|
|
بسم الله
الرحمن الرحيم
الحمد
لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
الغرّ الميامين
فصل
في
الجماعة
وهي
من المستحبّات الأكيدة في جميع الفرائض
(1)،
خصوصاً اليوميّة منها(2)
وخصوصاً في الأدائيّة
(3).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فصل في
الجماعة
(1)
لاريب في مشروعيّة الجماعة، بل استحبابها المؤكّد في الصلوات الخمس
اليوميّة، بل في مطلق الفرائض. وقد قامت عليه سيرة المتشرّعة المتّصلة
بزمن المعصومين (عليهم السلام) والنبىّ الأعظم (صلى الله عليه وآله) ونطقت به
الروايات المستفيضة البالغة حدّ التواتر، المشتملة على ضروب من التأكيد حتّى
كادت تلحقها بالوجوب على حدّ تعبير الماتن، كما لا يخفى على المراجع، وستعرف ما
يمكن الاستدلال به من الروايات على المشروعيّة في عامّة الفرائض.
(2)
للتعرّض لها بالخصوص في بعض النصوص.
(3)
فانّها القدر المتيقّن من الأدلّة، وأمّا القضاء فربما يستدلّ لمشروعية
الجماعة فيها باتّحاد ماهيتها مع الأداء، وعدم الفرق بينهما من غير ناحية
الإيقاع في الوقت وفي خارجه، فيشتركان في جميع الأحكام التي منها
مشروعيّة الجماعة، وعليه فتتبع القضاء الأداء في
الكيفية من غير حاجة إلى ورود دليل بالخصوص.
ويتوجّه
عليه: أنّ حديث الاتّحاد لا يستدعي أكثر من الاشتراك
في الذات وما تتألّف منه حقيقة الصلاة من الأجزاء والشرائط المعتبرة في طبيعتها
وأنّها هي تلك الطبيعة بعينها. فاذا ثبت اعتبار الركوع والطهارة والستر
والاستقبال ونحوها في الصلاة ثمّ ورد الأمر بالقضاء يفهم العرف أنّ المقضىّ هي تلك
الصلاة المشتملة على هذه الخصوصيات، من غير حاجة إلى التنبيه على اعتبارها فيه.
وأمّا
الاشتراك في الأحكام زائداً على أصل الطبيعة، من مشروعية الجماعة وأحكام
الشكوك وعدم اعتناء المأموم بشكّه مع حفظ الإمام وغير ذلك من سائر الأحكام،
فلا يكاد يقتضيه الاتّحاد المزبور أبداً، بل لابدّ من قيام دليل عليه بالخصوص ولو
بمثل الإجماع ونحوه.
فالأولى
أن يستدلّ له بالروايات الخاصّة، وهي عدّة:
منها:
الأخبار الصحيحة الواردة في رقود النبي (صلى الله عليه وآله) وأصحابه عن صلاة
الفجر حتّى طلعت الشمس ثمّ قضائه (صلى الله عليه وآله) بهم جماعة بعد الانتقال إلى
مكان آخر(1).
فانّها
وإن أشكل التصديق بمضمونها من حيث الحكاية عن نوم النبىّ(صلى الله عليه وآله)،
ومن الجائز أن تكون من هذه الجهة محمولة على التقيّة، كما مرّت الإشارة إليه
سابقاً(2). لكنّها من حيث الدلالة على مشروعية الجماعة في
القضاء لا مانع من الأخذ بها بعد قوّة أسانيدها، وعدم المعارض لها.
ومنها:
موثّقة إسحاق بن عمّار قال «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام):
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 4: 285 / أبواب المواقيت ب 61 ح
6، 8: 267 / أبواب قضاء الصلوات ب 5 ح 1
[ولا يخفى
أن ماورد فيه صلاته (صلى الله عليه وآله) بهم جماعة هو الرواية الاولى لا
غير، وقد ناقش سندها في شرح العروة 11: 325].
(2) شرح العروة 16: 164، 168.
تقام الصلاة وقد صلّيت، فقال: صلّ
واجعلها لما فات»(1).
