بسم الله الرّحمن الرّحيم

   الحمد لله ربّ العالمين ، والصّلاة والسّلام على سيِّدنا ونبيِّنا محمّد وآله الطّيبين الطّاهرين .

ــ[1]ــ

فصل

في صلاة المسافر
 

   لا إشكال في وجوب القصر على المسافر مع اجتماع الشرائط الآتية (1)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) لا إشكال كما لا خلاف بين المسلمين في مشروعية التقصير للمسافر لدى استجماع الشرائط الآتية في الجملة ، وإن وقع النقاش من بعضهم في بعض الخصوصيات .

   كما لا إشكال ولا خلاف أيضاً بين الخاصّة في وجوب ذلك مع مراعاة تلك الشرائط على إجمالها ، وأنّ التشريع على سبيل العزيمة لا الترخيص .

   ويدلّ على ذلك مضافاً إلى الإجماع بل الضرورة النصوص الكثيرة المتظافرة جدّاً ، التي لا يبعد دعوى بلوغها حدّ التواتر كما لا يخفى على من لاحظها (1) .

   وربما يستدلّ له بالكتاب العزيز ، قال تعالى : (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ا لاَْرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُـنَاحٌ أَن تَقْـصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ا لَّذِينَ كَفَرُوا ... )الآية (2) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 451 /  أبواب صلاة القصر ب 1 ، 2 وغيرهما .

(2) النِّساء 4 : 101 .

ــ[2]ــ

   وفيه : أ نّها غير دالّة على المشروعيّة فضلاً عن الوجوب ، فإنّها ناظرة إلى صلاة الخوف والمـطاردة بقرينة التقييد بقوله تعالى : (إِنْ خِفْتُم ) وما ورد في الآية الاُخرى المتّصلة بها من بيان كيفيّة هذه الصّلاة ، فالمراد من الضّرب في الأرض الضّرب إلى القتال والحركة نحو العدو ، ولا مساس لها بالضّرب لأجل السّفر . فهي أجنبيّة عن صلاة المسافر بالكلِّيّة .

   ومع الغضّ عن ذلك وتسليم كونها ناظرة إلى صلاة المسافر فغايته الدلالة على أصل المشروعيّة ، لمكان التعبير بنفي الجناح ، دون الوجوب .

   نعم ، طبّق الإمام (عليه السّلام) هذه الآية المباركة على صلاة المسافر في صحيحة زرارة ومحمّد بن مسلم ، وبيّن أنّ المراد بها الوجوب مستشهداً بنفي الجناح الوارد في آية السّعي ، قالا «قلنا لأبي جعفر (عليه السّلام) : ما تقول في الصلاة في السّفر كيف هي ؟ وكم هي ؟ فقال : إنّ الله عزّ وجلّ يقول : (وإذا ضَرَبْتُم في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُم جُنَاحٌ أن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَة ) فصار التقصير في السّفر واجباً  كوجوب التمام في الحضر ، قالا قلنا له : قال الله عزّ وجلّ : (وَلَيْسَ عَلَيْكُم جُنَاحٌ ) ولم يقل افعلوا ، فكيف أوجَبَ ذلك ؟ فقال : أوَ لَيْسَ قد قال الله عزّ وجلّ في الصّفا والمروة : (فَمَن حَجَّ البيتَ أو اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ) ألا ترون أنّ الطّـواف بهما واجب مفـروض ، لأنّ الله عزّ وجلّ ذكره في كتابه وصنعه نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكذلك التقصير في السّفر شيء صنعه النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وذكره الله تعالى في كتابه ...» إلخ(1) .

   ولعلّ التعبير بنفي الجناح في الموردين لأجل وقوعه موقع توهّم الحظر، حيث إنّ أهل الجاهلية كانوا يعبدون ما على الصفا والمروة من الأصنام ، ولأجله قد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 517 /  أبواب صلاة المسافر ب 22 ح 2 .

