ــ[21]ــ

في ظرف العلم وعدم اعتبارها لدى النسيان ، وأمّا الاعتبار حالة الجهل القصوري فمشكوك حسب الفرض ، ومقتضى الأصل البراءة عن اعتبار الجزئية في هذه الحالة .

   وقد أشرنا في مباحث القطع من الاُصول وفي مطاوي بعض الأبحاث الفقهية إلى أ نّه لا مانع من اختصاص الحكم بحال العلم به لا ثبوتاً ولا إثباتاً ، لإمكان ذلك ولو بتعدّد الدليل (1) وقد ثبت نظيره في باب الجهر والإخفات ، لقوله (عليه السلام) في صحيح زرارة : « ... فان فعل ذلك ناسياً أو ساهياً أو لا يدري فلا شيء عليه ، وقد تمّت صلاته» (2) وأشرنا في مبحث القـراءة (3) عند التعرّض للرواية إلى أنّ ظاهر التمامية مطابقة المأتي به للمأمور به وعدم نقص فيه الملازم لعدم اعتبار الجزئية في حال الجهل .

   فمن الجائز أن يكون المقام من هذا القبيل ، فلا تكون الجزئية ولا الشرطية معـتبرة لما عدا الأركان في ظرف الجهل ، كالنسيان ، ومع الشك في ذلك كان المرجع أصالة البراءة دون الاشتغال كما عرفت .

   الوجه الرابع :  ما قيل من أنّ الحديث في نفسه وإن شمل مطلق المعذور حتّى الجاهل بالتقريب المتقدّم ، إلاّ أنّ النصّ الخاصّ دلّ على الإعادة في خصوص الجاهل ، فيكون ذلك مخصصاً للقاعدة ومقيّداً لها بالناسي ، ويتمسّك في ذلك بروايتين :

   إحداهما : صحيحة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) : «إنّ الله تبارك وتعالى فرض الركوع والسجود ، والقراءة سنّة ، فمن ترك القراءة متعمّداً أعاد الصلاة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [ لاحظ مصباح الاُصول 2 : 44 ، 59 ، فانه ذكر خلافه ] .

(2) الوسائل 6 : 86 /  أبواب القراءة في الصلاة ب 26 ح 1 .

(3) [ لم نعثر على ذلك ، لاحظ شرح العروة 14 : 391 ـ 392 ]

ــ[22]ــ

ومن نسي فلا شيء عليه» (1) .

   دلّت على افتراق الفريضة عن السنّة، وأنّ ترك الاُولى يوجب البطلان مطلقاً وأمّا الثانية ـ التي منها القراءة ـ فانّما يوجب تركها البطلان في صورة العمد دون النسيان ، ولا شكّ أنّ الجاهل متعمّد ، لكونه مستنداً في تركه إلى العمد والقصد وإن كان معذوراً فيه من أجل الجهل ، فهو مندرج في العامد دون الناسي الذي لا قصد له . فجعل المقابلة بين العامد والناسي ووضوح اندراج الجاهل في الأوّل كاشف عن وجوب الإعادة عليه أيضاً ، واختصاص عدمها بالناسي .

   الثانية :  صحيحة منصور بن حازم قال «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : إنِّي صلّيت المكتوبة فنسيت أن أقرأ في صلاتي كلّها ، فقال : أليس قد أتممت الركوع والسجود ؟ قلت : بلى ، قال : قد تمّت صلاتك إذا كان نسياناً» وفي نسخة «إذا كنت ناسياً» (2) . دلّت بمقتضى مفهوم الشرط على عدم الصحّة فيما عدا صورة النسيان ، هذا .

   ولكنّ الظاهر أنّ الروايتين لا تدلان على ذلك .

