ــ[21]ــ

   الثالث : الطمأنينة فيه بمقدار الذكر الواجب(1)، بل الأحوط ذلك في الذكر المندوب أيضاً إذا جاء به بقصد الخصوصية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مسمع ، فقال ابن من ؟ فقال : ابن مالك ، فقال : بل أنت مسمع بن عبدالملك ولعلّه (عليه السلام) أشـار بذلك إلى أنّ مالك من أسماء الله تعـالى فلا يجوز التسمِّي به ، فأضاف (عليه السلام) إليه كلمة عبد . وعليه لا يبعد أ نّه عبدالمالك فكتب عبدالملك ، فان لفظة مالك تكتب بالنحوين .

   وكيف ما كان فمسمع هذا ثقة والروايتان صحيحتان قال في إحداهما عن أبي عبدالله (عليه السلام) : «يجزيك من القول في الركوع والسجود ثلاث تسبيحات أو قدرهن مترسّلاً ، وليس له ولا كرامة أن يقول : سبِّح سبِّح سبِّح» (1) وهي ظاهرة الدلالة في عدم الاكتفاء بالأقل من هذا العدد .

   وأصرح منها صحيحته الاُخرى عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: لايجزي الرجل في صلاته أقل من ثلاث تسبيحات أو قدرهنّ»(2) حيث تضمّنت بالصراحة نفي الاجتزاء بالأقل، فلايجزي من مطلق الذكر إلاّ التسبيحات الثلاث الصغرى أو ما يعادل هذا المقدار من سائر الأذكار ، فلو اختار الحمد لله أو الله أكبر ونحوهما لا بدّ وأن يكرِّرها ثلاثاً حتّى يساوي هذا المقدار ، والتسبيحة الكبرى أيضاً تعادله بحسب المعنى وإن لم تساو الحروف ، فكأنّ سبحان ربِّي تسبيحة والعظيم تسبيحة اُخرى، وبحمده تسبيحة ثالثة . وكيف كان فبهاتين الصحيحتين يقيّد الاطلاق  في الصحيحتين  السابقتين للهشامين ـ لو سلم الاطلاق ـ كما عرفت .

 (1) اجماعاً كما ادّعاه غير واحد من الأصحاب كالمحقِّق في المعتبر(3) والعلاّمة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ، (2) الوسائل 6 : 302 /  أبواب الركوع ب 5 ح 1 ، 4 .

(3) المعتبر 2 : 194 .

ــ[22]ــ

في المنتهى (1) وغيرهما . فكأ نّه من المتسالم عليه ، وهو العمدة في المقام .

   وهل يمكن الاستدلال بوجه آخر؟ قال في الحدائق(2) : والأصحاب لم يذكروا هنا دليلاً على الحكم المذكور من الأخبار، وظاهرهم انحصار الدليل في الاجماع ثمّ استدلّ هو (قدس سره) بصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : بينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) جالس في المسجد إذ دخل رجل فقام يصلِّي فلم يتم ركوعه ولا سجوده ، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : نقر كنقر الغراب لئن مات هذا وهكذا صـلاته ليموتنّ على غير ديني» (3) ، ورواها البرقي في المحاسـن عن ابن فضّال ، عن عبدالله بن بكير عن زرارة (4) . وعليه تكون موثقة ، كما أ نّها بالطريق الأوّل صحيحة أو حسـنة لمكان إبراهيم بن هاشم .

   وقد روي هذا المضمون عن عبدالله بن ميمون عن علي (عليه السلام) (5) لكنّها كما ترى قاصرة الدلالة على المطلوب ، إذ غايتها لزوم المكث في الركوع برهة ولو متمايلاً من جانب إلى آخر وعدم الاستعجال في رفع الرأس الّذي به يكون ركوعه كنقر الغراب ، وهذا أعم من الاستقرار المدّعى كما لا يخفى .

   وأمّا مرسلة الذكرى « ... ثمّ اركع حتّى تطمئن راكعاً ... » إلخ (6) والنبوي المحكي عنه (7) فضعفهما ظاهر ، ولا مجال للاعتماد عليهما .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المنتهى 1 : 282 السطر 5 .

