ــ[21]ــ

   لكن هذا البيان إنّما يتّجه بناءً على اختصاص دليل سجدتي السهو بغير كثير الشك ، وأنّ ما دلّ على عدم الاعتنـاء بالشك لدى الكثرة شامل للصلاة وما يلحقها من سجود السهو، إذ عليه لو شككنا في حصول صفة الكثرة، والمفروض عدم إمكان التمسّك بأدلّتها لكون الشبهة مصداقية ، فلا محالة نشك في وجوب السجدتين فيدفع بأصل البراءة كما ذكر .

   وأمّا بناءً على عدم الاختصاص وأنّ كثير الشك أيضاً يجب عليه سجود السهو كغيره ، نظراً إلى أنّ غاية ما يستفاد من أدلّته هو المضي في الصلاة وعدم الاعتناء بالشك المتعلّق بها نفسها ، وأمّا الموجب لعمل آخر مستقل واقع خارج الصلاة من غير ارتباط له بها وعدم دخل في صحّتها ، فتلك الأدلّة قاصرة عن التعرّض لذلك ، وغير ناظرة إلى نفيه وعدم الاعتناء به .

   نعم ، لو كان الوارد فيها إلغاء الشك وأ نّه لدى الكثرة بحكم العدم كان ذلك دليلاً على سقوط السجدتين لا محالة . لكنّ المذكور فيها هو المضي في الصلاة أو المضي في الشك على اختلاف ألسنتها ، وهو كما ترى لا يدلّ إلاّ على عدم الاعتناء بالشكّ المتعلّق بنفس الصلاة بما لها من الأجزاء والركعات ، دون ما يلحقها من عمل آخر مستقل مثل سجدة السهو كما عرفت . فيبقى إطلاق دليل وجوبها للشاك بين الأربع والخمس الشامل لكثير الشك كغيره على حاله بعد سلامته عما يصلح للتقييد .

   فعليه لا تبقى ثمرة للشكّ في حصول الكثرة وعدمها ، لثبوت وجوب السجدتين على التقديرين .

   ولكن المشهور ظاهراً هو عدم الوجوب لدى الكثرة ، لإطلاق كلامهم ويستدلّ له بوجهين :

   أحدهما :  دعوى انصراف الدليل المتكفّل للسجود في الشك بين الأربع

ــ[22]ــ

والخمس عن كثير الشك . فالمقتضي للوجوب قاصر في حدّ نفسه ، لاختصاصه بحكم الانصراف بالشكّ العادي المتعارف . هكذا احتمله المحقّق الهمداني (قدس سره) (1) .

   ولكنّه كما ترى لم يعرف قط وجه لهذا الانصراف ، فانّه لو تمّ لعمّ وشمل سائر أدلّة الشـكوك بمـناط واحد ، وليس كذلك جزماً ، إذ لم يدّع فقـيه فيما نعلم انصراف مثل دليل الشك بين الواحدة والثنتين أو الثلاث والأربع ونحوهما من سائر أدلّة الشكوك الباطلة أو الصحيحة عن كثير الشك ، بل ارتكبوا التقييد في إطلاق أدلّتها ، فاستثنوا عنها كثير الشك بمقتضى النصوص الواردة فيه ، فلم ينكروا الإطلاق رأساً ، بل قيّدوه جمعاً . وأين هذا من دعوى الانصراف وقصور المقتضي في حدّ نفسه . فهذه الدعوى ساقطة البتّة .

   ثانيهما :  ما ذكره هو (قدس سره) أيضاً من استفادته من التعليل الواقع في الأخبار، حيث يفهم منها أنّ المقصود بالأمر بالمضيّ ترك الاعتناء بالشك وكون الاعتناء به إطاعة للشيطان وتعويداً للخبيث ، فنهينا عن تمكينه وتعويده من الأنفس بترتيب الأثر على الشك ، من غير فرق بين تعلّق الأثر بنفس الصلاة أم بما يلحقها كسجدتي السهو .

