بسم الله الرّحمن الرّحيم

 
   
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين الغرّ الميامين .

 ــ[1]ــ

 كتاب الزكاة

ــ[3]ــ

 
كتاب الزّكاة

    التي وجوبها من ضروريّات الدين (1) ، ومنكره مع العلم به كافر ، بل في جملة من الأخبار : أنّ مانع الزكاة كافر . ويشترط في وجوبها اُمور :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كتاب الزّكاة

   (1) لا إشكال ـ كما لا خلاف بين فرق المسلمين ـ في وجوب الزكاة على كلّ مكلّف مع استجماع الشرائط الآتية في الجملة .

   وقد نطق به الكتاب العزيز ، بل قُورنت الزكاة بالصلاة في غير واحد من الآيات ، الكاشفة عن مزيد العناية والاهتمام الأكيد بشأنها .

   والأخبار بها متظافرة، بل متواترة، بل قد عُدَّت في بعضها من مباني الإسلام على حدّ الصلاة والصيام (1) .

   فهي إذن من ضروريّات الدين الموجب لاندراج منكره في سلك الكافرين .

 نعم ، قد ذكرنا في كتاب الطهارة (2) ـ في مباحث النجاسة ، عند التكلّم حول

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 13 /  أبواب مقدّمة العبادات ب 1 ح 1 و2 وغيرهما .

(2) راجع شرح العروة 3 : 54 .

ــ[4]ــ

الكفر والإسلام ـ : أنّ إنكار الضروريّ بمجرّده ـ ومن حيث هو ـ لا يستوجب الكفر والارتداد ، إلاّ إذا أدّى إلى إنكار الرسالة وتكذيب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فيما جاء به ، فيختصّ بالعالم دون من استند إنكاره إلى شبهة أو جهل ، كمن كان جديد عهد بالإسلام ولم يكن له مزيد اطّلاع بالأحكام .

   وأمّا الإنكار العملي بالامتناع عن دفع الزكاة ، فلا ينبغي الإشكال في عدم كونه موجباً للكفر وإن اُطلق عليه هذا اللفظ في بعض النصوص وأنّ تارك الزكاة كافر (1) ، كما اُطلق على تارك سائر الواجبات أحياناً، مثل: الصلاة والصيام والحجّ ، كما يفصح عنها حديث المباني ، وقد عبّر الكتاب العزيز بالكفر عن تارك الحجّ فقال تعالى : (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ ) (2) .

   فإنّ المراد بالكفر في هذه الموارد ليس هو المقابل للإسلام الظاهري الموضوع للأحكام الخاصّة من المناكح والمواريث وحقن الدماء ونحوها، إذ المدار في ترتيب هذه الأحكام على ظاهر الاسلام المتقوّم بإظهار الشهادتين ، وأضفنا عليهما الاعتراف بالمعاد أيضاً حسبما استفدناه من سائر الأدلّة ، فمن شهد بالوحدانيّة والرسالة الخاصّة وبالمعاد فقد خرج عن الكفر ودخل في حريم الإسلام .

   بل المراد بالكفر فيها : ما يقابل الإيمان والإسلام الكامل .

   أو يراد : أ نّه يؤدّي إلى الكفر ولو حال الموت ، كما يفصح عنه ما ورد من أ نّه يقال للممتنع عن الحجّ : مت يهوديّاً شئت أو نصرانيّاً (3) .

   وعلى الجملة : فمجرّد الامتناع لا يستوجب الكفر الاصطلاحي يقيناً ، وإن ساغ قتله أحياناً ـ كسائر أرباب الكبائر ـ من باب النهي عن المنكر، عند وجود

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 9 : 34 /  أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 4 ح 7 .

(2) آل عمران 3 : 97 .

(3) الوسائل 9 : 33 /  أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 4 ح 5 .

ــ[5]ــ

   الأوّل : البلوغ . فلا تجب على غير البالغ (1) في تمام الحول ـ فيما يعتبر فيه الحول ـ ولا على من كان غير بالغ في بعضه ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحاكم الشرعي المبسوط اليد ، كما ورد من أنّ القائم (عليه السلام) بعد قيامه يضرب عنق مانع الزكاة (1) .

