بسم الله الرّحمن الرّحيم

   الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمّد وآله الطيّبين الطاهرين الغرّ الميامين .

   وبعد : فهذا هو الجزء الثاني من كتاب الصوم من «مستند العروة الوثقى» مع كتاب الاعتكاف، ونسأله تعالى التوفيق لإنهاء بقيّة الأجزاء ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .

 

ــ[1]ــ


فصل

في شرائط وجوب الصوم

    وهي اُمور :

   الأوّل والثاني : البلوغ ، العقل ، فلا يجب على الصبي والمجنون(1) إلاّ أن يكملا قبل طلوع الفجر (2) ، دون ما إذا كملا بعده (3) فإنّه لا يجب عليهما وإن لم يأتيا بالمفطر ، بل وإن نوى الصبي الصوم ندباً .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) يدلّنا على اعتبار الكمال من جهة البلوغ والعقل في كافة التكاليف ـ التي منها وجوب الصوم ـ ما دلّ من الروايات على رفع القلم عن الصبي وعن المجنون ، الكاشف عن أنّ المخاطَب في أوامر الله تعالى ونواهيه إنّما هو البالغ العاقل ، وغيره خارج عن موضوع التكليف .

   (2) لاندراجهما بالكمال الحاصل قبل فعليّة الخطاب في موضوع التكليف ، المستلزم لشمول الحكم ـ طبعاً ـ لهما كغيرهما من مستجمعي شرائط التكليف .

   (3) لا ريب في عدم الوجوب وقتئذ فيما لو كان قد تناول المفطر قبل أن يتّصف بالكمال ، لجواز الإفطار له آنذاك ، ومعه لا مقتضي لتكليفه بعدئذ بالامساك ، بعد وضوح أنّ الصوم عبادة واحدة مركّبة من مجموع الإمساكات المحدودة من طلوع الفجر إلى الغروب ، فإذا أفطر في بعض الوقت ولم يكن

ــ[2]ــ

صائماً فأمر غير الصائم بالإمساك التأدّبي تعبّداً يحتاج إلى الدليل ، ولم يقم عليه دليل إلاّ فيمن أفسد صومه ، غير الشامل لمثل المقام كما هو واضح .

   وأمّا لو لم يكن متناولا فالظاهر أنّ الأمر أيضاً كذلك ، لعدم عدّ الإمساك السابق من الصوم بعد عدم كونه مأموراً به حالئذ حسب الفرض ، والاجتزاء بالإمساك بقيّة النهار بتنزيل الباقي منزلة المجموع ، نظير ما ورد في المسافر الذي يقدم أهلـه قبل الزوال من تجديد النيّة في هذا الحـال بدلا عن طلوع الفجر يحتاج إلى الدليل بعد كون الاجتزاء المزبور على خلاف القاعدة ، ولم يرد عليه دليل في المقام .

   هذا فيما إذا لم يكن ناوياً للصوم قبل ذلك .

   وأمّا إذا كان ناوياً للصوم الندبي وقلنا بمشروعيّة عبادات الصبي ـ كما هو الحقّ ـ فبلغ أثناء النهار ، فهل يجب عليه إكمال هذا الصوم ويحسب له صوماً ، أو لا ؟

   احتاط الماتن في المقام بالإتمام والقضاء ـ على ما يقتضيه ظاهر عبارته ـ وإن كان الاحتياط استحبابيّاً .

   أقول : يقع الكلام تارةً : من حيث وجوب الإتمام وعدمه ، واُخرى : من ناحية القضاء .

   أمّا الكلام من حيث الاتمام : فالظاهر عدم وجوبه ، لعدم الدليل عليه ، فإنّ صومه وإن كان مشروعاً ومأموراً به حسب الفرض إلاّ أ نّه كان على صفة الندب ، إذ المأمور بالصوم الواجب هو من كان بالغاً وقت تعلّق الخطاب ـ  أعني : من لدن طلوع الفجر  ـ ومن البيّن أنّ الالتزام بانقلاب الأمر الندبي إلى الوجوبي في مرحلة البقاء يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل عليه في المقام .