ــ[3]ــ

باسقاط الركعتين الأخيرتين من الرباعيات ، وأمّا الصبح والمغرب فلا قصر فيهما (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يتوهّم الحـظر في الطواف بهما . كما أنّ الصلاة الواجبة على الحاضر أربع ركعات فربما يتوهّم الحظر في تقصير المسافر ، فدفعاً للتوهّمين عبّر بنفي الجناح .

   وكيف ما كان ، فالآية في حدّ نفسها مع قطع النظر عن الروايات غير ظاهرة في الوجـوب فيما نحن فيه كما ذكرناه ، وإن كان الحكم مسلّماً ، بل ضرورياً بمقتضى النصوص المتظافرة ، بل المتواترة كما مرّ .

   (1) لا إشكال كما لا خلاف في أنّ المراد بالتقصير الوارد في الكتاب والسنّة هو إسقاط الركعتين الأخيرتين من الرباعيات ، دون غيرها من المغرب والفجر كما نطقت به النصوص الكثيرة الواردة في المسافر .

   وتدلّ عليه صريحاً صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أ نّه قال : «عشر ركعات ركعتان من الظهر ، وركعتان من العصر ، وركعتا الصبح ، وركعتا المغرب ، وركعتا العشاء الأخيرة لا يجوز فيهنّ الوهم ـ إلى أن قال  : ـ فرضها الله عزّ وجلّ ـ إلى أن قال : ـ فزاد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في صلاة المقيم غير المسافر ركعتين في الظهر والعصر والعشاء الآخرة ، وركعة في المغرب للمقيم والمسافر» (1) .

   حيث دلّت على أنّ الفرض الأوّلي في جميع الصلوات ركعتان ، وأنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) زاد للمقيم فقط ركعتين في الظهر والعصر والعشاء وله وللمسافر ركعة في المغرب .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 49 /  أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 13 ح 12 .

ــ[4]ــ

   وأمّا شروط القصر فأُمور:  الأوّل : المسافة ، وهي ثمانية فراسخ امتدادية ذهاباً أو إياباً  (1)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ومنه يظهر أنّ الوجه في إطلاق القصر على صلاة المسافر هو الاقتصار في صلاته على الفرض الأوّلي الإلهي والاكتفاء بتلك الركعتين، وإلاّ فلم يفسَّر القصر صريحاً في مورد وأنّ المراد به التقليل في الركعة أو الركعتين أو جزء معيّن .

   ويدلّ عليه أيضاً الروايات الواردة في اقتداء الحاضر بالمسـافر أو العكس وأ نّه عند كون الإمام مسافراً يسلِّم على الركعتين ويقدِّم أحد المأمومين مكانه ويستنيبونه عنه (1) . مضافاً إلى المعهودية الخارجية والتسالم المقطوع به في كيفية التقصير . هذا كلّه في أصل وجوب التقصير على المسـافر ، وأمّا شروطه فاُمور حسـب ما ذكره في المتن .

   (1) لا إشكال كما لا خلاف بين المسلمين ـ إلاّ من شذّ من العامّة (2) ـ في اعتبار المسافة وأ نّها ثمانية فراسخ لا أقل من ذلك ولا أكثر حدّاً .

   والنصـوص بها متكاثرة ، بل لعلّها متواترة ولو إجمـالاً ، وفيها الصـحاح والموثّقات على اختلاف ألسنتها من التعبير بثمانية فراسخ أو بريدين ـ وكلّ بريد أربع فراسخ ـ أو أربعة وعشرين ميلاً ـ وكلّ فرسخ ثلاثة أميال ـ أو السير في بياض النهار المنطبق في السير العادي على ثمانية فراسخ .

   ففي موثّقة سماعة : «عن المسافر في كم يقصّر الصلاة ؟ فقال : في مسيرة يوم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8  : 330 /  أبواب صلاة الجماعة ب 18 ح 6  وغيره .

(2) وهو قول داود ، راجع المجموع 4 : 325 ـ 326 ، حلية العلماء 2 : 226 ، رحمة الاُمّـة 1 : 74 .