   وهذا الوجه يتلو سابقه في الضعف ، فانّ مورد صحيحة زرارة وأبي بصير(2) المشتملة على التعليل المزبور هو الشكّ المبطل ، والممنوع عنه هو تطميع الخبيث وتعويده من الأنفس في نقض الصلاة ، الّذي هو أمر مرغوب عنه إمّا محرّم أو لا أقل أ نّه مرجوح . فلا دلالة لها على المنع عن مطلق التعويد ولو في محل آخر مستقل غير مرتبط بالصلاة . فهذا حكم خاص بالشكّ الكثير المتعلّق بنفس الصلاة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 586 السطر 8 .

(2) المتقدّمة في ص 5 .

ــ[23]ــ

   [ 2118 ] مسألة 3 : إذا لم يلتفت إلى شكّه وظهر بعد ذلك خلاف ما بنى عليه وأنّ مع الشك في الفعل الّذي بنى على وقوعه لم يكن واقعاً أو أنّ ما بنى على عدم وقوعه كان واقعاً يعمل بمقتضى ما ظهر ، فان كان تاركاً لركن بطلت صلاته ، وإن كان تاركاً لغير ركن مع فوت محلّ تداركه وجب عليه القضاء فيما فيه القضاء وسجدتا السهو فيما فيه ذلك، وإن بنى على عدم الزيادة فبان أ نّه زاد يعمل بمقتضاه من البطلان أو غيره من سجود السهو (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ولذلك لم نتعدّ منها إلى الوضوء ، فلو كان كثير الشك في وضوئه بحيث لم تمرّ عليه وضوءات ثلاثة إلاّ ويشكّ في واحد منها ، يعتني بشكّه الحادث في المحل وإن كان مستنداً إلى الشيطان ما لم يبلغ حدّ الوسواس ، عملاً بقاعدة الشك في المحل ، أمّا الحادث بعده ففي جريان قاعدة التجاوز كلام مذكور في محلّه (1) .

   وكيف ما كان ، فسجود السهو واجب مستقل سببه نفس الشك في الصلاة بين الأربع والخمس ، لا أ نّه من متمّمات الصلاة ، ولا يكاد يستفاد من الأخبار سقوطه عن كثير الشك بوجه كما لا يخفى .

   (1) إذا لم يعتن كثير الشك بشكّه بمقتضى وظيفته من البناء على الوقوع أو العدم حسب اختلاف الموارد ومضى ثمّ انكشف الخلاف ، فقد يكون المنكشف نقصان شيء واُخرى زيادته .

   أمّا في النقص :  فان كان محل التدارك باقياً رجع وتدارك ، من غير فرق بين الركن وغيره ، كما لو شكّ في الركوع فبنى على الوقوع فانكشف الخلاف قبل الدخول في السجدة الثانية ، أو في التشهّد فبان العدم قبل الدخول في الركوع .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح العروة 6 : 117 .

ــ[24]ــ

   [ 2119 ] مسألة 4 : لا يجوز له الاعتناء بشكّه ، فلو شكّ في أ نّه ركع أو لا ، لا يجوز له أن يركع (1) ، وإلاّ بطلت الصلاة ، نعم في الشك في القراءة أو الذكر إذا اعتنى بشكّه وأتى بالمشكوك فيه بقصد القربة لا بأس به ما لم يكن إلى حدّ الوسواس .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وإن لم يكن باقياً ، فان كان الناقص ركناً بطلت صلاته ، وإلاّ قضاه إن كان ممّا يقضى كالسجدة الواحـدة ، وأتى بسجدتي السهو إن كان ممّا فيه ذلك كالتشهّد ، ولا شيء عليه إن لم يكن منهما كالقراءة إلاّ بناءً على وجوب سجدتي السهو لكلّ زيادة ونقيصة .

   وأمّا في الزيادة : فان كان الزائد ركناً بطلت صلاته ، وإلاّ وجبت عليه سجدتا السهو إن قلنا بوجوبهما لكلّ زيادة ونقيصة ، وإلاّ فلا شيء عليه . ففي جميع هذه الفروض يعمل بمقتضى ما ظهر .

   والوجه في ذلك كلّه أنّ أدلّة كثرة الشك غير ناظرة إلى الأحكام الواقعية ولا توجب تخصيصاً فيها ، بل هي تنظر إلى أدلّة الشكوك التي هي أحكام ظاهرية وتوجب تخصيصها بغير كثير الشك .

