ــ[21]ــ

   وبعبارة اُخرى : الوصف مشعر بالعلية ، دون العلية المنحصرة التي هي مناط الدلالة على المفهوم الاصطلاحي كما في أداة الشرط .

   وعليه فغاية ما يستفاد من التقييد بالفريضة في الصحيحة عدم اعتبار الاستقبال في الصلاة على إطلاقها ، وأن هذه الطبيعة أينما سرت ليست موضوعاً للحكم ، ويكفي في صدق ذلك عدم اعتباره في النافلة حال السير كما دلت عليه الأدلة الخاصة على ما سيجيء إن شاء الله تعالى(1) وأن عدم ثبوت الحكم في حصة اُخرى من الطبيعة ـ وهي النافلة حال الاستقرار الذي هو محل الكلام ـ فليس ذلك مستفاداً من مفهوم الوصف كما عرفت .

   ومن الغريب أن المحقق الهمداني (قدس سره) مع عدم التزامه بمفهوم الوصف رأساً كيف استدلّ بهذه الصحيحة في المقام .

   ثانيها : ما رواه ابن إدريس في آخر السرائر نقلاً من كتاب الجامع للبزنطي صاحب الرضا (عليه السلام) قال : «سألته عن الرجل يلتفت في صلاته هل يقطع ذلك صلاته ؟ قال : اذا كانت الفريضة والتفت إلى خلفه فقد قطع صلاته فيعيد ما صلى ولا يعتد به ، وان كانت نافلة لا يقطع ذلك صلاته ولكن لا يعود»(2) ورواه الحميري في قرب الإسناد عن عبدالله بن الحسن عن جده علي ابن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام)(3) .

   وهذه الرواية المروية بطريقين وان كانت ضعيفة بالطريق الثاني ، لمكان عبدالله بن الحسن ، لكنها موثقة بالطريق الأول ، ولا يقدح(4) فيه جهالة طريق ابن إدريس إلى كتاب الجامع ، لما هو المعلوم من مسلكه من إنكاره حجية الخبر الواحد وانه لا يعتمد الا على الخبر المتواتر أو ما في حكمه مما يورث

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في المقام الثاني .

(2) الوسائل 7 : 246 / أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 8 ، السرائر 3 : 572 .

(3) قرب الإسناد : 210 / 820 .

(4) ولكنّه (قدس سره) بنى أخيراً على القدح .

ــ[22]ــ

القطع بالصدور فيظهر أنّ الكتاب واصل اليه بالتواتر أو ما في حكمه . فالرواية صحيحة السند لكنها قاصرة الدلالة ، لعين ما مرّ في الصحيحة السابقة من المناقشة الاُولى ، أعني ورودها في الالتفات في الأثناء إلى الخلف أو اليمين أو اليسار ، لا في اعتبار أصل الاستقبال الذي هو محل الكلام .

   ثالثها : ما رواه العياشي في تفسيره عن زرارة قال «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : الصلاة في السفر في السفينة والمحمل سواء ؟ قال : النافلة كلّها سواء ، تومئ إيماءً أينما توجهت دابّتك ـ إلى أن قال ـ قلت : فأتوجه نحوها في كلّ تكبيرة ؟ قال : أمّا النافلة فلا ، إنّما تكبّر على غير القبلة الله أكبر ، ثم قال : كلّ ذلك قبلة للمتنفّل (أَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ)»(1) فان موردها وإن كان الصلاة في خصوص السفر ، إلا أنّه يستفاد من قوله (عليه السلام) في الذيل : «كل ذلك قبلة للمتنفل» مستشهداً بالآية المباركة ـ الذي هو بمنزلة التعليل لما تقدمه ـ إرادة تطبيق كبرى كلية على المقام من دون خصوصية للمورد ، وأن قبلة المتنفل على الإطلاق إنما هي حيث ما توجه ، والتنفّل في السفر من مصاديق تلك الكبرى ، وإلا فالحكم يعم المسافر والحاضر حال السير والاستقرار .