   أمّا صحيح زرارة :  فلأنّ من الواضح أنّ ترك القراءة عن جهل بالحكم لعلّه لا يتّفق خارجاً ، إذ كلّ من يلتفت إلى وجوب الصلاة فهو يعلم بوجوب القراءة لا محالة ، فالتفكيك إمّا لا يتحقّق أو نادر التحقّق جدّاً كما لا يخفى .

   فكيف يمكن أن يراد بالعامد ـ في المقام ـ ما يشمل الجاهل ، بل الظاهر أنّ المراد به من لا يكون معذوراً ، كما أنّ المراد بالناسي من كان تركه مستنداً إلى العذر من نسيان ونحوه ، وغرضه (عليه السلام) أنّ غير المعذور يعيد والمعذور لا يعيد ، فانّ للعمد إطلاقين .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 87 /  أبواب القراءة في الصلاة ب 27 ح 1 .

(2) الوسائل 6 : 90 /  أبواب القراءة في الصلاة ب 29 ح 2 .

ــ[23]ــ

   أحدهما : ما يقابل النسيان، ومعناه القصد، وهو بهذا المعنى يشمل الجاهل فانّه أيضاً قاصد وإن استند قصده إلى الجهل .

   ثانيهما : ما يقابل الخطأ والعذر، وهذا أيضاً شائع في الاستعمال، كما يقال القتل العمدي ، في قبال الخـطأي ، وهو بهذا المعنى غير صادق على الجاهل بالحكم ، فانّه مخطئ في عمله إمّا بنفسه أو بمقلّده .

   فاذا فعل أو ترك شيئاً جهلاً لم يصدر ذاك عنه عمداً ، بل هو مخطئ في ذلك كما لو تخيّل الجاهل أنّ هذا المائع ملكه فشربه ثمّ تبيّن أ نّه لغيره ، فانّ الشرب وإن صدر عنه عن قصد لكن لا بعنوان أ نّه ملك للغير ، بل بحسبان أ نّه ملك له ، أو اعتمد في ذلك على أصل عملي كأصـالة الإباحة مثلاً . وكيف ما كان فهو مخطئ في التطبيق ، معذور في الشرب ، وليس بعامد . فالعمد بهذا المعنى غير متحقّق في الجاهل .

   وعليه فلم يعلم المراد من العمد في الصحيحة وأ نّه بمعنى القصد في مقابل النسـيان كي يشمل الجاهل ، أو المراد به ما يقابل الخطأ كي لا يشـمل . وكلا الأمرين محتمل في نفسه ، ولكن الثاني أظهر، لما عرفت من أنّ ترك القراءة جهلاً ربما لا يتّفق خارجاً ، فمراده (عليه السلام) التفصيل بين المعذور وغيره وأنّ المعذور لا يعيد صلاته ، وإنّما خصّ النسـيان بالذِّكر من أجل أ نّه أكثر أفراد العذر وأظهرها .

   ويؤيّد ذلك أنّ عدم الإعادة ثابت في غير موارد النسيان جزماً، كما لو أخطأ فتخيّل أنّ الركعة التي بيده هي الثالثة فاختار التسبيح ثمّ تبيّن في الركوع أ نّها الثانية ، أو دخل في الجماعة معتقداً أنّ الإمام في الركعة الاُولى أو الثانية فلم يقرأ ثمّ استبان أ نّه كان في الثالثة ، فانّه لا تجب عليه الإعادة في هذه الموارد ونحوها قطعاً ، مع أ نّه تارك للقراءة عمداً ، أي عن قصد .

ــ[24]ــ

   فيكشف ذلك عمّا ذكرناه من أنّ المراد من العمد ما يقابل العذر لا ما يقابل النسيان ، وأنّ المقابلة بينهما في النصّ من أجل أنّ النسيان هو الفرد البارز من العذر ، لا لخصوصية فيه ، وإلاّ فالجهل بالقراءة لا يكاد يتحقّق أبداً كما عرفت .