   وقد عرفت أنّ الإنكار أيضاً لا يستوجبه ما لم يؤدّ إلى تكذيب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وإنكار الرسالة ، كما في سائر الضروريّات حسبما تقدّم .

   (1) بلا خلاف فيه منّا في النقدين ، بل عن جماعة : دعوى الإجماع عليه ، وعلى المشهور في غيرهما من الغلاّت والمواشي، وإن نُسِبَ الخلاف إلى الشيخين والسيّد المرتضى (2) ونفر يسير .

   والأقوى ما عليه المشهور .

   ويدلّنا على الحكم في الجميع ـ  قبل كلّ شيء  ـ :  حديث رفع القلم عن الصبي (3) ، الحاكم على جميع الأدلّة الأوّليّة، ومنها : وجوب الزكاة ، والموجب لتخصيصها بالبالغين، وخروج الصبي عن ديوان التشريع وقلم الجعل والتكليف.

   ودعوى اختصاص الحديث بالأحكام التكليفيّة ، وعدم تكفّله لرفع الحكم الوضعي، الذي هو ثابتٌ أيضاً في المقام بمقتضى ما دلّ على شركة الفقراء في العين الزكويّة بنحو الإشاعة أو الكلّي في المعيّن ، وثبوت حقٍّ وسهم لهم في الأموال وضعاً .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 9 : 33 /  أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 4 ح 6 .

(2) حكاه في الحدائق الناضرة 12 : 18 ، وفي رياض المسائل 5 : 38 ـ 39 .

(3) الوسائل 1 : 45 /  أبواب مقدمة العبادات ب 4 ح 11 و 12 .

ــ[6]ــ

   عريّةٌ عن الشاهد ; فإنّ إطلاق الحديث يعمّ الوضع والتكليف بمناط واحد .

   نعم، بما أنّ لسانه الامتنان فهو لا يعمّ الضمانات، لأنّ شموله لها يستلزم خلاف الامتـنان على الآخرين ، وأمّا غير ذلك فلا قصور في شموله لكلّ ما يوجب الوقوع في الكلفة ، من تكليف أو وضع ، ولا ريب أنّ الزكاة نقصٌ في المال ، وموجبٌ لوقوع صـاحبه في الكلفة ، فهو مرفوع عن الصبي بمقتضى إطلاق الحديث .

   هذا، ولو سلّمنا الاختصاص بالتكليف، فالمقتضي لشمول الوضع للصبيّ قاصرٌ في حدّ نفسه، فإنّ الآيات الدالّة على الزكاة كلّها متعرّضة للتكليف فقط، ضرورة أنّ قوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ)(1) نظير قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ )(2) وقوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ)(3) لا نظر في شيء منها إلاّ إلى الحكم التكليفي فحسب ، ولا مساس لها بالوضع بوجه كما هو ظاهر جدّاً ، والمفروض أنّ حديث رفع القلم عن الصبي موجبٌ لاختصاص هذه التكاليف بالبالغين .

   وأمّا الروايات ، فهي وإن دلّت على الوضع وشركة الفقراء بنسب مختلفة حسب اختلاف الموارد ـ مثل قوله (عليه السلام) : فيما سقته السماء العشر ، وفي كذا نصف العشر ، وفي كذا واحد في أربعين (4) ، وهكذا ممّا تضمّن ثبوت حقٍّ في المال وضعاً ـ إلاّ أ نّها برمّتها ليست إلاّ في مقام بيان تعيين المقدار بعد الفراغ عن أصل ثبوت الزكاة بشرائطها المقرّرة ، وليست متعرّضة لمورد الثبوت ومن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة 2 : 43 .

(2) البقرة 2 : 43 .

(3) البقرة : 183 .

(4) الوسائل 9 : 182 /  أبواب زكاة الغلاّت ب 4 .

ــ[7]ــ

يتعلّق به الزكاة ليتمسّك بإطلاقها ، لعدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة ، فهي في أنفسها قاصرة الشمول للصبي(1)، فلا تصل النوبة إلى البحث حول الدليل الحاكم ـ أعني حديث الرفع ـ وأ نّه هل يعمّ التكليف والوضع أم لا ، إذ لا دليل على ثبوت الحكم الوضعي في حقّ الصبي من أصله حسبما عرفت .

