ــ[21]ــ

   ويندفع بما أسلفناه قريباً من أنّ صوم رمضان وإن لم يكن مقيّداً بخصوصيّة وجوديّة إلاّ أ نّه مقيّدٌ بعنوان عدمي ، وهو عدم قصد الخلاف من سائر أقسام الصيام المانع عن انطباق الطبيعي على رمضان وهو غير متحقّق في المقام .

   وعلى الجملة : إمّا أن يتعلقّ القصد بطبيعي الصوم على الإطلاق ، أو بالمقيّد برمضان ، أو بالمقيّد بخلافه ، ولا رابع ، فإنّ الإهمال في الواقعيّات أمرٌ غير معقول ، والصحّة تتوقف على تعلق القصد بأحد النحوين الأولين ، وهما منفيّان في المقام، لفرض تعلّق النيّة بالخلاف الذي هو النحو الثالث الباطل، ولا يصحّحه حديث الخطأ ، إذ بعد أن أوجب فقد القيد العدمي المزبور المانع عن الانطباق على رمضان فكيف يقع عنه ؟!

   نعم ، يصحّ عمّا نواه على سـبيل الترتّب على النحو الذي عرفت ، ويكون عاصياً في صورة العلم ، معذوراً في صورة الجهل كما هو ظاهر .

   الجهة الثالثة : لو قصد في رمضان غيره جاهلا أو ناسياً ثمّ انكشف الخلاف ، فهل يجزئ عنه ؟

   أمّا في الجاهل بالحكم فقد عرفت أ نّه لا يجزئ وإن علم بالحال أثناء النهار وجدّد النيّة قبل الزوال كما ذكره في المتن ، لأنّ صوم رمضان مقيّد بقيد عدمي ، وهو أن لا ينوي غيره كما مرّ ، والمفروض أنه نوى ذلك ، ولا دليل على إجزاء غير المأمور به عن المأمور به ، كما لا دليل على جواز التجديد في المقام بعد كونه خلاف الأصل .

   وأمّا في الجاهل بالموضوع ـ أي أنّ هذا اليوم من رمضان ـ كما لو صام في يوم الشكّ بعنوان شعبان ثمّ بان أ نّه من رمضان فقد دلّت الروايات المستفيضة على الاجتزاء والصحّة وأنّ ذلك يومٌ وُفِّق له .

   وهل يلحق به الناسي كما لو رأى الهلال ثمّ ذهل وغفل وصام تطوّعاً ـ مثلا ـ

ــ[22]ــ

كما أنّ الأحوط في المتوخّي ـ أي المحبوس (1) الذي اشتبه عليه شهر رمضان وعمل بالظنّ ـ أيضاً ذلك ـ أي اعتبار قصد كونه من رمضان ـ بل وجوب ذلك لا يخلو عن قوّة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثمّ ذكر أثناء النهار ، فهل له العدول ؟

   الظاهر هو اللحوق ، فإنّه وإن كان خارجاً عن مورد النصوص إلاّ أنّ الفهم العرفي من تلك الأخبار يقتضي عدم الفرق بينه وبين الجهل ، وأنّ هذه الخصوصية ملغاة وغير دخيلة في مناط الحكم ، ولذا لو فرضنا عدم جهله بل كان عالماً قاطعاً بأنّ غداً من شعبان فصامه تطوّعاً ثمّ بان الخلاف قبل الزوال فلا إشكال في شمول الحكم له وإن كان خارجاً أيضاً عن مورد تلك النصوص ، ضرورة أنّ مثل التعبير بقوله : يومٌ وُفِّق له ، يدلّنا بوضوح على عدم خصوصيّة للجهل في ثبوت هذا الحكم بوجه كما لا يخفى .

   (1) لا يخفى أنّ مثل المحبوس ونحوه ممّن لا علم له بشهر رمضان ولا يمكنه الاستعلام بما أ نّه يعلم إجمالا بوجوب صيام شهر في مجموع السنة فمقتضى القاعدة هو الاحتياط بصيام الجميع تحصيلا للقطع بالفراغ .