   ودعوى أنّ المرفوع إنّما كان هو الإلزام حال الصِبا وحين صغره ، وأمّا بعد

ــ[3]ــ

البلوغ فالإلزام باق على حاله .

   مدفوعةٌ بأنّ الصوم تكليف وحداني لا تبعّض فيه متعلّق بالإمساك من الطلوع إلى الغروب على صفة الوجوب أو الاستحباب ، والذي كان ثابتاً سابقاً هو الأمر الاستحبابي ولم يتعلّق الوجوبي من الأوّل .

   وأمّا تعلّقه بالإمساك في جزء من النهار والاجتزاء به عن الكلّ فهو إنّما ثبت في موارد خاصّة كالمسافر الذي يقدم أهله قبل الزوال ، وليس المقام منها .

   وأمّا قياس المقام بباب الصلاة فيما لو بلغ المصلّى آخر الوقت أثناء الصلاة المحكوم حينئذ بوجوب الإتمام بلا كلام ، ففي غير محلّه .

   والوجه فيه : أنّ الصلاة المأمور بها المحدودة ما بين المبدأ والمنتهى طبيعة واحدة ، سواء أكان المتصدّي لها هو الصبي ـ بعد البناء على شرعيّة عباداته ـ أم البالغ ، غاية الأمر أنّ الأمر المتعلّق بها قد يكون وجوبيّاً واُخرى استحبابيّاً ، فالاختلاف إنّما هو من ناحية الأمر دون المأمور به .

   ومن ثمّ ذكرنا في كتاب الصلاة : أنّ الصبي لو بلغ في الوقت بعد ما صلّى لم تجب عليه الإعادة .

   ولا وجه لدعوى أنّ ما أتى به كان مندوباً، وإجزاؤه عن الواجب يحتاج إلى الدليل .

   لما عرفت من وحدة الطبيعة واختصاص الخطاب بإقامة الصلاة ـ بحسب الانصراف العرفي ـ بمن لم يكن آتياً بها ومقيماً لها ، فلا جرم يجتزئ بما أتى به بطبيعة الحال .

   وبعبارة اُخرى : المأمور به إنّما هو الكلّي الطبيعي المحدود ما بين الحدّين ، خوطب به صنفٌ وجـوباً وصنفٌ آخر ندباً ، والطبيعة طبيعة واحدة ، فإذا وُجِدت في الخارج صحيحة ومتقرّباً بها إلى الله تعالى لم يكن بعدئذ أيّ مقتض

ــ[4]ــ

للإعادة وإن طرأ وصف الوجوب حسب الفهم العرفي كما لا يخفى .

   ومثله : ما لو بلغ أثناء الصلاة مع سعة الوقت فإنّه لا يجب عليه القطع والإعادة ، غايته انقلاب الأمر بقاءً إلى الوجوب ، فيصبح إذن كالبالغ مخيّراً ـ  مع الغضّ عن دليل حرمة القطع  ـ بين الإكمال والاستئناف كما هو الحال في جميع موارد التخيير العقلي ، فإنّ الواجب ارتباطي وهو ما لم يفرغ عنه مخاطَب بإيجاد الطبيعة وامتثالها ، ويتحقّق إيجادها تارةً بتكميل هذا الفرد وتسليمه ، واُخرى برفع اليد عنه والإتيان بفرد آخر ، فإنّ الصبي البالغ في الأثناء يشاطر البالغين في هذا المناط بعد ما عرفت من اتّحاد الطبيعة ، فيثبت التخيير المزبور في حقّه أيضاً حسبما عرفت .

   وأمّا لو بلغ أثناءها مع ضيق الوقت ، فقد يتمكّن من إدراك ركعة واحدة لو قطع واُخرى لا .