   والحاصل :  أنّ الاستدلال بالصحيحة على ثبوت الإعادة للجاهل يتوقّف على إثبات أنّ المراد من المتعمّد هو القاصد ، كي يشمل الجاهل ، ولكنّه لم يثبت بل هو بعيد في نفسه ، فانّ أكثر استعمال العمد في مقابل الخطأ ، لا بمعنى مجرّد القصد كما لا يخفى . فالصحيحة في نفسها غير ظاهرة في ذلك ، ولا أقلّ من الشكّ وإجمال المراد من العمد، فتسقط عن الاستدلال، فلا تصلح لتخصيص الحديث .

   وأمّا صحيحة منصور :  فالأمر فيها أوضح ، إذ لا مفهوم لها أبداً ، فانّ القضية شخصية ، والشرط مسوق لبيان تحقّق الموضوع الذي فرضه السائل وحاصل الجواب : أنّ الأمر إن كان كما ذكرت من فرض كونك ناسياً في مقابل العامد فقد تمّت صلاتك ، ولا إعادة عليك في هذا التقدير .

   ولا دلالة فيها بوجه على أنّ كلّ من لم يكن ناسياً وإن كان معذوراً كالجاهل تجب عليه الإعادة ، لابتنائها على انعقاد المفهوم ، ولا مفهوم لها بعد كون القيد مسوقاً لبيان الأمر المتقدّم في كلام السائل ، ولتحـقيق الموضوع الذي فرضه الراوي كما عرفت . وعليه فاطلاق لا تعاد الشامل للجاهل حسب الفرض سليم عمّا يصلح للتقييد .

   وملخّص الكلام حول حديث لا تعاد :  أ نّا قد ذكرنا غير مرّة أنّ الأمر بالإعادة الوارد في غير واحد من الأخبار لدى الإخلال بشيء وجوداً أو عدماً ليس أمراً نفسياً ، وإنّما هو إرشاد إلى الجزئية أو الشرطية أو المانعية ، إيعازاً إلى أنّ في العمل المأتي به خللاً ونقصاً يجب تداركه بالاستئناف . ففي مثل قوله

ــ[25]ــ

(عليه السلام) : «من زاد في صلاته فعليه الإعادة» (1) يفهم مانعية الزيادة وأ نّها معتبرة عدماً ، وهكذا في سائر الموارد المتضمّنة للأمر بالإعادة .

   وبمقتضى المقابلة يدل نفي الإعادة الوارد في مثل حديث لا تعاد على صحّة العمل وإن كان فاقداً لما عدا الخمسة ، وأنّ الجزئية أو الشرطية أو المانعية في غير الأركان لم تكن مجعولة على سبيل الإطلاق وإنّما هي مختصّة بحال دون حال .

   ولا إشكال في عدم ثبوت الجزئية وأخويها في حال السهو، فانّها القدر المتيقّن من الحديث الذي هو حاكم على جميع الأدلّة الأولية ، ولذا يعبِّرون عنها بأ نّها أجزاء أو شرائط ذكرية . فلا يحكم بالبطلان لدى الإخلال السهوي جزماً .

   إنّما الكلام في أنّ الحديث كما يشمل السهو هل يشمل الجهـل أيضاً أو لا وقد عرفت أ نّه لا مانع من الشمول للجاهل القاصر ، لعدم قصور في الإطلاق بالإضافة إليه ، فمن أتى بالوظيفة وهو يرى أ نّه أتى بها على ما هي عليه ثمّ انكشف له النقص لا تجب عليه الإعادة ، كما عرفت أنّ الحديث في نفسه قاصر الشمول بالنسبة إلى العامد ، بل لعلّه مناف لدليل الجزئية كما مرّ .