   ولكن الإجماع قائم على عدم وجوبه في حقّه ، مضافاً إلى أنّ الأمر فيه دائرٌ بين محذورين ، إذ كلّ يوم كما يحتمل أن يكون من رمضان يحتمل أيضاً أن يكون من الأيّام التي يحرم صومها كالعيدين ، وعليه فلا مناص من التنزّل عن الإمتثال القطعي إلى التوخّي والامتثال الظنّي إن أمكن ، وإلاّ فإلى الامتثال الإحتمالي ، وحينئذ فصومه بحسب الواقع دائرٌ بين اُمور ثلاثة ، لأ نّه إمّا أن يقع قبل رمضان ، أو فيه ، أو بعده .

   فإذا  انكشف الحال وكان الأوّل فهو تطوّعٌ ولا يجزئ عن رمضان ، إذ

ــ[23]ــ

   [ 2360 ] مسألة 1 : لايشترط التعرّض للأداء والقضاء(1) ، ولا الوجوب والندب، ولا سائر الأوصاف الشخصيّة ، بل لو نوى شيئاً منها في محلّ الآخر صحّ ، إلاّ إذا كان منافياً للتعيين ، مثلا : إذا تعلّق به الأمر الأدائي فتخيّل كونه قضائيّاً : فإن قصد الأمر الفعلي المتعلّق به واشتبه في التطبيق فقصده قضاءً ((1)) صح، وأمّا إذا لم يقصد الأمر الفعلي بل قصد الأمر القضائي بطل ، لأ نّه مناف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا دليل على الإجزاء قبل حلول الإيجاب .

   وإن كان الثاني فهو المطلوب ويجزئ حتّى مع عدم تبيّن الحال واستمرار الجهل ، فكيف بما إذا علم به وظهر ؟!

   وإن كان الثالث كان قضاءً. وعلى ذلك فالمأتي به مردّد بين التطوّع ورمضان وقضائه، ولأجله لابدّ من تعيين أ نّه من رمضان ليحسب منه إمّا أداءً أو قضاءً، وإلاّ فلو لم يعيّن وقصد طبيعي الصوم لم يقع عنه بل كان نافلةً وتطوّعاً ، فمن هذه الجهة احتاط (قدس سره) بالتعيين ، بل ذكر أنّ وجوبه لا يخلو من قوّة .

   (1) نفى (قدس سره) اشتراط جملة من الاُمور في تحقّق العبادة ، لعدم دخلها في مسمّى الطاعة ، وهو وجـيهٌ في الجملة لا بالجملة ، لعدم خلوّ بعـضها من المناقشة .

   أمّا التعرضّ للأداء والقضاء فممّا لابد منه ، ضرورة اختلاف متعلّق أحدهما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الظاهر أنّ القضاء والأداء طبيعتان متغايرتان ، ويترتّب على ذلك أ نّه إذا  كان الواجب في الواقع أداءً فتخيّل كونه قضاءً وأتى به بقصد أ نّه قضاء بطل وكذا العكس ولو كان ذلك من جهة الاشتباه في التطبيق ، نعم في خصوص شهر رمضان إذا أتى بالصـوم بتخيّل كونه قضاءً صحّ من رمضان دون العكس .