   والإنصاف : أنّ الرواية قوية الدلالة ، فيصح الاستدلال بها لولا أنّها ضعيفة السند ، فانّ الروايات التى تضمنها تفسير العياشي بأجمعها مرسلة ، نشأ ذلك من حذف المستنسخ أسانيد الحديث روماً للاختصار ، زعماً منه أنّه خدمة ، غافلاً عما يترتب عليه من إسقاط تلك الروايات برمتها عن درجة الاعتبار ، سامحه الله وغفر له .

   وقد تحصّل من جميع ما تقدم : أنّ الأقوى اعتبار الاستقبال في النافلة حال الاستقرار ، لتمامية المقتضي وعمدته صحيحة زرارة : «لا صلاة إلا إلى القبلة»(2) وعدم وجود المانع كما عرفت .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 324 / أبواب القبلة ب 13 ح 17 ، تفسير العياشي 2 : 56 / 81 .

(2) الوسائل 4 : 312 / أبواب القبلة ب 9 ح 2.

ــ[23]ــ

لا في حال المشي والركوب (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) المقام الثاني : في اعتبار الاستقبال في النافلة حال السير وعدمه . والكلام يقع تارة في التنفل حال المشي ، واُخرى حال الركوب ، وعلى التقديرين فقد يكون في السفر ، واُخرى في الحضر ، فهنا مسائل أربع :

   المسألة الاُولى : في التنفل في السفر حال الركوب ، ولا خلاف في سقوط اعتبار الاستقبال حينئذ ، بل تسالم عليه الأصحاب ، وعن غير واحد دعوى الإجماع عليه .

   وتدلّ عليه جملة وافرة من النصوص ، بل متواترة ، وفيها الصحاح وغيرها ولنقتصر على ذكر الصحاح .

   فمنها : صحيحة محمد بن مسلم قال «قال لي أبوجعفر (عليه السلام) : صلّ صلاة الليل والوتر والركعتين في المحمل»(1) .

   ومنها : صحيحة الحلبي : «أنه سأل أباعبدالله (عليه السلام) عن صلاة النافلة على البعير والدابة ، فقال : نعم ، حيث كان متوجهاً ، وكذلك فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله)»(2) .

   وروى الكليني عن محمد بن سنان مثله مع زيادة قوله «قلت : على البعير والدابة ؟ قال : نعم حيث ما كنت متوجهاً ، قلت : أستقبل القبلة إذا أردت التكبير ؟ قال : لا ، ولكن تكبّر حيث ما كنت متوجهاً ، وكذلك فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله)»(3) . لكن الطريق الثاني ضعيف بمحمد بن سنان ، فالعبرة إنما هو بالطريق الأول الذي رواه الشيخ عن الحلبي ، ومحمد بن سنان وإن كان مذكوراً في هذا الطريق أيضاً لكن الراوي جماعة هو أحدهم ، والعبرة بغيره فلاحظ .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 329 / أبواب القبلة ب 15 ح 5 .

(2) الوسائل 4 : 329 / أبواب القبلة ب 15 ح 6 ، التهذيب 3 : 228 / 581 .

(3) الوسائل 4 : 330 / أبواب القبلة ب 15 ح 7 ، الكافي 3 : 440 / 5 .

ــ[24]ــ

   ومنها : موثقة سماعة قال : «سألته عن الصلاة في السفر ـ إلى أن قال : ـ وليتطوّع بالليل ما شاء إن كان نازلاً ، وإن كان راكباً فليصلّ على دابته وهو راكب ، ولتكن صلاته إيماءً ، وليكن رأسه حيث يريد السجود أخفض من ركوعه»(1) .

   ومنها : صحيحة يعقوب بن شعيب قال : «سألت أباعبدالله (عليه السلام) عن الرجل يصلي على راحلته ، قال : يومئ إيماءً ، يجعل السجود أخفض من الركوع» الحديث(2) .

   ومنها :صحيحة حماد بن عيسى قال : «سمعت أباعبدالله (عليه السلام) يقول : خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى تبوك فكان يصلّي على راحلته صلاة الليل حيث توجهت به ويومئ
إيماءً»
(3) إلى غير ذلك من الأخبار ، وهي كما ترى تدلّ على عدم اعتبار الاستقبال إما صريحاً ، أو أنّ ذلك مفهوم منها فانّ تجويز الصلاة على المحمل أو الدابة أو الراحلة مع جريان العادة بانحرافها عن القبلة بل استدبارها يقضي بعدم الاعتبار كما لا يخفى .

