|
|
|
أن يصلّي قصراً كما صلّى رسول الله (صلّى الله عليه
وآله) إلى آخر القصّة (1)
. فلو كان الحكم هو التخيير فما هو
الوجه في هذا الامتناع والإصرار عليه .
فتحصّل :
أنّ الأظهر ما عليه أكثر المتأخّرين ونسبه ابن أبي عقيل إلى آل الرسول من تعيّن
القصر وإن لم يرجع ليومه ، وأنّ الثمانية فراسخ لا فرق فيها بين الامتداد
والتلفيق مطلقاً .
نعم ،
تضمّـن الفقه الرضوي التصريح بالتفصيل المنسـوب إلى المشهور من تعيّن التقصير في
الراجع ليومه ، والتخيير في غير يومه (2)
.
لكن عرفت مراراً أ نّه لم يثبت كونه رواية فضلاً عن اعتبارها ، ولعلّ
الكتاب مجموعة فتاوى لفقيه مجهول . ولو سلّمنا كونه رواية معتبرة فلا مناص من
طرحها ، لمعارضتها لأخبار عرفات التي هي روايات مستفيضة مشهورة قد دلّت
على تعيّن التقصير كما عرفت .
بقي
الكلام في صحيحة عمران بن محمد ، قال «قلت لأبي
جعفر الثاني (عليه السلام) : جعلت فداك إنّ لي ضيعة على خمسة عشر ميلاً خمسة
فراسخ فربّما خرجت إليها فاُقيم فيها ثلاثة أيام أو خمسة أيام أو سبعة أيام ،
فاُتمّ الصلاة أم اُقصّر ؟ فقال : قصّر في الطريق وأتمّ في
الضيعة» (3)
.
أقول :
هذه الرواية لا بدّ من ردّ علمها إلى أهله وإن كانت صحيحة ، فانّ ما
تضمّنته من التفصيل بين الضيعة والطريق لم يظهر له وجه أبداً ، إذ الضيعة إن
كانت وطناً له ولو شرعاً من أجل إقامته فيها ستّة أشهر ولذلك حكم (عليه السلام) فيها
بالتمام، فلماذا يقصّر في الطريق بعد إن لم يكن حينئذ قاصداً
للمسافة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 8 : 465 / أبواب صلاة
المسافر ب 3 ح 9 .
(2) فقه الرضا : 159 ، 161 .
(3) الوسائل 8 : 496 / أبواب صلاة
المسافر ب 14 ح 14 .
فانّه لا يستقيم إلاّ بناءً على ما نسب إلى
الكليني (1)
واختاره بعض المتأخّرين كما في الحدائق (2)
من
كفاية أربعة فراسخ من دون ضمّ الإياب ، ولكنه مناف للروايات الكثيرة
المتضمّنة لتحديد المسافة بالثمانية ولو تلفيقية كما تقدّم ، فلا مناص من
طرح الرواية حينئذ لمخالفتها مع الأخبار المتواترة. وإن لم تكن
الضّيعة وطناً له فكان قاصداً للسفر الشرعي ولأجله يقصّر في الطريق فلماذا يتمّ في
الضّيعة .
اللّهمّ
إلاّ أن يقال ـ كما قيل ـ بأ نّها محمولة على التقية ، حيث إنّ العامّة
لا يكتفون بهذا الحد ـ أعني ثمانية فراسخ ـ في تحقّق المسافة كما تقدّم (3)
،
وبما أ نّه لا موجب للتقية في الطريق بطبيعة الحال لعدم الابتلاء بالمخالف
غالباً فلا مناص ثمّة من التقصير ، وأمّا في الضيعة فالمخالف موجود
غالباً ، ولا أقل من وجود فلاّح ونحوه ، ومن ثمّ حكم (عليه السلام)
بالتمام تقية ، وإلاّ فلم يظهر وجه لهذا التفكيك ، فانّه خلاف المقطوع
به البتّة .
نعم ،
إذا فرضنا ثبوت التخيير المنسوب إلى المشهور أمكن العمل حينئذ بهذه الصحيحة ،
بأن يقال : الحكم هو التخيير لمريد الرجوع لغير يومه ولكن القصر في الطريق أفضل ،
كما أنّ الاتمام في الضيعة أفضل ، وإن كان مخيّراً بينهما في كلّ
منهما . ولكن التخيير غير ثابت في نفسه كما تقدّم ، فلا مناص من طرحها
ورد علمها إلى أهله ، أو حملها على التقية كما عرفت .