ــ[5]ــ

أو ملفّقة من الذهاب والإياب (1)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وذلك بريدان ، وهما ثمانية فراسخ» (1) .

   وصحيح أبي أيوب : «سألته عن التقصير ، قال فقال : في بريدين أو بياض يوم» (2) .

   وفي صحيح ابن الحجاج : «ثمّ أومأ بيده أربعة وعشرين ميلاً ، يكون ثمانية فراسخ» (3) .

   وفي رواية الفضل : «إنّما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا أقل من ذلك ولا أكثر» (4) وغيرها .

   (1) كما عليه المشهور ، للنصوص الكثيرة الدالّة على إلحاق المسافة التلفيقية بالامتدادية ، وأنّ الثمانية فراسخ التي هي موضوع لوجوب التقصير يراد منها ما يشمل التلفيق من بريد ذاهباً وبريد جائياً ، كصحيحة معاوية بن وهب : «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : أدنى ما يقصّر فيه المسافر الصلاة ؟ فقال (عليه السلام) : بريد ذاهباً وبريد جائياً» (5) ونحوها غيرها .

   ولم ينسب الخلاف إلاّ إلى الكليني من الاكتفاء بالأربعة الامتدادية مطلقاً (6) ولكنّه ضعيف جدّاً محجوج عليه بتلك النصوص .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 453 /  أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 8 .

(2) الوسائل 8 : 453 /  أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 7 .

(3) الوسائل 8 : 455 /  أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 15 .

(4) الوسائل 8 : 451 /  أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 1 .

(5) الوسائل 8 : 456 /  أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 2 .

(6) [ حكاه عنه في الحدائق 11 : 316 عن بعض المشايخ من متأخِّري  المتأخِّرين مستظهراً ذلك من اقتصاره في الكافي على أحاديث الأربعة فراسخ ] .

ــ[6]ــ

   ولا يبعد أن يكون مراده (قدس سره) بيان خط السير الذي يقع فيه الذهاب والإياب ، فيكون من القائلين بالثمانية الملفّقة ، ويرتفع الخلاف في المسألة .

   كما أنّ الإطلاق في بعض النصوص المتضمّن للاكتفاء بمطلق الأربعة مقيّد بذلك أيضاً ، عملاً بصناعة الإطلاق والتقييد . وهذا في الجملة ممّا لا غبار عليه .

   وإنّما الكلام يقع في جهات :

   الجهة الاُولى :  هل التقصير في الفرض المزبور ثابت على سبيل الوجوب التعييني ، أو أ نّه مخيّر بينه وبين التمام ؟

   المشهور كما في الجواهر هو الأوّل(1) ، بل عن الصدوق نسبته إلى دين الإمامية فيما إذا كان من قصده الرجوع ليومه(2) . وعن الشيخ في كتابي الأخبار التهذيب والاستبصار القول بالتخيير(3) . ونسـب إلى جماعة التخيير مطلقاً ، أي وإن لم يرجع ليومه .

   ولا يخفى أنّ القول بالتخيير وإن كان له وجه غير وجيه فيما إذا لم يكن من قصده الرجوع ليومه كما ستعرف ، إلاّ أ نّه في قاصد الرجوع ليومه لم يكن له وجه أصلاً ، إذ لم يرد هنا ما يدلّ على التمام كي يكون التخيير مقتضى الجمع بين الأخبار . وظاهر السؤال عن التقصير الوارد في أخبار المقام السؤال عن أصل التقصير لا عن جوازه كما لا يخفى .

   وأمّا التعبير بنفي الجناح في الآية المباركة فقد عرفت أنّ الآية في حدّ نفسها غير ظاهرة في صلاة المسافر ، بل ناظرة إلى صلاة الخوف والمطاردة ، فلا تصلح للاستدلال . على أ نّها مفسّرة بارادة الوجوب ، نظير نفي الجناح الوارد في آية

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجواهر  14 : 206 .