   ومن المعلوم أنّ الحكم الظاهري مغيّى بعدم انكشاف الخلاف ، فمتى ظهر الحال وبان الخلاف فحيث إنّ الأحكام الواقعية الثابتة بالعناوين الأوّلية باقية على حالها فلا مناص من العمل بمقتضاها ، والجري على طبقها الّذي يختلف باختلاف الموارد حسبما فصّلناه .

   (1) لظهور النصوص في وجوب المضي ، وأنّ ترك الاعتناء هي الوظيفة الظاهرية التعينية المقرّرة في ظرف الكثرة ، فلو اعتنى وأتى بالمشكوك فيه بطلت صلاته ، للزوم الزيادة العمدية بمقتضى الوظيفة الظاهرية .

ــ[25]ــ

   هذا فيما كانت الزيادة قادحة حتّى الصورية كما في الركوع والسجود ، وأمّا ما لا تقدح إلاّ مع الإتيان بعنوان الجزئية كالقراءة والذكر فلا بأس باتيانه بقصد القربة المطلقة ما لم يبلغ حدّ الوسواس المنهي عنه .

   هذا هو المعروف والمشهور بين الأصـحاب ، ولكن نسب إلى الشهيد في الذكرى أ نّه احتمل التخيير بين المضي وبين الاعتناء بالشك (1) ، بل اختاره المحقّق الأردبيلي (قدس سره)(2) ، ويستدلّ له بوجهين :

   أحدهما :  أنّ هذا هو مقتضى الجمع بين صدر صحيحة زرارة وأبي بصير المتقدّمة (3) وذيلها ، فيحمل الأمر بالإعـادة في الأوّل وبالمضي في الثاني ـ  بعد تعلّقهما بموضوع واحد وهو كثير الشك  ـ على التخيير ، هذا .

   وقد أسلفنا البحث حول هذه الصحيحة مستقصى وقلنا : إنّ الكثرة والقلّة متضايفتان ، والمراد بها في السؤال الأوّل أوّل مرتبة سـمّاها السائل كثير الشك مع عدم بلوغها مرتبة الكثرة بالمعنى المصطلح الّذي هو المراد بها في السؤال الثاني ، فلم يردا على موضوع واحد ليجمع بما ذكر .

   مع أ نّه بعيد في حدّ نفسه ، إذ كيف يحتمل التخيير مع اقترانه بالتعليل بعدم تطميع الخبيث وتعويده من النفس ، فانّه إنّما يناسب الإلزام دون الجواز والتخيير. فنفس التعليل يشهد بأنّ الجملة الثانية ناظرة إلى موضوع آخر كما ذكرناه . فهذا الوجه ساقط جدّاً .

   ثانيهما : أنّ النصوص وإن تضمّنت الأمر بالمضي ولكنّـه غير ظاهر في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الذكرى 4 : 56 .

(2) مجمع الفائدة والبرهان 3 : 146 .

(3) في ص 5 .

ــ[26]ــ

الوجوب ، لوروده مورد توهّم الحظر ، حيث إنّ المضي على الشك ممنوع بمقتضى قاعدة الاشتغال ، مضافاً إلى أدلّة الشكوك . فغايته الدلالة على الجواز دون الوجوب .

   وفيه أوّلاً : أنّ الأمر الواقع موقع توهّم الحظر وإن لم يكن ظاهراً في الوجوب في حدّ نفسه إلاّ أنّ اقترانه بالتعليل بأ نّه من الشيطان ، وبعدم تعويد الخبيث كما في صحيحتي محمّد بن مسلم وزرارة يأبى عن حمله على الرخصة ، إذ لا معنى للترخيص في إطاعة الشـيطان . فلا مجال للتشكيك في ظهوره بمقتضى هذه القرينة في الوجوب .

   وثانياً :  سلّمنا عدم ظهور هذه الأخبار في الوجوب لكن مجرّد الشك كاف في عدم جواز الاعتناء بالشك ، إذ بأي مستند يسوغ له الإتيان بالمشكوك فيه بعد فرض تخصيص أدلّة الشكوك بغير كثير الشك وخروجه عن إطلاقات تلك الأدلّة ، المانع عن صحّة الاستناد إليها .