   هذا ، ومع الغضّ وتسليم الإطلاق في دليل الوضع ـ كتسليم الاختصاص في حديث الرفع ـ فتكفينا النصوص الكثيرة ـ وجملة منها معتبرة ـ المتضمّنة أ نّه : «ليس على مال اليتيم زكاة» (2) بعد وضوح تحديد اليتيم بالبلوغ ، كما في جملة من النصوص ، فإنّ النسبة بين هذه الرواية وبين آحاد نصوص الوضع ـ مثل قوله (عليه السلام) : فيما سقته السماء العشر ، وفي كذا نصف العشر ، وفي كذا واحد في أربعين وهكذا ـ وان كانت هي العموم من وجه ـ لأنّ هذه تعمّ ما سقته السماء مثلاً وغيره ، كما أنّ تلك أيضاً تعمّ اليتيم وغيره ـ إلاّ أ نّا لو لاحظنا هذه مع مجموع تلك النصوص كانت النسبة بينهما نسبة الخاصّ إلى العامّ ، بحيث لو جُمِعَ الكلُّ في دليل واحد فقيل : في كذا العشر ، وفي كذا نصفه ، وفي كذا واحد في أربعين ، وهكذا ، ثمّ ذيّلنا الكلام بقولنا : ليس على مال اليتيم زكاة ، لم يكد يرى العرف أيّ تناف بين الصدر والذيل ، ولم يبق متحيّراً ، بل يحكم بقرينيّة الذيل، وأنّ تلك الأحكام خاصّة بالبالغين ، فإذا كان الحال كذلك لدى الاتّصال فمع الانفصال أيضاً كذلك ، لأنّ مرجع أدلّة وجوب الزكاة في أنواعها الثلاثة إلى دليل واحد كما لا يخفى .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا وجيهٌ بالإضافة إلى النصوص المتقدّمة ، وهناك روايات اُخرى تضمّنت شركة الفقراء مع الأغنياء من غير تعرّض للمقدار، كصحيحة ابن مسكان [ الوسائل 9: 13 / أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 1 ح 9 ] وغيرها ، وإطلاقها غير قاصر الشمول للصبي كما لا يخفى ، فليتأمّل .

(2) الوسائل 9 : 83 /  أبواب من تجب عليه الزكاة ب 1 .

ــ[8]ــ

   ولو سلّمنا أنّ النسبة عمومٌ من وجه ، كان الترجيح مع هذه الرواية ، لأ نّها بلسان الحكومة كما لا يخفى .

   ومع الغضّ عن كلّ ذلك ، فغايته التساقط بعد التعارض بالعموم من وجه . فلم يبق لنا دليلٌ على ثبوت الزكاة في مال الصبي، والمرجع في مثله أصالة العدم .

   ولا سبيل للرجوع حينئذ إلى عموم مثل قوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) (1) إذ ـ مضافاً إلى أنّ في نفس الآية المباركة صدراً وذيلاً شواهدَ تقضي بأنّ المراد من ضمير الجمع خصوص البالغين ـ أنّ الآية المباركة وغيرها ـ كما تقدّم (2) ـ غير ناظرة إلاّ إلى الحكم التكليفي فقط دون الوضعي ، والمفروض التسالم على حكومة حديث الرفع بالنسبة إلى الحكم التكليفي المحض .

   فتحصّل :  أ نّه لا فرق في عدم وجوب الزكاة في مال الصبي بين النقدين وغيرهما ، لعموم المستند من حديث الرفع ، ومن قولهم (عليهم السلام) : «ليس على مال اليتيم زكاة» (3) ، ولا سيّما وقد وردت هذه الرواية في زكاة الفطرة أيضاً .

   هذا ، وقد نُسِبَ إلى الشيخين وجماعة ـ كما تقدّم (4) ـ التفصيل بين المال الصامت ـ أعني النقدين ـ وبين غيرهما من الغلاّت والمواشي ، فتثبت الزكاة في مال الصبي في الثاني دون الأوّل ، بل عن السيّد في الناصريات : دعوى الإجماع عليه (5) . 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التوبة 9 : 103 .

(2) في ص 6 .

(3) الوسائل 9 : 84 /  أبواب من تجب عليه الزكاة ب 1 ح 4 .

(4) في ص 5 .

(5) الناصريات : 241 .

