|
|
بسم الله
الرّحمن الرّحيم
الحمد
لله ربّ العالمـين وصلّى الله على سـيِّدنا ونبيِّنا محمّد وآله الطيِّبين
الطّاهرين ، واللّعن الدائم على أعدائهم أجمعين .
وبعد ،
فيقول العبد الأثيم المفتقر إلى عفو ربّه الكريم مرتضى بن علي محمّد ابن إبراهيم
البروجردي النجفي عامله الله بلطفه الخفي : هذا ما تيسر لي ضبطه من مباحث
الصوم شرحاً على العروة الوثقى للسيّد الطباطبائي اليزدي (طاب ثراه) ، وهي
نتيجة ما تلقّيته من الأبحـاث القيِّمة والدروس الراقية التي ألقاها سماحة سيّدنا
الأستاذ العلاّمة ، علم العلم وبدر سمائه ، قبلة المشتغلين وخاتمة
المجتهدين ، المحقّق المدقّق ، زعيم الحوزة العلميّة ، ومرجع
الاُمّة ، الذي ألقت إليه الرئاسة الدينيّة أزمّتها ، آية الله العظمى
حضرة المولى الحاج السيّد أبو القاسم الموسوي الخوئي متّع الله المسلمين بطول
بقائه الشريف .
وقد
بذلتُ أقصى وسعي في الاحتفاظ برموز الدرس ودقائقه، وكلّ ما أفاده في مجلس البحث
وخارجه ، تذكرةً لنفسي وتبصرةً لغيري .
وأسأله
تعالى أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم ، وأن ينفعني به وإخواني من روّاد العلم
والفضيلة ، وأن ينظروا إليه بعين الرضا والقبول ، وهو حسبنا ونعم
الوكيل .
بسم الله
الرّحمن الرّحيم
كتاب
الصوم
وهو الإمساك عمّا يأتي من المفطرات بقصد القربة (1) .
وينقسم إلى :
الواجب والمندوب والحرام والمكروه بمعنى : قلّة الثواب .
والواجب
منه ثمانية : صوم شهر رمضان، وصوم القضاء ، وصوم الكفّارة على
كثرتها ، وصـوم بدل الهدي في الحجّ ، وصوم النذر والعهد واليمـين ،
وصوم الإجارة ونحوها كالشروط في ضمن العقد، وصوم الثالث من أيام الاعتكاف ،
وصوم الولد الأكبر عن أحد أبويه ((1)) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
لاريب في وجوب الصوم في الشريعة المقدّسة كتاباً وسنّةً، بل
وضرورة ، بل قد عُدَّ في بعض الأخبار من مباني الإسلام(2)
.
كما
لا ريب في أنّ المطلوب فيه هو الاجتناب عن أُمور معينّة يأتي تفصيلها قد
اُشير إلى بعضها في قوله تعالى :
(كُلُوا
وَاشْرَبُوا حَتَّى )
إلخ(3)
، فالمطلوب هنا
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) على تفصيل يأتي في محلّه [ في المسألة 2540 ] .
(2) الوسائل 1 : 13 / أبواب مقدّمة
العبادات ب 1 .
(3) البقرة 2 : 187 .
ووجوبه
في شهر رمضان من ضروريّات الدين (1) ،
ومنكره مرتدٌّ يجب قتله .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أمرٌ عدمي وهو الترك ، كما هو الحال في تروك
الإحرام ، ومع وضوح ذلك فلا يهمّنا تحقـيق مفهوم الصوم اللغوي أو الشرعي وأ نّه
الكفّ أو الإمساك أو التوطين ونحو ذلك ممّا قيل ، فإنّ البحث عنه قليل
الجدوى ، وإنّما المهمّ بيان تلك المفطرات التي يجب الاجتناب عنها ،
وستعرف الحال فيها إن شاء الله تعالى .
نعم ،
ينبغي التعرّض لبيان الفرق بين العبادات الوجوديّة والعدميّة فيما هو متعلّق القصد
والإرادة ، حيث إنّهما يمتازان عن الآخر في كيفية النيّة .