   لا ينبغي التأمّل في انقلاب الأمر إلى الوجوب في الفرض الأوّل ، لتمكّنه من الإتيان بالطبيعة إما بالإتمام أو الاستئناف على حذو ما عرفت ، غير أ نّه يتعيّن عليه اختيار الأوّل ، نظراً إلى قصور دليل الاجتزاء بالركعة عن الشمول لصورة التعجيز الاختياري ، وأ نّه ما دام يتمكّن من إدراك التمام في الوقت ـ وهو متمكّن منه في المقام بالإتمام ـ لا ينتقل إلى البدل الذي هو وظيفة العاجز بطبعه عن إدراك المبدل منه .

   وأمّا في الفرض الثاني ـ كما لو بلغ وهو في الركوع الرابع من صلاة العصر ـ فالظاهر عدم وجوب الإتمام حينئذ ، بل له رفع اليد أو الإتمام ندباً ، إذ الخطاب الوجوبي بالصلاة ذات الأربع إنّما يتوجّه نحو من يتمكّن من الإتيان بها ، إمّا بنفسها أو ببدلها ، ببركة دليل : «من أدرك» ، والمفروض عجزه عن الإتيان بشيء منهما ، فإنّه لدى الشروع لم يكن بالغاً ، وبعد البلوغ لم يكن قادراً على الركعة فضلا عن الأربع .

ــ[5]ــ

   نعم ، يمكنه إدراك الأربع بإتمام هذا الفرد الذي كان شارعاً فيه قبل بلوغه ، إلاّ أنّ الكلام في شمول دليل الوجوب لمثله ، لما عرفت من استظهار اختصاصه بمن يتمكّن ولو من الركعة بعد الاتّصاف بالبلوغ .

   هذا ، ولو تنازلنا وبنينا على الوجوب في باب الصلاة فلا نكاد نلتزم به في باب الصوم ، للفرق الواضح بين الموردين ، فإنّ الواجب هناك إنّما هو الطبيعي الجامع بين الأفراد الطوليّة المتخلّلة ما بين الحدّين ـ من الزوال إلى الغروب ـ ولقائل أن يقول : إنّ هذا الطبيعي مقدور له ولو بإتمام هذا الفرد فيشمله دليل الوجوب .

   وأمّا في المقام فالمأمور به إنّما هو نفس هذا الفرد ، أي الإمساك من الطلوع إلى الغروب الذي قد مضى شطر منه ـ حسب الفرض ـ الممتنع تداركه .

   لا أقول : إنّ المأمور به هو الموجود الخارجي ليندفع بما هو التحقيق من تعلّق الأوامر بالطبائع دون الأفراد .

   بل أقول : إنّ المأمور به هو طبيعي الإمساكات المنضمّ بعضها إلى بعض والمرتبطة من المبدأ إلى المنتهى ، فليس لطبيعي الصوم في هذا اليوم إلاّ فرد واحد ممتدّ ، ومثله كيف يمكن إيجاده في الخارج بعد ما بلغ ؟! والممكن إنّما هو الإتيان ببقيّة الأجزاء ، غير أنّ الاجتزاء به عن الكلّ يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل عليه في المقام حسبما عرفت .

   وعلى الجملة : الفرق بين البابين لعلّه في غاية الوضوح ، لفعليّة الأمر بالصلاة سيّما مع إدراك الركعة وله الامتثال إمّا بإتمام هذا الفرد أو بإيجاد فرد آخر . وأمّا في المقام فالأمر الوجوبي غير موجود بعد البلوغ ، للعجز عن تمام المتعلّق ، والاجتزاء بالبعض والضمّ بما سبق وإن أمكن ولكنّه موقوف على قيام الدليل ، ولا دليل عليه في المقام .

ــ[6]ــ

   لكن الأحوط مع عدم إتيان المفطر الإتمام والقضاء (1) إذا كان الصوم واجباً معيّناً ((1)) .