ــ[24]ــ

للتعيين حينئذ ، وكذا يبطل إذا كان مغيّراً للنوع كما إذا قصد الأمر الفعلي لكن بقيد كونه قضائياً ـ مثلا ـ أو بقيد كونه وجوبيّاً ـ مثلا ((1)) ـ فبان كونه أدائيّاً أو كونه ندبيّاً ، فإنّه حينئذ مغيّرٌ للنوع ويرجع إلى عدم قصد الأمر الخاصّ .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن الآخر ، فإنّ الأوّل هو العمل المأتيّ به في الوقت المضروب له ، والثاني هو الفعل في خارج الوقت ويتعلّق به أمر آخر على تقدير ترك الأوّل ، فهما متعدّدان أمراً ومتغايران متعلّقاً ، فإذا تعدّد المأمور به فلا مناص من قصده ولو إجمالا ، ليمتاز عن غيره ، فلو صام وهو لا يدري أ نّه أداءٌ أو قضاءٌ ولكن قصد الأمر الفعلي الذي هو نوع تعيين للمأمور به ولو بالإشارة الإجماليّة كفى ، أمّا لو قصد أحدهما مردّداً أو معيّناً وبقيد كونه أداءً ـ مثلا ـ ثمّ أنكشف الخلاف بطل ، لعدم تعلّق القصد بالمأمور به ، وغيره لا يجزئ عنه .

وأمّا نيّة الوجوبو الندب فغير معتبرة كما ذكره في المتن ، لأنّهما خصوصيّتان قائمتان بنفس  الأمر  ولايختلف متعلّق  أحدهما عن الآخر، فليست هذه الخصوصيّة مأخوذة في المتعلّق كما في الأداء والقضاء لتلزم رعايتها ، وإنّما هي من عوارض الأمر نفسه مع وحدة المتعلّق وهو الصوم الكذائي ، فلو تخيّل أنّ صوم شهر رمضان مستحبٌّ فصام بقصد القربة وامتثال الأمر فقد تحقّقت العبادة ، كما لو تخيّل أنّ صلاة الليل واجبة فصلّى بتخيّل الوجوب فإنّها تصحّ ، وإن كان ذلك بنحو التقييد ، بحيث لو كان يعلم أنّها غير واجبة لم يكن ليقوم في جوف الليل ، إذ لا أثر للتقييد في أمثال المقام من الموجودات الخارجية والجزئيّات الحقيقيّة ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الظاهر أ نّه لا أثر للتقييد من جهة الوجوب والندب .

ــ[25]ــ

وإنّما يتّجه التقييد في العناوين الكلّيّة ، كما تكرّرت الإشارة إليه في مطاوي هذا الشرح .

   ومن ثمّ حكمنا بصحّة الاقتداء خلف من في المحراب بعنوان أ نّه زيد فبان أ نّه عمرو وإن كان ذلك بنحو التقييد ، إذ لا يعقل التقييد لدى التحليل ، فإنّ الاقتداء جزئي خارجي دائر أمره بين الوجود والعدم ، ولا إطلاق فيه كي يقيَّد .

   وجميع هذه الموارد وما شاكلها إنّما هي من باب تخلّف الداعي دون التقييد .

   وكيفما كان ، فليس الوجوب والاستحباب مثل الأداء والقضاء فإنّهما من خصوصيّات الأمر، وهذان من خصوصيّات المأمور به، وهذا هو الفارق الموجب للزوم تعلّق القصد بالثاني دون الأوّل ، فلا يقاس أحدهما بالآخر .

   هذا على مسلك المشهور من كون الوجوب والاستحباب مجعولين شرعاً .

   وأمّا على ما هو التحقيق ـ من أنّهما بحكومة العقل ومنتزعان من اقتران طلب المولى بالترخيص في الترك وعدمه، وأ نّه على الثاني يستقلّ العقل بمقتضى قانون العبوديّة والمولويّة بوجوب الطاعة دون الأوّل ـ فالأمر أوضح ، لعدم كونهما حينئذ لا من خصوصيّات المأمور به ولا من خصوصيّات الأمر .

   وأمّا سائر الخصوصيات والأوصاف الشخصيّة فمن الضروري عدم لزوم تعلّق القصد بها ، لعدم دخلها في المأمـور به ـ كالأمر ـ بوجه ، ولا يخلو عنها أيّ فرد ، فإنّ صيام رمضان هذا العام بقيد أ نّه عام ثلاثة وتسعين بعد الألف والثلاثمائة وفي الخريف من الفصـول لا مدخل له في الصحّة لتلزم النيّـة ، وما أكثر تلك الخصوصيّات ، فلو قصدها وأخطأ لم يقدح في الصحّة . وقد تقدّم أنّ العبادة تتقوّم بركنين : الإتيان بذات العمل ، وقصد القربة الخالصة ، ولا يعـتبر شيء آخر أزيد من ذلك .