   ثم إن مقتضى الإطلاق في هذه الأخبار عدم اعتبار الاستقبال في أيّ جزء من أجزاء الصلاة حتى التكبيرة . لكن قد يظهر من بعضها اعتباره في خصوص هذا الجزء ، وهي صحيحة عبدالرحمن بن أبي نجران قال : «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الصلاة بالليل في السفر في المحمل ، قال : إذا كنت على غير القبلة فاستقبل القبلة ، ثم كبر وصلّ حيث ذهب بك بعيرك ، قلت : جعلت فداك في أول الليل ؟ فقال : إذا خفت الفوت في آخره»(4) .

   وهي وإن كانت معارضة في موردها بما رواه الكليني عن محمد بن سنان

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 331 / أبواب القبلة ب 15 ح 14 .

(2) الوسائل 4 : 332 / أبواب القبلة ب 15 ح 15 .

(3) الوسائل 4 : 333 / أبواب القبلة ب 15 ح 20 .

(4) الوسائل 4 : 331 / أبواب القبلة ب 15 ح 13 .

ــ[25]ــ

المتضمن لعدم اعتبار الاستقبال حتى في التكبير ، المتقدم نقله آنفاً ، لكن هذه ضعيفة السند بمحمد بن سنان كما عرفت فلا تصلح لمعارضة الصحيحة . وقد عرفت أنّ الرواية بعينها نقلها الشيخ عن الحلبي خالية عن هذه الزيادة .

   وعليه مقتضى القاعدة لزوم الأخذ بهذه الصحيحة السليمة عن المعارض وتقييد المطلقات بها ، عملاً بصناعة الإطلاق والتقييد .

   لكنّا مع ذلك لا نلتزم بذلك ، ونحمل الصحيحة على الأفضلية .

   أما أوّلاً : فلخلوّ هاتيك الأخبار على كثرتها ـ وهي في مقام البيان ـ عن التعرض لهذا القيد ، سيما وفي بعضها حكاية فعل النبي (صلى الله عليه وآله) فلو كان الاستقبال معتبراً حال التكبير لزم التنبيه عليه كما لا يخفى ، وليجعل هذا تأييداً للمطلوب . والعمدة هو الوجه الثاني .

   وثانياً : أنّ قانون حمل المطلق على المقيد مختص بالواجبات ولا يشمل المستحبات كما تقرر في الاُصول(1) . ولعله لهذا كانت المسألة متسالماً عليها ، ولم يقل أحد باعتبار الاستقبال حال التكبير .

   المسالة الثانية : في التنفّل في السفر حال المشي ، وهنا أيضاً لا خلاف في عدم اعتبار الاستقبال ، وقد ادعي عليه الإجماع ، وتشهد له طائفة من الأخبار .

   عمدتها صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : لا بأس بأن يصلّي الرجل صلاة الليل في السفر وهو يمشي ، ولا بأس إن فاتته صلاة الليل أن يقضيها بالنهار وهو يمشي ، يتوجه إلى القبلة ثم يمشي ويقرأ ، فاذا أراد أن يركع حوّل وجهه إلى القبلة وركع وسجد ثم مشى»(2).

   ونحوها صحيحة يعقوب بن شعيب قال : «سالت أباعبدالله (عليه السلام)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في اُصول الفقه 5 : 381 .

(2) الوسائل 4 : 334 / أبواب القبلة ب 16 ح 1 .

ــ[26]ــ

عن الصلاة في السفر وأنا أمشي ، قال : أوم إيماءً واجعل السجود أخفض من الركوع»(1) .

   وصحيحته الاُخرى ، قال : «سألت أباعبدالله (عليه السلام) عن الرجل يصلّي على راحلته ـ إلى أن قال ـ قلت : يصلّي وهو يمشي ؟ قال : نعم ، يومئ إيماءً ، وليجعل السجود أخفض من الركوع»(2) فانّ تجويز الصلاة في السفر حال المشي مع استلزامه الانحراف عن القبلة عادة يقضي بعدم اعتبار الاستقبال في هذا الحال ، ومن الواضح أنّ إطلاق الصحيحة الأخيرة شامل لحال السفر ، بل هو المتيقّن منه كما لا يخفى .