   وأمّا الجاهل المقصّر  فان كان ملتفـتاً حين العمل فهو أيضاً غير مشـمول لأنّ الظاهر من الحديث أ نّه ناظر إلى ما إذا كانت الإعادة معلولة للتذكّر أو انكشاف الخلاف ، بحيث لم تكن ثمّة حاجة إليها لولاهما ، ومن المعلوم أنّ المقصر الملتفت محكوم بالإعادة مطلقاً ، سواء انكشف لديه الخلاف أم لا ، إذ لا يصحّ له الاجتزاء بعمله بعد أن كان الواقع منجّزاً عليه ولم يكن جهله معذّراً له ، فلا أثر لانكشاف الخلاف بالإضافة إليه . فالحديث قاصر الشمول بالنسبة إليه في حدّ نفسه ، لعدم كونه متكفّلاً لبيان من عمله محكوم بالبطلان من الأوّل كما هو واضح .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 231 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 2 .

ــ[26]ــ

   وأمّا غير الملتفت الذي تمشّى منه قصد القربة معتقداً صحّة عمله فهو في نفسه لا مانع من شمول الحديث له ، إذ هو بحيث لو لم ينكشف له الخلاف لم يكن محكوماً بالإعادة لاعتقاده صحّة العمل حسب الفرض ، والواقع وإن كان منجّزاً عليه من أجل تقصـيره في جهله إلاّ أنّ الحديث الحاكم على الأدلّة الأوّلية متكفّل لنفي الإعادة وصحّة العمل ، فلا قصور في شموله لمثـله في حدّ نفسه . إلاّ أ نّه لا يمكن الالتزام بذلك لوجهين :

   أحدهما :  الإجماع القطعي القائم على إلحاق المقصّر بالعامد ، المؤيّد بما ورد من أ نّه يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقال له: «هلاّ عملت ، فيقول: ما علمت ، فيقال : هلاّ تعلمت»(1) . فهو ملحق بالعامد بالإجماع والنصّ .

   ثانيهما :  أ نّه قد ورد الأمر بالإعادة لدى الإخلال بشيء وجوداً أو عدماً في غير واحد من الأخبار، مثل قوله (عليه السلام)(2) : «من زاد في صلاته فعليه الإعادة» ونحو ذلك ممّا يستكشف منه الجزئية أو الشرطية أو المانعية كما مرّ وهي كثيرة واردة في أبواب التشهّد(3) والقراءة (4) والموانع(5) وغيرها ، فلو كان الحديث شاملاً للمقصّر أيضاً كالقاصر فأيّ مورد يبقى بعدئذ لهذه الأخبار .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [ وهو مضمون ما رواه المفيد في أماليه : 227 / 6 عن مسعدة ، قال : «سمعت جعفر ابن محمّد (عليهما السلام) وقد سئل عن قوله تعالى : (فلِلّه الحجّة البالِغة ) فقال : إنّ الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة : عبدي أكنت عالماً ؟ فإن قال : نعم ، قال له : أفلا عملت بما علمت . وإن قال : كنت جاهلاً ، قال له : أفلا تعلّمت حتّى تعمل ، فيخصمه وذلك الحجّة البالغة» . وكذا نقله في البحار 2 : 29 عن الأمالي ] .

(2) المتقدّم آنفاً .

(3) الوسائل 6 : 403 /  أبواب التشهد ب 7 ح 7 ، 8 وغيرهما .

(4) الوسائل 6 : 86 /  أبواب القراءة في الصلاة ب 26 ح 1 ، 87 / ب 27 ح 1 وغيرهما .

(5) الوسائل 7 : 234 /  أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 6 ، 7 وغيرهما .

ــ[27]ــ

   أجل يبقى مورد العمد وما يلحق به من المقصّر الملتفت ، لكنّه نادر جدّاً ، بل لعلّ صورة العمد لم تتحقّق أبداً أو في غاية الندرة ، فانّ ما يقع في الخارج من الإخلال مستند غالباً إلى الجهل ، كما أنّ الغالب فيه ما يكون عن تقصير ومن غير التفات من أجل عدم الفحص ، فلو كان المقصّر أيضاً مشمولاً للحديث لزم حمل هذه الأخبار على كثرتها على الفرد النادر، وهو كما ترى . فبهذه القرينة والقرينة السابقة نلتزم بعدم الشمول، وإن كان الحديث في نفسه غير  قاصر  الشمول كما عرفت .

