ــ[21]ــ

   [ 1419 ] مسألة 6 : الأحوط (1) ترك التلفظ بالنيّة في الصلاة خصوصاً في صلاة الاحتياط للشكوك (2) ، وإن كان الأقوى الصحة معه ((1)) (3) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وانّ ما يتراءى منه ذلك كالقنوت فهو مستحب نفسي ظرفه الواجب ، فالأمر أوضح .

   (1) منشأ الاحتياط ما يراه (قدس سره) من وجوب الإقامة واحتمال بطلانها بالتكلم واحتياجها إلى الإعادة ، وعليه فيختص بغير موارد سقوطها ، إذ لا مانع حينئذ من التلفظ بوجه .

   ولكنّه (قدس سره) مع ذلك أفتى بالصحة ، نظراً إلى انصراف دليل البطلان عن مثل هذا التكلم الراجع إلى شؤون الصلاة ، كالأمر بتعديل الصفوف على ما نطق به بعض النصوص(2) ، حيث يستفاد منه حكم كلِّي منطبق على المقام وغيره وقد تقدّم ما فيه (3) .

   وكيف ما كان ، فحيث إنّا لا نرى وجوب الإقـامة فلا حاجة إلى هذا الاحتياط وإن كان الأولى ترك التلفظ كما مرّ .

   (2) لاحتمال كونها جزءاً متمّماً على تقدير النقص ، المستلزم لكون التلفّظ بالنيّة تلفظاً أثناء الصلاة .

   (3) لما يرتئيه (قدس سره) من أ نّها صلاة مستقلة ، وإن شرّعت لتدارك النقص المحتمل ، هذا .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأقوى عدم الصحة معه في صلاة الاحتياط .

(2) راجع الوسائل 8 : 422 /  أبواب صلاة الجماعة ب 70 .

(3) شرح العروة  13 : 355 .

ــ[22]ــ

   [ 1420 ] مسألة 7 : من لا يعرف الصلاة يجب عليه أن يأخذ من يلقّنه(1) فيأتي بها جزءاً فجزءاً ، ويجب عليه أن ينويها أوّلاً على الاجمال (2) .

   [ 1421 ] مسألة 8 : يشترط في نيّة الصلاة بل مطلق العبادات الخلوص عن الرياء ، فلو نوى بها الرياء بطلت ، بل هو من المعاصي الكبيرة ، لأ نّه شرك بالله تعالى(3) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ولكنّ المختار عندنا لمّا كان هو الاحتمال الأوّل ، أي أنّ صلاة الاحتياط جزء متمّم للصلاة الأصلية على تقدير نقصها ، فلا جرم كان الأقوى ترك التلفّظ حذراً عن احتمال وقوعه أثناء الصلاة من غير مؤمّن كما لا يخفى .

   (1) فانّه من أنحاء القدرة الواجب عليه تحصيلها بعد وضوح كونها أعم من المباشرة بنفسه أو بواسطة التلقين .

   (2) حسبما تقدّم (1) .

   (3) المشهور بين الفقهاء إن لم يكن اجماعاً اعتـبار الخلوص في الصلاة بل مطلق العبادات ، فلو نوى بها الرياء بطلت ، بل كان آثماً لكونه من المعاصي الكبيرة ، وقد عبّر عنه بالشرك في لسان الأخبار ، وهذا في الجملة مما لا إشكال فيه، ولم ينقل الخلاف فيه عن أحد عدا السيّد المرتضى (قدس سره) في الانتصار القائل بالحرمة دون البطلان(2) ، وخلافه ناظر إلى بعض الأقسام مما يرى فيه عدم التنافي بين الرياء وقصد القربة كما في الضميمة على ما سيجيء تفصيلها (3) وإلاّ فاعتبار القربة في العبادات لعلّه من الضروريات الّتي لا تقبل الانكار .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 20 .

(2) الانتصار : 100 /  المسألة 9 .

(3) في ص 41 .

ــ[23]ــ

   ثمّ إنّ دخول الرياء في العمل على وجوه :

   أحدها : أن يأتي بالعمل لمجرّد إراءة الناس (1) من دون أن يقصد به امتثال أمر الله تعالى ، وهذا باطل بلا إشكال ، لأ نّه فاقد لقصد القربة أيضاً .