فإنّ
الواجب إذا كان فعلا من الأفعال لا بدّ في تحقّق الامتثال من تعلّق
القصد وصدوره عن إرادة واختيار ، وهذا بخلاف الترك ، فإنّه يكفي فيه
مجرّد عدم الارتكاب وإن لم يستند إلى الاختيار لنوم أو غفلة ، أو كان ذلك من
جهة العجز وعدم القدرة لحبس أو مرض ، كمن به داء لا يتمكّن معه من
الجماع من عنن ونحوه ، أو كان طعامٌ لا يمكن الوصول إليه عادةً كالمختصّ
بالملك ، أو ما هو في أقصى البلاد ، أو كان ممّا لا يقبله الطبع
ويشمئز منه ولو كان مباحاً ، ففي جميع ذلك يكفي في تحقّق النيّة مجرّد العزم
على الترك على تقدير تماميّة مقدّمات الفعل وتحقّق مبادئ وجوده من القدرة
والالتفات والرغبة ، فيعزم على أ نّه لو تمّ ذلك كلّه لأمسك عن الفعل
على سبيل القضيّة الشرطيّة ، إذ لو اعتبر فيها كون جميع التروك مستنداً إلى
القصد الفعلي ـ كما في العبادات الوجوديّة ـ لزم بطلان الصوم في الموارد
المزبورة ، مع أنّ صحّتها كادت تكون ضروريّة .
(1)
كما نـصّ عليه جمعٌ من الأصحاب . وعليه ، فمنكره منكرٌ للضروريّ فيجري
عليه حكمه .
ومن
أفطر فيه لا مستحلاًّ عالماً عامداً (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقد
تقدّم في كتاب الطهارة (1)
عند البحث عن الكفر
والإسلام : أنّ إنكار الضروريّ بمجرّده ومن حيث هو لا يستوجب
الكفر ، وإنّما يستوجبه من حيث رجوعه إلى تكذيب النبيّ (صلّى الله عليه
وآله) ، المؤدّي إلى إنكار الرسالة ، وهو يختصّ بما إذا كان المنكر
عالماً بالحكم وبضروريّته ، فلا يحكم بكفر الجاهل بأحدهما ،
لكونه جديد العهد بالإسلام ، أو نحوه ممّن ليس له مزيد اطّلاع
بالأحكام . وعليه، فيعتبر في الحكم بالارتداد صدور الإنكار
ممّن يعلم بضروريّة الحكم ، وحينئذ فإن كان فطرياً يُقتَل ، وإن
كان ملّياً يُستتاب ، فإن تاب وإلاّ يُقتَل إن كان رجـلا ، أمّا المرأة
فلا تُقتَل أصلا ، بل تُحبَـس ويُضـيَّق عليها في المأكل والمشرب وتعزَّر عند
أوقات الصلاة إلى أن يقضي الله عليها .
(1)
هذا في قبال المنكر المستحلّ المتقدّم بيان حكمه آنفاً .
ثمّ
إنّ المفطر غير المستحلّ تارةً : يكون معذوراً كالمريض والمسافر ،
واُخرى غير معذور كالفسّاق ، وثالثةً مشتبه الحال .
أمّا
الأوّل : فلا إشكال فيه .
وأمّا
الأخير ـ الذي هو مردّد بين المعذور وغيره ـ : فلا يجري عليه شيء ، لما هو
المعلوم من الشرع من أ نّه لا يقام الحدّ بمجردّ الاحتمال ، وقد
اشتهر أنّ الحدود تُدرأ بالشبهات ، وهذه الجملة وإن لم ترد في شيء من
الروايات ما عدا رواية مرسلة ولفظها هكذا : «الحدّ يدرأ بالشبهة»(2)
،
ولكن الحكم متسالمٌ عليه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع شرح العروة 3 : 54 ـ 55 .
(2) لاحظ الوسائل 28 : 47 / أبواب
مقدّمات الحدود ب 24 ح 4 و ص 130 / أبواب حدّ
الزنا ب 27 ح 11 .
بينهم، إذ من المعلوم من الشرع أ نّه ليس بناء
الإسلام على إجراء الحدّ في موارد الشبهة ، كما يظهر ذلك بملاحظة الموارد
المتفرّقة التي منها مورد صحيحة بريد العجلي الآتية المتضمّنة للسؤال عن موجب
الإفطار ، فإنّها تدلّ على أ نّه لو ادّعى شبهةً يُقبَل قوله ويُدرأ عنه
الحدّ أو التعزير ، وإلاّ فما هي فائدة السؤال ؟!