   ولا فرق في الجنون بين الإطباقي والأدواري إذا كان يحصل في النهار ولو في جزء منه ، وأمّا لو كان دور جنونه في الليل بحيث يفيق قبل الفجر فيجب عليه .

   الثالث : عدم الإغماء ، فلا يجب معه الصوم ولو حصل في جزء من النهار (2) . نعم ، لو كان نوى الصوم قبل الإغماء فالأحوط إتمامه .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) قد عرفت حكم الإتمام .

   وأمّا الكلام من ناحية القضاء فقد احتاط في المتن بالجمع بينه وبين الإتمام .

   ولا يبعد أن يكون هذا سهواً من قلمه الشريف ، لعدم احتمال القضاء بعد فرض الإتمام وعدم تناول المفطر كي يحتاط بالجمع المزبور ، إذ المفروض أ نّه قد أتمّ صومه ، فإن كان مأموراً بالإتمام فقد فعل ، وإلاّ فلم يفت عنه شيء ليقضيه . وإنّما يتّجه القضاء فيما لو أفطر لاحتمال فوت الصوم الواجب عليه وقتئذ، لافيما لم يفطر كما هو مفروض كلامه (قدس سره). وقد عرفت عدم الفوت في هذه الصورة أيضاً ، لعدم وجوب الإتمام ، كما هو الحال في المجنون الذي أفاق أثناء النهار ولم يفطر ، فإنّه لا يجب عليه إتمام الصوم ، لعدم الدليل عليه .

(2) لم يرد نصّ في خصوص المقام يدلّ على اشتراط وجوب الصوم بعدم الإغماء، بل المسألة مبنيّة على المسألة المتقدّمة(2) في الفصل السابق من اشتراطه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا حاجة إلى القضاء مع الإتمام ، والوجه فيه ظاهر .

(2) شرح العروة 21 : 456 .

ــ[7]ــ

   الرابع : عدم المرض الذي يتضرّر معه الصائم (1) ، ولو برئ بعد الزوال ولم يفطر لم يجب عليه النيّة والإتمام . وأمّا لو برئ قبله ولم يتناول مفطراً فالأحوط أن ينوي ويصوم وإن كان الأقوى عدم وجوبه .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في صحّة الصوم ، إلحاقاً للإغماء بالجنون ، فإن تمّ ذلك فلا شك في دخله في تعلّق الأمر أيضاً ، واشتراط الوجوب به كالصحّة ، فلا أمر حال الإغماء بعد عجزه عن المأمور به .

   ولكنّه لم يتمّ ـ كما تقدّم(1) ـ لعدم الدليل على الإلحاق المزبور بعد أن كان مغايراً مع الجنون موضوعاً ، لانحفاظ العقل معه وعدم زواله ، وإنّما الزائل الإدراك كما في النوم ، غايته أ نّه أشدّ منه ، فلا مانع إذن من تكليفه بالصوم على ما تقدّم في أوّل كتاب الصوم(2) من أنّ النيّة المعتبرة فيه تفارق ما هو المعتبر في العبادات الوجوديّة في عدم لزوم انبعاث كلّ جزء من هذه العبادة عن داعي الأمر ، بل اللاّزم أن يكون على جانب من المفطرات وبعيداً عنها وإن استند ذلك إلى أمر غير اختياري من عجز أو حبس أو نوم ونحوها ، وكما يجتمع ذلك مع النوم يجتمع مع الإغماء أيضاً بمناط واحد ، بلا فرق بين ما استند منهما إلى الاختيار أو ما كان بغلبة الله سبحانه .

   إذن فما ذكره (قدس سره) من الاحتياط فيما لو كان ناوياً للصوم قبل الإغماء وجيه وفي محلّه .