   فلو شكّ في الركوع مثلاً وأتى بالمشكوك فيه يحتمل وجداناً تحقّق الزيادة وقتئذ ، ولا دافع لهذا الاحتمال إلاّ أصالة عدم الزيادة ، والمفروض عدم جريانها في حقّ كثير الشك ، لتخصيص دليل الاستصحاب أيضاً كأدلّة الشكوك . فلا حاجة إلى إثبات أنّ المستفاد من النصوص هو الوجوب ، بل لو كان المستفاد جواز المضي كفى في عدم جواز الطرف الآخر ، فانّه زيادة والزيادة مبطلة .

   وكذلك لو شكّ في الاُوليين فانّه يمضي بمقتضى هذه النصوص ، فلو فرضنا أ نّه لم يمض ماذا يصنع ؟ فانّ البناء على الأقل والإتيان بركعة اُخرى يحتاج إلى الدليل ، ومعه كان الشك في نفسه مبطلاً .

   والحاصل : أنّ العـبادة توقيفية يعتبر فيها عدم الزيادة ، ولا بدّ من إحراز

ــ[27]ــ

   [ 2120 ] مسألة 5 : إذا شكّ في أنّ كثرة شكّه مختص بالمـورد المعـيّن الفلاني أو مطلقاً اقتصر على ذلك المورد (1) .

   [ 2121 ] مسألة 6 : لايجب على كثير الشك وغيره ضبط الصلاة بالحصى أو السبحة أو الخاتم أو نحو ذلك ، وإن كان أحوط في من كثر شكّه(2) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعلّق الأمر بها بما لها من الأجزاء ، وعليه فجواز الإتيان بالمشكوك فيه موقوف على قيام الدليل ، وبدونه تشريع محرّم ، والمفروض فقدان الدليل في المقام .

   فان قلت :  كفى دليلاً ظهور الأمر الواقع عقيب الحظر في الجواز ، فانّ جواز ترك الاعتناء مساوق لجواز الاعتناء ، لقيام مفهوم الجواز بالطرفين .

   قلت :  لا يراد بالجواز المدّعى ظهور الأمر فيه الجوازُ المصطلح بمعنى الإباحة الشرعية التي هي من أحد الأحكام الخمسة ، بل المراد الجواز بالمعنى الأعم أعني مجرّد نفي البأس في المضي ، وهذا لا يدل على مشروعية ترك المضي والإتيان بالفعل كما لا يخفى ، فتدبّر جيّداً .

   وعلى الجملة : فلا حاجة إلى إثبات ظهور الأمر في الوجوب ، مع أ نّه لا إشكال في ظهوره فيه في المقام حسبما عرفت .

   (1) أخذاً بالمقدار المتيقّن ، فيرجع في الزائد المشكوك فيه إلى استصحاب عدم الكثرة .

   (2) كما لا يجب عليه تخفيف الصلاة والاقتصـار على أقلّ الواجب دفعاً للشك ، للأصل وإطلاق الأدلّة . وهذا هو المعروف المشهور ، بل من غير خلاف يعرف .

   ولكن هناك عدّة روايات قد يقال أو قيل بظهورها في الوجوب ، مع أنّ

ــ[28]ــ

شيئاً منها لا تدلّ عليه .

   فمنها :  معتبرة حبيب الخثعمي قال : «شكوت إلى أبي عبدالله (عليه السلام) كثرة السهو في الصلاة ، فقال: احص صلاتك بالحصى، أو قال احفظها بالحصى»(1) .

   وهي كما ترى قاصرة الدلالة على الحكم الشرعي ، إذ غايتها الشكاية عن هذا المرض وطلب العلاج ، فعلّمه (عليه السلام) كيفية العلاج . فالأمر محمول على الإرشاد لا محالة .

   ونظيرها صحيحة عمر بن يزيد قال: «شكوتُ إلى أبي عبدالله (عليه السلام) السهو في المغرب ، فقال: صلّها بـ (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) و (قُلْ يَا أَ يُّهَا ا لْكَافِرُونَ )ففعلت ذلك فذهب عنِّي» (2) .

   بل إنّ ذيلها شاهد على المطلب ، لعدم وجوب السورتين بالضرورة . فهاتان الصحيحتان لا تدلاّن لا على الوجوب ولا الاستحباب ، بل هما مسوقتان للعلاج إمّا لكثرة السهو كما في الاُولى ، أو لأصل السهو كما في الثانية .

