|
|
|
والظاهر
أنّ المناط كون الشروع في السفر قبل الزوال أو بعده لاالخروج عن حدّ الترخّص(1)،
وكذا في الرجوع المناط دخول البلد ، لكن لا يُترك الاحتياط بالجمع إذا كان الشروع
قبل الزوال والخروج عن حدّ الترخّص بعده ، وكذا في العود إذا كان الوصول إلى حدّ
الترخّص قبل الزوال والدخول في المنزل بعده .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأمّا
الداخل بعد الزوال فحاله من حيث عدم وجوب الصوم عليه معلوم ، سواء أكل أم لا .
وكيفما
كان، فلم نعثر على ما يدلّ على الاستحباب في الثاني. نعم، دلّت
رواية سماعة المتقدّمة(1)
ـ التي عرفت أنّها ضعيفة السند
بعلي بن السندي ـ على عدم التجاهر بالأكل ظاهراً ، احتراماً لشهر
رمضان ، ولكن هذا امر آخر غير استحباب الإمساك حتّى في بيته ، الذي هو
محلّ الكلام كما لا يخفى .
(1)
تقدّم في بحث صلاة المسافر أنّ مبدأ المسافة الشرعيّة الامتداديّة أو التلفيقيّة
المحكوم فيها بوجوب التقصير هو أوّل زمان يتّصف فيه المسافر بهذا الوصف العنواني ـ
أعني : كونه مسافراً ـ وهو زمان الخروج من البلد والشروع في الابتعاد عنه .
فلا جرم كان البلد هو مبدأ احتساب المسافة المزبورة حسبما هو مقتضى ظواهر
الأدلّة ، ولا تنافي بين ذلك وبين أن لا يكون هذا المسافر محـكوماً
بالقصر إلاّ بعد بلوغه حدّ الترخّص ، فإنّ ذلك من التخصيص في الحكم لا
التحديد في الموضوع ، فهو قبل بلوغ الحدّ مسافرٌ لا يجب عليه القصر
ـ لا أ نّه ليس بمسافر ـ كما لا يجوز له الإفطار
أيضاً ، للملازمة بين الأمرين حسبما مرّ .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص 16 .
[ 2507 ]
مسألة 2 : قد عرفت التلازم بين إتمام الصلاة والصوم وقصرها والإفطار ،
لكن يُستثنى من ذلك موارد :
أحدها :
الأماكن الأربعة ، فإنّ المسافر يتخيّر فيها بين القصر والتمام في
الصلاة ، وفي الصوم يتعيّن الإفطار (1) .
الثاني :
ما مرّ من الخارج إلى السفر بعد الزوال ، فإنّه يتعيّن عليه البقاء على الصوم
مع أ نّه يقصّر في الصلاة (2) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إذن
فما دلّت عليه الروايات المتقدّمة من التفصيل بين الخروج إلى السفر قبل الزوال
فيفطر إمّا مع التبييت أو مطلقاً ، أو بعده فيبقى على صومه ، يراد به
الشروع في السفر الذي عرفت أنّ الاعتبار فيه بالخروج من البلد .
هذا
في الذهاب .
وكذا
الحال في الإيّاب ، فإنّ المذكور في الروايات هو عنوان قدوم الأهل أو
البلد ، أو أرضاً يريد الإقامة فيها . فهذا ـ أعني : مراعاة البلد
نفسه ـ هو الميزان والمدار في الصوم والإفطار ، ولا عبرة بحدّ الترخّص ،
فإذا كان قدومه فيه بعد الزوال أفطر وإن كان قد بلغ حدّ الترخّص قبل الزوال ،
لما عرفت من أنّ هذا الحدّ حدٌّ للأحكام لا للسفر نفسه ، فإنّه لا يصدق
في الفرض المزبور أ نّه قدم بلده أو أهله قبل الزوال لكي يبقى على صومه كما
هو واضح .
(1)
أخذاً بإطلاقات أدلّة الإفطار في السفر بعد اختصاص دليل التخيير بالصلاة
خاصّة ، فيكون ذلك بمثابة التخصيص في دليل الملازمة .
(2)
تقدّم في بحث صلاة المسافر أنّ العبرة في القصر والتمام بملاحظة حال الأداء لا حال
تعلّق الوجوب ، فلو كان في أوّل الوقت حاضراً فسافر قصر في
الثالث :
ما مرّ من الراجع من سفره ، فإنّه إن رجع بعد الزوال يجب عليه الإتمام مع
أ نّه يتعيّن عليه الإفطار .