ــ[26]ــ

   [ 2361 ] مسألة 2 : إذا قصد صوم اليوم الأوّل من شهر رمضان فبان أ نّه اليوم الثاني ـ مثلا ـ أو العكس صحّ(1) ، وكذا لو قصد اليوم الأوّل من صوم الكفارة أو غيرها فبان الثاني ـ مثلا ـ أو العكس، وكذا إذا قصد قضاء رمضان السنة الحالية فبان أ نّه قضاء رمضان السنة السابقة وبالعكس .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) لأنّ خصوصيّة الأوّل أو الثاني من صوم رمضان أو غيره وكذا كون القضاء من هذه السنة أو السابقة بأن كان حدوث الأمر بالقضاء سابقاً أو لاحقاً ، كلّ ذلك من قبيل الأوصاف الشـخصيّة التي عرفت في المسألة السابقة عدم اعتبارها في النيّة ، لعدم دخلها في الأمر ولا في المتعلّق ، فلا يلزم قصدها ، بل لا يضرّ قصد الخلاف خطأً بعد أن أتى بذات العمل متقرباً ، وهذا نظير ما لو أجنب واعتقد أن عليه غسلا سببه حدث في هذا اليوم فبان أ نّه اليوم الآخر أو بالعكس ، فإنّ ذلك لا يضرّ بالصحّة بوجه كما هو ظاهر .

   نعم ، لو كان عليه قضـاءان : أحدهما من هذه السـنة ، والآخر من السنة السابقة ، فحيث إنّ أحدهما ـ وهو القضاء عن السنة الحاليّة ـ يختصّ بأثر وهو سقوط الكفّارة ـ لثبوتها لو لم يقض حتّى مضى الحول ـ فنحتاج في ترتّب الأثر إلى تعلّق القصد بهذه السنة بالخصوص ، وإلاّ فلو نوى طبيعي القضاء من غير القصد المزبور وقع عمّا هو أخفّ مؤونة ، وهي السنة السابقة المشاركة مع هذه السنة في أصل القضاء ، دون الحاليّة ، لاحتياجها ـ كما عرفت ـ إلى عناية زائدة ولحاظ الخصوصيّة حتّى تؤثّر في سقوط كفّارة التأخير ، والمفروض عدمها ، فهو امتثال لمطلق الطبيعة المنطبق قهراً على السابقة لكونها خفيفة المؤونة ، ولا يكون مصداقاً لامتثال الشخص ليترتّب عليه الأثر .

   وهذا نظـير ما لو كان مديناً لزيد بعشرة دنانير وقد كان مدينـاً له أيضاً

ــ[27]ــ

   [ 2362 ] مسألة 3 : لا يجب العلم بالمفطرات على التفصيل ، فلو نوى الإمساك عن اُمور يعلم دخول جميع المفطرات فيها كفى(1) .

   [ 2363 ] مسألة 4 : لو نوى الإمساك عن جميع المفطرات ولكن تخيّل أنّ المفطر الفلاني ليس بمفطر(2) ، فإن ارتكبه في ذلك اليوم بطل صومه ، وكذا إن لم يرتكبه ولكنّه لاحظ في نيّته الإمساك عمّا عداه ، وأمّا إن لم يلاحظ ذلك صحّ صومه ((1)) في الأقوى .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعشرة اُخرى بعنوان الرهانة ، فأدّى عشرة لطبيعي الدين من غير قصد فكّ الرهـن ، فحيث إنّه لم يقصد هذه الخصـوصيّة فلا جرم كانت باقية ، وينطـبق الطبيعي على الأوّل الأخفّ مؤونة بطبيعة الحال .

