بسم الله الرّحمن الرّحيم

   الحمد لله ربّ العالمـين ، والصّلاة والسّلام على سـيِّدنا ونبيِّـنا محمّد وآله الطيِّبين الطّاهرين الغرّ الميامين .

   وبعد ; فهذا هو الجزء السابع من كتاب الصلاة من «مستند العروة الوثقى» قدّمناه للطباعة ، حامدين مصلِّين راجين من فضله تعالى التوفيق لإنهاء بقيّة الأجزاء ، إنّه وليّ التوفيق والسّداد .

ــ[1]ــ

فصل

في الشكوك التي لا اعتبار بها ولا يلتفت إليها
 

   وهي في مواضع :

   الأوّل : الشكّ بعد تجاوز المحل (1) ، وقد مرّ تفصيله (2) .

   الثاني : الشكّ بعد الوقت سواء كان في الشروط أو الأفعال أو الركعات أو في أصل الإتيان (3) وقد مرّ الكلام فيه أيضاً .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) لقاعدة التجاوز الحاكمة على الاستصحاب .

   (2) في المسألة العاشرة من فصل الشك(1) وفي مطاوي الأبحاث السابقة .

   (3) أي من غير فرق بين تعلّقه بأصل الصلاة أم بخصوصيّاتها من الشرائط والأفعال والركعات ، لقاعـدة الحـيلولة التي لا قصور في شمول دليلها للكل المطابقة لما تقتضـيه القاعدة الأوّلية ـ مع قطع النظر عمّا دلّ على أنّ الوقت حائل(2) ـ من أصالة البراءة عن القضاء ، الّذي هو بأمر جديد حادث بعد خروج الوقت وسـقوط الأمر الأوّل بانتهاء أجله ، للشك في تعلّقه من أجل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح العروة 18 : 130  وما بعدها .

(2) الوسائل 4 : 282 /  أبواب المواقيت ب 60 ح 1 .

ــ[2]ــ

   الثالث : الشكّ بعد السلام الواجب (1) وهو إحدى الصيغتين الأخيرتين سواء كان في الشرائط أو الأفعال أو الركعات ، في الرباعية أو غيرها بشرط أن يكون أحد طرفي الشك الصحّة ، فلو شكّ في أ نّه صلّى ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً بنى على أ نّه صلّى أربعاً ، وأمّا لو شكّ بين الاثنتين والخمس والثلاث والخمس بطلت ، لأ نّها إمّا ناقصة ركعة أو زائدة ، نعم لو شكّ في المغرب بين الثلاث والخمس أو في الصبح بين الاثنتين والخمس يبني على الثلاث في الاُولى والاثنتين في الثانية ، ولو شكّ بعد السلام في الرباعية بين الاثنتين والثلاث بنى على الثلاث ، ولا تسقط عنه صلاة الاحتياط لأ نّه يعدّ في الأثناء ، حيث إنّ السلام وقع في غير محلّه ، فلا يتوهّم أ نّه يبني على الثلاث ويأتي بالرابعة من غير أن يأتي بصلاة الاحتياط لأ نّه مقتضى عدم الاعتبـار بالشكّ بعد السلام .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشك في تحقّق موضوعه وهو الفوت بعد أن لم يمكن إثباته بأصالة عدم الإتيان في الوقت ، وقد مرّ البحث حول ذلك مستقصى في مطاوي مسائل حكم الشك (1) .

   (1) لكونه من الشكّ بعد الفراغ ، ومنه تعرف أنّ السلام لا خصوصية له ، بل المدار على صدق الفراغ والخـروج والمضي عن الصلاة الأعم من الصـحيحة والفاسدة مضياً حقيقياً واقعياً ـ لا اعتقادياً بنائياً ـ الّذي ربما يتحقّق بغير ذلك كما لو عرض الشكّ المزبور بعد ارتكاب المنافي وإن كان شاكّاً في أصل السلام .

   وكيف ما كان، فيشـترط في عدم الاعتناء أن يكون أحد طرفي الشكّ الصحّة كالشك بين الثلاث والأربع والخمس مثلاً بحيث يحتمل معه وقوع السلام على

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح العروة 18 : 112 .