[ 2508 ]
مسألة 3 : إذا خرج إلى السفر في شهر رمضان لا يجوز له الإفطار إلاّ بعد
الوصول إلى حدّ الترخّص (1) ،
وقد مرّ سابقاً وجوب الكفّارة عليه إن أفطر قبله .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صلاته ، وفي عكسه أتمّ ، على ما استفدناه
من الأدلّة حسبما تقدّم في محلّه(1)
.
وأمّا
من حيث الصوم فقد تقدّم قريباً أنّ الخروج إلى السفر بعد الزوال يقدح في صحّة
الصوم ، والرجوع منه بعده يقدح(2)
. وبذلك
يظهر الوجه في إستثناء الموردين المذكورين في المتن من حكم التلازم .
(1)
فكما أنّ الترخّص حدٌّ للتقصير فكذلك حدٌّ للإفطار ، لما عرفت من القاعدة
المتضمّنة للملازمة بين الأمرين ، وحيث لا تقصير قبله قطعاً فلا إفطار أيضاً .
بل
تجب عليه الكفّارة أيضاً لو أفطر قبله ـ كما في الجواهر(3)
وغيره
ـ عملا بإطلاقات الكفّارة لدى الإفطار العمدي ، وقد تقدّم(4)
أن
تعقّب الإفطار بالسفر لا يوجب سقوط حكمه ، فلو أفطر في بلده أو قبل أن
يرخّص فيه فسافر لم تسقط الكفّارة بذلك ، لإطلاق الأدلّة .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح العروة (الصلاة 8) : 354 ـ 356 .
(2) شرح العروة 22 : 14 ـ 15 .
(3) لاحظ الجواهر 17 : 144 .
(4) شرح العروة 21 : 355 ـ 360 .
[ 2509 ]
مسألة 4 : يجوز السفر اختياراً في شهر رمضان ، بل ولو كان للفرار من
الصوم (1)
كما مرّ . وأمّا غيره من الواجب المعيّن ، فالأقوى((1))
عدم جوازه إلاّ مع الضرورة ، كما أ نّه لو كان مسافراً وجب عليه الإقامة
لإتيانه مع الإمكان (2) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
تقدّم البحث حول هذه المسألة في المسألة الخامسة والعشرين من فصل ما يوجب الكفّارة
مستقصىً . وعرفت أنّ جملة من الروايات دلّت على عدم الجواز وكلّها
ضعاف ، ما عدا رواية واحدة رواها في الخصال في حديث الأربعمائة(2)
،
فإنّها معتبرة عندنا ، لأنّ الذي يُغمَز فيه ـ وهو الحسن بن راشد الواقع في
سلسلة السند ـ موجود في أسناد كامل الزيارات .
ولكنّها
محمولة على الكراهة جمعاً بينها وبين صحيحتي محمّد بن مسلم والحلبي الصريحتين في
الجواز ، فراجع ولاحظ(3)
.
(2)
قد عرفت أنّ صحّة صوم رمضان كوجوبه مشروطة بالحضر ، وأنّ المسافر موظّفٌ
بعدّة من أيّام اُخر ، فهل الحكم يعمّ طبيعي الصوم المعيّن إمّا بالأصالة
كنذر يوم معيّن ، أو بالعرض كالقضاء المضيّق ـ على القول
بالتضييق ـ فكما ساغ له السفر اختياراً في رمضان ولو فراراً
ـ لإناطة الوجوب بالحضور الملازم لسقوطه بالسفر ، لعدم لزوم تحصيل
شرط التكليف ـ فكذا الحال في مطلق المؤقّتات المعيّنة فلا يجب عليه قصد
الإقامة لو كان مسافراً وفاءً بنذره
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بل الأقوى أ نّه في حكم شهر رمضان فيما إذا
لم يكن صومه مملوكاً للغير كما في الإيجار ، أو متعلّقاً لحقّ الغير كما في
الشرط ضمن العقد .
(2) الوسائل 10 : 182 / أبواب من يصح
منه الصوم ب 3 ح 4 ، الخصال : 614 .
(3) شرح العروة 21 : 407 ـ 409 .