   الثاني : أن يكون داعيه ومحرِّكه على العمل القربة وامتثال الأمر والرياء معاً ، وهذا أيضاً باطل ، سواء كانا مسـتقلّين أو كان أحدهما تبعاً والآخر مستقلاًّ ، أو كانا معاً ومنضمّاً محرّكاً وداعياً (2) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وكيف كان، فأصل الاعتبار المستلزم لبطلان العبادة المراءى فيها ممّا لا غبار عليه ، وقد تظافرت به الروايات التي عقد لها في الوسائل باباً مسـتقلاًّ (1) إنّما الكلام في بعض خصوصيات المطلب وستعرف الحال فيها في التعاليق الآتية .

   (1) بأن يكون الداعي الوحيد هو الرياء فحسب ولا يقصد به طاعة الربّ بوجه ، والبطلان في هذا القسم ممّا لا إشكال فيه ولا خلاف حتى من السيّد المرتضى ، لفقد قصد القربة المعتبر في صحة الصلاة ، فانّ كون الصلاة عبادة وافتقار العبادة إلى قصد التقرب كاد أن يكون من الواضحات التي لامرية فيها .

   (2) وهذا القسم أعني ضمّ قصد الرياء إلى القربة ينحل إلى صور أربع :

   إحداها : أن يكون الباعث على ارتكاب العمل والمحرِّك نحوه مجموع القصدين فكل منهما جزء من المؤثر بحيث لو انعزل أحدهما عن الآخر لما ترتب الأثر لقصور كل منهما وحده عن صلاحية الدعوة والتحريك ، فلا يكون الداعي إلاّ مجموع القصدين على صفة الانضمام .

   الثانية :  أن يكون كل منهما مستقلاً في التأثير في حدّ نفسه ، بحيث لو انفرد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الوسائل 1 : 70 /  أبواب مقدمة العبادات ب 12 .

ــ[24]ــ

عن الآخر كان تامّ الداعوية وصالحاً للتحريك ، وإن كان التأثير الفعلي مستنداً إلى مجموع الأمرين لا خصوص كل منهما من جهة استحالة توارد علّتين على معلول واحد .

   الثالثة :  أن يكون الداعي الإلهي أصيلاً والريائي تابعاً .

   الرابعة :  عكس ذلك .

   لا ريب في البطلان في الصورة الاُولى ، من جهة الاخلال بقصد التقرب المعتبر في صحّة العبادة ، إذ المعتبر فيها أن يكون الانبعاث نحو العمل عن قصد الأمر ، والمفروض في المقام عدمه ، لقصور هذا الداعي عن صلاحية الدعوة في حدّ نفسه على الفرض ، فالبطلان في هذه الصورة على طبق القاعدة ولو لم يكن نص في البين ، كما لا ريب في البطلان في الصورة الأخيرة كما هو واضح .

   وأمّا الصورة الثانية ، فمقتضى القاعدة الصحة ، إذ لا يعتبر في اتصاف العمل بالعبادية أكثر من صدوره عن داع قربي مستقل في الداعوية في حدّ نفسه المتحقق في الفرض ، ولم يعتبر عدم اقترانه بداع آخر ولو كان مستقلاً في الدعوة ، فالمناط بلوغ الباعث الإلهي حدّاً يصلح للدعوة التامّة من دون قصور فيها ، سواء اقترن بداع آخر أم لا .

   ومن هنا يحكم بصحة الغسل مثلاً ولو كان قاصداً للتبريد أيضاً ، على نحو يكون كل منهما في حدّ نفسه مستقلاً في التحريك ، كما يحكم بصحة الصوم ممّن له كرامة في المجتمع بحيث لا يكاد يتجاهر بالافطار في شهر رمضان ولو لم يكن هناك رادع إلهي ، تحفظاً على كرامته ومقامه .

   وبالجملة : حيث إنّ الضميمة المزبورة لا ينثلم بها قصد التقرب المعتبر في العبادة ، ولا توجب خللاً في صدق الطاعة ، فمقتضى القاعدة الصحة في هذه الصورة .