بقي
الكلام فيما نسب إلى الشيخ وابن البراج كما في
الجواهر من التفصيل بين
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع ص 5 .
(2) الحدائق 11 : 316 .
(3) في ص 4 .
الصوم والصلاة فلا يجوز الإفطار ، ويتخيّر في
الصلاة بين القصر والتمام (1)
. ونسب ذلك إلى المفيد ووالد
الصدوق وسلار أيضاً ، ولكن النسـبة غير ثابتة ظاهراً كما في الجواهر .
وكيف ما كان ، فهل يمكن الالتزام بهذا التفصيل ؟
الظاهر
أ نّه ممّا لا مناص من الالتزام به بناءً على القول بالتخيير ، فانّا لو
بنينا على تعيّن القصر ـ كما هو الصحيح حسبما عرفت ـ فالملازمة حينئذ ثابتة بين
القصر والإفطار ، وأ نّه كلّما قصّرت أفطرت ، وبالعكس ، وعليه
لا مجال لهذا التفصيل أبداً .
وأمّا
لو بنينا على التخيير ـ كما عليه المشهور ـ فجواز التقصير حينئذ حكم إرفاقي ثبت
بدليل خاص ، وإلاّ فهو خارج عن موضوع السفر الشرعي حقيقة كما
لا يخفى ، ولم تثبت الملازمة بين جواز التقصـير وبين جواز
الإفـطار ، وإنّما مورد الملازمة ما إذا كان التقصير واجباً تعييناً لا ما
إذا كان جائزاً . كما أ نّه لم تثبت الملازمة بين جواز
الإتمام وجواز الصيام ، ومن هنا يجوز الإتمام في مواطن التخيير ،
ولم يثبت جواز الصيام ثمّة بالضرورة ، بل يتعين في حقّه الإفطار بعد
كونه مسافراً حقيقة ، بمقتضى الإطلاق في قوله تعالى :
(فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ )(2)
.
وعلى
الجملة : فجواز القصر لا يلازم جواز الإفطار ، كما أنّ جواز التمام
لا يلازم جواز الصيام ، بل كلّ تابع لقيام الدليل عليه ، وقد ثبت التخيير
المستلزم لجواز التقصير في المقام بدليل خارجي حسب الفرض،
ولم يثبت الجواز بالإضافة إلى الإفطار ، فلا وجه للتعدي عن مورد
الدليل ، وقد عرفت أنّ مركز الملازمة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الجواهر 14 : 216 ، 17 : 140 ـ
141 ، النهاية للشيخ : 122 ، 161 .
[ لكن
الموجود في الجواهر : ابن حمزة ، راجع الوسيلة : 108 ، وقد
خصّ ـ ابن حمزة ـ التخيير بمن أراد الرجوع من الغد . راجع أيضاً المهذّب لابن
البراج 1 : 106 ] .
(2) البقرة 2 : 184 .
إنّما هو وجوب التقصير لا جوازه .
فهذا
التفصيل بناءً على القول بالتخيير جيّد جدّاً ، بل لا مناص من الالتزام
به ، لما عرفت من عدم اندراج المقام بناءً على هذا القول في موضوع المسافر كي
يجوز في حقّه الإفطار ، ودليل جواز التقصير المبني على الإرفاق والتسهيل
لايستلزمه ما لم يقم عليه دليل بالخصوص ، ولا دليل عليه في المقام كما
عرفت .
والمتحصّل
من جميع ما قدّمناه : أنّ الصحيح من هذه الأقـوال ما اختاره
المتأخّرون ، بل لعلّه المتسالم عليه بينهم من تعيّن التقصير في من قصد أربعة
فراسخ وإن رجع لغير يومه ما لم يتخلّل أحد القواطع من قصد الإقامة ونحوه لحكومة
أخبار الباب المطلقة من حيث الرجوع ليومه أو غير يومه على أخبار الامتداد ،
ودلالتها على أنّ الثمانية المأخوذة موضوعاً لوجوب التقصير أعمّ من الامتداد
والتلفيق ، فتحتّم التقـصير الثابت هناك ثابت هنا أيضاً . مضافاً إلى
أخبار عرفات الصريحة في ذلك ، مع أنّ المفروض فيها المبيت . فالقول بالتخيير
فضلاً عن التمام لا مجال له أصلاً .
بقي
شيء وهو أنّ موضوع البحث في المقام وما هو مورد للنقض
والإبرام هو من كان قاصداً للرجوع ولكن لغير يومه ، فكان عازماً على العود
دون عشرة أيام كما ذكره ابن أبي عقيل ناسباً له إلى آل الرسول (صلّى الله عليه
وآله) على ما تقدّم عند نقل كلامه .