ــ[9]ــ

   ولكن دعوى الإجماع ـ كما ترى ـ موهونة جدّاً بعد ذهاب عامّة المتأخّرين وجماعة من أعاظم القدماء إلى عدم الزكاة مطلقاً . وعليه فيطالَب بالدليل على هذا التفصيل .

   وقد استدلّ له بصحيحة زرارة ومحمّد بن مسلم : «أ نّهما قالا : ليس على مال اليتيم في الدين والمال الصامت شيء ، فأمّا الغلاّت فعليها الصدقة واجبة» (1) .

   بدعوى أ نّها وإن وردت في الغـلاّت إلاّ أ نّه يلحق بها المواشي بالإجمـاع المركّب وعدم القول بالفصل .

   ولكنّه كما ترى ، إذ قد عرفت حال الإجماع ، فلا أثر لعدم القول بالفصل ـ  الذي لم نتحقّقه  ـ بحيث يخرج به عن عموم نفي الزكاة عن الصبي بعد اختصاص الدليل المزبور بالغلاّت .

   ونحوهما في الضعف دعوى : أنّ مقتضى المقابلة بين الصامت وغيره : أنّ الاعتبار في ثبوت الزكاة بعدم كون المال صامتاً ، وإنّما ذكر الغلاّت من باب المثال ، فيعمّ المواشي أيضاً .

   إذ ليست هذه الدعوى بأولى من العكس بأن يقال : إنّ المدار في سقوط الزكاة بعدم كون المال من الغلاّت ، وإنّما ذكر المال الصامت من باب المثال ، فيراد به ما يعمّ المواشي في مقابل الغلاّت .

   على أنّ الصحيحة معارَضة في موردها برواية اُخرى صريحة في نفي الزكاة عن الغلاّت ، فتدلّ على النفي في المواشي بطريق أولى ، لأ نّهم اسـتفادوا حكم المواشي من الغلاّت إلحاقاً كما مرّ ، وهي موثّقة أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، أ نّه سمعه يقول : «ليس في مال اليتيم زكاة ، وليس عليه صلاة ، وليس

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 9 : 84 /  أبواب من تجب عليه الزكاة ب 1 ح 2 .

ــ[10]ــ

فيُعتَبَر ابتداء الحول من حين البلوغ (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على جميع غلاّته من نخل أو زرع أو غلّة زكاة» (1) .

   فإن أمكن الجمع بالعمل على الاستحباب ، وإلاّ فتُحمَل تلك على التقيّة ، لما قيل من ذهاب بعض العامّة إلى ثبوت الزكاة في الغلاّت .

   وإن لم يمكن هذا أيضاً ، فتسقطان ، ويرجع إلى إطلاق حديث الرفع ، وعمومات نفي الزكاة في مال الصبي كما تقدّم (2) .

   فالصحيح ما ذهب إليه عامّة المتأخّرين من عدم الزكاة في مال اليتيم مطلقاً، لأنّ ما دلّ على الثبوت معارَضٌ بمثله في مورده حسبما عرفت .

   (1) قد عرفت اعتبار البلوغ في وجوب الزكاة ، فلا تجب على الصبي مطلقاً ، وهذا ظاهرٌ بالإضافة إلى ما لا يُعتَبر فيه الحول ـ كالغلاّت ـ فإنّ الصبي إن كان بالغاً وقت تعلّق الزكاة ـ وهو زمان انعقاد الحبّ وصدق الاسم كما سيجيء إن  شاء الله تعالى (3) ـ فكان الخطاب عندئذ متوجّهاً إلى البالغ ، فتشمله العمومات حينئذ بطبيعة الحال، ومعه لا مجال ـ بل لا موضوع ـ للتمسّك بحديث الرفع ، ولا المعارضة بما دلّ على أ نّه ليس على مال اليتيم زكاة كما هو ظاهر .

   وإن كان صبيّاً آنذاك لم تجب عليه الزكاة وإن بلغ متأخّراً ، عملاً بالحديث وبتلك الصحيحة النافية للزكاة عن مال اليتيم .

   وممّا ذكرنا تعرف أنّ العبرة بالبلوغ وقت التعلّق لا قبله كما يظهر من المتن .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 9 : 86 /  أبواب من تجب عليه الزكاة ب 1 ح 11 .