   نعم ، مقتضى صحيحة ابن عمار لزوم الإتيان بالركوع والسجود مراعياً للقبلة ، لكنّها محمولة على الأفضلية ، بقرينة الصحيحتين الأخيرتين الصريحتين في عدم وجوب الركوع والسجود وكفاية الإيماء إليهما بعد حمل الأمر به فيهما ـ لمكان وقوعه موقع توهم الحظر ـ على الجواز . فيستفاد من مجموع ذلك جواز ترك الركوع والسجود والاقتصار على الإيماء حال المشي ، وإن كان الأفضل أن يقف فيركع ويسجد مع مراعاة الاستقبال حينئذ لكونه في حال الاستقرار .

   بقي شيء : وهو أنّك قد عرفت ـ في المسألة السابقة ـ سقوط الاستقبال في السفر حال الركوب بالأدلّة الخاصة ، وهل مقتضاها سقوط الاستقبال رأساً فيجوز التنفل إلى أي جهة شاء ، ولو إلى يمين الدابة أو يسارها أو خلفها كما لو ركبها مقلوباً أو على أحد جانبيها ، أو يجب استقبال الجهة التي تتوجه إليها الدابة فتكون القبلة في حقّه حينئذ رأس الدابة ، ولا يجوز الاتجاه نحو سائر الأطراف ؟

   المعروف بين المتأخرين هو الأول ، لعدم الدليل على الثاني ، والأدلة الخاصة لا تقتضيه ، بل مفادها إلغاء اعتبار الاستقبال في هذا الحال على الإطلاق ، ومع الشك فالأصل البراءة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ، (2) الوسائل 4 : 335 / أبواب القبلة ب 16 ح 3 ، 4 .

ــ[27]ــ

   لكن الظاهر هو الثاني ، لظهور قوله (عليه السلام) في تلك الأخبار : «حيث ذهب بعيرك»(1) و«حيث كان متوجهاً»(2) ونحو ذلك في وجوب استقبال الجهة التي تتوجه اليها الدابة(3) وعدم جواز الانحراف عنها ، فكأن ما تتوجه اليه الدابة هي القبلة الثانوية في حقه ، ولا موجب لرفع اليد عن هذا الظهور ، مضافاً إلى التصريح به في صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : «في الرجل يصلّي النوافل في السفينة ، قال : يصلي نحو رأسها»(4) ، وعليه فلا مجال للرجوع إلى أصالة البراءة كما لا يخفى .

   المسألة الثالثة والرابعة : في التنفّل في الحضر راكباً أو ماشياً . والمشهور هو سقوط الاستقبال حينئذ ، خلافاً للمحكي عن ابن ابي عقيل فذهب إلى اعتباره في الحضر مطلقاً ، أي في حالتي السير وعدمه(5) وتبعه جماعة .

   والأقوى ما عليه المشهور لجملة من النصوص :

   منها : صحيحة حماد بن عثمان عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) : «في الرجل يصلّي النافلة وهو على دابته في الأمصار ، فقال : لا بأس»(6) فانّ الظاهر منها أنّ النظر في السؤال إنّما هو من حيث الاستقبال لا أصل الصلاة على الدابة ، فكأنّه سأل عن أنّ الصلاة على الدابة إلى غير القبلة التي هي مشروعة في السفر هل هي كذلك في المصر والحضر فأجاب (عليه السلام) باشتراكهما في الحكم ، سيما بعد ملاحظة تعذر الاستقبال في الحضر حال السير غالباً ، لاشتمال البلد على الازقّة والطرق الضيقة فتنحرف الدابة عن القبلة لا محالة .

   ومنها : صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج : «أنه سأل أباعبدالله (عليه السلام)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في صحيحة عبدالرحمن بن أبي نجران المتقدمة في ص 24 .

(2) في صحيحة الحلبي المتقدمة في ص 23 .

(3) لا يبعد القول بأنّ الأمر واقع موقع توهّم الحظر ، ومثله لا يدلّ على الوجوب .

(4) الوسائل 4 : 320 / أبواب القبلة ب 13 ح 2 .

(5) حكاه عنه في المختلف 2 : 90 .