والطريق
وإن اشتمل على سلمة صاحب السابري ولم يوثّق، لكنّه مذكور في أسناد كامل
الزيارات. على أنّ الصدوق رواها بسند آخر عن إسحاق بن عمّار(2)، وطريقه
إليه(3)
صحيح(4).
ومنها:
ما دلّ على مشروعيّة الجماعة في الفرائض كلّها، الشامل باطلاقها لصلاة
القضاء، وهي صحيحة زرارة والفضيل قالا «قلنا له: الصلاة في جماعة
فريضة هي؟ فقال: الصلاة فريضة، وليس الاجتماع بمفروض في الصلوات
كلّها، ولكنّها سنّة، من تركها رغبة عنها وعن جماعة المؤمنين من غير
علّة فلا صلاة له»(5).
وتوضيح
الاستدلال بها: أنّ الراوي إنّما سأل عن وجوب الجماعة فارغاً عن مشروعيّتها
ولو في الجملة، وقد تضمّن الجواب نفي الوجوب، وأنّ الفرض إنّما هو أصل
الصلاة، وأمّا الاجتماع فليس بمفروض في شيء من الصلوات. فقد نفى (عليه السلام) وجوب
الجماعة في عامّة الصلوات كما يقتضيه الجمع المحلّى باللام مؤكداً بلفظة «كل».
فإلى
هنا لا تدلّ الصحيحة إلاّ على مشروعيّة الجماعة في الجملة، كما كان هو
المفروض في السؤال على ما عرفت، ولا دلالة لها على المشروعيّة المطلقة لعدم كونها
مسوقة إلاّ لنفي الوجوب كما عرفت.
ثم
ذكر (عليه السلام) بعد ذلك: «ولكنّها سنّة»، وهذه الجملة بملاحظة ما
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 8: 404 / أبواب صلاة
الجماعة ب 55 ح 1.
(2) الفقيه 1: 265 / 1213.
(3) الفقيه 4 (المشيخة): 5.
(4) ولكنّه أيضاً مبني على وثاقة رجال الكامل،
لأنّ في الطريق علي بن إسماعيل، المنصرف إلى ابن عيسى كما نصّ عليه
الاُستاذ (دام ظله) في معجمه 12: 301 / 7946، ولم يوثّق من غير ناحية وقوعه في
أسناد كامل الزيارات.
(5) الوسائل 8: 285 / أبواب صلاة
الجماعة ب 1 ح 2.
سبقتها كالصريحة في الاستحباب المطلق، للزوم
توارد النفي والإثبات على محلّ واحد رعاية لوحدة السياق، فتكون قد تضمّنت
إثبات الاستحباب لكلّ مورد نفت الجملة السابقة عليها الوجوب عنه، فانّ
الإثبات إنّما ورد على ما ورد النفي عليه، وقد عرفت أنّ المنفي هو الجميع
بمقتضى الجمع المحلّى المؤكّد بكلمة «كل»، فيكون المثبت مثله. فهذه الجملة بمثابة
أن يقال: الجماعة سنّة في الصلوات كلّها.
فدلّت
الصحيحة بهذا البيان على أنّ الجماعة سنّة في جميع الفرائض ومنها القضاء،
بمقتضى الإطلاق، فتدلّ على مشروعية الجماعة واستحبابها فيها أيضاً.
وممّا
ذكرنا تعرف إمكان التمسّك بهذا الإطلاق لإثبات المشروعيّة
في غير الصلوات اليوميّة من سائر الفرائض كصلاة الآيات، وإن كنّا في غنىً عن
التمسّك به، لورود الروايات الخاصّة الدالّة على مشروعية الجماعة
فيها، وأنّ النبىّ (صلى الله عليه وآله) صلاّها كذلك(1)
،
مع قيام السيرة القطعية على ذلك المتّصلة بزمن المعصومين (عليهم السلام) كما مرّت
الإشارة إليها في محلّها(2).