(2) في ص 7 .

(3) في ص 318 .

ــ[11]ــ

   وأمّا فيما يُعتبَر فيه الحول ـ كالنقدين والأنعام ـ فلا إشكال أيضاً فيما إذا كان صبيّاً في تمام الحـول ، إذ ليس في مال اليتيم زكاة ، فهذا المال الذي فيه الزكاة لو كان مالكه بالغاً لا زكاة فيه بالنسبة إلى الصبي وإن بلغ بعد تماميّة الحول ، وهذا ظاهرٌ جدّاً من غير خلاف فيه .

   وأمّا إذا بلغ أثناء السنة ، كما لو كان صبيّاً ستّة أشهر ـ مثلاً ـ وبالغاً في الستة أشهر الاُخرى ، فتمّ عليه الحول ، ولكن مركّباً من البلوغ والصِبا ، فهل تجب عليه الزكاة حينئذ ؟

   المعروف والمشهور : عدم الوجوب حتى يحول الحول عليه بتمامه وهو بالغ ، أي يُعتبَر ابتداء الحول من حين البلوغ ، فلا عبرة بما مضى .

   ولكن ناقش فيه المحقّق السبزواري (1) ، نظراً إلى أ نّه لا يستفاد من الأدلّة ، إلاّ أ نّه لا زكاة في مال الصبي ما لم يبلغ ، ومعنى ذلك : أ نّه حين الصِبا لا أمر بالزكاة ، وهذا ـ كما ترى ـ لا يستلزم نفي الوجوب حين البلوغ بعد استكمال الحول ولو كان الحول ملفّقاً من عهدي البلوغ والصِبا ، بل ولو كان بلوغه قبل ساعة من استكمال الحول ، لعدم الدليل على اشتراط كون الحول في زمان البلوغ والتكليف .

   وربّما يستدلّ للمشهور بقوله (عليه السلام) في صحيحة أبي بصير : «وإن بلغ اليتيم فليس عليه لما مضى زكاة» (2) .

   بدعوى أنّ الموصول يعمّ تمام السنة وبعضها ، فيستفاد منها عدم احتساب دور الصِبا من الحول .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ذخيرة المعاد في شرح الارشاد : 421 .

(2) الوسائل 9 : 84 /  أبواب من تجب عليه الزكاة ب 1 ح 3 .

ــ[12]ــ

   ولكن هذه الاستفادة مشكلة جدّاً ، لأنّ ظاهر الكلام أ نّه (عليه السلام) ينفي موضوع الزكاة ، أي أنّ ما كان موضوعاً للزكاة مع قطع النظر عن الصِبا وكان هذا صـبيّاً فليس عليه زكاة لما مضى ، فينفي الوجوب لما مضى ، ومن الواضح أنّ الستّة أشهر لم تكن موضوعاً للزكاة حتى للبالغين .

   وبعبارة اُخرى : مفاد الصحيحة أنّ المال الزكوي الذي مضى وكان متعلّقاً للزكاة مع قطع النظر عن الصِّبا لا زكاة فيه بالنسبة إلى الصبي ، فالنفي راجع إلى الموضوع ، وتلك الستّة لم تكن موضوعاً للنفي ، وليس هذا من رعاية الزمان في شيء .

   وتدلّ عليه رواية الشيخ بوضوح ، حيث إنّه (قدس سره) رواها هكذا : «ليس في مال اليتيم زكاة ، وليس عليه صلاة ، وليس على جميع غلاّته من نخل أو زرع أو غلّة زكاة ، وإن بلغ اليتيم فليس عليه لما مضى زكاة ولا عليه لما يستقبل حتى يدرك» (1) .

   فموضوع الرواية الغلاّت ، وهي ناظرة إلى التفصيل بين ما قبل البلوغ وما بعده في مورد الغلّة ، التي لا يعتبر فيها الحول ، فلا دلالة فيها بوجه على إلغاء الزمان السابق في مثل النقدين والأنعام ممّا يُعتبَر فيه الحول .

   إذن فمقتضى الإطلاقات : ثبوت الزكاة في المال المعتبَر فيه الحول بعد بلوغ اليتيم ، وإن كان استكمال الحول ملفّقاً من العهدين ، لعدم كونه صبيّاً وقتئذ ، ونتيجته احتساب الزمان السابق ، لعدم الدليل على إلغائه .

