بسم الله الرّحمن الرّحيم

    الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على سيِّدنا محمّد وآله الطاهرين الغرّ الميامين .

 ــ[1]ــ

 فصل

[ في واجبات الصلاة وأركانها  ]

    واجـبات الصّلاة أحد عشر : النيّة والقيام وتكبيرة الإحرام والركوع والسجود والقراءة والذِّكر والتشهّد والسّلام والترتيب والموالاة (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) لا ريب في أنّ الصلاة مؤلّفة من عدة اُمور وقيود وجوديّة وعدميّة ، فما كان معتبراً فيها قيداً وتقيّداً يعبّر عنه بالجزء ، وما كان التقيّد به معتبراً دون القيد فهو الشرط ، ثم الثاني إن كان معتبراً في تمام حالات الصلاة حتى الآنات المتخللة بين الأجزاء كالطهارة والاستقبال والستر يعبّر عنها بشرائط الصلاة ومقدّماتها وقد مرّ البحث حولها سابقاً ، وما كان معتبراً في نفس الأجزاء دون الآنات المتخللة بينها يعبّر عنها بشرائط الأجزاء ، سواء أكانت معتبرة في تمام الأجزاء بالأسر كالترتيب والموالاة والطمأنينة، أم في بعضها كالقيام حال القراءة والجلوس حال التشهد ونحوهما .

   وممّا ذكرنا من ضابط الفرق بين الجزء والشرط يظهر أنّ عدّ النيّة من الأجزاء

ــ[2]ــ

كما صنعه الماتن(1) والمحقق(2) وغيرهما في غير محلّه ، لعدم تركب الماهيّة منها ، وعدم دخلها في حقيقة الصلاة ، بل هي إمّا شرط ، أو لا جزء ولا شرط كما ستعرف .

   كما أنّ عدّ الترتيب والموالاة منها غير وجيه أيضاً ، فانّهما كما عرفت من شرائط الأجزاء لا أنهما برأسهما جزءان مستقلان في قبال الباقي ، ولذا أهملهما المحقق في الشرائع ، وإن أهمل الذكر أيضاً وعدّ الأجزاء ثمانية ، ولعلّه من أجل أنّ الذكر من واجبات الركوع والسجود فليس جزءاً في قبالهما .

   ثم إنّه كان على الماتن وغيره من الفقهاء عدّ الجلوس بين السجدتين أيضاً من الأجزاء ، فانّه معتبر في حدّ نفسه وبحياله في الصلاة قبال بقية الأجزاء وليس اعتباره من أجل تحقق التعدّد بين السجدتين ، ضرورة تقوّمها بمجرّد وضع الجبهة على الأرض ، ولا يناط صدق التعدد بتخلل الجلوس بينهما قطعاً فلو سجد وبعد رفع الرأس سجد ثانياً من دون جلوس في البين صدق عنوان السجدتين بلا ارتياب .

   وقد اتضح من جميع ما ذكرناه : أنّ أجزاء الصلاة تسعة بإسقاط النيّة فانّها شرط كما سـتعرف ، وكذا الترتيب والموالاة فانّهما من شرائط الأجزاء لا من أجزاء الصلاة كما عرفت ، وباضافة الجلوس بين السجدتين ، بل وكذا الجلوس بعدهما المعبّر عنه بجلسة الاستراحة ، بناءً على وجوبها كما لعلّه المعروف ، وإن كان الأقوى عدم الوجوب .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حيث جعلها في سياق سـائر الأجزاء بعد فراغه عن البحـث عن الشرائط . إلاّ أن يُقال : إنّه (قدس سره) بصدد بيان واجبات الصلاة الأعم من الأجزاء والشرائط القائمة بها كما قد يظهر من ملاحظة ما ذكره في نظائر المقام ، مثل واجبات الركوع وواجبات السجود ونحوهما ، فانّها أيضاً من هذا النمط ، ومنه يظهر الحال في الترتيب والموالاة .

(2) الشرائع 1 : 95 .

ــ[3]ــ

والخمسة الاُولى أركان (1) بمعنى أنّ زيادتها ونقيصتها عمداً وسهواً موجبة للبطلان ((1)) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) أمّا النيّة :  فليست بجزء كما مرّت الاشارة إليه ، فلا يحسن عدّها من الأجزاء الركنية .