إنّما
الكلام في غير المعذور ممّن يفطر عصياناً ، فقد ذكر في المتن :
أ نّه يعزَّر بخمسة وعشرين سوطاً، فإن عاد عُزِّر ثانياً، وإن عاد
قُتِل في الثالثة ، والأحوط في الرابعة من أجل الاحتياط في باب الدماء .
أقول :
أمّا أصل التعزير فقد دلّت عليه صحيحة بريد العـجلي ، قال : سُئل
أبو جعفر (عليه السلام) عن رجل شهد عليه شهود أ نّه أفطر من شهر رمضان
ثلاثـة أيام «قال : يُسأل هل عليك في إفـطارك إثم ؟ فإن قال :
لا ، فإنّ على الإمام أن يقتله ، وإن قال : نعم ، فإنّ على
الإمام أن ينهكه ضرباً»(1)
.
وأمّا
التحديد بخمسة وعشرين سوطاً فلم يرد إلاّ في رواية مفضّل بن عمر عن أبي عبد الله
(عليه السلام) : في رجل أتى امرأته وهو صائم وهي صائمة «فقال
عليه السلام : إن كان استكرهها فعليه كفّارتان ، وإن كانت طاوعته
فعليه كفّارة وعليها كفّارة ، وإن كان أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطاً نصف
الحدّ ، وإن كان طاوعـته ضُرِب خمسة وعشرين سـوطاً وضُرِبت خمسـة وعشرين
سوطاً»(2)
.
ولكن
موردها الجماع ، ولا دليل على التعدّي إلى سائر المفطرات ، على أنّها
ضعيفة السند من جهات ولا أقلّ من جهة مفضّل الذي هو ثابت الضعف ، من
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 10 : 248 / أبواب أحكام
شهر رمضان ب 2 ح 1 .
(2) الوسائل 10 : 56 / أبواب ما يمسك
عنه الصائم ب 12 ح 1 .
يعـزَّر بخمسة وعشرين سوطاً ((1)) ،
فإن عاد عُزِّر ثانياً ، فإن عاد قُتِل على الأقوى (1) ،
وإن كان الأحوط قتله في الرابعة ((2)) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أجل تضعيف النجاشي وغيره إيّاه صريحاً (3)
.
نعم،
قد عمل بها المشهور. فإن قلنا: إنّ الرواية الضعيفة تنجبر بعمل المشهور
فلا بأس بالعمل بها في موردها ، وإن أنكرنا هذه الكبرى ـ كما هو المعلوم من
مسلكنا ـ فالرواية ساقطة .
إذن
لا دليل على تحديد التعزير بخمسة وعشرين ، بل هو موكول إلى نظر الإمام ،
فله التعزير كيفما شاء ما لم يبلغ حدّ الحدّ الشرعي .
ثمّ
إنّ التعزير كما هو ثابت في المرّة الاُولى ثابتٌ في المرّة الثانية
أيضاً ، بمقتضى إطلاق الدليل ، أعني : صحيح بريد المتقدّم .
(1)
قد عرفت ثبوت التعزير في المرّتين الاُوليين .
وأمّا
في الثالثة فيجب قتله كما عليه المشهور .
وقد
دلّت عليه صريحاً موثّقة سماعة ، قال : سألته عن رجل أخذ في شهر رمضان
وقد أفطر ثلاث مرّات وقد رُفِع إلى الإمام ثلاث مرّات «قال : يُقتَل في
الثالثة»(4)
.
ويدل
عليه أيضاً عموم صحيح يونس عن أبي الحسن الماضي
(عليه السلام) «قال : أصحاب الكبائر كلّها إذا اُقيم عليهم الحدّ
مرّتين قُتِلو في الثالثة»(5)
.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لم يثبت التقدير بحدٍّ خاص إلاّ في رواية ضعيفة
في خصوص الجماع .
(2) في كونه أحوط إشكال بل منع .
(3) رجال النجاشي : 416 / 1112 .
(4) الوسائل 10 : 249 / أبواب
أحكام شهر رمضان ب 2 ح 2 .
(5) الوسائل 28 :19 / أبواب مقدّمات
الحدود ب 5 ح 1 .