   ومنها :  رواية حبيب بن المعلّى : «أ نّه سأل أبا عبدالله (عليه السلام) فقال له : إنِّي رجل كثير السهو ، فما أحفظ صلاتي إلاّ بخاتمي ، اُحوّله من مكان إلى مكان ؟ فقال : لا بأس به» (3) .

   وهي مضافاً إلى ضعف السند لا تدل إلاّ على الجواز ، كمعتبرة عبدالله بن المغيرة (4) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 247 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 28 ح 1 .

(2) الوسائل 8 : 236 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 22 ح 1 .

(3) الوسائل 8 : 247 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 28 ح 2 .

(4) الوسائل 8 : 247 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 28 ح 3 .

ــ[29]ــ

   ونحوهما صحيحة عمران الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) أ نّه قال : «ينبغي تخفيف الصلاة من أجل السهو» (1) .

   بناءً على أنّ كلمة «ينبغي» ـ التي لا تسـتعمل إلاّ بصيغة المضارع ـ بمعنى يتيسّر كما هو كذلك
لغة
(2)، وكذا في الكتاب العزيز قال تعالى : (لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا ) إلخ (3) ، أي لا يتيسّر لها ، وعليه فلا تدل في المقام إلاّ على الجواز . نعم ، لو حملناها على المعنى المتعارف الدارج في العرف الحاضر فغايته الاستحباب .

   ولم يبق في البين إلاّ رواية واحدة قد يتوهّم ظهورها في الوجوب ، وهي موثّقة عبيدالله الحلبي قال : «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن السهو، قلت : فانّه يكثر عليّ ، فقال : ادرج صلاتك ادراجاً ، قلت : وأي شيء الادراج ؟ قال : ثلاث تسبيحات في الركوع والسجود» (4) .

   وفيه : أ نّها في نفسها غير ظاهرة في الوجوب ، إذ لم يعلم أ نّه سئل عن حكمه أو عن علاجه ، ولو سلّم فيرفع اليد عن ظهورها وتحمل على العلاج بقرينة الروايات المتقدّمة .

   فتحصّل :  أنّ الضبط أو التخفيف غير واجب وإن كان ذلك أحوط في من كثر شكّه كما في المتن ، خروجاً عما توهمه بعض النصوص المتقدّمة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 236 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 22 ح 2 .

(2) المنجد : 44 مادّة بغى .

(3) يس 36 : 40 .

(4) الوسائل 8 : 236 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 22 ح 3 .

ــ[30]ــ

   الخامس : الشك البدوي الزائل بعد التروّي ، سواء تبدّل باليقين بأحد الطرفين أو بالظنّ المعتبر أو بشك آخر (1) .

   السادس : شك كلّ من الإمام والمأموم مع حفظ الآخر ((1)) فانّه يرجع الشاك منهما إلى الحافظ ، لكن في خصوص الركعات لا في الأفعال ((2)) حتّى في عدد السجدتين، ولايشترط في البناء على حفظ الآخر حصول الظنّ للشاك، فيرجع وإن كان باقياً على شكّه على الأقوى (2) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) تقدّم في مبحث الشكوك (3) أنّ أحكامها من البطلان أو البناء مترتّبة على عنوان الشك ومنوطة بوجود الموضوع ، كما هو الشأن في كلّ قضيّة حقيقية من ظهورها في دوران الحكم مدار الموضوع حدوثاً وبقاءً ، فلا أثر لمجرّد الشك إلاّ لدى استقراره وبقائه . فلو زال وتبدّل بخلافه من يقين أو ظنّ معتبر أو شك آخر لحقه حكم المبدل إليه ، وارتفع الحكم الأوّل بارتفاع موضوعه لا محالة .

   وهذا من غير فرق بين البدوي وغيره ، لوحدة المناط . والتقييد بالأوّل في عبارة المتن لكونه الشائع الغالب من أفراد الزائل كما هو ظاهر .

   (2) هذا الحكم أعني رجوع كلّ من الإمام والمأموم إلى الآخر وعدم الاعتناء بالشك من المتسالم عليه في الجملة ، للنصوص الكثيرة كما ستعرف .