   (1) فيما إذا كان ضمّ غير المفطر ونيّة الإمساك عن الكلّ من باب الاحتياط ومقدّمة للإمسـاك عن جميع المفطرات المعلومة إجمالا ، لا من باب التشريع ، وذلك لكفاية النيّة الإجماليّة بعد تحقّق الصوم منه متقرّباً ، إذ لا دليل على لزوم معرفتها بالتفصيل ، وهكذا الحال في باب تروك الإحرام .

   (2) أمّا البطـلان في فرض ارتكاب ما تخيّل عدم مفطريّته ـ  كالارتماس  ـ فلاستعمال المفطر وإن لم يعلم به ، لعدم إناطته فيجب القضاء ، وفي ثبوت الكفّارة بحثٌ سيجيء في محلّه إن شاء الله تعالى .

   وأمّا فرض عدم الارتكاب فهو على نحوين :

   إذ تارةً : يلاحظ في نيّته الإمساك عمّا عداه ، بحيث تكون النيّة مقصورة على ما عدا الارتماس ومقيّدة بعدم الاجتناب عنه ، ولا ريب في البطلان حينئذ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا إذا اندرج ذلك المفطر فيما نواه ، وإلاّ بطل صومه على الأقوى .

ــ[28]ــ

   [ 2364 ] مسألة 5 : النائب عن الغير لا يكفيه قصد الصوم بدون نيّة النيابة (1) وإن كان متّحداً .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أيضاً ، لأنّه لم ينو المأمور به تماماً وعلى وجهه المقرّر شرعاً ، فإنّه الإمساك عن اُمور ومنها الارتماس ، ولم يتعلّق القصد بهذا المجموع وإنّما نوى بعضه وجزءاً منه الذي هو مأمور ضمناً لا استقلالا، وهو لا يكفي عن نيّة الكلّ كما هو واضح .

   واُخرى : لم يلاحظ ذلك ، بل نوى الإمساك من غير تقييد ، وقد حكم الماتن (قدس سره ) بصحّته في هذه الصورة ، ولكنّه لا يتمّ على إطلاقـه ، بل ينبغي التفصيل ، فإنّها أيضاً على قسمين :

   إذ تارةً : ينوي الإمساك إجمالا عن كلّ ما يكون مفطراً في الشريعة أو ما هو موجود في الرسالة، غير أ نّه لا يعلم أنّ الارتماس ـ مثلا ـ مفطر أو أ نّه يعتقد عدمه، كما ربّما يتّفق ذلك لكثير من عوام الناس، فإنّ العلم التفصيلي بجميع المفطرات خاصٌّ بذوي الفضل وبعض الأخيار، أمّا غالب العوام فلا يدرون بها ولا يسعهم تعدادها ومع ذلك يقصدون الصوم الذي أمر به الشارع ، وهنا يحكم بالصحّة كما ذكره الماتن ، لأنّ عدم ارتكاب الارتماس ـ مثلا ـ داخل في المنوي حينئذ إجمالا لا تفصيلا ، وهو كاف كما تقدّم .

   واُخرى : تلاحظ النية مهملة من هذه الناحية بحيث لم يكن الارتماس منويّاً بالكلّيّة لا تفصيلاً ولا إجمالا، ولا ينبغي التأملّ في البطلان حينئذ كما في الصورتين الاُوليين ، لعدم قصد المأمور به على وجهه الراجع إلى عدم قصد الامتثال كما هو ظاهر .

   (1) إذ بعد أن رخّص الشارع في النيابة وتفريغ ذمّة الغـير ـ  الذي هو أمر على خلاف القاعدة كما لايخفى  ـ من الميّت أو الحي كما في الحجّ في بعض الموارد ،

ــ[29]ــ

   نعم ، لو علم باشتغال ذمته بصوم ولا يعلم أ نّه له أو نيابة عن الغير يكفيه أن يقصد ما في الذمّة (1) .