وإنّما
يُقتَل في الثالثة أو الرابعة إذا عُزِّر في كلٍّ من المرّتين أو الثلاث (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومورده
وإن كان هو الحدّ ، إلاّ أ نّه لا خصوصيّة له ، إذ يُفهَم منه
عرفاً أنّ من اُجري عليه حكم الله مرّتين ـ سواء أكان هو الحدّ أم التعزير ـ
يُقتَل في الثالثة .
فبمقتضى
الموثّقة الواردة في خصوص المقام والصحيحة الواردة في مطلق الكبائر يُحكَم بوجوب
القتل في المرّة الثالثة ، إمّا من بعد التعزيرين أو من بعد الحدّين حسب
اختلاف الموارد .
وأمّا
ما ذكره في المتن من أنّ الأحوط قتله في الرابعة فلا وجه له بعد نهوض الدليل
على وجوب القتل في الثالثة كما عرفت ، ولا تعطيل في حدود الله ، فلا
سبيل للاحتياط وإن كان مورده الدماء .
نعم ،
روى الشـيخ في المبسوط مرسـلا : «إنّ أصحاب الكبائر يُقتَـلون في الرابعة» (1)
.
ولكن
المرسـل ليس بحجّـة ، ولا سيّما مع عدم الجـابر ، على أ نّه
معـارَضٌ بالصحيح المتقدّم وفي خصوص المقام بالموثّق كما سبق ، فلا ينهض
للمقاومة معهما .
(1)
فلا يجزئ مجرّد الارتكاب الخارجي بلغ عدده ما بلغ ما لم يُرفع الأمر إلى الإمام
مرّتين ويجري عليه التعزير في كلٍّ منهما، فحينئذ يُحكم بالقتل في الرفع
الثالث ، كما دلّت عليه موثقة سماعة المتقدّمة ، حيث حكم فيها بالقتل في
الثالثة من الرفع لا من مجرّد الإفطار ، وكما تدلّ عليه أيضاً صحيحة بريد
المتقدّمة ،
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المبسوط 7 : 284 .
وإذا
ادّعى شبهةً محتملةً في حقّه دُرِئ عنه الحدّ (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حيث إنّ المفروض فيها الإفطار
ثلاثة أيام ، فقد حصل منه الإفطار ثلاث مرات على الأقل كلّ يوم
مرّة ، ولو فرض أكثر زاد عليه بكـثير ، ومع ذلك حكم (عليه السلام)
بالتعزير ، لكونه أوّل مرّة يُرفع أمره إلى الإمام ، فليس الإفطار
ثلاثة أيّام بنفسه موضوعاً للقتل، بل الموضوع هو الرفع كما صرّح به في
الموثق ، وكذا ما تقدّم في الصحيح من أنّ أصحاب الكبائر يقتلون في
الثالثة ، أي في الثالثة من الرفع ، لا من ارتكاب الكبيرة ،
للتصريح بإجراء الحدّ عليهم مرّتين .
(1)
قدّمنا أنّ الحكم المزبور من القتل أو التعزير مخصوص بغير المشتبه ، أمّا هو
فلا شيء عيله ، وقلنا : إنه يمكن استفادة ذلك من نفس صحيحة بريد .
وتقريب
الاستدلال : إنّه (عليه السلام) حكم بالسؤال من المفطر وأ نّه هل عليك
في إفطارك إثم أم لا ؟ وأ نّه يعزَّر مع الاعتراف ، ويُقتَل مع
الإنكار . ومن المعلوم أنّ إنكار الآثم على نحوين ، فتارةً : ينكره
للاستحلال ، واُخرى : لأجل أ نّه يرى نفسه معذوراً لشبهة يدّعيها
محتملة في حقّه ، ولا ريب في اختصاص القـتل بالأوّل ، ضرورة أ نّه
مع الاعتراف لم يُحكَم بالقـتل فكيف يُحكَم به مع دعوى العذر ؟! وإذ خصّ
(عليه السلام) التعزير بالمعترف فمدّعي العذر لا تعزير أيضـاً عليه كما لم
يكن عليه قتل ، فلابدّ أن يطلق سراحه ويخلّى سـبيله ، فلا يُقتَل ولا
يعزَّر .