ــ[3]ــ

   الرابع : شكّ كثير الشك (1) وإن لم يصل إلى حدّ الوسواس ، سواء كان في

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التمام، دون مثل الشكّ بين الثلاث والخمس ، الّذي يعلم معه بالزيادة أو النقصان ووقوع السلام في غير محلّه جزماً ، فهو بمثابة الشكّ بينهما العارض قبل التسليم بل هو بعينه حقيقة ، لكون السلام الواقع في غير محلّه في حكم العدم .

   ومعلوم أنّ مثله محكوم بالبطلان ، لا لأجل النقص أو الزيادة ليقال بامكان تتميم النقص بركعة ودفع الزيادة المحتملة بالأصل ، بل لأجل نفس الشكّ بين الثلاث والخمس غير المنصوص على صحّته، فيشمله إطلاق قوله (عليه السلام) في صحيحة صفوان : «إن كنت لا تدري كم صلّيت ولم يقع وهمك على شيء فأعد الصلاة»(1)  كما مرّ التعرّض له في محلّه(2) .

   وممّا ذكرنا تعرف أ نّه لو شكّ بعد السلام في الرباعية بين الاثنتين والثلاث بنى على الثلاث وأتى بركعة الاحتياط ، إذ بعد الجزم بعدم وقوع السلام في محلّه فهو بعدُ في الأثناء ، فيلحقه حكم الشكّ بينهما من البناء على الثلاث والإتيان بالرابعة ثمّ بركعة مفصولة .

   فدعوى عدم الحاجة إلى الأخيرة لكونه مقتضى عدم الاعتناء بالشكّ بعد السلام ساقطة كما نبّه عليه في المتن ، لما عرفت من كونه من الشك في الأثناء بعد زيادة السلام ووقوعه في غير محلّه ، وعليه فاللاّزم الإتيان بسجدتي السهو بعد ركعة الاحتياط من أجل السلام الزائد كما هو ظاهر .

   (1) بلا خلاف فيه ولا إشكال، للنصوص الدالّة عليه كما ستعرف، التي مفادها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 225 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 1 .

(2) [ اُشير إليه في شرح العروة 18 : 175 ـ 176 وغيره ] .

ــ[4]ــ

الركعات أو الأفعال أو الشرائط ، فيبني على وقوع ما شكّ فيه وإن كان في محلّه إلاّ إذا كان مفسداً فيبني على عدم وقوعه ، فلو شكّ بين الثلاث والأربع يبني على الأربع ، ولو شكّ بين الأربع والخمس يبني على الأربع أيضاً ، وإن شكّ أ نّه ركع أم لا  يبني على أ نّه ركع ، وإن شكّ أ نّه ركع ركوعين أم واحداً بنى على عدم الزيادة ((1))، ولو شكّ أ نّه صلّى ركعتين أو ثلاثاً ، بنى على أ نّه صلّى ركعتين وهكذا .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المضي في الصّلاة وعدم الاعتناء بالشكّ ، ومرجع ذلك إلى إلغاء الكلفة الناشئة من قبل الشكّ التي تختلف حسب اختلاف الموارد . فقد تكون الكلفة هي الإعادة كما في الشكوك الباطلة ، وقد تكون هي الإتيان إمّا بالجزء المشكوك فيه كما في الشكّ العـارض في المحلّ ، أو بغيره من ركعة الاحـتياط أو سـجدة السهو كما في الشكوك الصـحيحة ونحوها . فهذه الأحكام الثابتـة للشكّ بالإضافـة إلى الأشخاص العاديين مُلغاة عن كثير الشكّ ، وتلك الكلفة مرتفعة .

   ونتيجة ذلك أ نّه يبني على وقوع المشكوك فيه ما لم يكن مُفسداً ، وإلّا فعلى عدمه . فهو دائماً مأمور بالأخذ بالاحتمال المصحّح وما لا كلفة فيه من أحد طرفي الشكّ .

   فلو شكّ في الركوع بنى على الإتيان وإن كان في المحل ، ولو شكّ بين ا لثنتين والثلاث بنى على الثنتين في الثنائية ، وعلى الثلاث في الرّباعية من غير حاجة إلى ركعة الاحـتياط ، ولو شكّ بين الأربع والخمس بنى على الأربع من غير حاجة إلى سجدة السّهو ، ولو شكّ بين الأربع والست بنى على الأربع وهكذا .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا يختصّ البناء على ذلك بكثير الشكّ .