   إنّما الكلام في أ نّه هل يختصّ بالركعات فيما إذا علم بتوافقهما في الكيفية وإلاّ فلا يجري فيها أيضاً كما ستعرف ، أو أ نّه يعمّ الأفعال ؟

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الشاك منهما يرجع إلى الظانّ ، والظانّ منهما  لا يرجع إلى المتيقّن على الأظهر .

(2) الظاهر عدم الفرق بينها وبين الركعات .

(3) شرح العروة 18 : 228 .

ــ[31]ــ

   نسب الثاني في المدارك إلى المشهور(1) ، ولكنّ جماعة من المتأخّرين منهم صاحب الجواهر (قدس سره) (2) قالوا إنّه لا دليل عليه ، لورود الروايات في الركعات ، فيرجع في الأفعـال إلى مقتضى القـواعد . فلا بدّ إذن من النظر إلى الروايات .

   فمنها :  صحيحة علي بن جعفر المرويّة بطريقين معتبرين ، قال : «سألته عن الرجل يصلّي خلف الإمام لا يدري كم صلّى ، فهل عليه سهو ؟ قال : لا» (3) وهي كما ترى خاصّة بالركعات .

   ومنها :  ما رواه الصدوق باسناده عن إبراهيم بن هاشم في نوادره : «أ نّه سئل أبو عبدالله (عليه السلام) عن إمام يصلّي بأربع أو بخمس فيسبّح اثنان على أ نّهم صلّوا ثلاثاً ويسبّح ثلاثة على أ نّهم صلّوا أربعاً ، يقول هؤلاء قوموا ويقول هؤلاء اقعدوا ، والإمام مائل مع أحدهما أو معتدل الوهم ، فما يجب عليهم ؟ قال : ليس على الإمام سهو إذا حفظ عليه من خلفه سهوه باتفـاق (بايقان) منهم ، وليس على من خلف الإمام سهو إذا لم يسهُ الإمام ، ولا سهو في سهو ، ولا في المغرب سهو، ولا في الفجر سهو، ولا في الركعتين الأوّلتين من كلّ صلاة سهو، ولا سهو في نافلة» (4) .

   ورواه الكليني عن علي بن إبراهيم ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس ، عن رجل ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) (5) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المدارك 4 : 269 .

(2) الجواهر 12 : 411 .

(3) الوسائل 8 : 239 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 1 .

(4) الوسائل 8 : 241 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 8 ، الفقيه 1 : 231 / 1028 .

(5) الكافي 3 : 358 / 5 .

ــ[32]ــ

   وهي أيضاً خاصّة بالركعات ، ولا سيما بقرينة بقية الفقرات ، فانّ السهو في الأفعال في المغرب والفجر جار قطعاً .

   ولكنّ الرواية في نفسها غير صالحة للاستدلال ، لقصور السند ، فانّها مرسلة بطريق الكليني ، وكذا بطريق الصدوق ، لوضوح أنّ إبراهيم بن هاشم لم يدرك الصادق (عليه السلام) فبينهما واسطة لا محالة . ولا يبعد أن يكون السند هو السند .

   وكيف ما كان ، فكلا الطريقين محكومان بالإرسال . فلا تنهض للاستدلال .

   ومنها :  ما رواه الشيخ (1) باسناده عن ابن مسكان عن أبي الهذيل عن أبي عبدالله (عليه السلام) : «في الرجل يتّكل على عدد صاحبته في الطواف أيجزيه عنها وعن الصبي ؟ فقال : نعم ، ألا ترى أ نّك تأتم بالإمام إذا صلّيت خلفه ، فهو مثله» (2) .

   وهي أيضاً غير ظاهرة في التعميم لتدلّ على جواز الرجوع في الصلاة في غير الركعات ، لعدم كونها مسوقة لبيان حكم الصلاة ، وإنّما هي في مقام بيان أنّ الطواف مثل الصلاة . وأمّا أنّ المماثلة هل هي في مطلق الأحكام أو في خصوص الأعداد فليست بصدد البيان من هذه الجهة لو لم تكن ظاهرة في خصوص الثاني كما لا يخفى .

   وعلى الجملة : فليس في شيء من النصوص ما يصلح للاستدلال به على التعميم .

   والعمدة إنّما هي صحيحة حفص بن البخـتري التي ادّعي أ نّها مطلقة من حيث الركعات والأفعال ، وحاكمة على جميع أدلّة الشكوك ، عن أبي عبدالله