فموضوع
البحث عند القائل بالتخيير كالصدوق وغيره بل المشهور كما مرّ (1)
هو
هذا ، كما أنّ القائل بالتمام يدّعيه في هذا الموضوع كالقائل بالتقصير ،
فمحلّ الكلام بين الأعلام ومركز
الأقوال من التمام أو التقصير أو التخيير هو هذا المورد .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص 11 .
كما
أنّ مورد الروايات من أخبار عرفات وغـيرها ممّا ورد في من ذهب بريداً ورجع
بريداً ، التي عرفت حكومتها على أخبار الثمانية الامتدادية ونحو ذلك من سائر
الأخبار أيضاً كذلك ، أي ما لو كان قاصداً للرجوع ولو لغير يومه .
وأمّا
لو لم يقصد الرجوع أصلاً ، بل قصد البقاء في رأس أربعة فراسخ ، أو كان
متردّداً في العود، فالظاهر أنّ المشهور لا يلتزمون هنا بالتخيير، لعدم
قصده ثمانية فراسخ من الأوّل ، فانّ غاية ما ثبت بأخبار عرفات وغيرها هو
التعدّي من الامتداد إلى التلفيق المنوط بقصد الرجوع، وأمّا من غير قصده رأساً
فليس هناك أي دليل على التقصير لاتعييناً ولا تخييراً، إلاّ بناءً
على ما نسب إلى الكليني (قدس سره) واختاره بعض المتأخّرين كما في
الحدائق من كفاية أربعة فراسخ من غير ضمّ الإياب ، وإلاّ فالمشهور لم يلتزموا
بذلك ، بل اعتبروا في المسافة قصد ثمانية فراسخ، غايته أ نّهم فرّقوا في
ذلك بين الامتدادية والتلفيقية، فحكموا في الأوّل بتحتّم التقصير وفي الثاني
بالتخيير ، وأمّا في مسافة أربعة فراسخ من غير قصد الرجوع أصلاً فلم يلتزم
أحد بالتخيير ، ولا ينبغي أن يلتزم به ، إذ لا وجه له هنا
بتاتاً ، لما عرفت من أنّ التخيير مبني على أحد أمرين :
إمّا
دعوى الجمع بين أخبار عرفات وروايات التمام الواردة في من يرجع دون عشرة أيام
كرواية ابن الحجاج، ومعلوم أنّ مورد الجميع هو قصد الرجوع .
أو
دعوى الجمع بينها وغيرها ممّا دلّ على التقصير في المسافة التلفيقية وبين أخبار
الثمانية الامتدادية . وهذا أيضاً مورده قصد الرجوع كما هو ظاهر . فلو
فرضنا أنّ السفر لم يكن ثمانية فراسخ لا امتداداً ولا تلفيقاً فليس هناك أيّ دليل
على التخيير .
ومع
ذلك كلّه فقد نسب صاحب الحدائق (قدس سره) إلى القائلين بالتخيير أ نّهم
يقولون به سواء رجع لغير يومه أم لم يقصد الرجـوع أصلاً ، وزعم أنّ التخصيص
بالأوّل غلط محض ، وإليك نصّ عبارته .
قال
(قدس سره) : وينبغي أن يعلم أنّ مرادهم بقولهم في صورة التخيير : ومن لم
يرد الرجوع من يومه . أ نّه أعم من أن لم يرد الرجوع بالكلّية فالنفي
متوجّه إلى القيد والمقيّد، أو أراد الرجوع ولكن في غير ذلك اليوم فالنفي متوجّه
إلى القيد خاصّة . وما ربّما يتوهّم من التخصيص بالصورة الثانية غلط محض كما
لا يخفى على المتأمّل (1)
. انتهى موضع الحاجة .
والظاهر
أنّ الغلط هو ما زعمه ، إذ كيف يلتزم بالتخيير من غير موجب . نعم ،
لو كان مستند القول بالتخـيير هو الفقه الرضوي فقط وقلنا باعتبـاره وقطعنا النظر
عن سائر الروايات الدالّة على تحديد المسافة بالثمانية ولو تلفيقية كان لهذه
الدعوى حينئذ مجال ، فانّ المذكور فيه هكذا : وإن سافرت إلى موضع مقدار
أربعة فراسخ ولم ترد الرجوع من يومك فأنت بالخيار ، فان شئت أتممت وإن شئت
قصّرت . فيدّعى أنّ إطلاق هذه العبارة شامل لما إذا لم يرد الرجوع
أصلاً ، بأن يتعلّق النفي بمجموع القيد والمقيّد .