   [ 2365 ] مسألة 6 : لا يصلح شهر رمضان لصوم غيره((1))(2) ، واجباً كان ذلك الغير أو ندباً ، سواء كان مكلّفاً بصومه أو لا كالمسافر ونحوه ، فلو نوى صوم غيره لم يقع عن ذلك الغـير ، سواء كان عالماً بأنّه رمضان أو جاهلا ، وسواء كان عالماً بعدم وقوع غيره فيه أو جاهلا ، ولا يجزئ عن رمضان أيضاً إذا كان مكلّفاً به مع العلم والعمد .

   نعم ، يجزئ عنه مع الجهل أو النسيان كما مرّ .

   ولو نوى في شهر رمضان قضاء رمضان الماضي أيضاً لم يصحّ قضاءً ، ولم يجزئ عن رمضان أيضاً مع العلم والعمد .

   [ 2366 ] مسألة 7 : إذا نذر صوم يوم بعينه لا تجزئه نيّة الصوم بدون تعيين أ نّه للنذر ولو إجمالا كما مرّ (3) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فإنّما تتحقّق النيابة ويقع الفعل عن المنوب عنه بالقصد والإضافة إليه ، وإلاّ فبدونه لا يتحقّق عنه ، بل يقع فعل نفسه عن نفسه بطبيعة الحال .

   (1) لرجوعه إلى قصد النيابة على تقديرها ، وهو كاف كما لا يخفى .

   (2) تقدّم الكلام حول هذه المسألة مستقصى ، فلاحظ إن شئت ولا نعيد (2) .

   (3) قد يفرض تعلّق النذر بطبيعي الصوم على وجه الإطلاق من غير تقييد بقسم خاص .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) على الأحوط .

(2) ص : 15 ـ 21 .

ــ[30]ــ

ولو نوى غـيره : فإن كان مع الغفلة عن النذر صحّ ، وإن كان مع العلم والعمد ففي صحّته إشكال ((1)) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   واُخرى : يكون مقيّداً بحصّة خاصّة ونوع معيّن كقضاء أو كفّارة ونحوهما .

   أمّا الأوّل : فلا إشكال فيما إذا صام قاصداً به عنوان الوفاء بالنذر .

   وأمّا إذا صام من غير قصد الوفاء ، بل نوى مجرّد القضاء أو التطوّع ونحو ذلك ، فهل يسقط به النذر ؟

   حكم في المتن بعدم السقوط وأ نّه لا بدّ من تعيين أ نّه للنذر ولو إجمالا .

   وليس له وجه ظاهر، فإنّ الأمر الناشئ من قبل النذر توصّلي لا يجب قصده ، غاية الأمر أ نّه لا يتحقّق الامتثال من غير قصد، فلا يستحق الثواب ، أمّا السقوط فلا ينبغي التأمّل فيه .

   وربّما يقال : إنّ النذر كالدين في اعتبار الملكيّة للغير في الذمّة ، فكأنّ الناذر يملك بالنذر عمله لله تعالى ويكون سبحانه مالكاً لعمله على ذمّته ، كما أنّ الدائن يملك ما في ذمّة المدين ، فكما أ نّه في الدين يلزم في وفائه قصد أدائه وإلاّ كان عطاءً ابتدائيّاً، فكذلك في الوفاء بالنذر فلا بدّ من تعلّق القصد كي يكون تسليماً للدين .

   ويندفع : بأنّه لا معنى للملكيّة الاعتباريّة له سبحانه كما لا يخفى ، ولو اُريد أ نّه كالدين في وجوب تفريغ الذّمة عنه وأنّ امتثاله مطلوب من العبد فهذا لا يختصّ بالنذر ، بل جميع الواجبات الإلهية من هذا القبيل .

   ولو فرضنا صحّة ذلك فإنّما يتمّ في نذر الكلّي ، كما لو نذر صوم يوم من هذا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) والصحّة أظهر .