وبالجملة :
فالأقسام ثلاثة : منكرٌ مستحلٌ يُقتَل ، ومعترفٌ بالفسـق يعزَّر ،
ومن لا هذا ولا ذاك ـ الذي لم تتعرّض له الصحيحة ـ يخلّى سبيله ولا شيء
عليه .
فصـل
في
النـيّة
يجب
في الصوم القصد إليه مع القربة والإخلاص (1) ،
كسائر العبادات .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا ريب في أنّ الصوم
من العبادات فيعتبر فيه
كغيره قصد القربة والخلوص، فلو صام رياءً أو بدون قصد التقرّب بطل .
ويدلّنا
على ذلك ـ مضافاً إلى الارتكاز في أذهان عامّة المسلمين، وأنّ سنخه سـنخ
الصلاة والحجّ وغيرهما من سائر العبادات ـ ما ورد في غير واحد من النصوص من أنّ
الاسلام بُني على خمس : الصلاة ، والزكاة ، والصوم ،
والحجّ ، والولاية(1)
.
إذ
من الواضح البديهي أنّ مجرّد ترك الأكل والشرب في سـاعات معـيّنة لا يصلح لأن
يكون مبنى الاسلام وأساسه ، بل لا بدّ أن يكون شيئاً عباديّاً يُتقرّب
به ويضاف إلى المولى ، ولا سيّما مع اقترانه بمثل الصلاة والولاية المعلوم
كونها قربيّة ، ويؤكّده ما في ذيل بعض تلك النصوص من قوله عليه السلام :
«أما لو أنّ رجلا قام ليله وصام نهاره وتصدّق بجميع ماله وحجّ جميع دهره
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 1 : 13 / أبواب مقدّمة
العبادات ب 1 .
ولا
يجب الإخطار بل يكفي الداعي (1) .
ويُعتبر
فيما عدا شهر رمضان حتّى الواجب المعيّن أيضاً القصد إلى نوعه (2)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولم يعرف ولاية وليّ الله فيواليه وتكون جميع أعماله
بدلالته إليه ما كان له على الله حقٌّ في ثوابه» إلخ (1)
.
فإنّ من
المعلوم من مثل هذا اللسان الذي لا يكاد يخفى على العارف بأساليب الكلام
أنّ المراد بالشرط صيام الدهر بعنوان العبادة والإتيان بالمأمور به على وجهه ما
عدا جهة الولاية لا مجرّد الإمساك المحض ، وهذا واضح لا غبار
عليه .
(1)
كما تكرّر البحث عنه في مطاوي هذا الشرح ، ولا سيّما عند البحث حول نيّة
الوضوء ، فلاحظ(2)
.
(2)
ذكرنا غير مرّة أ نّه لا يُعتبَر في العبادة إلاّ أمران :
أحدهما : الإتيان بذات المأمور به . والآخر : قصد التقرّب والإضافة
إلى المولى نحو إضافة ، فإذا تحقّق الأمران بأيّ نحو كان سقط الأمر العبادي
ولا يلزم أزيد من ذلك .
ولكن
تحقّق الذات يختلف حسب اختلاف الموارد ، إذ :
تارةً :
يكون من الاُمور غير المعـنونة بشيء ، كما في القيام والقعود والمشي ونحوها
من الأفعال الخارجية ، ففي مثله يكفي الإتيان بنفس هذه الاُمور .
واُخرى :
يكون معنوناً بعنوان خاصّ به وقع تحت الأمر وتعلّق به التكليف، وإن كانت نفس الذات
الخارجية مشتركة بين أمرين أو اُمور ، وهنا لا مناص
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 1 : 7 /
أبواب مقدّمة العبادات ب 1 ح 2 نقلا عن المحاسن كما في التعليق
رقم 2 (تحقيق الربّاني) .
(2) راجع شرح العروة 5 : 17 ـ 23 .