(2) الحدائق 8 : 242 .

(3) الوسائل 6 : 298 /  أبواب الركوع ب 3 ح 1 .

(4) المحاسن 1 : 158 / 222 .

(5) الوسائل 4 : 36 /  أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 9 ح 2 .

(6) الذكرى 3 : 363 .

(7) الذكرى 3 : 367 .

ــ[23]ــ

   نعم ، لا بأس بالاسـتدلال بصحيحة بكر بن محمّد الأزدي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «سـأله أبو بصـير وأنا جالس عنده ـ إلى أن قال (عليه السلام) ـ فاذا ركع فليتمكّن ، وإذا رفع رأسـه فليعتدل ... » إلخ (1) ، وقد عبّر عنها بالخبر مشعراً بضعفها ، لكن الظاهر صحّتها ، فانّ بكر بن محمّد ثقة وثّقه النجاشي(2) والراوي عنه أحمد بن إسحاق مردّد بين الرازي والأشعري وكلاهما ثقة ، وإن كان الأظهر أنّ المراد به الأشعري ، لأنّ الصدوق ذكره في المشيخة في طريقه إلى بكر مصرّحاً بالأشعري (3) ، فبهذه القرينة يظهر أنّ الراوي عنه هو الأشـعري ، وهو وإن كان من أصحاب الجواد (عليه السلام) إلاّ أ نّه لا مانع بحسب الطبقة من روايته عن بكر الّذي هو من أصحاب الصادق والكاظم بل والرِّضا (عليهم السلام) .

   وكيف كان ، فهي صحيحة السند كما أ نّها ظاهرة الدلالة ، إذ التعبير بقوله : «إذا ركع فليتمكّن» ظاهر في الارشاد إلى شرطية التمكّن في تحقّق الركوع المأمور به نظير قوله : «إذا صلّيت فاستقبل» لا أ نّه واجب نفسي مستقل أو جزء ضمني للصلاة ، فدلالتها على اعتبار الاطمئنان في تحقّق الركوع الواجب ممّا لا ينبغي الاشكال فيه .

   وأمّا الدلالة على اعتباره في الذكر الواجب فقد تمنع بأنّ غايتها الاعتبار في مسمّى الركوع دون الأكثر ، لكنّه في غير محله ، بل الظاهر أ نّها تدل عليه أيضاً بالدلالة الالتزامية ، إذ دليل وجوب الذكر قد دلّ على الاتيان به في الركوع المأمور به لا مطلقاً ، فاذا كان الركوع المأمور به متقوّماً بالاطمئنان كما دلّت عليه هذه الصحيحة بالمطابقة ، فلازمه كون الاطمئنان بمقدار يتحقّق الذكر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 35 /  أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 8 ح 14 .

(2) رجال النجاشي : 108 / 273 .

(3) الفقيه 4 (المشيخة) : 33 .

ــ[24]ــ

فلو تركها عمداً بطلت صلاته((1)) بخلاف السهو على الأصح وإن كان الأحوط الاستئناف إذا تركها فيه أصلاً ولو سهواً ، بل وكذلك إذا تركها في الذكر الواجب (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الواجب في ضمنه فلا يكفي مسـمّاه .

   وعلى الجملة ضم أحد الدليلين إلى الآخر يستوجب اعتبار الاستقرار في الركوع نفسه ، وفي الذكر الواجب فيه ، بل إنّ مقتضى هذا البيان اعتباره حتّى في الذكر المستحب إذا قصد به الخصوصية والورود ، فانّه كالذكر الواجب في أنّ محله الركوع المأمور به فيعتبر الاستقرار في كليهما بملاك واحد . نعم ، لا يعتبر في المستحب المأتي به بقصد مطلق الذكر لا التوظيف ، إذ ليس له حينئذ محل معيّن كما هو ظاهر . فما ذكره في المتن من الاحتياط في الذكر المندوب إذا جاء به بقصد الخصوصية في محلّه .

   (1) لا إشكال في البطلان لو أخلّ بالاطمئنان عمداً في الذكر الواجب فضلاً عن أصل الركوع كما هو ظاهر . وهل هو ركن تبطل الصلاة بتركه حتّى سهوا ؟

   نسب ذلك إلى بعض كالشيخ(2) ، والإسكافي(3) ، وكأ نّه أخذاً باطلاق معاقد الاجماعات ، لكنّه واضح المنع كما لا يخفى ، هذا .