ــ[25]ــ

   وبطريق أولى في الصورة الثالثة كما لا يخفى ، من دون فرق بين المقام وغيره من سـائر الضمائم ممّا تكون الضـميمة من هذا القبيل ، أي كانت مسـتقلّة في التحريك كقصد القربة ، أو كانت تابعة والتقرّب أصيلاً .

   لكنّا خرجنا عنها في خصوص المقـام ـ أعني الرياء ـ  بمقتضى النصـوص المتظافرة الدالّة باطـلاقها على البطلان حتى في هاتين الصورتين فضلاً عن غيرهما ، وهي كثيرة جدّاً قد عقد لها في الوسائل باباً مستقلاً وأكثرها مرويّة عن المحاسن نذكر بعضها :

   فمنها : صحيحة زرارة وحمران عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : لو أنّ عبداً عمل عملاً يطلب به وجه الله والدار الآخرة وأدخل فيه رضى أحد من الناس كان مشركاً» (1) .

   وصحيحة هشام بن سالم عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : يقول الله عزّ وجلّ : أنا خير شريك فمن عمل لي ولغيري فهو لمن عمله غيري» (2) . ونحوهما غيرهما . فانّ المراد بالشرك الشرك في العبادة دون الربوبية كما هو واضح ، ومن أظهر آثاره الحرمة ، فاذا كان حراماً بطل ، إذ الحرام لا يكون مصداقاً للواجب .

   ومن الواضح أنّ إدخال رضا أحد من الناس صادق حتى فيما إذا كان الرياء تابعاً ، فضلاً عما إذا كان مستقلاً في التحريك في عرض الباعث الإلهي ، وكذا قوله : «فمن عمل لي ولغيري» في الرواية الأخيرة ، فالروايتان وغيرهما تشمل جميع الصور المتقدمة ، فيحكم بالبطلان من أجلها .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 67 /  أبواب مقدمة العبادات ب 11 ح 11 ، المحاسن 1 : 212 / 384 .

(2) الوسائل 1 : 72 /  أبواب مقدمة العبادات ب 12 ح 7 ، المحاسن 1 : 392 / 875 .

ــ[26]ــ

   الثالث :  أن يقصد ببعض الأجزاء الواجبة الرياء وهذا أيضاً باطل ، وإن كان محل التدارك باقياً ، نعم في مثل الأعمال التي لا يرتبط بعضها ببعض أو لا ينافيها الزيادة في الأثنـاء كقراءة القرآن والأذان والإقامة إذا أتى ببعض الآيات أو الفصول من الأذان اختصّ البطلان به، فلو تدارك بالاعادة صح(1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) أمّا نفس الجزء فباطل بلا ارتياب لصدوره رياءً حسب الفرض ، وبتبعه تفسد الصلاة أيضاً ، سواء تداركه ـ مع بقاء محل التدارك ـ أم لا ، للاخلال بها من جهة النقيصة أو الزيادة كما لا يخفى .

   وعن المحقق الهمداني (1) الصحة في فرض التدارك ، بدعوى انصراف أدلة الزيادة عن مثل المقام ، فانّها خاصة بما إذا أحدث الزائد ولا تعمّ ما لو أوجد صفة الزيادة لما تحقق سابقاً ، والمقام من هذا القبيل فانّه لو اقتصر على الجزء المراءى فيه فالعمل فاسد من جهة النقص ، ولو تداركه أوجب ذلك اتصاف الجزء السابق بالزيادة من هذا الحين بعدما لم يكن كذلك ابتداء .

   وقد ذكر (قدس سره) (2) نظير ذلك فيما لو أتى بجزء من الآية ثمّ رفع اليد عنه واستأنفها ، كما لو قال مال ثمّ قال مالك يوم الدِّين ، فانّ الثاني وإن أوجب اتصاف الأوّل بالزيادة ، لكن مثلها غير مبطل بلا إشـكال ، والمقـام من هذا القبيل ، هذا .

   والذي ينبغي أن يقال في المقـام : إنّ الجزء المراءى فيه إن كان من سنخ السجود والركوع ، فلا ينبغي الشك في بطلان الصلاة حينئذ ، سواء أتى به بقصد الجزئية أم لا ، لعدِّه حينئذ من الزيادة المبطلة ، كما يفصح عنه ما ورد من النهي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 238 السطر 10 .