   هذا غاية ما يمكن تقريره في تقريب مقالة المحقّق السبزواري .

   ومع ذلك كلّه ، فالصحيح ما عليه المشهور من احتساب مبدأ الحول من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 9 : 86 /  أبواب من تجب عليه الزكاة ب 1 ح 11 .

ــ[13]ــ

زمان البلوغ ، وذلك لأجل أنّ المستفاد ممّا دلّ على اعتبار الحول : أنّ موضوع الزكاة لم يكن مجرّد الملكيّة ـ كما كان كذلك في مثل الغلاّت ممّا لا يعتبر فيه الحول ـ بل الملكيّة المقيّدة بكونها حولاً واحداً ، فالموضوع إنّما هو المالك في مجموع السنة .

   وعليه ، فلو كان تمام السنة ملكاً للبالغ فلا إشكال ، كما لا إشكال فيما لو كان تمامها ملكاً للصبي ، وأمّا الملفّق فهو مشمول لقوله (عليه السلام) في الصحيح المزبور: «ليس في مال اليتيم زكاة» ، نظراً إلى أنّ مفاده إلغاء مال اليتيم وإسقاطه عن الموضوعيّة للزكاة .

   ومن البيّن أنّ نفي الموضوعيّة كما يكون بنفي تمام الموضوع كذلك يكون بنفي بعضه وجزئه ، فتنفى صلاحيّة مال اليتيم للموضوعيّة الناقصة ـ كالتامّة ـ بمقتضى الإطلاق ، وأنّ هذه الملكيّة بالإضافة إلى وجوب الزكاة ملغيّة وفي حكم العدم ، وكأ نّها لم تكن ، فكما لا أثر في اعتبار الشارع لملكيّته في تمام السنة فكذا لا أثر لملكيّته في بعضها .

   وعلى الجملة : الملفّق من العهدين وإن كان ملكاً شخصيّاً لمالك شخصي ، إلاّ أنّ الإضافة تختلف باختلاف الوقتين ، فإنّه ملكٌ لليتيم في الستّة أشهر الاُولى ، وللبالغ في الأخيرة ، ومقتضى الإطلاق في الصحيح المزبور : أنّ الملكيّة الاُولى قد ألغاها الشارع بالإضافة إلى وجوب الزكاة ، فكونه مال اليتيم في بعض العام يخرجه عن صلاحيّة الانضمام مع الستّة الأخيرة ، إذ الموضوع للزكاة أن يكون المال عند ربّه سنة واحدة ، وبعد التقييد بغير اليتيم ينتج أنّ الموضوع هو مال البالغ ، فكونه مال اليتيم في تمام العام أو في بعضه يخرجه عن موضوع الزكاة بعد أن كانت الإضافة إلى اليتيم في حكم العدم ، وكأ نّه لا مال له حسبما عرفت ، فلا قصور في دلالة النصّ على ما فهمه المشهور ، فلاحظ .

ــ[14]ــ

   وأمّا ما لا يعتبر فيه الحول من الغلاّت الأربع ، فالمناط البلوغ قبل وقت التعلّق (1) ، وهو انعقاد الحبّ وصدق الاسم على ما سيأتي .

   الثاني : العقل ، فلا زكاة في مال المجنون (2)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   هذا ، ومع الغضّ عن ذلك فيكفينا حديث رفع القلم عن الصبي ، حيث إنّ مفاده : اختصاص الخطابات بالبالغين، فغير البالغ غير مشمول للأحكام، من غير فرق بين المتعلّقة منها بالموضوعات البسيطة أو المركّبة ، فكما أنّ خطاب الحجّ ـ مثلاً ـ متوجّهٌ نحو البالغ المستطيع ـ الظاهر في لزوم فعليّة كلا القيدين في تعلّق الوجـوب ، فلا تنفع الاسـتطاعة السابقة الزائلة عن البلوغ ـ فكـذلك الخطاب بالزكاة متوجّهٌ نحو البالغ المالك سنة ، فلا تنفع الملكيّة السابقة على البلوغ ، فإنّها في حكم العدم ، إذ الحديث المزبور بمثابة التقييد في دليل