   والصحيح في المقام هو التفصيل بين الاخلال به في أصل الركوع وبين تركه في الذكر الواجب .

   ففي الأوّل ، لا يبعد القول بالبطلان لما عرفت من أنّ ظاهر صحيحة الأزدي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في البطلان بترك الطمأنينة في الذكر المندوب إشكال بل منع .

(2) الخلاف 1 : 348 المسألة 98 .

(3) حكاه عنه في مفتاح الكرامة 2 : 417 السطر 3 .

ــ[25]ــ

   الرابع : رفع الرأس منه حتّى ينتصب قائماً (1) ، فلو سجد قبل ذلك عامداً بطلت الصلاة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اعتباره في الركوع والارشاد إلى شرطيته فيه ، ومقتضى الاطلاق عدم الفرق بين العمد والسهو ، إذ ليس هو حكماً نفسياً حتّى ينصرف إلى حال الاختيار بل ارشاد إلى الاعتبار الشامل باطلاقه لكلتا الصورتين ، ومعه لا مجال للتمسّك بأصالة البراءة ، إذ لا سبيل إلى الأصل بعد إطلاق الدليل .

   كما لا مجال للتمسّـك بحديث لا تعاد ، إذ بعد تقوّم الركـوع المأمور به بالاطمئنان كما نطق به الصحيح فالاخلال به إخلال بالركوع لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه ، وهو داخل في عقد الاستثناء في حديث لا تعاد .

   وأمّا في الثاني ، فالظاهر الصحّة لأ نّه إخلال بشرط الذكر ، فغايته الاخلال بالذكر نفسه فلا يزيد على تركه رأساً ، ومعلوم أنّ الاخلال بالذكر الواجب سهواً لا يقتضي البطلان لدخوله في عقد المستثنى منه في حديث لا تعاد . فظهر أنّ الأوجه كون الاطمئنان ركناً في أصل الركوع فلو تركه رأسـاً ولو سهواً بطلت صلاته ، وأمّا في الذكر الواجب فليس بركن فلا يضر تركه السهوي .

   وممّا ذكرنا تعرف أنّ ما أفاده في المتن من الاحتياط في الاستئناف لو تركه أصلاً صحيح ، بل هو الأظهر كما عرفت . وأمّا احتياطه (قدس سره) فيما لو تركه سهواً في الذكر الواجب فلا وجه له .

   (1) بلا خلاف ولا إشكال ، بل عليه دعوى الاجماع في كثير من الكلمات وتقتضيه نصوص كثيرة، بل في الجواهر(1) أ نّها مستفيضة ، إلاّ أنّ غالبها ضعيفة السند .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجواهر 10 : 87 .

ــ[26]ــ

   الخامس : الطمأنينة حال القيام بعد الرفع (1) فتركها عمداً مبطل للصلاة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   نعم ، يمكن الاستدلال عليه بصحيحة حماد قال فيها : «ثمّ استوى قائماً» (1) فانّ الاستواء في القيام هو الانتصاب .

   وبصحيحة أبي بصير « ... وإذا رفعت رأسك من الركوع فأقم صلبك حتّى ترجع مفاصلك»(2) ، ويؤيِّده خبره الآخر : «إذا رفعت رأسك من الركوع فأقم صلبك فانّه لا صلاة لمن لا يقيم صلبه» (3).

   وعليه فلو سجد قبل رفع الرأس والانتصـاب عامداً بطلت صلاته . نعم لا بأس بذلك سهواً لحديث لا تعاد كما هو ظاهر .

   (1) اجماعاً كما حكاه جماعة ، واستدلّ له في المدارك(4) بالأمر باقامة الصلب والاعتدال في خبري أبي بصير المتقدِّمين وغيرهما ، وهذا وإن كان ممكناً في حدّ نفسه إلاّ أنّ الجزم به مشكل ، إذ الاعتدال والاقامة غير ملازم للاسـتقرار فانّ معناهما رفع الرأس إلى حدّ الانتصاب غير المنافي للتزلزل وعدم القرار كما لا يخفى .