(2) مصباح الفقيه (الصلاة) : 540 ، السطر 15 .

ــ[27]ــ

عن قراءة سور العزائم في الصلاة معللاً باستلزامها سجود التلاوة وأ نّه زيادة في المكتوبة (1) ، مع أنّ سجدة التلاوة لم يؤت بها بقصد الجزئية ، فكأ نّها حاكمة على أدلّة الزيادة المبطلة ومفسّرة لموضوعها ، وأ نّه عام يشمل حتى مثل ذلك وإن لم يقصد به الجزئية .

   وأمّا إن كان من سنخ الأذكار كالقرآن والدعاء ونحوهما ، فان كان بقصد الجـزئية ، كما لو راءى في فاتحة الكـتاب المأتي بها بقصد كونها من الصلاة فالأقوى حينئذ البطلان أيضاً ، لصدق الزيادة العمدية المبطلة ، إذ لا معنى للزيادة سوى الاتيان بشيء بقصد كونه من الصلاة ولم يكن منها . ودعوى انصراف الأدلّة عن مثله كما تقدّم عن المحقق الهمداني (قدس سره) غير مسموعة.

   وأمّا إذا لم يقصد به الجزئية ، كما لو قرأ بعد الحمد مثلاً سورة الجمعة بقصد القرآنية رياءً وبعدها أتى بسورة اُخرى قاصداً بها الجزئية ، فهل تبطل الصلاة حينئذ ؟ إشكال ينشأ من شمول أدلّة مبطلية الكلام لمثله وعدمه .

   اختار جمع منهم شيخنا الاُستاذ (قدس سره) الأوّل(2) ، بدعوى أنّ المستفاد من الأدلّة أنّ كل تكلم عمدي فهو مبطل للصلاة، وإنّما الخارج عنه بالتخصيص ما كان ذكراً أو قرآناً أو دعاءً مأموراً به وجوباً أو استحباباً ، فغير المأمور به من هذه الاُمـور داخل في عموم قوله (عليه السلام) : «مَن تكلّم في صلاته متعمداً فعليه الاعادة» (3) . ولا شك أنّ المأتي به رياءً من هذه الاُمور حيث إنّه محرّم فهو خارج عن عنوان المخصص ومشمول لعموم العام ، فيكون مبطلاً .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الوسائل 6 : 105 /  أبواب القراءة في الصلاة ب 40 .

(2) كتاب الصلاة 2 : 18 ، 19 .

(3) الوسائل 7 : 281 /  أبواب قواطع الصلاة ب 25 ح 2 (نقل بالمضمون) .

ــ[28]ــ

   هذا ، ولكنّ الأقوى الثاني ، لقصور الأدلة المزبورة عن الشمول للمقام ، فانّ المبطل من الكلام خاص بكلام الآدمي كما قيّد بذلك في كلمات الفقهاء، وسيجيء بيانه في محلّه إن شاء الله تعالى(1) ، ولا ريب أنّ الذكر أو الدعاء أو القرآن خارج عن موضوع كلام الآدمي وإن كان محرّماً ، فهو قرآن أو ذكر أو دعاء محرّم ولا يعدّ من كلام الآدمي في شيء ، واختلاف الحكم من كونه مأموراً به وعدمه لا يؤثِّر في ذلك شيئاً، فهي خارجة عن الكلام المبطل خروجاً موضوعياً، والنسبة نسبة التخصص دون التخصيص .

   فالأقوى : أنّ هذه الاُمور المأتي بها رياءً إنما تبطل الصلاة إذا كانت بعنوان الجزئية من جهة استلزام الزيادة حينئذ كما عرفت ، دون ما إذا لم يقصد بها الجزئية ، إلاّ إذا استلزم الفصل الطويل الماحي لصورة الصلاة ، كما إذا قرأ سورة طويلة رياءً ، فانّها توجب البطـلان حينئذ من هذه الجهة وإن لم يقصد بها الجزئية .

   وعلى الجملة :  الرياء في الجزء بما هو كذلك لا يقتضي إلاّ فساده في حدّ نفسه وإنّما يسري إلى الصلاة فيما إذا استلزم عروض عنوان آخر يقتضي الفساد ، إما من جهة الزيادة ، أو محو الصورة ، أو التكلم العمدي على القول به كما عرفت هذا كلّه في الصلاة .