ــ[5]ــ

   فمن جملة تلك النصوص صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال : «إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك، فانّه يوشك أن يدعك، إنّما هو من الشيطان» (1) .

   فانّها كالصريح في المطلوب بعد وضوح أنّ المراد بالسهو هو الشكّ ، الّذي يطلق عليه كثيراً في لسان الأخبار (2) .

   ومنها :  صحيحة زرارة وأبي بصير جميعاً قالا «قلنا له : الرّجل يشكّ كثيراً في صلاته حتّى لا يدري كم صلّى ولا ما بقي عليه ، قال : يعيد ، قلنا : فانّه يكثر عليه ذلك ، كلّما أعاد شكّ ، قال : يمضي في شكّه . ثمّ قال : لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه ، فانّ الشيطان خبيث معتاد لما عوّد ، فليمض أحدكم في الوهم ولا يكثرنّ نقض الصلاة ، فانّه إذا فعل ذلك مرّات لم يعد إليه الشك . قال زرارة : ثمّ قال : إنّما يريد الخبيث أن يطاع ، فاذا عصي لم يعد إلى أحدكم» (3) .

   وقد وقع الكلام في فقه الحديث من حيث الجمع بين الصدر والذيل ، حيث حكم (عليه السلام) أوّلاً على من يشكّ كثيراً بالإعادة ، وحكم أخيراً على من يكثر عليه بعدمها والمضي على الشك .

   ولا ينبغي الشك في أنّ المراد بالموضوع في أحد الحكمين غير ما هو المراد في الحكم الآخر . ولا يبعد أن يراد في الأوّل من يكثر عدد شكّه بالإضافة إلى الأفراد العاديين وإن لم يبلغ مرتبة كثير الشكّ بالمعنى المصطلح المحكوم عليه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 227 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 1 .

(2) الوسائل 8 : 240 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 1 ، 243 / ب 25 ح 1 ، وغيره .

(3) الوسائل 8 : 228 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 2 .

ــ[6]ــ

بعدم الاعتناء .

   وتوضيحه :  أنّ الكثرة والقلّة كالكبر والصغر ليست من الاُمور الواقعية التي لها تقرّر في حدّ ذاتها ، وإنّما يتّصف الشيء بهما عند ملاحظته مع شيء آخر ولدى المقايسة بينهما ، فهي من الصفات الإضافية كالفوقيّة والتحتيّة .

   فالجسم الواحد كبير بالإضافة إلى ما هو أصغر منه حجماً ، وهو بنفسه صغير بالنسبة إلى الأكبر منه ، كما أنّ كمِّيّة خاصّة من المال مثلاً كثيرة بالقياس إلى ما دونها وقليلة بالإضافة إلى ما فوقها ، ولا يصحّ توصيف شيء بالكثرة والقلّة أو الكبر والصغر بقول مطلق من غير ملاحظته مع شيء آخر .

   وعليه فاذا فرضنا أنّ أحداً يشكّ في الشهر عشر مرّات مثلاً أو عشرين فهو كثير الشك بالإضافة إلى الأفراد العاديين الّذين لا يشكّون كما هو الغالب أو في الشهر مرّة أو مرّتين ، وإن لم يكن هذا بالغاً درجة كثير الشك بالمعنى الاصطلاحي المفسّر بمن لا تمرّ عليه ثلاث صلوات إلاّ ويشكّ في إحداها ، فهو بالإضافة إليه من قليل الشك ، ووظيفته الإعـادة كما حكم (عليه السلام) أوّلاً إذ الشكّ في عدد الركعات بحيث لم يدر كم صلّى موجب للبطلان كما مرّ سابقاً (1) .

   فلا منافاة بينه وبين نفي الإعادة في الجواب عن السؤال الثاني المفروض فيه كثرة الشك ، بحيث كلّما أعاد شكّ ، الّذي هو من كثير الشك بالمعنى المصطلح . فالمراد بالكثرة في أحد السؤالين غير ما هو المراد بها في السؤال الثاني .

   واستظهر صاحب الحـدائق (قدس سره) (2) أن يكون المراد بالكـثرة في السؤال الأوّل كثرة أطراف الشكّ ومحتملاته ، بأن تردّدت بين الواحدة والثنتين

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح العروة 18 : 177 .

(2) الحدائق 9 : 289 .

