ــ[21]ــ

   وقد تجب بالنذر والعهد واليمين، ولكن لو خالف صحّت الصلاة وإن كان متعمّداً (1).

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   فجواز الاقتصار على الصلاة فرادى وصحّتها هو مقتضى التحفّظ على دليلين والجمع بينهما، أحدهما: ما دلّ على عدم سقوط الصلاة بحال، والثاني: إطلاق صحيحة فضيل النافية لوجوب الجماعة عن كافّة الصلوات. ونتيجتهما بعد ضمّ أحدهما إلى الآخر هي صحّة الصلاة فرادى، سواء تمكّن من الائتمام أم لا.

   (1) أمّا أصل انعقاد النذر فلا شبهة فيه بعد رجحان متعلّقه الناشئ من أفضيلة الجماعة عن غيرها، فيشمله عموم أدلّة الوفاء به.

   وكذا الحال في العهد واليمين والشرط في ضمن العقد ونحوها ممّا يقتضي الوجوب بالعنوان الثانوي، لعموم أدلّتها، ولو خالف النذر ونحوه عامداً فعليه الكفّارة كما ستعرف(1).

   وإنّما الكلام في أنّ هذا الوجوب هل هو تكليفىّ محض فلا يترتّب على مخالفته إلاّ الإثم والكفّارة، أو أنّه وضعىّ والائتمام شرط في الصحّة، فلو خالف وصلّى فرادى بطلت صلاته؟

   تقدّم الكلام في نظائر المقام في غير مورد من المباحث السابقة كنذر إيقاع الفرائض في المسجد(2) ونحو ذلك وقلنا: إنّ الأظهر عدم البطلان لو خالف عدم الدليل عليه، بل لا مقتضي له إلاّ بناءً على اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عمّا لا يجتمع معه في الوجود، والمحقّق في محلّه خلافه(3).

   ومن الواضح: أنّ الأمر المتعلّق بالجماعة الناشئ من قبل النذر لا ستوجب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 23.

(2) [لم نعثر عليه].

(3) محاضرات في اُصول الفقه 3: 8 وما بعدها.

ــ[22]ــ

تقييد الإطلاق في الأمر الأوّل المتعلّق بطبيعي الصلاة الجامع بينها وبين الفرادى كي ينحصر امتثاله في الجماعة وتكون شرطاً في الصحّة، إذ لا تنافي بينهما ليلتزم بالتقييد بعد اختلاف المتعلّقين.

   فانّ الأمر الأوّل قد تعلّق بطبيعي الصلاة المرخّص في تطبيقها على أىّ فرد شاء بمقتضى الإطلاق، والثاني تعلّق بايقاعها في ضمن هذا الفرد بملاك الوفاء بالنذر. فهناك مطلوبان قائمان بعملين مستتبعان لأمرين لا مضادّة بينهما ليرتكب التقييد بعد أن كان المقام من قبيل تعدّد المطلوب لا وحدته، وإنّما يجب ارتكابه لو كان مفاد الأمر الثاني المنع عن تطبيق الطبيعة على الفرد الآخر، وقد عرفت أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه.

   ومع الغضّ وتسليم التنافي الموجب لسقوط الإطلاق فغايته الالتزام بثبوته على سبيل الترتّب، بأن يؤمر أوّلا بالصلاة جماعة، وعلى تقدير العصيان فهو مرخّص في تطبيق الطبيعة على أىّ فرد شاء، بل قد ذكرنا في محلّه جريان الترتّب في الأمرين(1) فما ظنّك في الأمر مع الترخيص.

   فالمقام نظير المثال المعروف من الصلاة في سعة الوقت المقترنة بالإزالة فكما التزمنا هناك بعدم التنافي بين الأمر بها وبين إطلاق الأمر بالصلاة، وعلى تقدير التنافي يثبت الإطلاق بالخطاب الترتّبي، فكذا في المقام حرفاً بحرف.