   وأمّا فيما عداها من سائر العبادات ممّا لا تكون الزيادة مبطلة لها كالوضوء والغسل ونحوهما ، فلا موجب للبطلان أصلاً . فلو غسل يده اليمنى مثلاً رياءً حتى بقصد الجزئية ثم ندم فتداركه بقصد التقرب صحّ مع مراعاة الموالاة ، لعدم كون الزيادة مبطلة في غير الصلاة .

   نعم ، هناك وجه آخر للبطلان لو تمّ لعمّ وشمل جميع أقسام العبادات ، وهو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 293 ، شرح العروة 15 : 445 شرح المسألة [ 1710 ] .

ــ[29]ــ

التمسك باطلاق قوله (عليه السلام) : في الصحيحة المتقدمة(1) «وأدخل فيه رضا أحد من الناس» حيث إنّ مفاده أنّ كل عمل تضمّن الرياء ورضا أحد من الناس ولو باعتبار جزئه كان باطلاً ، لسراية الفساد الناشئ من الرياء إلى الكل كسراية النار في القطن، فينتج فساد الوضوء في الفرض المزبور فضلاً عن الصلاة وكذا غيرهما من سائر العبادات .

   لكن هذا الوجه مبني على أن يكون المراد من كلمة «فيه» في الصحيحة مطلق الظرفية ، ومن الواضح عدم امكان الالتزام بذلك ، وإلاّ لزم القول بفساد الوضوء أو الصوم فيما لو قرأ في الأثناء سورة أو دعاءً أو ذكراً رياءً ، لصدق إدخال رضا الناس فيه وكونه ظرفاً للرياء وإن كان مبايناً مع المظروف وجوداً وماهية .

   وهكذا  يلزم فساد الحج لو  أتى ببعض أجزائه رياءً  كالطواف أو السعي ونحوهما وإن تداركه في محلّه ، لصدق الظرفية ، وهو كما ترى لا يمكن الالتزام به سيّما في الحج ، بل هو غير محتمل جزماً كما صرّح به المحقق الهمداني في الحج وفي الوضوء(2) .

   وعلى الجملة :  ليس المراد بالظرفية معناها الواسع ، بحيث يشمل كون العمل الصادر منه وعاءً لعمل آخر صادر لغير الله ، بل المراد نفي الخلوص وتشريك غيره معه تعالى في العبادة ، بحيث يصدر العمل الوحداني عن داع إلهي وداع ريائي ، كما يفصح عنه قوله (عليه السلام) بعد ذلك «كان مشركاً» المفقود فيما نحن فيه ، بعد فرض التدارك ، فلا جرم يختص البطلان بالجزء الذي راءى فيه ولا يعمّ غيره .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 25 .

(2) مصباح الفقيه (الصلاة) : 239 السطر 10 .

ــ[30]ــ

   الرابع :  أن يقصد ببعض الأجزاء المسـتحبّة الرياء كالقنوت في الصلاة وهذا أيضاً باطل على الأقوى ((1)) (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   والحاصل : أنّ مجرّد الظرفية لا يستوجب الاتصاف بالمشركية إلاّ بضرب من التجوّز والعناية باعتبار ملاحظة مجموع العمل ، ومن البيّن أ نّه لا عبرة بهذا الاسناد المجازي ، لعدم منعه عن صدق صدور تمام أجزاء العبادة بأسرها عن داع قربي لا غير وإن قورنت مع عمل آخر غير قربي .

   فتحصّل :  أنّ بطلان الجزء لا يسري إلى الكل فيما إذا تدورك وكان مصوناً عن محذور آخر في كافّة العبادات من الصلاة وغيرها حسبما عرفت .

   (1) فيه نظر بل منع حتى لو بنينا على السراية في الجزء الوجوبي ، لما ذكرناه في الاُصول(2) من أنّ الجزء المستحب غير معقول ، سواء اُريد به جزء الماهية أم جزء الفرد، ضرورة أنّ افتراض الجزئية مساوق لافتراض الدخل في الطبيعة وتقوّمها  به، وهو مضاد لمفهوم الاستحباب الذي معناه عدم الدخل وجواز  الترك.