ــ[7]ــ

والثلاث والأربع وهكذا ، وإن كان في نفسه شكّاً واحداً . فالتكثّر باعتبار متعلّق الشك لا أفراده ، بقرينة قوله : «حتّى لا يدري كم صلّى ولا ما بقي عليه» ثمّ لمّا راجعه السائل بقوله : «فانّه يكثر عليه ذلك» أمره بما هو الحكم في كثير الشك من المضي وعدم الالتفات ، لدخوله بكثرة ذاك الشكّ وتكرّر أفراده تحت عنوان كثير الشك ، فيشمله حكمه .

   لكنّ الأظهر ما ذكرناه ، فانّ المتبادر من قولهما «قلنا له : الرجل يشكّ كثيراً في صلاته ... » إلخ أنّ الكثرة وصف لنفس الشك لا لمتعلّقه ، فيكون ظاهراً في كثرة الأفراد لا كثرة الأطراف كما لا يخفى .

   وكيف ما كان ، فمورد الصحيحة كثرة الشكّ في عدد الركعات لا في غيرها من الأجزاء ونحوها ، كما أنّ موردها خصوص الشكّ المبطل ، ولا يعمّ الشكوك الصحيحة المتعلّقة بالركعات . فهي أخص من المدّعى .

   بل يمكن أن يقال بخروجها عمّا نحن فيه ، إذ المفروض فيها بلوغ الكثرة حدّاً لا يتمكّن معها من الإتيان بصلاة خالية عن الشكّ ، لقوله : «كلّما أعاد شكّ» . ومعلوم أنّ مثله محكوم بعدم الاعتناء عقلاً ، لمكان العجز ، من غير حاجة إلى التماس دليل شرعي . فالكثرة بهذا المعنى غير كثير الشكّ بالمعنى الاصطلاحي المفسّر بما عرفت . فالصحيحة أجنبية عن محلّ الكلام ، إذ موردها دائم الشكّ وهو غير كثير الشكّ .

   ومنها :  صحيحة ابن سنان عن غير واحد عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك» (1) .

   والظاهر أنّ المـراد به عبدالله بن سـنان ، بقرينة رواية فضـالة عنه ، فهي صحيحة السند . ومع التشكيك فيه فتكفينا صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 228 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 3 .

ــ[8]ــ

المشتملة على عين هذا المتن باضافة التعليل بقوله : «فانّه يوشك أن يدعك ، إنّما هو من الشيطان» .

   وهذه الصحيحة كما ترى عامّة لمطلق الشكّ المبطل وغيره ، المتعلّق بالركعات أو الأفعال من الأجزاء والشرائط ، من حيث الزيادة أو النقص .

   ويدل على خصوص النقص الأعم من المبطل وغيره في الأفعال ـ مضافاً إلى الإطلاق المزبور ـ موثّقة عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) : «في الرجل يكثر عليه الوهم في الصلاة فيشكّ في الركوع فلا يدري أركع أم لا ، ويشكّ في السجود فلا يدري أسجد أم لا ، فقال : لا يسجد ولا يركع ويمضي في صلاته حتّى يستيقن يقيناً» (1) .

   والمتحصّل من هذه الروايات البناء على وقوع ما شكّ فيه وإن كان في محلّه إلاّ إذا كان مفسداً فيبني على عدمه . والضابط الأخذ بما لا كلفة فيه من طرفي الشك كما ذكرناه .

   ويترتّب على ذلك أ نّه لو شكّ في المحل في السجود أو الركوع بنى على الوقوع ولو شكّ في الركعة أو الثنتين بنى على الركعتين ، وكذا لو شكّ بينهما وبين الثلاث في صلاة الفجر ، أمّا لو كان في الصلاة الرباعية فيبني على الثلاث ، ولو شكّ فيها بين الثلاث والأربع بنى على الأربع من غير حاجة إلى ركعة الاحتياط، وهكذا .

   وأمّا لو شكّ بين الأربع والخمس ، فقد ذكر في المتن أ نّه يبني على الأربع أيضاً .

   أقول :  لهذا الشك صور ثلاث . الاُولى : أن يشكّ بينهما بعد إكمال السجدتين . الثانية : أن يكون الشك قبل الإكمال كما في حال الركوع . الثالثة : أن يكون في حال القيام .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 229 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 5 .