نعم،
لا يمكن التمسّك به في صلاة الأموات، لعدم كونها من حقيقة الصلاة في شيء،
وإنّما هي تكبير وتهليل وتسبيح وتحميد، فلا يجري عليها أحكام الصلاة
الحقيقية ذات الركوع والسجود، وإن اُطلق عليها لفظ الصلاة على سبيل الاشتراك
اللفظي، ولذا لا تعتبر فيها الطهارة لا من الحدث ولا الخبث، ولا غيرها من سائر
الأجزاء والشرائط المعتبرة في الصلاة عدا ما قام الدليل عليه بالخصوص.
وعليه
فالدليل المتكفّل لمشروعية الجماعة في الصلاة لا ينهض باثباتها في
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 7: 485 / أبواب صلاة الكسوف
والآيات ب 1 ح 10، 492 / ب 7 ح 1 وغيرهما.
(2) شرح العروة 16: 57.
ولا سيـما في الصبح
(1)
والعشاءين
(2)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مثل هذه الصلاة، لكن المشروعيّة قد ثبتت فيها
بالأدلّة الخاصّة على ما سبق في محلّه(1).
وأمّا
صلاة الطواف فمقتضى الصناعة الحكم بمشروعيّة الجماعة فيها أخذاً بالإطلاق
المزبور، لعدم القصور في شموله لها. لكن الذي يمنعنا عن الأخذ به عدم
معهوديّتها فيها عند المتشرّعة، بل المسلمين قاطبة، ولم ينقل عن النبي
(صلى الله عليه وآله) ولا المعصومين ولا عن أحد من أصحابهم إقامتها جماعة، مع تأكّد
استحبابها كما مرّ.
ولو
أنّهم أقاموها كذلك ولو مرّة واحدة لنقل إلينا بطبيعة الحال، فيكشف عدم
المعهودية عن عدم المشروعيّة، بل قد عرفت عدم الخلاف في ذلك عند عامّة
المسلمين، وبذلك ترفع اليد عن الإطلاق المتقدّم ويحكم بتقييده بغير هذه الصلاة.
تأكّد الاستحباب في موارد:
(1)
للتعرّض لها بالخصوص في صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام)
قال: «سمعته يقول: صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الفجر فأقبل
بوجهه على أصحابه فسأل عن اُناس يسمّيهم بأسمائهم فقال: هل حضروا
الصلاة؟ فقالوا: لا يا رسول الله، فقال: أغيّب هم؟
قالوا: لا، فقال: أما أنّه ليس من صلاة أشدّ على المنافقين من
هذه الصلاة والعشاء، ولو علموا أىّ فضل فيهما لأتوهما ولو حبواً»(2).
(2)
أما العشاء فللتعرّض لها في صحيحة ابن سنان المتقدّمة آنفاً، وأمّا
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح العروة 9: 207.
(2) الوسائل 8: 294 / أبواب صلاة
الجماعة ب 3 ح 1.
وخصوصاً لجيران المسجد
(1)،
أو من يسمع النداء
(2).
وقد ورد في فضلها وذمّ تاركها من ضروب التأكيدات ما كاد يلحقها بالواجبات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المغرب فيستدلّ لها برواية أبي بصير: «من صلّى
المغرب والعشاء الآخرة وصلاة الغداة في المسجد جماعة فكأنّما أحيا الليل كلّه»(1).
ولكنّها
ضعيفة السند بأحمد بن محمد بن يحيى وبعلي بن أبي حمزة البطائني قائد أبي
بصير، فلا يمكن الاعتماد عليها. فالأظهر اختصاص التأكّد بما عرفت.
(1)
لصحيحة ابن ميمون [عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه]
«قال: اشترط رسول الله (صلى الله عليه وآله) على جيران المسجد شهود الصلاة وقال:
لينتهينّ أقوام لا يشهدون الصلاة أو لآمرنّ مؤذّناً يؤذّن ثمّ يقيم، ثمّ آمر
رجلا من أهل بيتي وهو علىّ (عليه السلام) فليحرقنّ على أقوام بيوتهم بحزم الحطب
لأنّهم لا يأتون الصلاة»(2).
وقد
رواها الصدوق بطريقين، في أحدهما ضعف بمحمد بن علي ماجيلويه(3)
شيخه،
والطريق الآخر صحيح وإن اشتمل على أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني(4)
،
لتصريح الصدوق بتوثيقه(5).