ـ مثلا ـ كما لا يُمنع عن
السفر لو كان حاضراً ، لعدم استلزامه مخالفة النذر ، ولا عصياناً لقضاء
الواجب المعيّن ونحوه ، بعد اشتراط الوجوب في الجميع بالحضور وانتفاء الموضوع
باختيار السفر ؟
أو
أنّ الحكم خاصّ بشهر رمضان والاشتراط فيه لا يلازم الاشتراط في غيره ،
فلا يجوز له السفر وتجب عليه الإقامة مقدّمةً للوفاء بالنذر ولامتثال الواجب
المطلق المنجّز عليه إلاّ لضرر أو ضرورة يسوغ معها ترك الواجب من أجل
المزاحمة ؟
فيه
كلام بين الأعلام ، والكلام يقع فعلا في النذر ونحوه ممّا وجب بالجعل
والالتزام ، ومنه يُعرف الحال في غيره ممّا وجب بسبب آخر .
فنقول :
يفرض النذر في المقام على ثلاثة أقسام :
إذ
تارةً : يتعلّق بالصوم ولكن مشروطاً
بالحضور ومعلّقاً على الإقامة ، فلا التزام بالصوم على تقدير السفر ،
لقصور المقتضي من الأوّل ، وهذا خارج عن محلّ الكلام قطعاً ، ويجوز له
السفر اختياراً بلا إشكال ، إذ ليس فيه أىّ مخالفة للنذر بعد أن كان التزامه
النذري محدوداً لا مطلقاً كما هو واضح .
واُخرى:
يتعلّق النذر بكلٍّ من الصوم والإقامة ، فينذر البقاء في البلد
والصيام في اليوم المعيّن ، وهذا أيضاً خارج عن محلّ الكلام ، إذ
لا ريب في أ نّه لو سافر فقد خالف نذره وكانت عليه كفّارة الحنث .
وإنّما
الكلام في القسم الثالث ، وهو : ما لو
تعلّق النذر بالصوم من غير تعليق على الحضور ومن غير التزام به فلم يتعلّق
الإنشاء النذري إلاّ بمجرّد الصوم في اليوم الكذائي ، غير أ نّه قد علم
من الخارج دخل الحضور في صحّة الصوم وبطلانه في السفر ، فهل يحرم عليه السفر
وتجب الإقامة مقدّمةً للوفاء بالنذر ، أو لا؟ نظراً إلى أنّ متعلّق
النذر لمّا كان هو الصوم الصحيح وهو متقوّم بالحضور،
فلا جرم كان وجوب الوفاء مشروطاً به .
فنقول :
لا ينبغي التأمّل في أنّ مقتضى القاعدة ـ مع الغضّ عن ورود نصّ خاصّ في
المقام ـ هو عدم الاشتراط ، تمسّكاً بإطلاق دليل الوفاء بعد القدرة عليه
بالقدرة على مقدّمته ، وهو ترك السفر أو قصد الإقامة ، فيجب من باب
المقدّمة . ومن المعـلوم أنّ ثبوت الاشـتراط في صوم رمضان لدليل خاصّ
لا يستلزم الثبوت في غيره بعد فرض اختصاص الدليل به ، وكون الصوم حقيقة
واحدة لا ينافي اختصاص بعض الاقسام ببعض الاحكام كما لا يخفى .
إذن
فلو كنّا نحن ودليل وجوب الوفاء بالنذر كان مقتضاه وجوب الوفاء وعدم جواز الخروج
للسفر .
إلاّ
أنّ هناك عدّة روايات يستفاد منها أنّ طبيعي الصوم أيّاً ما كان مشروطٌ
وجوباً وصحّةً بالحضور كما هو الحال في صوم شهر رمضان ، ولا ضير في الالتزام
به حتّى في موارد النذر ، فإنّه وإن كان الالتزام النذري مطلقاً إلاّ
أ نّه قابل للتقييد من ناحية الشرع ، فيقيِّد من بيده الأمر وجوب الوفاء
بما التزم بما إذا كان مقيماً حاضراً ، لا على سبيل الإطلاق ، لكي تجب
الإقامة بحكم العقل مقدّمةً للوفاء .
والعمدة
منها روايتان كما ستعرف .
وأمّا
الاستدلال لذلك برواية عبدالله بن جندب، قال : سأل أبا عبدالله (عليه السلام)
عبّادُ بن ميمون ـ وأنا حاضر ـ عن رجل جعل على نفسه نذر صوم ، وأراد الخروج
في الحجّ ، فقال عبدالله بن جندب : سمعت من زرارة عن أبي عبدالله (عليه
السلام) أ نّه سـأله عن رجل جعل على نفسه نذر صوم يصوم فمضى فيه (فحضرته
نيّة) في زيارة أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : يخرج ولا
يصوم في الطريق ، فإذ رجع قضى ذلك»(1)
.