   نعم ، يستثنى من ذلك موردان يحكم فيهما بالصحّة وإن كان الجاهل مقصّراً تعرّضنا لهما في الاُصول في باب الاشتغال (1) وهما الجهر والإخفات والقصر والإتمام ، فقد التزم الفقهاء فيهما بالصحّة من أجل النصّ الخاصّ (2) لا لحديث لا تعاد ـ كما التزموا بالعقاب أيضاً ـ إمّا بدعوى الأمر بهما على نحو من الترتّب غير الترتّب الاصطلاحي ، أو بدعوى قيام المصلحة الكاملة بصلاة القصر أو الجهر مثلاً والمصلحة الناقصة بالإخفات أو الإتمام كما التزم به في الكفاية (3) .

   وقد ذكرنا في محلّه عدم الدليل على شيء من الدعويين، بل الوجه في الصحّة لدى الجهل على ما يستفاد من النصّ المتضمّن لها كون العلم جزءاً من الموضوع فلو لم يفحص المكلّف ولو باختياره لا حاجة إلى الإعادة ، لأنّ الموضوع هو العالم بالحكم ، ولا مانع من أخذ العلم بالحكم جزءاً لموضوع نفسه ولو بدليل آخر كما بيّناه في الاُصول(4) . وأمّا العقاب فلم يثبت ، إذ لم يقم عليه إجماع .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الاُصول 2 : 506 .

(2) الوسائل 6 : 86 /  أبواب القراءة في الصلاة ب 26 ح 1 ، 8 : 506 /  أبواب صلاة المسافر ب 17 ح 4 وغيره .

(3) كفاية الاُصول : 378 .

(4) [ لاحظ مصباح الاُصول 2 : 44 ، 59 ، فانه ذكر خلافه ] .

ــ[28]ــ

   [ 2005 ] مسألة 4 : لا فرق في البطلان بالزيادة العمدية بين أن يكون في ابتداء النيّة أو في الأثناء ، ولا بين الفعل والقول ، ولا بين الموافق لأجزاء الصلاة والمخالف لها (1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وعلى الجملة :  نلتزم بالصحّة في هذين الموردين لأجل النصّ وإن كان فاقداً لجزء أو شرط ، ولو دلّ النصّ على مورد آخر فكذلك ، إذ لا مانع ثبوتاً من أخذ العلم بالحكم جزءاً من الموضوع، والمفروض قيام الدليل عليه إثباتاً. وقد عرفت عدم الدليل على العقاب وإن كان الجاهل مقصّراً ، نعم ينصرف النصّ إلى من يرى صحّة عمله ، فلا يشمل المتردّد كما لا يخفى .

   وكيف ما كان ، فالكبرى الكلّية المستفادة من حديث لا تعاد هي اختصاص الجزئية وأخويها بغير السهو وبغير الجهل العذري ، فان قام دليل في مورد على الإعادة حتّى في الناسي أو الجاهل يعتمد عليه ، مثل ما ورد في من كبّر جالساً ناسياً من أ نّه يعيد(1) ولذا قالوا : إنّ القيام حال التكبير ركن . ومثل ما ورد من البطلان في من صلّى في النجس ناسياً (2) . فكلّما ورد نصّ على خلاف هذه الكبرى يؤخذ به ويلتزم بالتخصيص ، وإلاّ كانت الكبرى هي المتّبع .

   والمتحصّل :  أنّ الإخلال بما عدا الأركان نسياناً أو جهلاً قصورياً محكوم بالصحّة . ومنه تعرف حكم تبدّل الرأي والعدول ، فلا حاجة إلى الإعادة لو تعلّق بغير الأركان كما مرّ . وقد عرفت أنّ الظاهر أنّ مراد الماتن (قدس سره) من الجاهل إنّما هو القاصر دون المقصّر .