   وما يتراءى منه ذلك كالقنوت في الصلاة يراد به أ نّه عمل مسـتقل ظرفه الواجب ، كالأدعية المأثورة للصائم أو للناسك ، فهو مزيّة خارجية تستوجب كون الفرد المشتمل عليها أفضل الأفراد ، والتعبير عنه بالجزء المستحب مبني على ضرب من التوسّع والمسامحة. وقد عرفت أنّ مجرّد الظرفية لا يستلزم السراية ولا يقتضي البطلان إلاّ إذا قورن بموجب آخر له من الفصل الطـويل الماحي للصورة، أو الموجب لفوات الموالاة ونحو ذلك. إذن فما ذكره في المتن محل إشكال بل الأظهر هو عدم البطلان .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فيه إشكال ، والأظهر عدم البطلان .

(2) مصباح الاُصول 3 : 300 .

ــ[31]ــ

   الخامس :  أن يكون أصل العمل لله لكن أتى به في مكان وقصد باتيانه في ذلك المكان الرياء ، كما إذا أتى به في المسجد أو بعض المشاهد رياءً (1) وهذا أيضاً باطل على الأقوى(2) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   والمتحصّل  من جميع ما مرّ : أنّ الرياء في الجزء مطلقاً لا يترتب عليه إلاّ فساده ، ولا يسري إلى المركب إلاّ مع طروء عنوان آخر موجب للفساد من زيادة أو نقيصة أو فقدان شرط ونحو ذلك .

   (1) فكان الرياء فيما هو خـارج عن ذات العمـل ـ كلاً أو جزءاً ـ من الخصوصيّات الفردية المكانية أو الزمانية أو المكتنفة كما سيجيء .

   (2) إذ الخصوصية المفرّدة مصداق للطبيعة ومحقّق لها ، ومن الضروري أنّ الكلي الطبيعي متحد مع مصداقه خارجاً ، وموجودان بوجود واحد ، يضاف مرّة إلى الطبيعة ، واُخرى إلى الفرد ، فليست الصلاة الموجودة في الخارج شيئاً آخر مغايراً مع الصلاة في هذا المكان ليكونا موجودين بوجودين، ولا يسري الفساد من إحداهما إلى الاُخرى ، بل بينهما الاتحاد والعينيّة ، فلا جرم يحكم بالفساد ، إذ المبغوض لا يكون مقرّباً ، والحرام لا يكون مصداقاً للواجب .

   وكذلك الحال فيما بعده من الأمثلة، فانّ الكل من سنخ الخصوصيّات المكانية التي يرجع الرياء فيها إلى الرياء في نفس العمل الواجب حسبما عرفت .

   هذا كلّه فيما إذا راءى في الصلاة في هذا المكان، بأن كان مصبّ الرياء ومركزه هو مصداق الطبيعة بالذات ، أعني الصلاة الكذائية .

   وأمّا لو راءى في مجرّد الكون في هذا المكان، بأن تعلّق قصده الريائي بصرف البقاء في المسجد واللّبث فيه أو في أحد المشاهد المشرّفة ليري الناس أ نّه من أهل التقوى المعظِّمين لشعائر الله، وفي خلال ذلك صلّى خالصاً لوجهه، فلا موجب

ــ[32]ــ

وكذا إذا كان وقوفه في الصفّ الأوّل من الجماعة أو في الطرف الأيمن رياءً .

   السادس : أن يكون الرياء من حيث الزمان، كالصلاة في أوّل الوقت رياءً وهذا أيضاً باطل على الأقوى (1) .

   السابع :  أن يكون الرياء من حيث أوصاف العمل ، كالاتيان بالصـلاة جماعة أو القراءة بالتأنّي أو بالخشوع أو نحو ذلك ، وهذا أيضاً باطل على الأقوى(2) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حينئذ للحكم بالفساد، لخروج الرياء عن حريم المأمور به وعدم مسّه بكرامته فلا اتحاد ولا عينية ، غايته أ نّه راءى في مقارنات العمل ، ومثله لا ضير فيه كما سيجيء .

   (1) لاشتراك الخصوصية الزمانية مع المكانية في من