ففي
غير محلّه ، لاختصاص موردها بالنذر ، فيحتاج التعدّي لمطلق الصوم إلى
دليل آخر . هذا أوّلا .
وثانياً :
أنّها قاصرة السند، لعدم ثبوت وثاقة يحيى بن المبارك على المشهور، على أنّها
مرسلة ، فإنّ كلمة : من زرارة ، الموجودة في الوسائل هنا سهوٌ
قطعاً إمّا من قلمه الشريف أو من النسّاخ ، والصحيح كما في الكافي
والتهذيب ، وفي الوسائل نفسه في كتاب النذر: مَن رواه(2)
،
بدل: من زرارة، ولعلّ تشابه الحروف أو جب التصحيف . إذن فلم يُعلَم من يروي
عنه عبدالله بن جندب ، فتتّصف طبعاً بالإرسال .
وهناك
اشتباهان آخران من صاحب الوسائل في هذه الرواية :
أحدهما :
أ نّه زاد في السند قوله : عن أبي جميلة(3)
،
مع أ نّه غير موجود في الكافي والتهذيب ، ولم يذكره أيضاً في كتاب
النذر ، بل رواها عبدالله بن جبلّة عن إسحاق بن عمّار بلا واسطة ، وهو
الصحيح .
ثانيهما :
كلمة «أبا عبدالله (عليه السلام) »(4)
، بعد
قوله : «سأل» فإنّها مستدركة ، لعدم استقامة المعنى حينئذ ، ضرورة
أنّ المسؤول لو كان هو الإمام (عليه السلام) فكيف تصدّى ابن جندب للجواب بما سمعه
مرسلا أو مسنداً
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 10 : 197 / أبواب من يصح
منه الصوم ب 10 ح 5 .
(2) الوسائل 23 : 313 / كتاب النذر
والعهد ب 13 ح 1 ، الكافي 7 : 457 / 16 ، التهذيب
8 : 306 / 1139 .
(3) لم ترد هذه الزيادة في الوسائل المحقّق جديداً .
(4) غير موجودة في الوسائل المحقّق جديداً .
عن أبي عبدالله (عليه السلام) وهو (عليه السلام)
بنفسه حاضر ؟ !
فالكلمة
زيادة قطعاً ، ولذا لم تُذكَر لا في الكافي ولا في التهذيب ولا في نذر
الوسائل ، بل المسؤول إمّا أ نّه غير مذكور لو كانت النسخة : سأل
عبّاد بن ميمون ـ كما في الكافي ـ أو أ نّه هو عبدالله بن جندب نفسه لو كانت
النسخة : سأله (عليه السلام) ، كما في التهذيب .
وكيفما
كان ، ففي هذه الرواية اشتباهات من صاحب الوسائل في المقام . وقد عرفت
أنّها مع اختصاصها بالنذر غير نقيّة السند ، فلا تصلح للاستدلال بها بوجه .
والعمدة
روايتان كما عرفت :
الاُولى :
صحيحة علي بن مهزيار ـ في حديث ـ قال : كتبت إليه ـ يعني : إلى أبي
الحسن (عليه السلام) ـ يا سيّدي ، رجل نذر أن يصوم يوماً من الجمعة دائماً ما
بقي ، فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحى أو أيّام التشريق أو سفر أو مرض،
هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه؟ وكيف يصنع يا سيّدي ؟ فكتب إليه :
«قد وضع الله عنه الصيام في هذه الأيّام كلّها ، ويصوم يوماً بدل يوم إن شاء
الله»(1)
.
قوله :
يوماً من الجمعة ، إمّا أن يراد به يوماً معيّناً من الاُسبوع أو خصوص يوم
الجمعة ، وعلى التقديرين فقد دلّت على أنّ طبيعي الصوم الذي أوجبه الله
ـ سواء أوَجب بسبب النذر أم بغيره ـ مشروطٌ وجوبه بالحضور
وأ نّه ساقط في هذه الأيّام كلّها التي منها أيّام السفر ، وأ نّه
متى صادف هذه الأيّام يقضيه ويصوم يوماً بدل يوم . وهذا هو معنى
الاشتراط .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 23 : 310 / كتاب النذر
والعهد ب 10 ح 1 .