   (1) بعد الفراغ عن بطلان الصلاة بالزيادة العمدية يقع الكلام في أ نّه هل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 5 : 503 /  أبواب القيام ب 13 ح 1 .

(2) الوسائل 3 : 479 /  أبواب النجاسات ب 42 ح 2 .

ــ[29]ــ

يعتبر في الزائد أن يكون من جنس المزيد عليه ومسانخاً للأجزاء الصلاتية أو لا، بل تصدق الزيادة حتّى على ما يخالف الأجزاء ويباينها إذا أتى بالزائد بعنوان أ نّه من الصلاة . ذهب بعضهم إلى الأوّل ، والمشهور الثاني ، وهو الأقوى .

   ويستدلّ للاعتبار بأنّ صدق مفهوم الزيادة متقوّم بالموافقة والاتّحاد في الجنس بين الزائد والمزيد عليه ، فلو أمر المولى بطبخ طعام ، أو تركيب معجون أو بناء عمارة ، أو صنع سرير ونحو ذلك من المركّبات المؤلّفة من عدّة أجزاء فلا تتحقّق الزيادة على المأمور به إلاّ إذا زاد عليه ممّا يسانخ أجزاءه ويوافقها في الجنس ، كما لو أمره ببناء عمارة ذات أربع غرف فبنى خمسـاً ، أو صنع سرير طوله متران فزاد عليه بنصف متر مثلاً ، أو طبخ طعام خال عن الملح فأدخله فيه ، وهكذا .

   وأمّا لو زاد فيه من غير الجنس كما لو قرأ سورة من القرآن حين البناء ولو بقصد كونها منه فانّ ذلك لا يعدّ زيادة في المأمور به ، لمباينتها مع أجزائه وعدم كون السورة من جنسها . وعليه فلايعدّ شيء زيادة في الصلاة إلاّ إذا  كان الزائد من جنس الأجزاء الصلاتية ، دون المخالف لها وإن جيء به بقصد كونه من الصلاة .

   وفيه ما لا يخفى ، فانّه خلط بين المركّبات الخارجية والمركّبات الاعتبارية فانّ المركّب الخارجي أمر تكويني مؤلّف من أجزاء محسوسة خارجية غير منوطة بالاعتبار والقصد ، فلا يتّصف شيء بعنوان الزيادة بمجرّد قصد كونه منه ما لم يكن من جنس المزيد عليه .

   وهذا بخلاف المركّب الاعتباري ، فانّ الوحدة الملحوظة بين أجزائه متقوّمة بالاعتبار والقصد، كيف وربما تكون الأجزاء غير مرتبطة بعضها ببعض وأجنبية بعضها عن الآخر لكونه مؤلّفاً من ماهيات متشتّة ومقولات متباينة كالصلاة فالحافظ للوحدة والمحقّق للتركيب ليس إلاّ الاعتبار والقصد .

ــ[30]ــ

ولا بين قصد الوجوب بها والندب ((1)) (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وعليه فقصد كون شيء منه سـواء أكان من جنس الأجـزاء أم لا  يوجب جزئيته للمأمور به ، فيكون زيادة فيه بطبيعة الحال . فلا يناط الصدق بالاتّحاد في السنخ في باب الاعتباريات التي يدور التركيب مدارها ، ولا واقع له وراءها بل مجرّد الإتيان بشيء بقصد الجزئية وبعنوان كونه ممّا يتألف منه المركّب كاف في صدق الزيادة وإن كان ممّا يخالفه في الجنس .