   وأمّا القيام :  فالواجب منه في الصلاة ثلاثة : القيام حال تكبيرة الاحرام والقيام المتصل بالركوع ، والقيام بعد رفع الرأس عنه ، لكن الأوّل من شرائط التكبير لا أ نّه جزء مستقل في قباله ، كما أنّ الثاني من مقوّمات الركوع ، إذ هو ليس مجرّد الانحناء الخاص بل ما كان عن قيام ، ومنه قولهم : شجرة راكعة ، أي منحنية بعد ما كانت قائمة ، فليس هو أيضاً جزءاً مسـتقلاًّ ، نعم القيام بعد الركوع جزء مستقل لكنه ليس بركني ، لعدم بطلان الصلاة بنقصه السهوي كما لا يخفى .

   وأمّا تكبيرة الاحرام : فالمشهور بطلان الصلاة بالإخلال بها زيادة أو نقيصة عمداً أو سهواً، ومن هنا عدّوها من الأركان، لكن الأقوى عدم البطلان بالزيادة السهوية لعدم الدليل عليه ، كما سيجيء التعرض له في محلّه إن شاء الله تعالى(2) إلاّ أنّ ذلك لا يقدح في عدّها من الأركان ، فانّ المدار في صدق هذا العنوان بما أوجب نقصه البطلان حتى سهواً كما هو المناسب لمعناه اللغوي ، سواء أكانت الزيادة أيضاً كذلك أم لا ، فانّ مفهوم الركن متقوّم بما يعتمد عليه الشيء بحيث يوجب فقده زوال ذلك الشيء ، وأمّا الاخلال من حيث الزيادة فلا مدخل له في صدق هذا المفهوم ، ولم يرد لفظ الركن في شيء من الأخبار ، وإنّما هو مجرّد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأقوى أنّ زيادة تكبيرة الاحرام سهواً لا توجب البطلان .

(2) في ص 95 .

ــ[4]ــ

لكن لا تتصوّر الزيادة في النيّة (1) بناءً على الداعي ، وبناءً على الإخطار غير قادحة . والبقيّة واجبات غير ركنية فزيادتها ونقصها عمداً موجب للبطلان لا سهواً .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اصطلاح متداول في ألسنة الفقهاء .

   وبما أنّ نقص التكبيرة حتى سهواً يوجب البطلان فبهذا الاعتبار يصح عدّه من الأركان .

   وممّا ذكرنا يظهر أنّ الأجزاء الركنية ثلاثة : الركوع والسجود ، فانّ الاخلال بهما نقصاً أو زيادة ، عمداً أو سهواً يوجب البطلان بلا إشكال ، وثالثهما تكبيرة الاحرام بناءً على تفسير الركن بما عرفت كما هو الصحيح .

   (1) فانّه بناءً على تفسيرها بالداعي فلا ريب أ نّه مستمر إلى آخر العمل فلا تتحقّق معه الزيادة ، وبناءً على تفسيرها بالاخطار فهي غير قادحة بالضرورة كما نبّه عليه في المتن .

   لكن كان ينبغي له أن يلحق القيام بالنية ، فانّه مثلها في عدم تصوّر الزيادة أما القيام حال تكبيرة الاحرام ، فلأنّ زيادته إنّما تكون بزيادة التكبير الّذي هو من الأركان ، فلا يكون البطلان مستنداً إلى خصوص القيام ، وكذلك القيام المتصل بالركوع حيث إنّ زيادته أيضاً لا تمكن إلاّ بزيادة الركوع ، فلا يكون الاخلال إلاّ به لا غير ، بل هذا لا تتصور فيه النقيصة أيضاً إلا بنقص الركوع لتقوّمه بكونه هويّاً عن القيام كما مرّ. نعم، يتصوّر النقص في القيام حال التكبير لامكان التكبير جالساً كما يتصوّر في النيّة وهو ظاهر .

   وأمّا الزيادة والنقيصة في تكبيرة الاحرام ، فهما وإن كانا متصوّرين فيها إلاّ أنّ الأقوى كما عرفت عدم بطلان الصلاة بزيادة تكبيرة الاحرام سهواً . وعليه

ــ[5]ــ

فلا تكون التكبيرة من الأركان بالمعنى المصطلح، وهو ما تكون زيادته ونقيصته عمداً وسهواً موجباً للبطلان . نعم ، هو ركن بالمعنى اللغوي ، وهو ما يوجب نقصه البطلان ولو سهواً . وأمّا الاخلال من حيث الزيادة فلا دخل له في كونه ركناً إلاّ من جهة الاصطلاح ، وحيث إنّ كلمة الركن لم ترد في آية ولا رواية فلا مانع من عدّ التكبيرة ركناً بلحاظ المعنى اللغوي .