   نعم، إنّما يجب التقييد في المقام لو كان النذر متعلّقاً بترك الصلاة فرادى لتحقّق المنافاة حينئذ، لأجل امتناع الجمع بين التحفّظ على الإطلاق في الأمر المتعلّق بطبيعي الصلاة وبين المنع عن تطبيقه على هذا الفرد الناشئ من قبل النذر، فلا مناص من الالتزام بالتضييق في دائرة المأمور به وتخصيصها بغير هذا الفرد، ومن هنا قلنا بأنّ النهي عن العبادة يقتضي الفساد.

   لكن الشأن في صحّة مثل هذا النذر وانعقاده، بل الأقوى فساده، لاعتبار الرجحان في متعلّقه، ولا رجحان في ترك الصلاة فرادى. ومجرّد وجود

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في اُصول الفقه 3: 94، 102 وما بعدها.

ــ[23]ــ

ووجبت حينئذ عليه الكفارة (1).

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأرجح - وهي الصلاة جماعة - لا يستوجب الرجحان في الترك.

   فهو نظير ما لو نذر ترك زيارة مسلم (عليه السلام) ليلة عرفة، حيث لا ينبغي الإشكال في عدم انعقاده، لعدم الرجحان في هذا الترك، وإن كانت زيارة الحسين (عليه السلام) في تلك الليلة أفضل.

   وعلى الجملة: فالصلاة فرادى كالجماعة عبادة راجحة في حدّ ذاتها، وكذا زيارة مسلم (عليه السلام)، فلا رجحان في تركها لينعقد النذر وإن كان غيرها أفضل.

   فتحصّل: أنّ نذر الجماعة لا يستدعي بطلان الصلاة فرادى، وإن كان آثماً في مخالفة النذر. فالوجوب تكليفىّ محض، ولا يوجب التقييد في متعلّق الأمر كي يقتضي الاشتراط ويستتبع الفساد، بل قد ذكرنا في بحث المكاسب(1) : أنّ مثل هذا النذر لا يستتبع الحقّ ولا يستوجب المنع عن سائر التصرفات.

   فلو نذر التصدّق بالشاة المعيّنة فخالف وباعها صحّ البيع وإن أثم، لعدم خروجها بالنذر عن ملكه، إذ مفاد قوله: لله علىّ كذا...، جعل إلزام وحكم تكليفي من قبل الله تعالى على ذمّته، على حدّ قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)(2) من غير فرق بينهما إلاّ في أنّ الثاني مجعول من قبله تعالى ابتداء والأوّل بتسبيب منه وبتوسيط النذر، وليس مفاده سلب سلطنته عن المال، فقد باع ما يملكه، فيشمله عموم حلّ البيع.

   (1) ثبوت الكفّارة حينئذ وعدمه يبتني على القول بصحّة الصلاة فرادى وفسادها، فبناء على الصحّة - كما هو الأقوى على ما مرّ - تجب، لعدم التمكّن من الوفاء بالنذر بعدئذ، فقد تحقّق الحنث بهذا العمل المؤدّي إلى مخالفة النذر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقاهة 4: 182.

(2) آل عمران 3: 97.

ــ[24]ــ

والظاهر وجوبها أيضاً إذا كان ترك الوسواس موقوفاً عليها(( 1)) (1).

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عامداً فتتبعه الكفارة.

   وأمّا على القول بالبطلان من أجل اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه - كما سبق - فلا تجب، لا لبطلان الفرادى وأنّ الكفارة لا تترتّب على الصلاة الفاسدة، بل لعدم المقتضي لها رأساً، لعدم تحقّق موضوعها وهو الحنث، لتمكّنه بعدُ من الوفاء بالنذر والإتيان بصلاة الجماعة، فانّ الصلاة الباطلة في حكم العدم وكأنّها لم تكن، ففي وسعه أن يفي بنذره، ولا زال المحلّ قابلا له. فان وفى بعدئذ وصلّى جماعة قبل خروج الوقت فلا كلام، وإلاّ تحقّق الحنث لاحقاً من أجل ترك الجماعة المنذورة، لا سابقاً من أجل الإتيان بالصلاة فرادى.