(6) الوسائل 4 : 330 / أبواب القبلة ب 15 ح 10 .

ــ[28]ــ

عن الرجل يصلي النوافل في الأمصار وهو على دابته حيث ما توجهت به ، قال : لا بأس»(1) .

   وصحيحته الاُخرى عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : «سألته عن صلاة النافلة في الحضر على ظهر الدابة إذا خرجت قريباً من أبيات الكوفة أو كنت مستعجلاً بالكوفة ، فقال : إن كنت مستعجلاً لا تقدر على النزول وتخوفت فوت ذلك إن تركته وأنت راكب فنعم ، وإلا فانّ صلاتك على الأرض أحب إليّ»(2) . وهي كسابقتها صريحة في الجواز ، وإن دلت الأخيرة على أنّ النزول أفضل ، هذا .

   مضافاً إلى الإطلاق في جملة من الأخبار ـ التي تقدمت في المسألة الاُولى(3) من حيث السفر والحضر ، فان الركوب على الدابة أو البعير في الحضر لمكان المرض أو الوجاهة أو جهات اُخر أمر شائع متعارف فيشمله الإطلاق ، وإن كان ذلك في السفر أكثر ، هذا كلّه في التنفّل راكباً حال الحضر .

   وأمّا ماشياً فلم يرد فيه نص في الحضر بالخصوص ، لكن يكفي فيه الإطلاق في صحيح يعقوب بن شعيب ، الوارد في من يصلّي على الراحلة ، قال «قلت : يصلّي وهو يمشي ؟ قال : نعم ، يومئ إيماءً وليجعل السجود أخفض من الركوع»(4) فانه يشمل حالتي السفر والحضر كما لا يخفى .

   وبالجملة : فبمقتضى هذه النصوص يحكم بثبوت الحكم في السفر والحضر مع الركوب والمشي .

   فما عن ابن أبي عقيل من اعتبار الاستقبال حال الحضر مطلقاً لا نعرف له وجهاً عدا التقييد بالسفر في بعض النصوص المتقدمة ، وما ورد في عدة من الروايات الواردة في تفسير قوله تعالى : (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) من أنّها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 328 / أبواب القبلة ب 15 ح 1 .

(2) الوسائل 4 : 331 / أبواب القبلة ب 15 ح 12 .

(3) في ص 23 .

(4) الوسائل 4 : 335 / أبواب القبلة ب 16 ح 4 .

ــ[29]ــ

   ولا يجب فيها الاستقرار والاستقبال وإن صارت واجبة بالعرض بنذر ونحوه (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نزلت في النافلة في السفر خاصة(1) .

   وكلاهما ليسا بشيء أمّا الأول فلعدم دلالة الوصف على المفهوم ، سيما في القيد الجاري مجرى الغالب كما في المقام ، فانّ الحاجة إلى التنفل راكباً أو ماشياً لا يتفق غالباً إلا في السفر كما لا يخفى .

   واما الثاني فلأنّ تلك الروايات تعرّضت لبيان مورد نزول الآية لا لتخصيص الحكم به ، فلا مانع من التمسك باطلاقه ، لعدم كون المورد مخصصاً . على أنها ليست بروايات كثيرة ، وإنّما هي ثلاث أو أربع ذكرها العياشي في تفسيره(2) والطبرسي في مجمع البيان(3) والشيخ في النهاية(4) وكلها مراسيل ، فلا يمكن الاعتماد عليها في قبال الصحاح المتقدمة .

   (1) قد عرفت اعتبار الاستقبال في الفرائض ، فهل يختص ذلك بما كانت فريضة في الأصل وبحسب الجعل الأوّلي أو يعم ما لو صارت فريضة ولو لعارض وبعنوان ثانوي بنذر ونحوه ، فلو نذر الإتيان بصلاة الليل مثلاً صحيحة من دون التقييد بالاستقرار أو بحال السفر راكباً أو ماشياً ـ وإلا فيتبع قصد الناذر وهو خارج عن محل الكلام كما لا يخفى ـ فهل يجوز الإتيان بها في السفر ماشياً أو راكباً بلا رعاية الاستقبال ، نظراً إلى كونها نافلة في الأصل وإن عرضها الوجوب ، فيشملها إطلاق ما دلّ على سقوط الاستقبال في النافلة في هذا الحال ، أو يجب أن يصليها مع الاستقرار والاستقبال باعتبار وجوبها بالفعل فتندرج في عنوان الفرائض المعتبر فيها ذلك ؟ فيه خلاف بين الأعلام .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 332 / أبواب القبلة ب 15 ح 18 ، 19 ، 23 .