الثانية :
موثّقة زرارة ، قال : قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : إنّ اُمّي
كانت جعلت عليها نذراً : إن الله ردّ (إن يردّ الله) عليها بعض ولدها من شيء
كانت تخاف عليه أن تصوم ذلك اليوم الذي يقدم فيه ما بقيت ، فخرجت معنا
مسافرةً إلى مكّة فأشكل علينا لمكان النذر ، أتصوم أو تفطر ؟
«فقال :تصوم ، قد وضع الله عنها حقّه ، وتصوم هي ما جعلت على
نفسها» إلخ(1)
، وأوردها عنه بسند آخر مع نوع اختلاف في المتن في
كتاب النذر(2)
.
يعني :
أنّ الله تعالى قد وضع حقّه المجعول ابتداءً فأسقط الصوم في السفر ، فكيف
بالحقّ الذي جعلته هي على نفسها بسبب النذر ؟! فإنّه أولى بالسقوط ،
فإنّ جملة «وتصوم هي» إلخ ، بمثابة الاستفهام الإنكاري كما
لا يخفى .
إذن
فهذه الرواية المعتبرة كسابقتها واضحة الدلالة على أنّ طبيعي الصوم بأىّ سبب وجب
من نذر أو غيره مشروط وجوبه كصحّته بعدم السفر .
ومن
هنا ذهب جمع من المحقّقين إلى عدم الفرق في الاشتراط بين صيام رمضان وغيره
وأنّ الوجوب مطلقاً مشروط بالحضور ، ويسقط بالسفر استناداً إلى ما
عرفت ، غايته أنّ الروايات من حيث وجوب القضاء بعد ذلك وعدمه مختلفة، وذاك
بحث آخر، وكلامنا فعلا في الاشتراط وعدمه ، وما ذكروه من الاشترط هو الصحيح
حسبما عرفت .
ثمّ
إنّه قد صرّح بعضهم بجريان هذا الحكم فيما وجب بالإجارة أيضاً، فلو كان
أجيراً لزيد في صوم يوم معيّن ساغ له السفر وسقط عنه وجوب الوفاء، لأنّ
التكليف به ـ كسائر أقسام الصيام ـ مشروط بالحضر بمناط واحد .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 10 : 196 / أبواب من يصح
منه الصوم ب 10 ح 3 .
(2) الوسائل 23 : 313 / كتاب النذر
والعهد ب 13 ح 2 .
أقول :
لا ريب في أنّ الأجير المزبور لو سافر ليس له أن يصوم ، للنهي عنه في
السفر كما مرّ ، إلاّ أنّ الكلام في جواز السفر وعدمه ، وأنّ وجوب
الوفاء هنا هل هو مشروط أيضاً ، أو أ نّه مطلق ؟
الظاهر
هو الثاني ، بل لا ينبغي التأمّل فيه .
وتوضيحه :
أنّك قد عرفت في وجوه تصوير النذر في المقام أ نّه يمكن إنشاؤه معلّقاً على
الحضور ، ومعه لا خلاف كما لا إشكال في جواز السفر ، لقصور المقتضي من
الأوّل وعدم وجوب تحصيل شرط الوجوب .
ولكن
هذا لا يجري في باب الإجارة ، لقيام الإجماع على بطلان التعليق في
العقود إلاّ فيما قام الدليل عليه كما في الوصيّة والتدبير .
نعم ،
لو جرى التعليق فيها كان التمليك من الأوّل معلّقاً على الحضر كما في النذر ،
لعدم اسـتحالة التعليق في المنشئات ، غير أ نّه باطل في غير ما ثبت
بالدليل كما عرفت ، فلا بدّ إذن من فرض الكلام في الإجارة المطلقة غير
المعلّقة على الحضور ، وإلاّ لكانت الإجارة باطلة في نفسها سواء أسافر أم
لا .
ومن
البيّن أنّ الإجارة المزبورة غير مشمولة للنصوص المتقدّمة لتدلّ على انسحاب
الاشتراط إليها ، كيف ؟! وقد ملك المستأجر العمل في ذمّة الأجير بمجرّد
العقد من غير إناطة على الحضر حسـب الفرض ، ومعه كيف يرخّص الشارع في تضييع
هذا الحقّ وعدم تسليم المال إلى مالكه ؟!