   ثم إنّه قد مرّت عليك في مطاوي كلماتنا (1) الاشارة إلى اختلاف القوم في أن النيّة هل اُخذت جزءاً في الصلاة أو شرطاً أو لا هذا ولا ذاك ، بل لها دخل في تحقّق المصلحة المقتضية للصلاة ؟

   فنقول : لا إشكال ولا خلاف في اعتبار النيّة في الصلاة ، وأ نّه لا بدّ من إتيان أجزائها بداعي القربة ، فلو أتى بها من غير قصد أو بقصد الرياء تكون الصلاة باطلة .

   ويدلّنا على ذلك : قوله تعالى : (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي )(2) وقوله تعالى : (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ )(3) وغيرهما من الآيات والأخبار .

   وإنّما النزاع في أ نّه هل اُخذت النيّة ـ مضافاً إلى ذلك ـ بحيالها في قبال سائر الأجـزاء ، بحيث يعـتبر فيها جميع ما يعتبر في غيرها من الوقت والاستقبال والطهارة ونحوها ، ويكون موطنها قبل تكبيرة الاحرام أو لا ؟

   الحق عدم اعتـبار ذلك لعدم الدليل عليه ، فانّ ما ادعي من الاجماع بل الضرورة على اعتبار النيّة في الصلاة وغيرها من سائر العبادات ، المتيقن منه هو أن لا يكون شيء منها بغير داعي القربة ، وأما اعتـبارها في حدّ نفسها قبل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 1 .

(2) طه 20 : 14 .

(3) الكوثر 108 : 2 .

ــ[6]ــ

العمل فلا دليل عليه ، وإلاّ كان اللازم جواز الاكتفاء بها وإن لم يأت بالأجزاء بداعي القربة . على أنّ الدليل قام على خلافه ، حيث دلّ على أنّ أوّل الصلاة التكبير ، وآخرها التسليم . فاحتمال الجزئية ساقط جزماً .

   وقد يقال :  بسقوط الشرطية أيضاً ، بتقريب أ نّه لا ريب في صحة قولنا : أردت الصلاة فصليت ، بلا عناية ولا تجوّز ، ومعه لا يمكن أن تكون النيّة مأخوذة لا جزءاً ولا شرطاً ، لا في المسمى ولا في المأمور به ، إذ على الأوّل يلزم اتحـاد العارض والمعروض على الجزئية ، وتقدم الشرط على نفسـه على الشرطية . وعلى الثاني بما أنّ الإرادة ليست باختيارية يمتنع تعلّق الأمر بما لا يكون اختيارياً ، سواء أكان لعدم اختيارية جزئه ، أم لعدم اختيارية شرطه . نعم ، هي دخيلة في المصلحة وبذلك تمتاز الصلاة عن التوصلي .

   ولكنّه بمعزل عن التحقيق ، أمّا أوّلاً :  فلأ نّه خلط بين الارادة بمعنى الشوق ، والارادة بمعنى الاختيار ، فانّ الأول أمر غير اختياري ، وهو ما يلائم الطبع من القوى الظاهرية أو الباطنية في قبال الكراهة التي هي ما ينافي الذوق كذلك ، فانّ هذا ليس أمراً اختيارياً . وأما الثاني وهو طلب الخير ، فهو وإن كانت مقدماته غير اختيارية إلاّ أنّ نفسه اختياري واختياريته بنفسه ، وإلاّ لزم الدور والتسلسل . وهكذا الحال في المشيئة في المبدأ الأعلى ، فانّ الأفعال الصادرة منه تعالى تكون بمشيئته ، وأمّا نفس المشيئة فهي بنفسها . وقد بيّنا تفصيل الكلام حول ذلك في الاُصول في مبحث الطلب والارادة (1) والأغلب في الاستعمال إنما هو المعنى الثاني أي طلب الخير دون الأوّل كما لا يخفى .