   ويؤكّد ذلك ما ورد في باب التكفير في الصلاة من النهي عنه معلّلاً بأ نّه عمل ولا عمل في
الصلاة
(2) ، إذ ليس المراد من العمل المنفي في الصلاة مطلق العمل وإن لم يقصد به الجزئية ، ضرورة جواز ذلك ما لم يكن ماحياً للصورة كحكّ رأسه أو جسده ، أو رفع رجله أو تحريك يده ونحو ذلك ، بل المراد كما أشرنا إليه عند التعرّض للرواية في باب التكفير (3) العمل المقصود به الجزئية والمأتي به بعنوان كونه من الصلاة ، مثل التكفير على ما يصنعه العامّة .

   فتطبيق الإمام (عليه السلام) هذا العنوان على التكفير غير المسانخ للأجزاء الصلاتية كاشف عمّا ذكرناه من صدق الزيادة على ما قصد به الجزئية ، وإن لم يكن الزائد من جنس المزيد عليه .

   (1) لما عرفت من أنّ العبرة في صدق الزيادة بقصد الجزئية ، المشترك بين الإتيان بعنوان الوجوب أو الندب ، فلا أثر لنيّة الوجه في ذلك . فلو أتى بالقنوت في غير محلّه ـ كما في الركعة الثالثة أو الثانية بعد الركوع ـ بقصد كونه من الصلاة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البطلان بزيادة ما قصد به الندب محلّ إشكال ، بل منع .

(2) الوسائل 7 : 266 /  أبواب قواطع الصلاة ب 15 ح 4 .

(3) شرح العروة 15 : 425 .

ــ[31]ــ

كان زيادة فيها وإن أتى به بنيّة الاستحباب .

   لكنّ هذا مبني على تصوير الجزء المستحب كي يمكن الإتيان به بقصد الجزئية المحقّق لعنوان الزيادة . وقد أشرنا غير مرّة (1) إلى عدم معقولية ذلك للمنافاة الظاهرة بين الجزئيـة والاسـتحباب ، فانّ مقتضى الأوّل الدخل في الماهيـة وتقوّمها به ، ومقتضى الثاني عدم الدخل وجواز الترك .

   وهذا من غير فرق بين أن يراد به الجزء للطبيعة أو الجزء للفرد ، إذ الفرد لا يزيد على الطبيعة بشيء عدا إضافة الوجود إليه ، ففرض كون شيء جزءاً للفرد من الطبيعة دون الطبيعة نفسها غير معقول كما لا يخفى . فاستحباب الجزء مسامحة في التعبير ، والمراد أ نّه مستحبّ نفسيّ ظرفه الصلاة كالقنوت والأذكار المسـتحبّة ، وأنّ الصلاة المشـتملة عليه تتضمّن مزيّة زائدة ، وأ نّها أفضل من العارية عنه .

   وعليه فالإتيان بالقنوت الزائد ونحوه لايستوجب البطلان من ناحية الزيادة لتقوّمها بقصد الجزئية المتعذّر في أمثال المقام كما عرفت . فغاية ما هناك أ نّه تشريع محرّم ، فان أوجب ذلك السراية إلى نفس العمل أوجب البطلان بهذا العنوان لا بعنوان الزيادة ، وإلاّ فلا .

   وقد ذكرنا في محلّه أنّ الذكر المحرم من القنوت ونحوه بمجرّده لا يستوجب البطلان ، فانّ المبطل إنّما هو كلام الآدمي ، والذكر المحرم لا يخرج عن كونه ذكراً وإن كان محرّماً ، ولا يندرج في كلام الآدميين كي تبطل معه الصلاة من هذه الجهة (2) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) منها ما تقدّم في ص 3 .

(2) شرح العروة 15 : 446 ، 392 .

ــ[32]ــ

نعم ، لا بأس بما يأتي به من القراءة والذكر في الأثناء لا بعنوان أ نّه منها ما لم يحصل به المحو((1)) للصورة ، وكذا لا بأس باتيان غير المبطلات من الأفعال الخارجية المباحة كحكّ الجسد ونحوه إذا لم يكن ماحياً للصورة (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