيط والتوزيع في فرض التبعيض بطبيعة الحال كما لا يخفى .

   ويؤكّده ما ورد في غير واحد من نصوص باب الحدود والقصاص من التوزيع فيما لو كان الجاني أو المجني عليه مبعّضاً ، فلو زنى المبعّض وُزِّع الجَلد عليه بنسبة الحرّ والعبد ، فلو كان نصفه حرّاً ونصفه عبداً يُجلَد بمقدار النصف من كلٍّ من الحدّين (3) .

   ولو قتل أحدٌ مكاتباً قد تحرّر نصفه ـ مثلاً ـ يؤخذ منه نصف دية الحرّ ونصف دية العبد (4) .

   إلى غير ذلك من سائر الأحكام المذكورة في الموارد المتفرّقة من البابين المزبورين ، التي هي كثيرة جدّاً ، ومذكورة في غير واحد من الأخبار ، بحيث

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) جواهر الكلام 15 : 34 .

(2) الحدائق 12 : 29 .

(3) الوسائل 28 : 136 /  أبواب حدّ الزنا ب 33 .

(4) الوسائل 29 : 213 /  أبواب ديّات النفس ب 10 .

ــ[29]ــ

   الرابع : أن يكون مالكاً (1) ، فلا تجب قبل تحقّق الملكيّة ، كالموهوب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يظهر منها المفروغيّة عن التوزيع ، الذي هو الصحيح الموافق للمتفاهم العرفي بمقتضى مناسبة الحكم والموضوع حسبما عرفت .

   (1) ذكر (قدس سره) أنّ من جملة الشرائط : الملكيّة ، فلا زكاة على غير المالك ، ورتّب عليه أنّ القبض لو كان دخيلاً في الملكيّة ـ كما في الهبة ـ فما لم يقبض لا زكاة عليه ، لعدم تحقّق الملك ، ولذا لو مات الواهب قبل القبض انتقل إلى وارثه دون الموهوب له ، فلا تجب الزكاة عليه ، بل تجب على الواهب إن كان واجداً للشرائط ، وإلاّ فلا تجب عليهما ، كما لو فرضنا أنّ شخصين ملك كلٌّ منهما كمّيّة من الدينار غير بالغة حدّ النصاب ، فوهباه من زيد ، ولم يقبض ، فإنّه لا تجب الزكاة على الموهوب له ، لعدم القبض ، ولا على الواهبين ، لعدم بلوغ حصّة كلّ منهما النصاب على الفرض ، وستعرف أنّ النصاب يعتبر أن يكون في ملك مالك واحد (1) .

   وهذا الذي ذكره (قدس سره) ممّا لا ينبغي الشكّ فيه ، بل لا إشكال فيه ولا خلاف ، كما عن غير واحد .

   وتدلّ عليه ـ قبل التسالم والنصوص المتظافرة ـ ظاهر الآية المباركة ، قال تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ) (2) دلّت على أنّ موضوع الزكاة إنّما هو أموال الناس ، فمن كان ذا مال تتعلّق به الزكاة ، وغير المالك غير مأمور بشيء ، فالأمر مشروطٌ بالملكيّة ، ولا زكاة في غير المملوك . وهذا يُتصوّر على أقسام :

   إذ تارةً : لا يكون الشيء ملكاً لأحد ، كما في المباحات الأصليّة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 175 ـ 177 .

(2) التوبة 9 : 103 .

ــ[30]ــ

   واُخرى : مملوك لكن لا لشخص خاصّ ، وإنّما هو ملك للجهة ، كما في نماء الوقف ، كالبستان الموقوف للمسجد أو لتعزية الحسين (عليه السلام)، أو للعنوان والجهات العامّة ، كالفقراء والعلماء ، ونحو ذلك من المصارف المشروعة . فلو بلغ حاصلها حدّ النصاب لا تجب الزكاة فيه ، فإنّ الوقف وإن كان تمليكاً على ما هو المعروف ولكنّه مملوك للجهة أو للعنوان لا لشخص معيّن ليؤمر بالزكاة على ما تقتضـيه الآية : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) ، الظاهرة في كون الشيء ملكاً لمالك مشخّص معيّن ، بمقتضى مقابلة الجمع بالجمع كما لا يخفى .

   وعلى الجملة : فمثل هذه الأوقاف ـ التي هي وقف على الجهات العامّة بنحو الصرف أو ملكيّة العنوان ـ لا زكاة فيها إذا لم يقبضها شخصٌ معيّن .

   نعم ، بعد القبض وحصول الملكيّة للشخص ـ على القول بأنّ الوقف تمليك ـ وجبت الزكاة حينئذ .

   وتؤكّد الآية عدّة من الأخبار المتضمّنة أ نّه : لا زكاة إلاّ على صاحب المال(1) ، الظاهر في الصاحب المعيّن المتشخّص خارجاً .