(2)
لصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال «قال أميرالمؤمنين (عليه
السلام): من سمع النداء فلم يجبه من غير علّة فلا صلاة له»(6).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 8: 295 / أبواب صلاة
الجماعة ب 3 ح 3.
(2) الوسائل 8: 292 / أبواب صلاة
الجماعة ب 2 ح 6.
(3) ثواب الأعمال: 276 / 2.
(4) أمالي الصدوق: 573 / 783.
(5) كمال الدين: 369. على أنّها رويت في
المحاسن
[1:
165 / 241]
بطريق خال عن الخدش، بناء على وثاقة رجال الكامل.
(6) الوسائل 8: 291 / أبواب صلاة
الجماعة ب 2 ح 1.
ففي
الصحيح: «الصلاة في جماعة تفضل على صلاة الفذّ ـ أي الفرد ـ بأربع
وعشرين
درجة»
(( 1)).
وفي
رواية زرارة: «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) ما يروي الناس أنّ الصلاة في
جماعة أفضل من صلاة الرجل وحده بخمس وعشرين، فقال (عليه السلام):
صدقوا، فقلت: الرجلان يكونان جماعة؟ قال (عليه السلام):
نعم ويقوم الرجل عن يمين الإمام»(( 2)).
وفي
رواية محمد بن عمارة قال: «أرسلت إلى الرضا (عليه السلام) أسأله عن الرجل
يصلّي المكتوبة وحده في مسجد الكوفة أفضل أو صلاته مع جماعة؟ فقال (عليه
السلام): الصلاة في جماعة أفضل»((
3)) مع أنّه ورد:
«أنّ الصلاة في مسجد الكوفة تعدل ألف صلاة» وفي بعض الأخبار: «ألفين».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بل
قد يظهر من مثل هذه الصحيحة وسابقتها ممّا تضمّن نفي الصلاة عمّن لم يجب من غير
علّة، أو الذمّ والوعيد لمن لم يحضر الجماعة، كراهة الترك من غير
عذر، لا سيما مع الاستمرار عليه، ما لم يكن رغبة عن فضلها الضروري أو
استحقاراً واستخفافاً بشأنها، وإلاّ فلا إشكال في عدم الجواز بهذا العنوان كما أشار
إليه في المتن.
نعم،
ربما يورد على مضمون الصحيحة السابقة الوارد في غير واحد من الأخبار أيضاً من
الإنذار والعقوبة الشديدة على تارك جماعة المسلمين بأنّ ذلك ممّا لا يلائم استحباب
الفعل - وإن تأكّد - أو كراهة الترك، ضرورة أنّ شيئاً منهما لا يستتبع
التعذيب، سيما بهذه المثابة والمرتبة الشديدة من إحراق دورهم عليهم، فكيف التوفيق؟
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 8 : 285 / أبواب صلاة
الجماعة ب 1 ح 1.
(2) الوسائل 8 : 286 / أبواب صلاة الجماعة ب 1 ح
3، ب 4 ح 1.
(3) الوسائل 5 : 240 / أبواب أحكام
المساجد ب 33 ح 4.