ولكن
ذلك كلّه فرض في فرض ، فانّ الرضوي لا نعتبره ، والروايات مطبقة
على نفي التقصير في أقل من الثمانية ولو ملفّقة كما تقدّم . فهذه الدعوى سهو
من صاحب الحدائق جزماً .
ويترتّب
على هذا ما ذكره في المتن من أ نّه لو قصد أربعة فراسخ ولكنّه كان متردّداً
في العود ما دون العشرة بأن احتمل الإقامة في الأثناء عشرة أيام لم يقصر ;
لأ نّه غير قاصد فعلاً لثمانية فراسخ ولو ملفّقة . كما أنّ الأمر في
الثمانية
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الحدائق 11 : 313 .
[ 2232 ]
مسألة 1 : الفرسخ ثلاثة أميال (1) ،
والميل أربعة آلاف ذراع بذراع اليد الذي طوله أربع وعشرون إصبعاً،
كلّ إصبع عرض سبع شعيرات كلّ شعيرة عرض سبع شعرات من أوسط شعر
البرذون .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الامتدادية أيضاً كذلك ، فلو خرج من النجف
قاصداً كربلاء ولكنّه يحتمل توقّفه في خان النصف عشرة أيام فبما أ نّه غير
قاصد فعلاً للثمانية لا يحكم عليه بالتقصير .
فكما
أ نّه مع العلم بتخلّل الإقـامة في الأثنـاء لا يقصّر ، فكذا مع
الشكّ لاشتراكهما في انتفاء قصد المسافة فعلاً . فلا مناص من التمام ،
من غير فرق في ذلك بين الامتداد والتلفيق .
(1)
لا يخفى أنّ للميل إطلاقين :
أحدهما :
ما هو منسوب إلى القدماء من أهل الهيئة ، وهو الدارج بالفعل بين الغربيين من
تحديده بربع الفرسخ ، فكل فرسخ أربعة أميال .
وعلى
هذا الاصطلاح جرى ما نشاهده حتّى الآن من تحديد المسافة بين كربلاء والمسيب بعشرين
ميلاً ، أي خمسة فراسخ الموضوعة من زمن احتلال الانگليز .
ثانيهما :
ما هو الدارج بين الفقهاء والمحدِّثين المطابق للسان الروايات من تحديده بثلث
الفرسخ، فكل فرسخ ثلاثة أميال. وهذا الاختلاف مجرّد اصطلاح، ولا مشاحة في
الاصطلاح .
وقد
ورد الإطلاق الثاني في كثير من الأخبار ، مثل قوله (عليه السلام) في صحيحة
ابن الحجاج : «ثمّ أومأ بيده أربعة وعشرين ميلاً يكون ثمانية فراسخ»
ونحوها صحيحة العيص(1)
.
وفي صحيحة الشحام : «يقصر الرجل الصلاة في مسيرة اثني عشر ميلاً» (2)
،
ونحوها غيرها كما لا يخفى على من لاحظها .
وأمّا
تحديد الميل فلم يذكر في شيء من النصوص ما عدا رواية واحدة وهي مرسلة الخزاز
المشتملة على تحديده بثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع(3)
،
وهو خلاف ما هو المشهور بين الفقهاء واللّغويين(4)
من
تحديده بأربعة آلاف ذراع، ولعلّ المراد من الذراع في الرواية معنى آخر ، فانّ
لها أيضاً اصطلاحات . وكيف ما كان ، فقد حدّد الفقهاء الميل بأربعة آلاف
ذراع بذراع اليد ، الذي طوله أربع وعشرون إصبعاً ، كل إصبع
عرض سبع شعيرات ، كلّ شعيرة عرض سبع شعرات من أوسط شعر البرذون كما ذكره في
المتن .
ولكنّك
خبير بأنّ الأحكام الشرعية لا تبتني على مثل هذه التدقيقات العقلية التي
لا تندرج تحت ضابط معيّن ، وربما يوجب الاختلاف اليسـير بين شعرة
وشعرة ، أو شعيرة ومثلها ، أو ذراع وذراع اُخرى الفرق الكثير بالإضافة
إلى المجموع ، إذ لا ريب أنّ هذه الاُمور تختلف صغراً وكبراً ،
طولاً وقصراً .