ــ[31]ــ

الشهر ، فإنّ انطباقه على الفرد يتوقّف على القصد كما هو الحال في الدين الذي هو من أجل تعلّقه بالذمّة كلّيٌ دائماً ولا يتصوّر فيه التشخّص ، فلا جرم احتاج إلى القصد .

   وأمّا النذر الشخصي المعيّن ـ كما هو المفروض في المقام ـ فإنّه متعيّن بنفسه من غير حاجة إلى التعيين ، فلا يلزمه قصد الوفاء ، وهذا نظير الوديعة التي لا تتعلّق إلاّ بالشخص ، فلو أرجعها الودعي إلى صاحبها غافلا وبلا التفات إلى أنّها أمانة ووديعة فقد دفع الأمانة وإن لم يكن قاصداً للعنوان .

   وقد يقال أيضاً : إنّ الأمر بالوفاء بالنذر وإن كان توصّليّاً إلاّ أ نّه إنّما يفترق عن التعبّدي من جهة لزوم قصد القربة وعدمه ، وأمّا من ناحية قصد العنوان فيما إذا كان متعلّقاً للأمر فهما سيّان ، ولا بدّ من قصده على كلّ حال ، وإلاّ لم يأت بالواجب ، ومن المعلوم أنّ المأمور به في المقام هو عنوان الوفاء بالنذر ، فلا مناص من قصده .

   ومن هذا القبيل : وجوب ردّ السلام ، فإنّه وإن كان توصّليّاً إلاّ أ نّه لا بدّ من تعلّق القصد بعنوان ردّ التحية ، ولا يكفي من غير قصد .

   ويندفع : بأنّ الوفاء بالنذر ـ كالوفاء بالبيع ـ ليس إلاّ عبارة عن إنهاء التزامه ، أي الإتيان بما تعلّق به نذره وما التزم به ، فليس هو عنواناً زائداً على نفس الفعل الخارجي ليتوقف على القصد ، فكما أنّ الوفاء بالعقد ليس معناه إلاّ العمل بمقتضاه والقيام به وإنهاء العقد وعدم الفسخ ولا يتضمّن عنواناً آخر وراء العمل الخارجي، فكذا الوفاء بالنذر لا يراد به إلاّ الإتيان بما تعهّد به وألزمه على نفسه ، فلو فعل ذلك فقد وفى بنذره ، إذ الانطباق قهري والإجزاء عقلي .

   ويؤيّد ذلك ـ بل يعيّنه ويؤكّده ـ : أنّ الأمر بالوفـاء ليس حكماً ابتدائيّاً مجعولا من قبل الشارع لكي يدّعي ـ فرضاً ـ تعلّق الوجوب بعنوان الوفاء ،

ــ[32]ــ

وإنّما هو التزامٌ من قبل المكلّف نفسه ، فالتزم بشيء ، وألزمه الله سبحانه بالعمل بما التزم وأقرّه مقرّه . ومن المعلوم أنّ المكلّف إنّما التزم بالإتيان بذات الصوم لا بعنوان الوفاء ، فلا يكون الواجب عليه أيضاً إلاّ هذا الذي تعلّق به التزامه ، نظير الوفاء بالشرط في ضمن العقد كالخياطة ، فإنّه لا يجب عليه قصد عنوان الوفاء بالشرط .

   والحاصل : أنّ الوجوب لو كان ابتدائياً أمكن فيه تلك الدعوى ـ وإن كان على خلاف الظهور العرفي ـ ولكنّه إمضاءٌ لما التزمه الناذر وافترضه على نفسه وجعله على ذمتّه ، كما عبّر بمثل ذلك في بعض الروايات من أ نّه جعل على نفسه صوماً ، فليس الوفاء بالنذر عنواناً خاصّاً وأمراً زائداً على الإتيان بما تعلّق به النذر . وعليه ، فيسقط الأمر وإن لم يقصد عنوان الوفاء .

   وأم