(2) تفسير العياشي 1 : 56 / 80 .

(3) مجمع البيان 1 : 421 .

(4) النهاية : 64 .

ــ[30]ــ

   والأقوى هو الأوّل ، لانصراف مادلّ على اعتبار الاستقبال في الفريضة إلى الفرائض الأصلية ، أي ما فرضه الله تعالى على العباد بحسب التشريع الأوّلي لا ما فرضه المكلّف على نفسه بنذر ونحوه ، فانّ ذلك خارج عن منصرف تلك الأدلّة وما ينسبق منها إلى الذهن كما لا يخفى .

   وعليه فلا تصل النوبة إلى المعارضة بين تلك الأدلّة وبين ما دلّ على سقوط الاستقبال في النوافل التي تكون النسبة بينهما العموم من وجه ، لشمول الاُولى للفرائض الذاتية والعرضية والثانية للنافلة المنذورة وغيرها حتى يرجع في مادة الاجتماع ـ وهي النافلة المنذورة ـ بعد تساقط الدليلين بالمعارضة إلى العام الفوق وهو قوله (عليه السلام) : «لا صلاة إلا إلى القبلة»(1) فيحكم فيها بوجوب الاستقبال لما عرفت من عدم الإطلاق في أدلة الفرائض ، فيرجع إلى إطلاق أدلة النوافل السليمة عن المعارض .

   ويؤكد ذلك ما ورد في بعض الروايات المتقدمة من إتيان النبي (صلى الله عليه وآله) بصلاة الليل وهو على راحلته مع أنها واجبة عليه بالخصوص .

   نعم ، مع الغض عما ذكرناه من الانصراف وتسليم الإطلاق في أدلّة الفرائض كالنوافل واستقرار المعارضة بينهما تعين الرجوع حينئذ إلى عموم قوله (عليه السلام) : «لا صلاة إلا إلى القبلة» لعدم المخرج عنه في المقام عدا ما يتوهم من خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال : «سألته عن رجل جعل لله عليه أن يصلّي كذا وكذا هل يجزئه أن يصلّي ذلك على دابته وهو مسافر ؟ قال : نعم»(2) .

   لكن الخبر ضعيف السند ، لاشتماله على محمد بن أحمد العلوي ولم يوثق ، فلا يمكن الاعتماد عليه في الخروج عن العام المزبور .

   وقد حاول جمع من الأفاضل وعمدتهم الوحيد البهبهاني في حاشية

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 312 / أبواب القبلة ب 9 ح 2 .

(2) الوسائل 4 : 326 / أبواب القبلة ب 14 ح 6 .

ــ[31]ــ

المدارك(1) لتوثيق الرجل بذكر وجوه كلها مزيّفة :

   الأوّل : رواية جملة من الأجلاء عنه ، فلولا وثاقته بنظرهم لم يكن مجال لروايتهم عنه .

   وهذا واضح الفساد ، فانّ رواية الأجلاء عن أحد لا تدلّ على توثيقه بوجه كما تقدم في مطاوي هذا الشرح غير مرة . وهذا الكليني وهو من أعاظم الأجلاء يروي في الكافي عن الضعفاء كثيراً ، ونحوه غيره . والسرّ أنّ شأن الراوي ليس إلا نقل الحديث عن كل من سمعه ثقة كان أم غيره ، ولا فرق في ذلك بين الأجلاء وغيرهم ، إذ هم في مقام الرواية ليسوا إلا كأحد الرواة ينقلون كلّ ما وصل اليهم من الأخبار .

   الثاني : أنّ العلامة قد صحح الحديث المشتمل سنده على هذا الرجل في المختلف والمنتهى .

   وفيه أولاً : أنّه لا عبرة بتوثيقات العلامة ، لابتنائها على الاجتهاد والحدس دون الحس .