وبعبارة
اُخرى : النصـوص المذكورة ناظرة إلى ما تضمّن الحكم التكليفي المحض وأنّ ما
كان حقّاً لله سبحانه إمّا ابتداءً أو بعد الجعل والالتزام ـ كما في النذر ـ فهو
مشروط بالحضور وساقط عند السفر ، وأمّا ما تضمّن الوضع أيضاً وكان مشتملا على
حقّ الناس فتلك الأدلّة قاصرة وغير ناهضة لإسقاط هذا
[ 2510 ]
مسألة 5 : الظاهر كراهة (1)
السفر في شهر رمضان قبل أن يمضي ثلاثة وعشرون يوماً إلاّ في حجّ أو عمرة أو مال
يخاف تلفه أو أخ يخاف هلاكه .
[ 2511 ]
مسألة 6 : يكره للمسافر في شهر رمضان ـ بل كلّ من يجوز له الإفطار ـ التملّي
من الطعام والشراب ، وكذا يكره له الجماع في النهار ، بل الأحوط تركه
وإن كان الأقوى جوازه (2) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحقّ كي تكون بمثابة التخـصيص في دليل وجوب تسليم
المال وإيصـاله إلى صاحبه كما لا يخفى .
وعلى
الجملة : لا تحتمل دلالة هذه النصوص
على الترخيص في ارتكاب الغصب . إذن فلا مناص للأجير المزبور من ترك
السفر ، ومن قصد الإقامة لو كان مسافراً مقدّمةً للصيام ، وتسليم العمل
المملوك إلى مالكه ، فلاحظ .
(1)
كما تقدّم في المسألة الخامسة والعشرين من فصل ما يوجب الكفّارة(1)
.
(2)
تدلّ على الحكمين المذكورين في هذه المسألة من كراهيّة الجماع
والامتلاء صحيحة ابن سنان ـ يعني : عبدالله ـ قال : سألت أبا عبدالله
(عليه السلام) عن الرجل يسافر في شهر رمضان ومعه جارية له ، أفله أن يصيب
منها بالنهار ؟ «فقال : سبحان الله ، أما يعرف هذا حرمة شهر رمضان؟!
إنّ له في الليل سبحاً طويلا» قلت : أليس له أن يأكل ويشرب ويقصّر ؟
«قال : إنّ الله تبارك وتعالى قد رخّص للمسافر في الإفطار والتقصير رحمةً
وتخفيفاً لموضع التعب والنصب ووعث السفر، ولم يرخّص له في مجامعة النساء في
السفر بالنهار في شهر رمضان
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح العروة 21 : 406 ـ 411 .
ـ إلى أن قال: ـ وإنّي إذا سافرتُ في شهر رمضان
ما آكل إلاّ القوت وما أشرب كلّ الري»(1).
فقد
دلّ ذيلها على كراهيّة الامتلاء والارتواء ، واستحباب الاقتصار على مقدار
الضرورة العرفيّة .
وبما
أنّ الظاهر منها أنّ الإفطار ترخيصٌ ورحمة ومنّة على الاُمّة ، ولذلك حسن
الاقتصار على مقدار الضرورة رعايةً لحرمة شهر رمضان ، فمن ثمّ يتعدّى إلى
مطلق موارد الترخيص من غير خصوصيّة للسفر كما لا يخفى .
كما
دلّ صدرها على النهي عن الجماع ، المحمول على الكراهة الشديدة ، جمعاً
بينها وبين نصوص اُخر قد دلّت على الجواز صريحاً .
كصحيحة
عمر بن يزيد قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يسافر في شهر
رمضان ، أله أن يصيب من النساء ؟ «قال : نعم»(2)
.
وصحيحة
أبي العبّاس البقباق عن أبي عبدالله (عليه السلام) : في الرجل يسافر ومعه
جارية في شهر رمضان ، هل يقع عليها ؟ «قال : نعم»(3)
،
ونحوهما غيرهما .
وقد
تقدّم جواز مواقعة الأهل لمن يقدم من السفر بعد الزوال ، لصحيح ابن مسلم :
عن الرجل يقدم من سفر بعد العصر في شهر رمضان فيصيب امرأته حين طهرت من
الحيض ، أيواقعها ؟ «قال : لا بأس به»(4)
.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 10 : 206 / أبواب من يصح
منه الصوم ب 13 ح 5 .
(2) الوسائل 10 : 205 / أبواب من يصح
منه الصوم ب 13 ح 1 .
(3) الوسائل 10 : 206 / أبواب من يصح من