   (1) هذا إنّما يتمّ بناء على حرمة الوسواس، فيجب الائتمام حذراً عن الحرام
لكنّها لم تثبت.

   فانّ عمدة ما يستدلّ به لذلك صحيحة عبدالله بن سنان قال: «ذكرت لأبي عبدالله (عليه السلام) رجلا مبتلى بالوضوء والصلاة وقلت: هو رجل عاقل فقال أبو عبدالله (عليه السلام): وأىّ عقل له وهو يطيع الشيطان؟ فقلت له: وكيف يطيع الشيطان؟ فقال: سله هذا الذي يأتيه من أىّ شيء هو، فانّه يقول لك: من عمل الشيطان»(2).

   وهي كما ترى لا دلالة لها على الحرمة بوجه، إذ ليس كلّ ما يتأتّى من قبل الشيطان ويكون من عمله حراماً، فانّ أصل السهو من الشيطان على ما صرّح به في بعض النصوص(3) ، ولا حرمة فيه قطعاً، فليست متابعته محرّمة في كلّ شيء.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وكان الوسواس موجباً لبطلان الصلاة.

(2) الوسائل 1: 63 / أبواب مقدّمة العبادات ب 10 ح 1.

(3) الوسائل 8: 227 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 1.

ــ[25]ــ

وكذا إذا ضاق الوقت عن إدراك الركعة بأن كان هناك إمام في حال الركوع (1)
بل وكذا إذا كان بطيئاً في القراءة في ضيق الوقت (2)،

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   والتعبير الذي تضمّنته الصحيحة للرجل الوسواسي ليس لأجل إطاعته الشيطان فيما يحرم، بل فيما يؤذيه، فانّه لا يزال في قلق واضطراب وتشويش وانقلاب، وكلّ فكره معطوف نحو امتثال العمل، ويتحمّل أنواع المتاعب في سبيل إحراز الإتيان بالأجزاء والشرائط على وجهها، فيوجب ذلك بطبيعة الحال تشتّت البال وعدم حضور القلب الذي هو روح العبادة.

   ومن ابتلي بهذا المرض الخبيث يدرك مدى تأذّي الوسواسي من حالته السيئة، وكلّ ذلك ينشأ من متابعته للشيطان في إيذائه وتسويلاته وتشكيكاته الكاشفة عن خفّة عقله، لا عن ضعف دينه كي يحرم، ولذا وصفه الإمام (عليه السلام) بأنّه لا عقل له لا أنّه لا دين له. ولو سألت الوسواسي المعترف بأنّ وسوسته من عمل الشيطان - كما في الصحيح - أنّه هل يرتكب الحرام لأنكره أشدّ الإنكار، وإلاّ كان فاسقاً متجاهراً.

   وعلى الجملة: فلم يظهر من الصحيحة تحريم الوسواس بما هو وفي حدّ نفسه كي يستوجب بطلان العمل.

   نعم، ربما يبلغ حدّاً يستلزم البطلان من ناحية اُخرى، كما لو كرّر الكلمة أو الآية مرّات كثيرة جداً، بحيث خرجت عن هيئتها، مثل ما لو كرّر الألف واللام في (الحمد لله) عشرين مرّة، فانّه من كلام الآدمي، وليس من القرآن في شيء، فيوجب البطلان من حيث الزيادة أو النقصان، فيجب عليه الائتمام حينئذ لو لم يتمكّن من تركه، لتوقّف امتثال الواجب عليه.

   (1) لتوقّف الخروج عن عهدة فريضة الوقت على الائتمام، وانحصار الامتثال فيه، فيتعيّن بطبيعة الحال.

   (2) لعين ما ذكر. ولا مجال هنا لتصحيحها بقاعدة من أدرك... لاختصاصها بمن لم يدرك بحسب طبعه لا بتعجيز نفسه اختياراً، وبما أنّه

ــ[26]ــ

بل لا يبعد وجوبها بأمر أحد الوالدين(( 1)) (1).