   (1) بلا خلاف فيه ولا إشكال كما نطق به الكتاب العزيز ، الظاهر في أنّ المريض والمسافر وظيفتهما القضاء تعييناً ، كما أنّ غيرهما مكلّف بالأداء كذلك ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح العروة 21 : 457 .

(2) شرح العروة 21 : 4 .

ــ[8]ــ

وإطلاقه وإن شمل عموم المرضى إلاّ أنّ مناسبة الحكم والموضوع مضافاً إلى النصوص المستفيضة دلّتنا على الاختصاص بمريض خاصّ ، وهو الذي يضرّه الصوم ، مشيراً في بعضها لتحديده بأنّ الإنسان على نفسه بصيرة ، وقد تقدّمت سابقاً (1) ، وهذا ممّا لا غبار عليه .

   وإنّما الكلام فيما لو برئ أثناء النهار ولم يستعمل المفطر ، فهل يجب عليه تجديد النيّة ويحسب له صوم يومه ، أو أنّ التكليف قد سقط بمرضه سواء أفطر أم لم يفطر ؟

   أمّا إذا كان ذلك بعد الزوال فلا ينبغي الإشكال في عدم الوجوب ، لفوات المحلّ بحلول الزوال وعدم التمكّن بعدئذ من التجديد ، والمفروض أ نّه لم يكن مكلّفاً إلى هذا الزمان ، ولا دليل على قيام الباقي مقام الجميع كما هو واضح .

   وأمّا إذا كان قبله فالمشهور هو الوجوب ، بل عن جمع دعوى الإجماع عليه إلحاقاً له بالمسافر ، بل في المدارك : أنّ المريض أولى منه ، لكونه أعذر (2) .

   ولكنّه كما ترى ، فإنّ النصّ مختصّ بالمسافر ، والقياس لا نقول به ، والأولويّة لم نتحقّقها بعد عدم الإحاطة بمناطات الأحكام ، ولم يثبت إجماع تعبّدي يعوّل عليه في المسألة .

   إذن كان مقتضى القاعدة ما ذكره (قدس سره) من عدم الفرق بين ما قبل الزوال وما بعده في عدم وجوب الإتمام ، فلا يجب عليه الإمساك بعنوان الصيام بعد خروجه عن عموم الآية المباركة من الأوّل ، ومن المعلوم أنّ الإمساك بعد ذلك من غير المأمور بالصيام يحتاج إلى قيام الدليل ، ولم ينهض عليه أيّ دليل في المقام .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح العروة 21 : 486

(2) المدارك 6 : 195 ـ 196 .

ــ[9]ــ

   نعم ، الأحوط ذلك فيجدّد النيّة ويتمّ ثمّ يقضيه .

   ثمّ لا يخفى أنّ صور هذه المسألة ثلاث :

   إذ تارةً : يفرض أ نّه كان مريضاً واقعاً وقد حصل البرء واقعاً أيضاً أثناء النهار بمعالجة أو دعاء ونحوهما قبل الزوال أو بعده .

   واُخرى : ينكشف لدى البرء عدم المرض من الأوّل ، أو عدم كونه مضرّاً ، فكان اعتقاد الإضرار مبنيّاً على محض الخيال ، وجواز الإفطار مستنداً إلى الخطأ والاشتباه .

   وهذا على نحوين :

   إذ تارةً : يستند في جواز الإفطار إلى حجّة شرعيّة ، من خوف عقلائي ، أو ظنّ الضرر ، أو إخبار طبيب حاذق ثقة مع عدم بلوغ الضرر الثابت بالطريق الشرعي المسوّغ للإفطار حدّ الحرمة ، حيث ذكرنا في بحث لا ضرر عدم حرمة الإقدام على مطلق الضرر ، عدا ما تضمّن الإلقاء في التهلكة وما في حكمه دون ما لم يكن كذلك كخوف الرمد ونحوه .