(2) أمالي الصدوق : 743 .

(3) التهذيب 3 : 208  ذيل ح 496 ، الاستبصار 1 : 224  ذيل ح 792 .

ــ[7]ــ

إذا كان الذهاب أربعة أو أزيد(1) ، بل مطلقاً ((1)) على الأقوى وإن كان الذهاب فرسخاً والإياب سبعة ، وإن كان الأحوط في صورة كون الذهاب أقل من أربعة مع كون المجموع ثمانية الجمع ،

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السعي ، ولعل النكتة في هذا التعبير وقوعه موقع توهّم الحظر كما مرّ .

   وكيف ما كان ، فلا ينبغي التأمّل في تعيّن التقصير في هذا الفرض .

   (1) الجهة الثانية :  هل يعتبر في المسافة التلفيقية عدم كون الذهاب أقل من أربعة فراسخ ، فيجب التمام لو كان أقل وإن كان المجمـوع الملفّق من الذهـاب والإياب ثمانية ، كما لو كان الذهاب ثلاثة والإياب خمسة . أو أ نّه لا يعتبر ذلك بل يكفي التلفيق كيف ما اتّفق . وكذلك الحال في الإياب فهل يعتبر عدم كونه أقل من الأربعة ، أو يكفي ولو كان ثلاثة والذهاب خمسة مثلاً ؟

   قد يقال بالثاني وأنّ ذكر الأربعة ذهاباً وإياباً في النصوص من باب المثال وإلاّ فالمدار على مطلق الثمانية التلفيقية كيف ما اتّفقت ، وأ نّها ملحقة بالثمانية الامتدادية .

   ولكنّه لايتم، فانّا لو كنّا نحن والأدلّة الأوّلية لاقتصرنا على الثمانية الامتدادية غير أنّ الأدلّة الاُخرى من صحيحة زرارة وغيرها دلّتنا على ثبوت التقصير في بريد ذاهباً وبريد جائياً (2) ، وأنّ المراد من تلك الثمانية ما يعمّ الملفّقة .

   إلاّ أنّ مورد هذه النصوص تلفيق خاص ، وهو المشتمل على أربعة وأربعة أي بريد في بريد، فالمسافة المحكومة بالالتحاق بالثمانية الامتدادية هي خصوص

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأقوى اعتبار كون كل من الذهاب والإياب أربعة فراسخ في تحقّق التلفيق ، وإن كان الأحوط في غير ذلك هو الجمع بين القصر والإتمام .

(2) الوسائل 8 : 461 /  أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 14 ، 2 ، 4 وغيرها .

ــ[8]ــ

الملفّقة من الأربعتين كما يفصح عنه بوضوح صحيح معاوية بن وهب: «أدنى ما يقصّر فيه المسافر؟ فقال (عليه السلام) : بريد ذاهباً وبريد جائياً» .

   فانّ التعبير بالأدنى كالصريح في عدم كفاية الأقل من هذا الحد ، ولم يعلّق الحكم في شيء من الأدلّـة على عنوان الثمانية التلفيقية كي يتمسّك بالإطلاق ويحكم بكفاية التلفيق كيف ما كان .

   وليس في البين ما يتوهّم منه ذلك عدا ما قد يقال من استفادته من قوله (عليه السلام) في ذيل صحيحة ابن مسلم : «إنّه ذهب بريداً ورجع بريداً فقد شغل يومه» (1) بدعوى دلالته على أنّ المدار في التقصير شغل اليوم ، وأنّ كلّ سفر كان شاغلاً ليومه فهو موضوع لوجوب التقصير ، فيعمّ ما لو كان الذهاب أو الإياب أقل من الأربعة بعد أن كان السفر مستوعباً ليومه ، فتدلّ على كفاية الثمانية الملفقة كيف ما تحقّقت .