   فالأولى الاستدلال له بصحيحة حماد قال فيها: «فلمّا استمكن من القيام قال سمع الله لمن حمده» (5)، بضميمة ما في ذيلها من قوله (عليه السلام) : «يا حماد هكذا صل» ، فانّ الاستمكان ظاهره أخذ المكان المسـاوق للثبات

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 5 : 459 /  أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1 .

(2) الوسائل 5 : 465 /  أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 9 .

(3) الوسائل 6 : 321 /  أبواب الركوع ب 16 ح 2 .

(4) المدارك 3 : 389 .

(5) الوسائل 5 : 459 /  أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1 .

ــ[27]ــ

   [ 1581 ] مسألة 1 : لا يجب وضع اليدين على الركبتين حال الركوع بل يكفي الانحناء بمقدار إمكان الوضع كما مرّ (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والاطمئنان كما لا يخفى .

   وكيف كان ، فلا إشكال في الحكم فلو أخلّ به عمداً بطلت صلاته ، لا سهواً لحديث لا تعاد ، فليس بركن كما هو ظاهر .

   (1) تقدّم الكلام حول هذه المسألة سابقاً (1) وعرفت أنّ الوضع مستحب لا واجب إجماعاً كما ادّعاه غير واحد ، كما عرفت أ نّه الظاهر من النص أيضاً على ما مرّ .

   نعم ، ذكر في الحدائق بعد أن اعترف بالاجماع وعدم الخلاف بين الأصحاب ما لفظه : ثمّ لا يخفى أنّ ظاهر أخبار المسألة هو الوضع لا مجرّد الانحناء بحيث لو أراد لوضع ، وأنّ الوضع مسـتحب كما هو المشهور في كلامهم والدائر على رؤوس أقلامهم ، فانّ هذه الأخبار ونحوها ظاهرة في خلافه ، ولا مخصّص لهذه الأخبار إلاّ ما يدعونه من الاجماع على عدم وجوب الوضع (2) .

   وجوابه يظهر ممّا أسـلفناك ، فانّ الأمر بالوضع في الأخـبار محمول على الاسـتحباب لا محالة بقرينة قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة المتقدِّمة : «فان وصلت أطراف أصابعك في ركوعك إلى ركبتيك أجزأك ذلك وأحبّ إليَّ أن تمكن كفّيك من ركبتيك... » (3) فانّه ظاهر بل صريح في عدم وجوب الانحناء حدّاً يتمكّن معه من وضع اليدين على الركبتين فضلاً عن وجوب الوضع ، بل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 5 .

(2) الحدائق 8 : 240 .

(3) الوسائل 5 : 461 /  أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 3 .

ــ[28]ــ

   [ 1582 ] مسألة 2 : إذا لم يتمكّن من الانحناء على الوجه المذكور ولو باعتماد على شيء أتى بالقدر الممكن ((1)) ولا ينتقل إلى الجلوس وإن تمكّن من الركوع منه ، وإن لم يتمكنّ من الانحناء أصلاً وتمكّن منه جالساً أتى به جالساً والأحوط صلاة اُخرى بالايماء ((2)) قائماً ، وإن لم يتمكّن منه جالساً أيضاً أومأ له ـ وهو قائم ـ برأسه إن أمكن ، وإلاّ فبالعينين تغميضاً له وفتحاً للرّفع منه ، وإن لم يتمكّن من ذلك أيضاً نواه بقلبه وأتى بالذكر الواجب ((3)) (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قد صرّح (عليه السلام) باستحبابه بقوله «وأحبّ إليَّ ... » إلخ فليس عليه إلاّ إيصال أطراف الأصابع إلى الركبتين لا وضع الكف عليهما .

   بل إنّ الايصـال الخارجي أيضاً غير واجب ، لما مرّ من أ نّه ملحوظ على سبيل الطريقية لا الموضوعية لكونه واقعاً موقع التحديد، فاللاّزم إنّما هو الانحناء حدّاً يتمكّن معه من إيصال أطراف الأصابع إلى الركبتين سواء أوصلها إليهما خارجاً أم لا ، إذ العـبرة بالمنكشف لا الكاشـف ، لعدم خصـوصية للوصـول الخارجي بعد لحاظه طريقاً كما عرفت .