   وأمّا ثانياً :  فلو سلّمنا أنّ الاختيار أيضاً غير اختياري ، إلاّ أنّ الممنوع إنما هو عدم اختيارية الجزء، وأمّا التقييد بأمر غير اختياري الذي هو معنى الشرط

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 36 .

ــ[7]ــ

فلا مانع منه(1) ألا ترى أنّ الوقت وعدم الحيض والقبلة ونحوها اُمور غير اختيارية ، ومع ذلك قد اشترط الصلاة بكل من ذلك ، فانّ إيقاع الصلاة في تلك الحالات أمر اختياري ، فنفس الارادة بمعنى الاختيار وإن فرض أنها أمر غير اختياري ، إلاّ أنّ إيقـاع الصلاة عن إرادة واشـتراطها بذلك حيث إنه أمر اختياري ، فلا مانع من أخذها شرطاً .

   وأمّا ثالثاً :  فلأنّ هذا التقريب أجنبي عن المقام بالكلية ، وذلك لأنّ النيّة تطلق في مقامين .

   أحدهما : القصد إلى الفعل والعزم عليه ، وهذا يشترك فيه العبادي والتوصلي فانّه لا بدّ في كون الشيء مصداقاً للواجب من أن يكون مقصوداً ، وإلاّ لم يكن مصداقاً للمأمور به . نعم ، يمكن أن يدل الدليل على حصول الغرض وسقوط الواجـب بذلك وهو أمر آخر .  والبحـث عن أنّ الارادة اختـيارية أو غير اختيارية إنما يتم على هذا المعنى .

   ثانيهما :  الاتيان بالفعل بداعي الأمر والانبعاث عن قصد التقرب ، وهذا هو محل الكلام في أنه جزء أو شرط ، وهو لا إشكال في كونه اختيارياً كما لا يخفى ، سواء أقلنا بأنّ الارادة أمر اختياري أو غير اختياري ، وسواء أقلنا إنّ الشرط أمر اختياري أم لا ، فانّ كل ذلك أجنبي عن المقام .

   فالحق أنّ النيّة إنما اعتبرت في الصلاة على نحو الشرطية لا غير .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا إنّما يتجه في شرط الوجوب لا الواجب كالنيّة في المقام ، فانّ التقـيد به داخل تحت الطلب كنفس الجزء ، وما كان كذلك لا بدّ وأن يكون القيد اختيارياً ، كما صرّح (دام ظلّه) بذلك في مطاوي ما تقدّم من مباحث اللباس المشكوك [ شرح العروة 12 : 216 ] .

ــ[8]ــ

 فصل في النيّة

   وهي القصد إلى الفعل بعنوان الامتثال والقربة (1) ، ويكفي فيها الداعي القلبي، ولا يعتبر فيها الاخطار بالبال ولا التلفّظ، فحال الصلاة وسائر العبادات حال سائر الأعمال والأفعال الاختيارية كالأكل والشرب والقيام والقعود ونحوها من حيث النيّة ، نعم تزيد عليها باعتبار القربة فيها ، بأن يكون الداعي والمحرّك هو الامتثال والقربة ، ولغايات الامتثال درجات :

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) قد عرفت فيما مضى أنّ النيّة إنّما اُخذت في الصلاة على نحو الشرطية دون الجزئية ، وعليه فيكفي فيها الداعي القلبي ، بأن يكون إتيانه لها بداعي القربة وقصد الانبعاث عن الأمر ، من دون فرق بين أوّل الصلاة وآخرها .

   وأمّا إخطار صورة الفعل في اُفق النفس ولو إجمالاً ، وإحضارها في الذهن قبل الصلاة ، ثمّ استمرارها حكماً كما عليه جمع ، فلا دليل على ذلك بوجه .

   كما لا يلزم التلفظ بها ، بل هو مكروه وموجب لاعادة الاقامة .

   وتوهم أ نّه مما يرجع إلى الصلاة ، وقد دلّ الدليل على عدم قدح مثل هذا التكلّم، مدفوع بأنّ الدليل مختص بما يرجع إلى الجماعة من جهة تسوية الصفوف ونحوها ، وإلاّ كان اللازم عدم الكراهة بعد الاقامة بمثل قوله : لا تتكلّم معي فانّي اُريد أن اُصلي ، من جهة أوله إلى الصلاة وكـونه من شـؤونها ، وهو كما ترى . فعموم كراهة التكلم بعد الاقامة شامل لمثل التلفظ بالنية .