ــ[9]ــ

   والوظيفة الأوّلية في الصورة الاُولى سجود السهو بعد البناء على الأربع، وفي الثانية إعادة الصلاة وبطلانها ، وكلتا الوظيفتين كلفة ، فهي مرفـوعة عن كثير الشك ، فيبني ولا شيء عليه . فالبناء على الأربع متّجه في هاتين الصورتين .

   بخلاف الصورة الثالثة ، إذ لازم البناء المزبور فيها تتميم الركعة التي بيده والإتيان بالركوع والسجدتين ، وهذا كما ترى كلفة محمولة على كثير الشك نشأت من الاعتناء بالشك ، فلا يناسب المضي في الصلاة وعدم الاعتناء المأمور بهما .

   بل المناسب أن يرفع عنه ما هو الموضوع في حقّ الشاك العادي في هذه الصورة ، فانّ وظيفته في هذه الصورة بعد هدم القيام وعود الشك إلى ما بين الثلاث والأربع البناء على الأربع والإتيان بركعة الاحتياط ، ثمّ سجود السهو للقيام الزائد ولكلّ ما تلفّظ به من تسبيح ونحوه ، بناءً على وجوبه لكلّ زيادة ونقيصة . فهذه الأحكام مرفوعة عن كثير الشك ، فيبني بعد الهدم على الأربع من غير حاجة إلى ركعة الاحتياط ولا إلى سجدة السهو .

   فان أراد (قدس سره) من البناء على الأربع ما يعمّ الصورة الأخيرة ، ففيه ما عرفت ، ولا يمكن المساعدة عليه بوجه .

   وإن أراد خصوص الاُوليين دون الأخيرة التي هي في الحقيقة من الشك بين الثلاث والأربع ، لرجوعه إلى الشك في أ نّه هل أكمل الثلاث وقد قام إلى الرابعة أم الأربع وهذا قيام زائد نحو الخامسة ، فنعم الوفاق ، فانّه لدى التحـليل من البناء على الأربع في الشكّ بين الثلاث والأربع ، لا في الشك بين الأربع والخمس كما لا يخفى .

ــ[10]ــ

ولو كان كثرة شكّه في فعل خاص يختص الحكم به (1) فلو شكّ اتّفاقاً في غير ذلك الفعل يعمل عمل الشك، وكذا لو كان كثير الشك بين الواحدة والاثنتين لم يلتفت في هذا الشك ويبني على الاثنتين ، وإذا اتّفق أ نّه شكّ بين الاثنتين والثلاث أو بين الثلاث والأربع وجب عليه عمل الشك من البناء والإتيان بصلاة الاحتياط ، ولو كان كثير الشك بعد تجاوز المحل ممّا لا حكم له دون غيره فلو اتّفق أ نّه شكّ في المحل وجب عليه الاعتناء ، ولو كان كثرة شكّه في صلاة خاصّة أو الصلاة في مكان خاصّ ونحو ذلك اختصّ الحـكم به ولا يتعدّى إلى غيره .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) لو كان من كثير الشك في فعل خاص كالركوع أو السجود ، أو ركعة خاصّة كالشكّ بين الواحدة والثنتين ، أو فريضة خاصّة كصلاة الفجر ، أو مكان خاص كالصلاة في الدار، أو زمان كذلك كأوّل الوقت ، أو كيفيّة خاصّة كالصلاة فرادى ، والجامع أن تكون كثرة الشك في جهة مخصوصة ، أمّا في غيرها فشكّه من الشكوك المتعارفة . فلو اتّفق له عروض الشك في جهة اُخرى فهل يلحقه حكم كثير الشك من عدم الاعتناء ، أو يختصّ الحكم بتلك الجهة نفسها ولا يتعدّى إلى غيرها ، بل يجب حينئذ العمل بوظيفة الشك ؟

   نسب الأوّل إلى غير واحد ، بل نسب إلى إطلاق الأصحاب الحكم بخروج كثير الشك عن أدلّة الشـكوك الشامل للشكّ الاتّفاقي في غير مورد الكثرة استناداً إلى إطلاق النصوص .

 ولكن الظاهر كما صرّح به في الجواهر(1) انصراف النصوص ولو بمناسـبة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجواهر 12 : 420 .