   (1) للمسألة صور :

   إحداها :  ما إذا لم يتمكّن من الانحناء على الوجه المأمور به مع تمكّنه منه في الجملة ، والمشهور حينئذ وجوب الانحناء بالمقدار الممكن ، بل ادّعى غير واحد الاجماع عليه ، ويستدل له بوجهين :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ويومئ معه أيضاً على الأحوط .

(2) الظاهر كفايتها بلا حاجة إلى الصلاة جالسا .

(3) على الأحوط .

ــ[29]ــ

   أحدهما :  التمسّك باطلاقات الأمر بالركوع ، لما مرّ (1) من عدم ثبوت الحقيقة الشرعية ، وأنّ الركوع في لسان الشرع على ما هو عليه من المعنى اللّغوي أعني مطلق الانحناء ، غايته ثبوت التقييد بالبلوغ إلى مرتبة خاصّة يتمكّن معها من إيصال أطراف الأصابع إلى الركبتـين ، وحيث إنّه كغيره من سـائر التكاليف مشروط بالقدرة فلا تقييد بالاضافة إلى العاجز فتشمله الاطلاقات .

   وفيه أوّلاً :  أنّ دليل التقييد لم يتضمّن حكماً تكليفياً نفسـياً كي يختصّ بالقادرين ، وإنّما هو إرشاد إلى اعتبار المرتبة الخاصّة من الانحناء في الركوع المأمور به وكونها شرطاً فيه كأدلّة سائر الأجزاء والشرائط كما تقدّم ، ومقتضى الاطلاق في مثله عدم الفرق بين حالتي العجز والاختيار .

   وثانياً :  مع التسليم فلازمه التخيير بعد العجز عن تلك المرتبة الخاصّة بين جميع مراتب الانحناء، لصدق الركوع لغة على مطلقها كما عرفت ، لا وجوب الاتيان بالمقدار الممكن كما هو المدّعى لعدم الدليل عليه .

   ثانيهما :  التمسّك بقاعدة الميسور المنجبر ضعفها بقيام الاجماع على العمل بها في المقام .

   أقول :  إن تمّ الاجماع في المسألة فهو المستند ، وإلاّ فالقاعدة في نفسها غير صالحة للاستدلال، لمنعها كبرى من أجل ضعف مدركها كما نقحناه في الاُصول(2) . وكذا صغرى ، لتوقفها على كون الهوي من أجزاء الواجب ، وتركب المأمور به منه ومن غيره كي يجب البعض لدى تعذّر الكل لكونه ميسوراً منه . وأمّا بناءً على ما هو التحقيق من خروجه عنه وكونه معتبراً فيه شرطاً لا شطراً ، وأنّ الواجب أمر وحداني بسيط ، وهي الهيئة الخاصّة الحاصلة من الانحناء البالغ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 3 .

(2) مصباح الاُصول 2 : 477 .

ــ[30]ــ

حدّاً مخصوصاً ، والركوع الواجب اسم لتلك المرتبة الخاصّة البسيطة ، والهوي إليها مقدّمة خارجية غير داخلة في حقيقة المأمور به ، فلا مجال حينئذ لتطبيق قاعدة الميسور ، لوضوح أنّ المقدّمة مباينة مع ذيها وأجنبية عنه ، لا أ نّها من مراتبه كي تكون ميسوراً منه .

   ودعوى أنّ الركوع عبارة عن الحركة من الانتصاب إلى حدّ الركوع ، فكل حركة بين الحدّين جزء المجموع ، أو أ نّه من التأكّد في الكيف ، لم نتحقّقها ، بل الظاهر خلافها كما عرفت .

   فما أفاده المحقِّق الهمداني (قدس سره) (1) من أنّ المقام من أظهر مصاديق القاعدة ومجاريها لا يمكن المساعدة عليه ، فانّه إنّما يتّجه بناءً على كون الهوي من أجزاء الواجب ، وقد عرفت أ نّه من المقدّمات ، بل ومع الشك في ذلك أيضاً لا مجال لها ، لعدم إحراز صغراها ، فيكفينا مجرّد الشك فضلاً عن استظهار العدم كما عرفت .