   وكيف ما كان ، فلا ينبغي الاشكال في كفاية الداعي القلبي وإتيان الصلاة بداعي القربة ، وللقربة مراتب ودرجات حسبما أشار إليها في المتن .

ــ[9]ــ

   أحدها :  وهو أعلاها (1) أن يقصد امتثال أمر الله ، لأ نّه تعالى أهل للعبادة والطاعة ، وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنـين (عليه السلام) بقوله : إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنّتك، بل وجدتك أهلاً  للعبادة فعبدتك .

   الثاني :  أن يقصد شكر نعمه التي لا تحصى .

   الثالث :  أن يقصد به تحصيل رضاه والفرار من سخطه .

   الرابع :  أن يقصد به حصول القرب إليه (2) .

   الخامس :  أن يقصد به الثواب ورفع العقاب ، بأن يكون الداعي إلى امتثال أمره رجاء ثوابه وتخليصه من النار .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) وأسماها ، ولا ينالها إلاّ الأوحدي ، لخلوّها عن أيّة جهة ترجع إلى العبد .

   ومجمل القول حول هذه الدرجات : أنّ العبادة بما أ نّها عمل اختياري صادر من عاقل مخـتار ، وكل ما كان كذلك لا بدّ فيه من وجـود غاية باعثـة على ارتكاب العمل ، فهذه الغاية في المقام إما أ نّها ملحوظة في جانب العامل العابد ، أو في ناحية المعبود .

   والثاني إما أ نّه لحاظ كماله الذاتي وأهليته للعبادة ، وهو أرقى المراتب ، أو من أجل حبّه الناشئ من نعمه وإحسانه . والأوّل إمّا أ نّه تحصيل رضاه ، أو التقرّب منه ، أو طمع في ثوابه ، أو خشية من عقابه .

   (2) من الواضح جداً أنّ المراد بالقرب ليس هو القرب المكاني الحقيقي ، بل ولا الادعائي التنزيلي ، لوضوح أنّ القرب بين شيئين يتضمن التضايف بحيث أنّ أحدهما إذا  كان قريباً كان الآخر أيضاً كذلك واقعاً أو تنزيلاً .

   ومن البيِّن أ نّه سبحانه قريب من جميع البشر ، بل هو أقرب إلينا من حبل

ــ[10]ــ

وأمّا إذا كان قصده ذلك على وجه المعاوضة من دون أن يكون برجاء إثابته تعالى فيشكل
صحته
(1)، وما ورد من صلاة الاستسقاء وصلاة الحاجة إنّما يصح إذا كان على الوجه الأوّل .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الوريد ، وكل شيء حاضر عنده حضوراً ذاتياً ، بيد أنّ البعض منّا بعيد عنه لكونه غريقاً في الذنوب والخطايا المستوجب لعدم توجهه والتفاته إليه ، فهو قريب من عباده تنزيلاً ، وهم بعيدون عنه .

   بل المراد من القرب الذي يتوخّاه العبد في عبادته هو طلب الحضور بين يدي الرب والشهود عنده بحيث كأ نّه يراه ويشاهده شهوداً قلبياً لا بصرياً . ويستفاد من كثير من الأدعية والروايات أنّ الغاية القصوى من العبادات هو لقاء الله تعالى ، والوصول إلى هذه المرتبة التي هي أرقى المراتب التي يمكن أن يصل إليها الانسان ، وربما يتفق الوصول إليها بعد التدريب ومجاهدة النفس والتضلّع في العبادة المستتبعة ـ بعد إزالة الملكات الخبيثة ـ لصفاء القلب وقابليته لمشاهدة الرب والسير إليه ، فيروم العابد بعبادته النيل إلى هذه المرتبة التي هي المراد من التقرب منه تعالى .

   (1) بل لا ينبغي التأمل في البطلان ، ضرورة أنّ الثواب أو دفع العقاب لا يترتّبان على ذات العمل لكي تصح المعاوضة والمبادلة بينهما ، بل على العمل المتصف بالعبادية والصادر بقصد الامتثال والطاعة ، فلو صلى ليدخل الجنة بطلت ، إذ ليس لذات العمل هذا الأثر ، بل المأتي به مضافاً إلى المولى . ومجرد قصد دخول الجنة لا يحقِّق الاضافة كما هو واضح ، وإنما يتجه لو كان على سبيل الداعي على الداعي .