ــ[11]ــ

   [ 2116 ] مسألة 1 : المرجع في كثرة الشك العرف ، ولا يبعد تحقّقه إذا شكّ ((1)) في صلاة واحدة ثلاث مرّات أو في كلّ من الصلوات الثلاث مرّة واحدة (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحكم والموضوع إلى إلغاء الشك في خصوص مورد الكثرة ، ولا يتبادر منها عدم الالتفات في غير موردها ، كما قد يعضده التعليل الوارد فيها بأنّ ذلك من الشيطان ، فانّ الّذي يستند إليه هو الشكّ الكثير غير المتعارف الّذي هو قريب من الوسـوسة ، وأمّا العارض الاتّفاقي في غير مورد الكثرة فهو من الشكوك المتعارفة الحاصلة لكلّ أحد ، ولا يكون منشؤه الشـيطان ، فلا تكاد تشمله الأخبار بوجه ، فيبقى مشمولاً لإطلاق أدلّة الشكوك .

   ومع التنزّل والتشكيك فيما ذكرناه فغايته الإجمال في تلك الأخبار ، التي هي بمثابة التخصيص للإطلاق المزبور . ومن المعلوم أنّ المخصّص المجمل يقتصر فيه على المقدار المتيقّن ، وهو في المقام مورد الكثرة ، فيرجع فيما عداه إلى الإطلاق .

   وأوضح حالاً ما إذا كانت الكثرة في مورد لا حكم له كما لو كان كثير الشك بعد تجاوز المحلّ ، المحكوم بعدم الاعتناء حتّى مع عدم الكثرة ، فاتّفق أ نّه شكّ في المحل بشكّ عادي متعارف ، فانّه لا ينبغي الإشكال في لزوم الاعتناء بشكّه كما هو ظاهر .

   (1) نقل المحقّق (قدس سره) في الشرائع (2) في مقام تحديد كثرة الشك قولاً بأنّ حدّه أن يسهو ثلاثاً في فريضة ، ونقل قولاً آخر بأ نّه أن يسهو مرّة في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بل هو بعيد ، نعم يتحقّق ذلك بكون المصلّي على حالة لا تمضي عليه ثلاث صلوات إلاّ ويشكّ في واحدة منها .

(2) الشرائع 1 : 141 .

ــ[12]ــ

ثلاث فرائض .

   وصرّح المحقّق الهمداني (1) وغيره بعدم العثور على قائل هذين القولين ، ثمّ حكى عن بعضهم حدّاً يقرب ممّا ذكره المحقّق ، واحتمل أن يكون التحديد المزبور إشارة إليه وأ نّه من باب المسامحة في التعبير .

   وكيف ما كان ، فالمعروف والمشهور إناطة الحد بصدق الكثرة عرفاً بعد عدم ورود تحديد خاص من ناحية الشرع ، كما هو الشأن في تعيين مداليل الألفاظ وتشخيص موضـوعات الأحكام العارية عن التحديد الشرعي من الإحالة إلى الفهم العرفي ، فكلّ ما يراه العرف مصداقاً لكثرة الشك شمله الحكم ودار مداره وجوداً وعدماً .

   نعم ، ربما يتوهّم اسـتفادة التحديد من صحيحة محمّد بن أبي حمزة : «إنّ الصادق (عليه السلام) قال : إذا كان الرجل ممّن يسهو في كلّ ثلاث فهو ممّن كثر عليه السهو» (2) .

   فيقال بأ نّها تدلّ بمقتضى مفهوم القضيّة الشرطية على أنّ المناط في الحد عدم خلوّ كلّ ثلاث من صلواته عن الشك ، المطابق لأحد القولين الَمحكيين في الشرائع ، فانّ الظاهر أنّ المراد من «كل ثلاث» المذكور فيها كلّ ثلاث صلوات لا كلّ ثلاث ركعات ، إذ لا صلاة أكثر من الرباعية ، فمفهومها أنّ من لم يكن كذلك فهو ليس من كثير الشك .

   ولكنّه بمراحل عن الواقع ، لشهادة سياق المنطوق على عدم إرادة الحصر لقوله (عليه السلام) في الجزاء : «فهو ممّن ... » إلخ ، الّذي هو كالصريح في وجود فرد آخر له .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 586 السطر 27 .

(2) الوسائل 8 : 229 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 7 .

ــ[13]ــ

ويعتبر في صدقها أن لا يكون ذلك من جهة ع