   ولكنّه كما ترى، إذ ليس مفاد الصحيحة إلاّ إلحاق السّفر المتضمِّن لبريد ذاهباً وبريد جائياً بالمسافة الامتدادية وإدراجه في ذلك الموضوع بلسان الحكومة وأنّ هذه المسافة بمثابة تلك في شغل اليوم ، لا أنّ كلّ سفر شاغل لليوم موجب للتقصير .

   كيف ولازمه وجوب القصر فيما لو سافر ثلاثة فراسخ ثمّ رجع فرسخين ـ  بحيث لا يرجع إلى حدّ الترخّص  ـ ثمّ سافر ثلاثة فراسخ اُخرى بحيث بلغ المجموع ثمانية واسـتوعب يومه ، أو لو سافر فرسخاً ورجع إلى ثلاثة أرباع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 459 /  أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 9 [ الظاهر عدم كونها صحيحة في الاصطلاح ، لورود ابني فضال ـ علي وأحمد ـ في السند ، مضافاً إلى المناقشة في طريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضال كما صرّح به في ص 17 ، وإن تغيّر رأيه في ذلك كما ذكر في معجم رجال الحديث 1 : 78 ] .

ــ[9]ــ

والأقوى عدم اعتبار كون الذهاب والإياب في يوم واحد أو ليلة واحدة (1) ،

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفرسخ ثمّ سافر فرسخاً ثمّ عاد وهكذا إلى أن بلغ الثمانية، مع أ نّه واضح الفساد .

   وعلى الجملـة : ليس شغل اليوم بعـنوانه وعلى إطلاقه وسريانه موضوعاً لوجوب التقصير في شيء من الأدلّة ، بل العبرة بالثمانية الامتدادية الملازمة في السير العادي مع المركوب العادي في الوقت العادي مع شغل اليوم ، وقد طبّقها الإمام (عليه السلام) تعبّداً وعلى سبيل الحكومة على الملفّق من الأربعتين .

   فليس التعليل المذكور في ذيل الصحيحة إلاّ تعليلاً تعبّدياً ناظراً إلى إلحاق صورة خاصّة من التلفيق بالامتداد ، فلا يدلّ بوجه على الاكتفاء بمطلق التلفيق كما لا يخفى ، هذا .

   ويظهر من عبارة الماتن (قدس سره) أنّ محلّ الخلاف في اعتبار الأربعة وعدم كفاية الأقل منها إنّما هو في خصوص الذهاب ، وأمّا الإياب فلا إشكال في كفاية الأقل ، وأ نّه لو ذهب خمسة ورجع ثلاثة لا كلام حينئذ في وجوب التقصير .

   وليس كذلك ، فانّ مناط الإشـكال واحد ، إذ الصحيحة الدالّة على عدم كفاية الأقل من الأربعة المشتملة على التعبير بكلمة «أدنى» ـ وهي صحيحة معاوية بن وهب المتقدّمة ـ مشتركة بين الذهاب والإياب .

   وقد تحصّل من جميع ما مرّ: أنّ الأظهر اعتبار كون كلّ من الذهاب والإياب أربعة فراسخ فصاعداً ، فلا يجزي الأقل في شيء منهما وإن بلغ المجموع ثمانية فراسخ ملفّقة .

   (1) الجهة الثالثة :  قد عرفت أنّ الروايات المستفيضة وفيها الصحاح دلّت على أنّ التقصير في الصلاة وكذا الإفطار لا يتوقّف على المسافة الامتدادية ، بل يمكن التلفيق من أربعة وأربعة .