   وعليه ، فلا دليل على الاجتزاء بالمقدار الممكن من الانحناء ، بل الأقوى أنّ الوظيفة حينئذ هو الايماء ، لاطلاق ما دلّ على بدليّته عن الركوع التام لدى العجز عنه كما تقدّم البحث عنه في أحكام القيام (2) ، ولا تنتقل الوظيفة إلى الركوع الجلوسي التام وإن تمكّن منه ، كما نبّه عليه في المتن ، لاختصاصه بالعاجز عن الصلاة قائماً بحيث كانت وظيفته الصلاة عن جلوس ، وهو خارج عن محل البحث .

   نعم ، لا بأس بضمّ الانحناء إلى الايماء احتياطاً حذراً عن مخالفة المشهور قاصداً بأحدهما لا بعينه ما هي الوظيفـة الواقعـية في حقِّه فيقع الآخر لغواً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 327 السطر 30 .

(2) شرح العروة 14 : 222 .

ــ[31]ــ

غير  مضر .

   الصورة الثانية :  ما إذا لم يتمكّن من الانحناء حال القيام أصلاً ، وهي على صور ، لأ نّه قد يتمكّن من الركوع الجلوسي التام ، واُخرى لا يتمكّن إلاّ من الناقص منه ، وثالثة لا يتمكّن منه أصلا .

   أمّا في الأخير فلا ريب أنّ الوظيفة هي الايماء ، لأدلّة بدليّته عن الركوع كما مرّ التعرّض لها في بحث القيام (1) .

   وأمّا الفرض الأوّل ، أعني صورة التمكّن من الركوع الجلوسي التام ، فقد ذكر العلاّمة الطباطبائي (قدس سره) في منظومته تعيّنه(2) واختاره في المتن وكأ نّه لأقربيّته إلى الصلاة التامّة من الايماء قائماً ، لكنّه كما ترى مجرّد استحسان ووجه اعتباري لا يصلح لأن يكون مدركاً لحكم شرعي ، بل الظاهر عدم جوازه فضلاً عن وجوبه ، فانّ الركوع الجلوسي وظيفة العاجز عن القيام، وهذا قادر عليه على الفرض ، فلا يشرع في حقّه إلاّ الايماء أخذاً بدليل بدليّته لدى العجز عن الركوع الاختياري .

   وعلى الجملة : المتحصِّل من الأدلّة كما فصّلنا الكلام حولها في بحث القيام(3) أنّ المتمكِّن من القيام وظيفته الصلاة قائماً ، والعاجز عنه يصلِّي عن جلوس والعاجز عنه أيضاً يصلِّي مضطجعاً إلى أحد الجانبين أو مستلقياً على تفصيل تقـدّم . وفي كل من هذه المراحـل إن تمكّن من الركوع والسجود على حسب وظيفته أتى بهما ، وإلاّ أومأ إليهما .

   ونتيجـة ذلك : أ نّه لو تمكّن من الصـلاة عن قيام كما هو محل الكـلام ، ولم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح العروة 14 : 222 .

(2) الدرّة النجفية : 125 .

(3) شرح العروة 14 : 211 وما بعدها .

ــ[32]ــ

يتمكّن من الركوع القيامي فليست وظيفته إلاّ الايماء إليه ، ولا ينتقل إلى الركـوع الجلوسي ، فانّه وظيفـة العاجز عن القـيام الّذي يصلِّي عن جلوس والمفروض في المقام أ نّه يصلِّي عن قيام لقدرته عليه .

   فظهر أنّ الأقوى في هذه الصورة أيضاً هو الايماء . فما ذكره في المتن من أ نّه أحوط فيأتي بصلاة اُخرى بالايماء قائماً في غير محلّه ، بل إنّ هذا هو المتعيِّن بلا حاجة إلى الصلاة جالساً كما نبّه عليه سيِّدنا الاُستاذ في التعليقة .

   وأمّا ما في الجواهر (1) من الاشكال على ترجيح الž