فإذا
فرضنا أنّ ذراعاً مع ذراع اُخرى وكلاهما متعارف اختلفا في جزء من مائة فطبعاً ينقص
من ستّة وتسعين ألف إصبع ـ الحاصل من ضرب أربعة آلاف في أربعة
وعشرين ـ الشيء الكثير ، بل لو كان الاختلاف في جزء من عشرة لنقص من هذا
المجموع عشره وهو يقرب من عشرة آلاف إصبع، فيتحقق البون الشاسع بين
التقديرين . وهكذا لو لوحظ الاختلاف بين الشعرتين أو الشعيرتين مع فرض كونهما
متعارفتين .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 8 : 455 / أبواب صلاة
المسافر ب 1 ح 15 ، 14 .
(2) الوسائل 8 : 456 / أبواب صلاة
المسافر ب 2 ح 3 .
(3) الوسائل 8 : 460 / أبواب صلاة
المسافر ب 2 ح 13 .
(4) المنجد : 782 مادّة ميل .
[ 2233 ]
مسألة 2 : لو نقصت المسافة عن ثمانية فراسخ ولو يسيراً لا يجوز
القصر ، فهي مبنية على التحقيق لا المسامحة العرفية ، نعم لا يضرّ
اختلاف الأذرع المتوسـطة في الجملة كما هو الحـال في جميع التحديدات ((1))
الشرعية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعلى
الجملة : لا نعرف وجهاً لهذه
التدقيقات ، ولا يترتّب على تحقيقها أثر شرعي ، بل العبرة بصدق
الفرسخ أو الميل عرفاً ، والنصوص تشير إلى الأمر العادي المتعارف من مسيرة
يوم ، أو بياض النهار ، أو شغل اليوم ، أو مسير الجمال، أو ثمانية
فراسخ، ونحوها من العناوين التي يعرفها أهل العرف والمحاورة . فالمدار على
الصدق العرفي ، فكلّما علم أ نّه مسافة فلا إشكال .
وإذا
شكّ فان كانت الشبهة حكمية كما لو ذرع فكان مسافة بذراع ولم تبلغ المسافة بذراع
آخر وكلاهما متعارف ، فلا مناص حينئذ من الرجوع إلى أصالة التمام الذي هو الفرض
الأوّلي المجعول على كلّ مكلّف من غير تقيّده بقيد خاص، بحيث
لو خلق إنسان في مكان دفعة واحدة لوجب عليه التمام بلا كلام،
والتقصير استثناء عن العام وتخصيص له شرع بعنوان آخر ولدى استجماع شرائطه. وعليه
فمع الشكّ في التخصيص الزائد لا بدّ من الأخذ بالأكثر الّذي يتيقّن معه
بالسفر ، والرجوع فيما عداه إلى أصالة التمام كما عرفت .
وإن
كانت الشبهة موضوعية كما لو شكّ في أنّ ما بين الكوفة والحلّة
ـ مثلاً ـ مسافة أو لا فالمرجع حينئذ الاستصحاب ،
وسيجيء التعرّض له إن شاء الله تعالى تبعاً للماتن . إذن لا يبقى مجال لهذه
التدقيقات بوجه .
ثمّ
إنّا لو أحرزنا المسافة تحقيقاً لم يجز القصر لو نقص عن ذلك بأن قصد
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الميزان فيها هو الأخذ بأقلّ المتعارف .
[ 2234 ]
مسألة 3 : لو شكّ في كون مقصده مسافة شرعية (1)
أو لا بقي على التمام على الأقوى ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المسافر أقل من ذلك ولو يسيراً كعشر الفرسخ أو جزء من
خمسين مثلاً ، بل المتعيّن حينئذ هو التمام، فانّ التحديدات
الشرعية مبنيّة على التحقيق ولا يتسامح فيها ، كما هو الحـال في
الكرّ أو قصد الإقـامة ونحو ذلك ، فلا يكتفى بالأقل لمنافاته مع التحديد كما
أشار إليه الماتن في المسألة الثانية فلاحظ وتدبّر .
(1)
قد تكون الشبهة حكمية ، واُخرى موضوعية .
أمّا
الحكمية فقد تقدّم الكلام فيها آنفاً ، ونتعرّض إليها أيضاً عند تعرّض الماتن
في بعض المسائل الآتية (1)
.