ــ[10]ــ

أو في الملفّق منهما مع اتصال إيابه بذهابه ، وعدم قطعه بمبيت ليلة فصاعداً في الأثناء ، بل إذا كان من قصده الذهاب والإياب ولو بعد تسعة أيّام يجب عليه القصر ، فالثمانية الملفّقة كالممتدّة في إيجاب القصر إلاّ إذا كان قاصداً للإقامة عشرة أيّام في المقصد أو غيره ، أو حصل أحد القواطع الاُخر ، فكما أ نّه إذا بات في أثناء الممتدة ليلة أو ليالي لا يضر في سفره فكذا في الملفّقـة فيقصّر ويفطر ، ولكن مع ذلك الجمع بين القصر والتمام والصوم وقضائه في صورة عدم الرجـوع ليومه أو ليلته أحوط ، ولو كان من قصده الذهاب والإياب ولكن كان متردِّداً في الإقـامة في الأثناء عشرة أيام وعدمها لم يقصّر كما أنّ الأمر في الامتدادية أيضاً كذلك .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وهذا فيما إذا  كان في يوم واحد أو مع ليلته لا إشكال فيه ، بل ذكر الصدوق في الأمالي أنّ التقصير حينئذ من دين الإماميـة كما مرّ(1) ، وأنّ ما نُسِـبَ إلى الشيخ وجماعة من القول بالتخيير لم نعرف وجهه كما تقدّم (2) .

   وأمّا إذا لم يقصد الرجوع ليومه فلا إشكال في التمام فيما إذا تخلّل في سفره أحد القواطع كاقامة عشرة أيّام ، لعدم تحقّق السفر الشرعي منه حينئذ إلاّ بناءً على ما نُسِبَ إلى الكليني من الاكتفاء بالأربعة من غير ضمّ الإياب .

   وأمّا إذا لم يتخلّل فكان عازماً على الرجوع قبل العشرة فهل يقصّر حينئذ أو يتمّ ، أو يتخيّر بينهما ، أو يفصّل بين الصوم فلا يفطر وبين الصلاة فيقصّر أو يتخيّر ؟ فيه وجوه ، بل أقوال .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ، (2) في الجهة الاُولى .

ــ[11]ــ

   نسب إلى المشهور كما في الجواهر التخيير(1) ، بل عن الأمالي نسبته إلى دين الإمامية (2) .

   وذهب جماعة إلى وجـوب التمام ، ومال إليه شـيخنا الأنصاري في بعض مؤلّفـاته على ما نسـبه إليه الهمـداني (قدس سره) (3) ، واخـتاره الفاضلان(4) والسيِّد المرتضى(5) والحلّي(6) وغيرهم .

   والمعروف بين متأخِّري المتأخِّرين تعيّن القصر وأنّ حكمه حكم من يرجع ليومه . وهذا القول منسوب إلى ابن أبي عقيل أيضاً ، رواه صاحب الوسائل عن كتابه نقلاً عن العلاّمة وغيره ، وأ نّه نسب ذلك إلى آل الرسول (7) .

   قال صاحب الوسائل بعد هذه الحكاية ما لفظه : وكلام ابن أبي عقيل هنا حديث مرسل عن آل الرسول ، وهو ثقة جليل ، انتهى . هذه هي حال الأقوال في المسألة .

   أمّا القول بالتمام : فقد استدلّ له بأصالة التمام، وأ نّه هو الفرض الأوّلي المجعول في الشريعة المقدّسة من وجوب سبع عشرة ركعة على كلّ مكلّف في كلّ يوم خرجنا عن ذلك بما ثبت من وجوب التقصير على المسافر ، ففي كلّ مورد ثبت

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجواهر 14 : 216 .

(2) أمالي الصدوق : 743 .

(3) مصباح الفقيه (الصلاة) : 727 السطر 19 .

(4) المعتبر 2 : 468 ، المختلف 2 : 527 /  المسألة 390 .

(5) حكاه عنه في السرائر 1 : 329، ويستفاد أيضاً من جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى) 3 : 47 .

(6) السرائر 1 : 329 .

(7) الوسائل 8 : 467 /  أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 14 ، المختلف 2 : 526 /  المسألة 390 .

ــ[12]ــ

القصر فهو ، وأمّا إذا لم يثبت أو تعارض الدليلان ولم يمكن الترجيح فالمرجع بعد التساقط أصالة التمام لا محالة .

   هذا ما تقتضيه القاعدة ، وقد وردت هناك روايات دلّ