   وهكذا ما ورد في صلاة الاستسقاء أو الحاجة أو صلاة الليل ، من الخواص والآثار من طلب الرزق ونحوه ، فانّها لا تترتب على ذات الصلاة ، بل المأتي بها

ــ[11]ــ

   [ 1414 ] مسألة 1 : يجب تعيين العمل إذا كان ما عليه فعلاً متعدِّداً ولكن يكفي التعيين الاجمـالي كأن ينوي ما وجب عليه أوّلاً من الصلاتين مثلاً ، أو ينوي ما اشتغلت ذمّته به أوّلاً أو ثانياً ، ولا يجب مع الاتحاد(1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بصفة العبادة ، فلا يصح قصدها إلاّ على النحو الذي عرفت .

   وبالجملة :  الغايات المتقدمة من الثواب أو دفع العقاب أو شكر النعمة كلها غايات للامتثال ومن قبيل الداعي على الداعي ، لا يكاد يترتّب شيء منها إلاّ بعد اتصاف العمل بالعبادية ، والاتيان به بهذا العـنوان ، فبدونه ولو كان بنيّـة صالحة كالتعليم فضلاً عن الرياء لا أثر له بوجه ، فلو صلى أحد لا لكماله الذاتي ، ولا لحبّه الناشئ من نعمه ، ولا بداعي التقرب وإدراكه لذة الاُنس ، بل لأمر آخر دنيوي أو اُخروي ، لم يترتب عليه أيّ أثر ، بل لا بدّ وأن تكون ثمّة واسطة بين العمل وبين تلك الغاية، وهي الاضافة إلى المولى على سبيل العبودية حسبما عرفت .

   (1) قد يكون الثابت في الذمة تكليفاً واحداً ، وقد يكون متعدداً .

   فالأوّل :  كما في صيام شهر رمضان حيث لا يصلح هذا الزمان لغير هذا النوع من الصيام ، فيكفي فيه الاتيان بذات العمل مع قصد الأمر ، فلو نوى في المثال صوم الغد متقرّباً كفى ولا حاجة إلى التعيين ، بعد أن كان متعيناً في نفسه وغير صالح للاشتراك مع غيره ليفتقر إلى التمييز والتشخيص ، وهذا ظاهر .

وأمّا الثاني :  كما في صلاتي الظهر والعصر ، فبما أنّ إحداهما تغاير الاُخرى ثبوتاً ـ وإن اشتركتا في جميع الخصوصيات إثباتاً ـ كما يكشف عن هذه المغايرة قـوله (عليه السلام) : « ...  إلاّ أنّ هذه قبل هذه ... » (1) إلخ الدال على اعتبار

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 126 /  أبواب المواقيت ب 4 ح 5 .

ــ[12]ــ

الترتيب ، وإلاّ لم يكن مجال للاستثناء ، لوضوح أنّ كل من يأتي بثمان ركعات فبطبيعة الحال تكون الأربع الاُولى قبل الأربع الثانية ، كما أنّ الركعة الاُولى قبل الثانية ، وهي قبل الثالثة وهكذا ، فلو لم يكن تغاير وتباين ذاتي بينهما لم يكن وقع لهذا الكلام .

   وأيضاً يكشف عنها: النصوص الواردة في العدول من اللاحقة إلى السابقة(1) كما لا يخفى .

      فلا جرم لزم المتصدي للامتثال مراعاة عنوان العمل وقصد تعيينه مقدّمة لتحقيقه وامتثال أمره ، فلو نوى ذات الأربع ركعات ولو متقرّباً من غير قصد عنوان الظهر ولا العصر بطل ولم يقع امتثالاً لشيء منهما .

   وبعبارة اُخرى :  إنّما يكتفى بقصد الأمر فيما إذا كان متعلقه ذات العمل ، وأمّا إذا كان متعلقه العنوان كالظهرية لم يكن بدّ من قصده ، وإلاّ لم يكن المأتي به مصداقاً للمأمور به .

   ومن هذا القبيل فريضة الفجر ونافلته ، حيث استكشفنا من اختلاف الآثار الّتي منها عدم جواز الاتيان بالنافلة لدى ضيق الوقت ، أنّ لكل منهما عنواناً خاصّاً ، فلو أتى بذات الركعتين من غير قصد شيء من العنوانين بط