بل في خبر «قال رسول الله (صلى الله عليه
وآله): أتاني جبرئيل مع سبعين ألف ملك بعد صلاة الظهر فقال: يا
محمد إنّ ربّك يقرئك السلام وأهدى إليك هديّتين لم يهدهما إلى نبيّ
قبلك، قلت: ما تلك الهديّتان؟ قال: الوَتر ثلاث
ركعات، والصلاة الخمس في جماعة، قلت: يا جبرئيل ما لاُمّتي في
الجماعة؟ قال: يا محمد إذا كانا اثنين كتب الله لكلّ واحد بكلّ ركعة
مائة وخمسين صلاة، وإذا كانوا ثلاثة كتب الله لكلّ واحد بكل ركعة ستمائة
صلاة وإذا كانوا أربعة كتب الله لكلّ واحد ألفاً ومائتي صلاة، وإذا كانوا
خمسة كتب الله لكلّ واحد بكل ركعة ألفين وأربعمائة صلاة، وإذا كانوا ستّة
كتب الله لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة أربعة آلاف وثمانمائة صلاة، وإذا كانوا
سبعة كتب الله لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة تسعة آلاف وستمائة صلاة، وإذا كانوا
ثمانية كتب الله لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة تسعة عشر ألفاً ومائتي صلاة، وإذا
كانوا تسعة كتب الله لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة ستة وثلاثين ألفاً وأربعمائة صلاة وإذا
كانوا عشرة كتب الله لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة سبعين ألفاً وألفين وثمانمائة صلاة،
فان زادوا على العشرة فلو صارت السماوات كلّها قرطاساً والبحار مداداً والأشجار
أقلاماً والثقلان مع الملائكة كتّاباً لم يقدروا أن يكتبوا ثواب ركعة، يا
محمد (صلى الله عليه وآله) تكبيرة يدركها
المؤمن مع الإمام خير من ستين ألف حجّة وعمرة، وخير من الدنيا وما فيها
بسبعين ألف مرّة، وركعة يصلّيها المؤمن مع الإمام خير من مائة ألف دينار
يتصدّق بها على المساكين، وسجدة يسجدها المؤمن مع الإمام في جماعة خير من
عتق مائة رقبة»(( 1)).
وعن الصادق(عليه السلام): «الصلاة خلف العالم بألف ركعة، وخلف القرشي
بمائة»(( 2)).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المستدرك 6 : 443 / أبواب صلاة
الجماعة ب 1 ح 3.
(2) المستدرك 6 : 473 / أبواب صلاة
الجماعة ب 23 ح 6.
ولا
يخفى أنّه إذا تعدّدت جهات الفضل تضاعف الأجر، فاذا كانت في مسجد السوق - الذي تكون الصلاة فيه باثنتي عشرة صلاة
- يتضاعف بمقداره، وإذا كانت في مسجد
القبيلة - الذي تكون الصلاة فيه بخمسة وعشرين - فكذلك، وإذا كانت في المسجد
الجامع - الذي تكون الصلاة فيه بمائة - يتضاعف بقدره، وكذا إذا كانت بمسجد
الكوفة الذي بألف، أو كانت عند علي (عليه السلام) الذي فيه بمائتي
ألف. وإذا كانت خلف العالم أو السيد فأفضل، وإن كانت خلف العالم السيد
فأفضل. وكلّما كان الإمام أوثق وأورع وأفضل فأفضل. وإذا كان المأمومون
ذوي فضل فتكون أفضل، وكلّما كان المأمومون أكثر كان الأجر أزيد.
ولا
يجوز تركها رغبة عنها، أو استخفافاً بها، ففي الخبر: «لا صلاة
لمن لايصلّي في مسجد إلاّ من علّة، ولا غيبة لمن صلّى في بيته ورغب عن
جماعتنا ومن رغب عن جماعة المسلمين وجب على المسلمين غيبته، وسقطت بينهم
عدالته، ووجب هجرانه، وإذا دفع إلى إمام المسلمين أنذره وحذّره، فان حضر جماعة
المسلمين وإلاّ اُحرق عليه بيته».
وفي
آخر: «إنّ أميرالمؤمنين (عليه السلام) بلغه أنّ قوماً لا يحضرون الصلاة في
المسجد، فخطب فقال: إن قوماً لا يحضرون الصلاة معنا في مساجدنا،
فلا يؤاكلونا ولا يشاربونا ولا يشاورونا ولا يناكحونا أو يحضروا معنا صلاتنا جماعة،
وإنّي لاُوشك أن آمر لهم بنار تشعل في دورهم فاُحرقها عليهم أو ينتهون،
قال: فامتنع المسلمون من مؤاكلتهم ومشاربتهم ومناكحتهم حتّى حضروا الجماعة
مع المسلمين»(( 1)).