من الكفّارة أو القضاء أو النذر مطلقاً كان أو
مقيّداً بزمان معيّن ، من غير فرق بين الصوم الواجب والمندوب ، ففي
المندوب أيضاً يُعتبر تعيين نوعه من كونه صوم أيّام البيض ـ مثلا ـ أو غيرها من
الأيّام المخصـوصة ، فلا يجزئ القصد إلى الصوم مع القربة من دون تعيين
النوع ، من غير فرق بين ما إذا كان ما في ذمّته متّحداً أو
متعدّداً ، ففي صـورة الاتّحاد أيضاً يُعـتبر تعيين النوع ، ويكفي
التعيين الإجمالي ، كأن يكون ما في ذمّته واحداً فيقصد ما في ذمّته وإن لم
يعلم أ نّه من أيّ نوع وإن كان يمكنه الاستعلام أيضاً، بل فيما إذا كان
ما في ذمّته متعدّداً أيضاً يكفي التعيين الإجمـالي ، كأن ينوي ما اشتغلت
ذمّته به أوّلا أو ثانياً أو نحو ذلك .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من تعلّق القصد بنفس العنوان تحقيقاً لحصول الذات
المأمور بها .
وهذا
كما في الظهرين فإنّهما وإن اشتركتا في الصورة إلا أنّ كلاًّ منهما تتقوّم بعنوان
به تمتاز عن الاُخرى كما كشف عن ذلك قوله (عليه السلام) : «إلاّ أنّ هذه قبل
هذه»(1)
إذ لولا مراعاة العنوان من الظهريّة والعصريّة لم يكن أيّ معنى للقَبليّة
والبَعديّة ، لوضوح أنّ كلّ من أتى بثمان ركعات فطبعاً تقع أربعٌ منها قبل
الأربع كما هو الحال في نفس الركعات من الصلاة الواحدة ، فإنّ الركعة الاُولى
واقعـة قبل الثانية ، وهي قبل الثالثة وهكذا ، فعلمنا من هذا الحكم
دخالة العنوان ، فلو أخلّ به فقدّم العصر أو أتى بذات الأربعة من غير قصد
الظهر ولا العصر بطل ولم يقع مصداقاً لشيء منهما .
كما
أنّ مسألة العدول أيضاً كاشفة عن ذلك كشفاً قطعيّاً ، وإلاّ فلا معنى
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 4 : 126 / أبواب
المواقيت ب 4 ح 5 .
لمفهوم العدول هنا كما لا يخفى .
وكما
في فريضة الفجر ونافلته ، حيث حكم عليهما بأنّ النافلة وقتها طلوع الحمرة
المشرقية، وبعد ذلك تُقدّم فريضة الفجر، مع أنّهما متساويتان في
الصورة . فعلمنا بذلك أنّ لكلٍّ منهما عنواناً به تمتاز عن الاُخرى .
وكما
في مطلق الفريضة والنافلة من الصلاة والصيام، حيث ورد النهي
ـ تحريماً أو تنزيهاً على الخلاف ـ عن التطوّع في وقت الفريضة .
فعلمنا أنّ هناك طبيعتين اُمرنا بإحداهما ونُهينا عن الاُخرى وإن كانتا مشـتركتين
في الصورة ولا ميِّز بينهما إلاّ بعنوان الفريضة والنافلة .
وهكذا
الحال في الأداء والقضاء ، وفي القضاء عن النفس أو الغير من الولي أو من
الأجنبي باستئجار أو تبرّع ونحوهما ، فلو صلّى أو صام من غير قصد الفريضة ولا
النافلة أو بلا قصد الأداء ولا القضاء، أو قصد القضاء ولكن لا عن نفسه ولا عن
غيره ، لم يقع مصداقاً لشيء من ذلك . وقد وقع الكلام في جواز القضاء عن
الغير باستئجار ونحوه ممّن ذمّته مشغولة بالقضاء عن نفسه . فيعلم من ذلك أنّ
القضاء عن النفس وعن الغير طبيعتان كلّ منهما محكوم بحكم مغاير للآخر وإن اتّحدا
صورةً .
وهكذا
الحال في موارد صوم الكفّارة والنذر ، فإنّ المعتبر تعلقّ القصد بكلّ من
العنوانين ، فلو صام نذراً لا يقع عن الكفّارة وبالعكس ، كما
أ نّه لو صام بلا قصد لا يقع عن شيء منهما .
بل وكذا الحال لو كان الاخـتلاف من حيث التقييد بالزمان ، كصوم أيّام البيض أو أوّل الشهر ، فلو صام من غير قصد لجهل ونحوه لم يقع امتثالا لهذا الأمر ، و