   [1869] مسألة 2: لا تشرع الجماعة في شيء من النوافل الأصليّة (2)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

متمكّن من إدراك تمام الوقت بالاقتداء فتركه تعجيز اختياري يمنع عن شمول الحديث له، فينحصر امتثال الأمر بالصلاة فيه، ولأجله يتعيّن.

   (1) بناء على وجوب إطاعتهما مطلقاً، على حدّ إطاعة العبد لسيّده. ولكنّه لم يثبت، لعدم الدليل عليه، وإنّما الثابت بمقتضى الآية المباركة(2) وغيرها وجوب حسن المعاشرة وأن يصاحبهما بالمعروف، فلا يؤذيهما ولا يكون عاقّاً لهما. وأمّا فيما لا يرجع إلى ذلك فوجوب الإطاعة بعنوانها بحيث لو أمراه بطلاق الزوجة أو الخروج عن المال وجب الامتثال فلم يقم عليه أىّ دليل.

   نعم، ورد في بعض الأخبار، أنّه «إن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك فافعل، فانّ ذلك من الإيمان»(3).

   لكنّه حكم أخلاقي استحبابي قطعاً كما يومئ إليه ذيل الخبر، كيف وقد كان يتّفق النزاع بين الوالد والولد في الأموال فكان يقضي بينهما النبىّ(صلى الله عليه وآله) كما تضمّنه بعض النصوص(4).

   (2) على المشهور، بل عن بعض دعوى الإجماع عليه. ونسب الجواز إلى بعض.

   ومال إليه في المدارك(5) قائلا: إنّ ما يمكن أن يستدلّ به على المنع روايتان:

   الاُولى: رواية محمد بن سليمان حاكياً عن عبدالله بن سنان وسماعة عن الصادق (عليه السلام)، وعن إسحاق بن عمّار عن الكاظم (عليه السلام)، وهو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وجوب إطاعتهما فيما لا يرجع الى حسن المعاشرة محلّ إشكال.

(2) لقمان: 31: 15.

(3) الوسائل 21: 489 / أبواب أحكام الأولاد ب 92 ح 4.

(4) الوسائل 11: 91 / أبواب وجوب الحج وشرائطه ب 36 ح 1.

(5) المدارك 4: 314.

ــ[27]ــ

بنفسه عن الرضا (عليه السلام) «أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) قال في نافلة شهر رمضان: أيّها الناس إنّ هذه الصلاة نافلة، ولن يجتمع للنافلة، فليصلّ كلّ رجل منكم وحده، وليقل ما علّمه الله من كتابه، واعلموا أن لا جماعة في نافلة»(1).

   الثانية: صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم والفضيل: «أنّهم سألوا أبا جعفر الباقر وأبا عبدالله الصادق (عليهما السلام) عن الصلاة في شهر رمضان نافلة بالليل في جماعة، فقالا: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان إذا صلّى... - إلى أن قال - قال (صلى الله عليه وآله): أيّها الناس إنّ الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة في جماعة بدعة...»(2).

   وقد ناقش (قدس سره) في كلتا الروايتين:

   أمّا الاُولى: فبقصورها سنداً بمحمّد بن سليمان الديلمي وغيره، وإن كانت الدلالة تامّة، لتضمّنها المنع عن الجماعة في مطلق النوافل، وكان ذكر نوافل شهر رمضان من باب التطبيق على الصغرى كما هو ظاهر.

   وأمّا الثانية: فبقصورها دلالة، لاختصاص المنع فيها بنوافل شهر رمضان دون مطلق النوافل، فهي إذن أخصّ من المدعى.

   أقول: لا يبعد دعوى الإطلاق في الثانية أيضاً، وأن يكون ذكر نوافل شهر رمضان فيها من باب تطبيق الكبرى على الصغرى كما هو الحال في الاُولى وإن لم يكن الأمر في هذه بذلك الظهور. فلا قصور في دلالتها.