   ومن هذا القبيل : باب الوصيّة فيما إذا أوصى أن يُصرَف نماء هذه النخيل ـ  مثلاً  ـ في جهة خاصّة ، فإنّ الصحيح في باب الوصيّة أنّ المال الموصى به قبل أن يُصرَف في مصرفه باق على ملك الميّت ، وأ نّه مالكٌ لثلث ماله والباقي للوارث ، ولا مانع من اعتبار الملكيّة حال الممات كالحياة .. كما لا يخفى ، ولكن بما أنّ الميّت لا يخاطَب ولا يكلّف بشيء فلأجله لا تتعلّق به الزكاة ، ضرورة أنّ الحياة من الشرائط العامّة كالبلوغ والعقل .

   فتحصّل :  أ نّه يُعتبَر في الزكاة أن يكون مملوكاً ، فلا زكاة على المباحات . وأن يكون مملوكاً لشخص ، فلا زكاة على ما هو مملوك للعنوان ، كالأوقاف .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 9 : 103 /  أبواب من تجب عليه الزكاة ب 9 .

ــ[31]ــ

قبل القبض ، والموصى به قبل القبول ((1)) (1) أو قبل القبض . وكذا في القرض لا تجب إلاّ بعد القبض .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأن يكون الشخص حيّاً ، فلا زكاة على الميّت كما في الوصيّة ، لا لعدم الملكيّة ، بل لعدم قابليّة المالك لتعلّق الأمر به حسبما عرفت .

   (1) وممّا فرّع (قدس سره) على اعتبار الملكيّة : عدم تعلّق الزكاة بالموصى به قبل قبول الوصي ، فلو أوصى أن يكون نماء البستان لزيد ، فمات ، وبعده خرج النماء ولم يقبل زيد ، لا زكاة عليه ، لعدم دخوله في ملكه قبل قبوله ، وقد عرفت عدم وجوب الزكاة على الميّت ، فهذا المال ممّا لم تتعلّق به الزكاة أصلاً .

   وما ذكره (قدس سره) وجيه ، بناءً على اعتبار القبول في الوصيّة ، ولم ترد فيه أيّة رواية ولو ضعيفة ، وإنّما ادُّعي عليه الإجماع وبعض الوجوه الاعتباريّة غير القابلة للاعتماد ، مثل : أ نّه كيف يملك من غير رضاه مع أنّ الناس مسلّطون على أموالهم وأنفسهم ، والتملّك من غير القبول مناف للسلطنة على النفس ، وهو كما ترى ، لوضوح عدم التنافي بين السلطنة والملكيّة غير الاختياريّة كما في الإرث ونحوه .

   والحاصل :  أ نّه لا دليل على اعتبار القبول في نفوذ الوصيّة بوجه ، غايته أنّ الموصَى له له حقّ الردّ ، كي لا ينافي السلطنة ، وهذا أمر آخر لا نضايق عن الالتزام به ، فالاشتراط بعدم الردّ شيء ، والاشتراط بالقبول شيء آخر ، والذي ثبت إنّما هو الأوّل دون الثاني ، فهو مالك ما لم يردّ ، ومعه ينكشف عدم الملكيّة من الأوّل كما لا يخفى .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا يبعد عدم توقّف حصول الملكيّة في الوصيّة على القبول ، وأمّا توقّفه على القبض فمقطوع العدم ، ولعلّ ذكره من سهو القلم .

ــ[32]ــ

   وعليه ، فلا يترتّب ما ذكره (قدس سره) على هذا الاشتراط ، بل تجب الزكاة قبل القبول ، لحصول الملك .

   وممّا يؤكّد عدم احتـياج الوصيّة إلى القبول ما دلّ من الروايات على أنّ الموصى له إذا مات قبل القبول أو قبل أن يعلم يُعطَى لورثته(1) ، فإنّ هذا لو كان حكماً تعبّديّاً في مورده لم يكن به بأس ، ولكن بناءً على عدم اشتراط القبول فهو حكمٌ على القاعدة ، لأ نّه ملكٌ للموصى له فينتقل إلى وارثه .

   وكيفما كان ، فما ذكره (قدس سره) مبنيٌّ على اعتبار القبول ، وهو غير تامّ (2) ، وتمام الكلام في محلّه .

   وأمّا ما ذكره (قدس سره) من اعتبار القبض في الملكيّة في باب الوصيّة ـ  ولأجله حكم (قدس سره) بعدم الزكاة قبل القبض  ـ فهو باطل ، بل وغير محتمل قطعاً ، لعدم اعتبار القبض في هذا الباب بلا شبهة ولا إشكال ، ولا قائل به معروف ، بل ولا غير معروف .

   نعم ، نسب ذلك إلى بعض كلمات الشيخ ، ولم تثبت النسبة ، ولا دليل عليه بوجه ، فلو قلنا باعتبار القبول لا نقول باعتبار القبض بتاتاً .