   واُخرى : يستند إلى الاعتقاد الجزمي بالضرر بحيث لا يحتمل معه الخلاف ، أو استند إلى الحجّة الشرعيّة ولكن الضرر كان بالغاً حدّ الحرام ، كما لو أخبره الطبيب الماهر بأنّ في صيامك خطر الموت .

   ولا يخفى وضوح الفرق بين هذين النحوين ، لانحفاظ مرتبة الحكم الواقعي في الأوّل منهما بعد احتمال عدم إصابة الطريق ، فلا مانع من بقاء الأمر الواقعي ، لكونه قابلا للامتثال ولو من باب إمكان الاحتياط واستحبابه ، غايته أنّ مع قيام طريق ظاهري على خلافه يكون المكلّف معذوراً لدى التعويل عليه ، كما هو شأن كلّ حكم واقعي قام على خلافه حكم ظاهري من غير أىّ تناف بينهما حسبما هو مقرّر في محلّة ، فهو مكلّف ـ لدى خطأ الطريق ـ بالصوم واقعاً

ــ[10]ــ

وإن كان مرخّصاً في الإفطار ظاهراً .

   وهذا بخلافه على النحو الثاني ، لامتناع امتثال حكم يقطع بعدمه ، أو قام الطريق الشرعي على حرمته ، فلا سبيل إلى امتثاله حتّى من باب الاحتياط . ومن البيّن أنّ ما هذا شأنه يستحيل جعله من المولى الحكيم ، للزوم اللغويّة ، إذ أيّ أثر في جعل حكم لا يكون قابلا للامتثال بوجه من الوجوه ؟! فلا جرم يكون الحكم الواقعي ساقطاً وقتئذ بطبيعة الحال .

   وكيفما كان ، فقد عرفت أنّ صور المسألة ثلاث :

   منها : ما لو انكشف عدم المرض أو عدم الضرر من الأوّل ، وكان مستنداً في الضرر المتخيّل إلى حجّة شرعيّة ولم يكن بالغاً حدّ الحرمة .

   وحيث قد عرفت آنفاً بقاء الحكم الواقعي حينئذ على حاله للتمكّن من امتثاله ، فالإنكشاف المزبور يلازم ـ طبعاً ـ إنكشاف الأمر بالصوم من الأوّل وإن كان معذوراً ما دامت الحجّة قائمة على خلافه .

   ونتيجة ذلك : وجوب الإمساك بقيّة النهار بلا فرق بين ما إذا كان الإنكشاف قبل الزوال أم بعده ، لوحدة المناط ، وهو انكشاف كونه مأموراً بالصوم واقعاً من الأوّل .

   بل يجب الإمساك حتّى لو كان قد أفطر قبل ذلك كما لا يخفى .

   ولا شك حينئذ في وجوب القضاء ، كما لا إشكال في وجوبه أيضاً وإن لم يفطر فيما لو كان الانكشاف بعد الزوال ، لفوات محلّ النيّة ، فلم يتمّ له صوم هذا اليوم .

   وأمّا لو انكشف قبل الزوال : فلا نقص في ذات المأمور به من غير ناحية الإخلال بالنيّة اللازم رعايتها من لدن طلوع الفجر ، حيث قد أخلّ بها جهلا

ــ[11]ــ

بالموضوع ، ولم يرد نصّ في خصوص المقام يسوّغ التجديد ، وإنّما ورد في غيره كالمسافر أو الجاهل بكون اليوم من رمضان وقد قدم أو علم قبل الزوال ، فإن ألحقناه به لفهم عدم الخصوصيّة فهو ، وإلاّ كان مقتضى القاعدة عدم إجزاء الناقص عن الكامل .

   ويجري هذا في غير المريض أيضاً ، كمن قصد الإفطار زعماً منه بطريق شرعي أنّ المقصد الذي يزمع المسير إليه يبلغ المسافة الشرعيّة فانكشف الخلاف قبل الزوال وقبل أن يتناول المفطر ، حيث يستبان له الأمر بالصوم من الأوّل وإن كان يجوز له الإفطار بحسب الحكم الظاهري .