   ومع الغضّ عن ذلك، فيكفينا لإثبات الإطلاق حسنة سليم بن قيس الهلالي قال: «خطب أميرالمؤمنين (عليه السلام) فحمد الله وأثنى عليه، إلى أن قال: والله لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلاّ في فريضة وأعلمتهم أنّ اجتماعهم في النوافل بدعة...»(3).

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8: 32 / أبواب نافلة شهر رمضان ب 7 ح 6.

(2) الوسائل 8: 45 / أبواب نافلة شهر رمضان ب 10 ح 1.

(3) الوسائل 8: 46 / أبواب نافلة شهر رمضان ب 10 ح 4.

ــ[28]ــ

   فانّ سليم بن قيس وإن لم يوثّق صريحاً، لكنّه من جملة خواصّ أميرالمؤمنين (عليه السلام)، وقد ورد في حقّه الكثير من المدح. فالرواية معتبرة سنداً(1) وتامّة أيضاً دلالة.

   على أنّها مؤيّدة بروايات اُخر لا تخلو أسانيدها من الخدش والإشكال(2) هذا.

   مضافاً إلى قيام سيرة المتشرّعة المتّصلة بزمن المعصومين (عليهم السلام) على المنع مطلقاً، حيث لم يعهد من أحد منهم إقامة الجماعة في شيء من النوافل على الإطلاق، عدا ما استثني كما ستعرف.

   ثمّ إنّه (قدس سره)بعد مناقشته في الروايات المانعة بما مرّ استدلّ للجواز بجملة من الأخبار:

   منها: صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبدالله عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: صلّ بأهلك في رمضان الفريضة والنافلة، فانّي أفعله»(3). بدعوى أنّ ظاهرها الصلاة مع الأهل جماعة، فقد دلّت على الجواز في مطلق النوافل كالفرائض.

   ويتوجّه عليه: أنّ ظاهر الرواية مطروح جزماً، لأنّ موردها نوافل شهر رمضان، ولا شكّ في عدم مشروعية الجماعة فيها حتّى باعترافه (قدس سره) للنصوص المتقدّمة وغيرها المانعة عن ذلك. فلا مناص من ارتكاب التأويل بحمل الباء في قوله (عليه السلام): «بأهلك» على معنى (عند) وصرفها عن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الراوي عن سليم في هذه الرواية هو إبراهيم بن عثمان، أي أبو أيّوب الخزاز، الذي هو من أصحاب الصادق والكاظم (عليهما السلام) وفي روايته عن سليم الذي هو من أصحاب أميرالمؤمنين (عليه السلام) - وإن أدرك الباقر (عليه السلام) - إشكال كما صرّح (دام ظلّه) به في معجم رجال الحديث 1: 233 / 208.

(2) منها ما في الوسائل 8: 335 / ابواب صلاة الجماعة ب 20 ح 5، 6.

(3) [سقطت هذه الصحيحة - الواردة في الوسائل / أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 13 - من الطبعة الجديدة للوسائل].

ــ[29]ــ

ظاهرها وهو كونها بمعنى (مع) الظاهر في الجماعة، فيكون المراد بها: صلّ عند أهلك وفي دارك لا في المسجد. لكونهم صائمين في شهر رمضان وبانتظار حلول وقت الإفطار، فكان الأولى حينئذ الصلاة عندهم نافلة وفريضة، دفعاً للانتظار وحذراً من التأخير.

   وإن أبيت عن ذلك فلا محيص من طرحها وردّ علمها إلى أهله، لمنافاة ظاهرها مع النصوص الكثيرة المتقدّمة، مع عدم التكافؤ بينهما، لكثرة تلك وعدم العمل بمضمون هذه الرواية أيضاً كما عرفت.

   ومنها: ثلاث صحاح وردت في خصوص النساء، وهي:

   صحيحة هشام بن سالم «أنه سأل أبا عبدالله (عليه السلام) عن المرأة هل تؤمّ النساء؟ قال: تؤمّهن في النافلة، فأمّا في المكتوبة فلا، ولا تتقدمهنّ، ولكن تقوم وسطهنّ»(1).

   وصحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: تؤمّ المرأة النساء في الصلاة، وتقوم وسطاً بينهنّ، ويقمن عن يمينها وشمالها، تؤمّهنّ في النافلة ولا تؤمّهنّ في المكتوبة»(2).

   وصحيحة سليمان بن خالد قال: «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن المرأة تؤمّ النساء، فقال: إذا كنّ جميعاً أمّتهن في النافلة، فأمّا المكتوبة فلا ولا تتقدّمهنّ ولكن تقوم وسطاً منهنّ»(3).

   وتتميم الاستدلال بالنصوص يتوقّف على دعوى المستدلّ القطع بعدم الفرق في الحكم المذكور بين المرأة والرجل، لعدم القول بالفصل بينهما من أحد، كما هو كذلك جزماً، إذ لا قائل بالتفكيك بينهما جوازاً ومنعاً، فهما متلازمان في هذا الحكم قطعاً.

   والجواب: أنّ هذه النصوص وإن دلّت على الجواز في النساء بالدلالة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8: 333 / أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 1.

(2)، (3) الوسائل 8: 336 / أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 9، 12.

ــ[30]ــ

المطابقية، لكنّها تدلّ عليه في الرجال أيضاً بالدلالة الالتزامية، للقطع بعدم القول بالفصل كما عرفت، كما أنّ النصوص السابقة المانعة كانت على العكس من ذلك، فانّها دلّت على المنع في الرجال بالمطابقة - يعني كان القدر المتيقّن به من موردها الرجال - وفي النساء بالالتزام، لما عرفت من عدم القول بالفصل بينهما في ذلك.

   وعليه فتقع المعارضة بين الطائفتين، لتعارض المدلول المطابقي لكلّ منهما مع المدلول الالتزامي للآخر، وبما أنّ الترجيح مع الطائفة المانعة، لشهرتها بين الأصحاب (قدس سرهم) ولمخالفتها مع العامّة، فلذلك تحمل المجوّزة على التقيّة، فلا يعتمد عليها.

   وقد أجاب المحقّق الهمداني (قدس سره)(1) عن الاستدلال بالنصوص المجوّزة بوجه آخر، وهو أنّها لا تدلّ إلا على مشروعية الجماعة في النافلة في الجملة، لعدم ورودها في مقام البيان من هذه الجهة حتّى ينعقد لها الإطلاق وإنّما وردت لبيان حكم آخر، وهو جواز إمامة النساء، فيكفي في الصحّة مشروعيتها ولو في بعض النوافل على سبيل الموجبة الجزئية كما في صلاة الاستسقاء ويوم الغدير.

   ثم قال (قدس سره): وإرادة هذا البعض منها بالخصوص الذي يندر الابتلاء به وإن كان بعيداً في حدّ ذاته في الغاية، لكن ممّا يقرّب احتماله كون المقام مورد التقيّة، حيث يناسب ذلك التورية، فلا بأس به في مقام الجمع حذراً من الطرح.

   أقول: ما أفاده (قدس سره) من الورود لبيان حكم آخر المانع من انعقاد الإطلاق للرواية وإن كان وجيهاً في بعض تلكم النصوص، إلاّ أنّه ممّا لا يتمّ في الكلّ، ولا سيما في صحيحة الحلبي غير المسبوقة بالسؤال، فانّ الإمام (عليه السلام) قد حكم فيها ابتداءً بمشروعية إمامتها لهنّ في النافلة، فتكون مسوقة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 625 السطر 35.

ــ[31]ــ

وإن وجبت بالعارض بنذر ونحوه (1).

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لبيان هذا الحكم، وهو مشروعية الجماعة في النافلة. فلا قصور في إطلاقها كما لا يخفى. والصحيح في الجواب عنها هو ما عرفت.

   فقد تحصّل: عدم مشروعية الجماعة في شيء من النوافل الأصلية عدا ما استثني ممّا ستعرف، للروايات المانعة السليمة عن المعارض، مضافاً إلى قيام السيرة على المنع كما عرفت.

 &