وأمّا
الموضوعية ـ التي هي محلّ كلامنا في هذه المسألة ـ فهل يجب فيها البقاء على التمام
عملاً بالاسـتصحاب ، أو يجب الجمع رعاية للعلم الإجمالي بتعلّق تكليف دائر
بين القصر لو كانت مسافة شرعية أو التمام لو لم تكن ؟ وجهان ، وأمّا
احتمال القصر فساقط كما هو ظاهر .
والأقوى
هو الأوّل كما ذكره في المـتن ، لانحلال العلم الإجمالي المزبور باستصحاب عدم
عروض ما يوجب التقصير .
ولا يتوقّف
ذلك على جريان الاستصحاب في العدم الأزلي بأن يقال : إنّ الواجب على كلّ
مكلّف بحسب الجعل الأوّلي هو التمام ، وقد خرج عن هذا العام ما إذا كانت
المسافة ثمانية فراسخ ، ومن المقرّر في محلّه (2)
أنّ
الباقي تحت
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في المسألة
[ 2238 ] .
(2) محاضرات في اُصول الفقه 5 : 326 وما بعدها .
العام بعد التخصيص بالعنوان الوجودي هي الأفراد
الواقعية غير المعنونة بشيء ما عدا عدم كونها معنونة بعنوان الخاص ، فاذا
نفينا ذلك بمقتضى الأصل شمله حكم العام بضمّ الوجدان إلى الأصل ، فوجب التمام .
فانّ
الاستصحاب وإن كان حجّة في الأعدام الأزلية كما بيّناه في محلّه(1)
،
لكنّا في غنى عنه في المقام بجريان الاستصحاب بنحو العدم النعتي .
وتوضيحه :
أنّ الموضوع لوجوب التقصير لو كان هو نفس المسافة الخارجية البالغة
حدّ الثمانية فراسخ والبعدَ الموجود بين البلدين الموصوف بذلك لاتّجه حينئذ ما
اُفيد ، فيقال : إنّ المسافة لم تكن ثابتة في الأزل لا ذاتها ولا وصفها
وبعد العلم بتحقّق ذات المسافة يشكّ في تحقّق وصفها فيستصحب العدم، وبذلك
يندرج في موضوع العام الذي هو عبارة عن كلّ من لم يكن في هذه المسافة
الخاصّة .
إلاّ
أنّ الأمر ليس كذلك ، بل الموضوع لوجوب القصر على ما يستفاد من الروايات بل
الآية المباركة ـ لو كانت ناظرة إلى صلاة المسافر لا صلاة الخوف كما تقدّم (2)
ـ
هو السفر والسير بمقدار ثمانية فراسخ ، لا نفس المسافة الخارجية الموصوفة
بالثمانية ، ويشكّ المكلّف في أنّ سيره في هذه المسافة التي يريد قطعها أو
التي قطعها هل يبلغ هذا الحد ، أو هل بلغ هذا أو لا ، فيستصحب عدمه
نعتاً حيث إنّه لم يكن سائراً هذا المقدار قبل الآن يقيناً والآن كما كان .
فلا
حاجة إلى التشبّث باستصحاب العدم الأزلي بعد أن لم يكن الموضوع نفس
الأرض والمسافة الخارجية ، بل السير المحدود بذلك الحد ، المسبوق
بالعدم نعتاً كما عرفت .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في اُصول الفقه 5 : 217 .
(2) في ص 2 .
بل وكذا لو ظنّ كونها مسافة (1) .
[ 2235 ] مسألة 4: تثبت المسافة بالعلم الحاصل من الاختبار(2) وبالشياع
المفيد للعلم، وبالبيِّنة الشرعية، وفي ثبوتها بالعدل الواحد إشكال ((1)) ،
فلا يترك الاحتياط بالجمع .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
إذ لا عبرة بالظنّ ، فانّه لا يغني عن الحقّ شيئاً ، بعد أن لم يقم
دليل على اعتباره ، فهو ملحق بالشكّ في كونه مورداً للأصل ، إلاّ إذا
بلغ الظن من القوّة مرتبة الاطمئنان المعبر عنه بالعلم العادي ، بحيث يكون
احتمال الخلاف موهوماً لا يلتفت إليه العقلاء ، فانّ الاطمئنان حجّة
عقلائية قاطعة للعذر كما لا يخفى .
(2) لا إشكال في ثبوتها بالعلم الحاصل من أيّ سبب كان من اختبار أو شياع ونحوهما ، كما لا إشكال في ثبوتها بالبيّنة الشرعية، لعموم دليل اعتبارها ـ كما تقدّم البحث حوله في باب النجاسات(2) ـ إلاّ ما خرج بالدليل كما في الشهادة عل