   وعلى الجملة : المقتضي لصحّة الصوم المزبور موجود ، إذ لا قصور في ذاته من غير جهة النيّة ، فإن تمّ الدليل على الإلحاق المذكور من إجماع ونحوه فهو ، وإلاّ حكم بالبطلان والقضاء ، لهذه العلّة ، وقد عرفت عدم الدليل .

   ومنها : ما لو كان مستنداً فيما تخيّله من الضرر إلى القطع الوجداني ، أو كان مستنداً إلى الحجّة الشرعيّة غير أنّ الضرر كان بالغاً حينئذ حدّ الحرمة .

   وحيث قد عرفت امتناع الامتثال ، لإنسداد باب الاحتياط وقتئذ ، إذ معنى للرجاء فيما قامت فيه الحجّة على الحرمة ، كما لا معنى لخطاب القاطع على خلاف قطعه ، فالأمر الواقعي بالصوم ساقط من الأوّل لا محالة ، لوجود المانع عن فعليّته ، وهو الاعتقاد الجزمي أو الطريق الشرعي القائم على التحريم .

   ومع ذلك كلّه لو انكشف الخلاف وجب عليه الإمساك وإن لم يكن مكلّفاً بالصوم من الأوّل ، وذلك من أجل أنّ الاستثناء في كلامه سبحانه إنّما تعلّق بموردين : المسافر والمريض ، وشيء منهما غير منطبق عليه حسب الفرض ، فلا مانع إذن من اندراجه في مناط عقد المستثنى منه، وإن لم يشمله خطابه فإنّ ذلك

ــ[12]ــ

مستند إلى وجود المانع المزبور ـ كما عرفت ـ لا إلى عدم تحقّق المقتضي. وعليه، فلا يجوز له الإفطار بعد ذلك عامداً ، فهو نظير من أبطل صومه المحكوم بوجوب الإمساك بقيّة النهار .

   ويمكن الاستدلال له بإطلاق جملة من الأخبار مثل ما ورد : من أنّ من جامع أهله نهار رمضان فعليه كذا ، فإنّ الخارج منه إنّما هو المريض أو المسافر اللّذان هما موردٌ للتخصيص من الأوّل .

   أمّا من لم يكن كذلك وإنّما كان مخطئاً في اعتقاده ، فلا مانع فيه من التمسّك بالإطلاق المزبور ويثبت الحكم في غير الجماع بالقطع بعدم الفرق .

   وبالجملة : فالظاهر أ نّه لا ينبغي الاستشكال في وجوب الإمساك في هذه الصورة أيضاً . فإن كان الانكشاف بعد الزوال وجب القضاء أيضاً ، وإن كان قبله ففي تجديد النيّة حينئذ وعدمه يجري الكلام المتقدّم من الإلحاق بالمسافر والجاهل وعدمه ، فلاحظ .

   ومنها : ما لو كان مريضاً يضرّه الصوم واقعاً ، وفي أثناء النهار برئ بعلاج ونحوه بحيث لولاه كان المرض باقياً حقيقةً إلى الغروب .

   فإن كان ذلك بعد الزوال فلا شكّ في عدم وجوب الإمساك ، وأ نّه لا يحسب له صوم هذا اليوم ، لخروجه عن العمومات بالكتاب والسنّة الناطقين بأنّ المريض غير مأمور بالصوم .

   نعم ، يُكره له خصوص الجماع ، للنهي عنه تنزيهاً في نهار رمضان حتّى ممّن لم يكن مأموراً بالصيام على ما نطقت به النصوص .

   وإن كان قبل الزوال فلا إشكال أيضاً فيما لو كان قد أفطر قبل ذلك ، لما عرفت .

ــ[13]ــ

   وأمّا لو لم يفطر فهو على قسمين :

   إذ تارةً : يكون الإفطار واجباً عليه ولو بشرب دوا