فمقتضى
الإيمان عدم الترك من غير عذر، لا سيـما مع الاستمرار عليه، فانّه - كما ورد - لا يمنع الشيطان من شيء من العبادات منعها. ويعرض عليهم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 5 : 196 / أبواب أحكام
المساجد ب 2 ح 9.
الشبهات من جهة العدالة ونحوها حيث لا يمكنهم
إنكارها، لأنّ فضلها من ضروريات الدين.
[1868] مسألة
1: تجب الجماعة في الجمعة وتشترط في صحّتها
(1)،
وكذا العيدين مع اجتماع شرائط الوجوب
(2)،
وكذا إذا ضاق الوقت((1))
عن تعلّم القراءة لمن لا يحسنها مع قدرته على التعلّم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والجواب:
أنّ الظاهر أنّ التهديد في هذه الأخبار متوجّه إلى المنافقين المبطنين للكفر
المظهرين للإسلام، المتمرّدين على أوامر النبي (صلى الله عليه وآله)،
ولا شكّ في استحقاقهم لهذا النوع من التنبيه، وليست ناظرة إلى من يصلّي في المسجد
فرادى بمرأى من المسلمين ومسمع وإن لم يحضر جماعتهم من غير رغبة عنها ولا استخفاف
بشأنها.
وقد
ذكرنا في مبحث العدالة(2)
: أنّ الصلاة هي المائز بين المسلم
والكافر وهي رمز الإسلام، وبذلك تمتاز عن بقيّة الواجبات في عدم الحمل
على الصحيح لو شكّ في أنّ المسلم يصلّي في بيته أو لا، مع عدم حضوره
مساجد المسلمين، وأنّ جميع أفعال المسلم محمول على الصحّة لو شكّ فيها ما
عدا الصلاة، فانّ من شكّ في إقامته لها يدرج في سلك المنافقين المستوجبين
للعقاب بمقتضى هذه النصوص، وتمام الكلام في محلّه.
وجوب الجماعة:
(1)
كما مرّ الكلام حول ذلك مستقصى عند البحث عن صلاة الجمعة(3).
(2)
على ما سيأتي البحث عنه في محلّه(4).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وجوب الجماعة فيه تكليفي محض على
الأظهر.
(2) شرح العروة 1: 225 - 226.
(3)
[لم نعثر عليه فيما تقدّم].
(4) شرح العروة 19: 310.
وأمّا إذا كان عاجزاً عنه أصلا فلا يجب عليه حضور
الجماعة وإن كان أحوط (1).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
فصّل (قدس سره) بين من كان عاجزاً عن التعلّم أصلا كما لو كان أعجمياً جديد العهد
بالإسلام فلا يجب عليه الائتمام وإن كان أحوط، وبين من كان قادراً عليه
فتسامح في التعلّم إلى أن ضاق الوقت، فانّه تجب عليه الجماعة حينئذ بالوجوب الشرطي على ما هو ظاهر عبارته (قدس سره)، حيث عطف هذه الصورة على الجمعة
والعيدين بقوله: وكذا إذا ضاق...، وقد صرّح فيهما
بأنّ الجماعة شرط في الصحّة، وظاهر العطف المساواة في الحكم.
على
أنّه (قدس سره) تعرّض بعد ذلك لحكم نذر الجماعة وذكر أنّها تجب به، ولكن لو
خالف صحّت صلاته. وظاهر الاستدراك بل صريحه الفرق بين الوجوبين، وأنّه
هنا نفسي وفيما قبله شرطي. فمراده (قدس سره) ظاهر لا تردّد فيه.
أقول:
أمّا ما ذكره (قدس سره) في الصورة الاُولى
من عدم الوجوب فحقّ لا محيص عنه كما ستعرف.
وأمّا وجه الاحتياط الذي ذكره حينئذ - وإن كان استحبابياً - فلعلّه لاحتمال أن يكون الوجوب الضمني المتعلّق بالقراءة تخييرياً بينها وبين الائتمام فانّ الوجوب النفسي المتعلّق بأصل الصلاة لا شكّ أنّه تعييني، والتخيير في تطبيقها على الأفراد الطوليّة الواقعة فيما بين المبدأ والمنتهى وكذا العرضيّة التي منها ال